السلام بعيد المنال –  جو كلين / ترجمة: سهى فارع

السلام بعيد المنال – جو كلين / ترجمة: سهى فارع

21965079كتاب “13 يوما من سبتمبر” – لورانس رايت

اختير هذا الكتاب كأفضل كتاب من بين أفضل عشرة كتب لعام 2014  قامت مجلة نيويورك تايمز بمراجعتها


دخل 11 مقاتل فلسطيني في الحادي عشر من شهر مارس عام 1978 شاطئ يقع شمال تل أبيب باستخدام قوارب زودياك وقاموا بقتل أكبر عدد ممكن من الاسرائليين باستخدام البنادق والقنابل اليدوية وقتل إثر ذلك 38 شخصًا من ضمنهم 13 طفلا كما أنهم قاموا باختطاف سيارة تاكسي وحافلتين، و كان الرد الاسرائيلي على تلك المجزرة أنها بمثابة استفزاز للحكومة الاسرائيلية، وبعدها بثلاثة أيام غزت اسرائيل جنوب لبنان والتي كانت تسيطر عليها منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات أما في الوقت الحالي وكما قال مناحيم بيغن رئيس الوزراء الاسرائيلي “لن يتمتع هؤلاء الذين يقتلون اليهود في وقتنا الحالي بالحصانة” وقد كان العالم مكانًا مفزعًا بوجود الرئيس جيمي كارتر فقد قتل أكثر من ألف مدني فلسطيني وشرّد أكثر من مائة ألف مدني، وبعد ذلك حدث غزو آخر، وظلت اسرائيل محتلة أجزاء من جنوب لبنان من 1982 حتى مايو من عام 2000 واللافت للنظر أن ما حدث قديما مشابه لما يحدث الآن في غزة و أن الشرق الأوسط لن يتغير أبدًا

يستثنى من هذا أوقات معينة من حين لآخر. بعد قرابة ستة أشهر من بعد اجتياح جنوب لبنان [عملية الليطاني عام 1978]، بدأ بيغن وأنور السادات رئيس مصر بالتفاوضات حول الوصول إلى اتفاقية سلام بين الدولتين وتحولت العداوة بينهما إلى مجاملة مؤقتة وعقدة المفاوضات بوجود الرئيس كارت خلال 13 يومًا قضوها منعزلين في كامب ديفيد -المنتجع الرئاسي في كاتوكتين ماونتن بارك في ولاية ميريلاند- ولم يكن المشاركون سعداء لقضائهما الأسبوعين معا فقد كان بالكاد بيغن والسادات ينظرون لبعضهم البعض حتى أنهم لم يغنوا أغنية “كومبايا”1، في حين وضعت الصفقة العظيمة التي يسعى لها كارتر والسادات جانباً –الخطة الشاملة للقضاء على الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية– وتم حينها وضع اطار السلام بين مصر واسرائيل خلال الجلسات الماراثونية، الخصم الأساسي في المنطقة، وهو مايمكن تسميتة بالتدخل غير الدبلوماسي وأخيرًا وقعت اتفاقية السلام النهائية بعد الكثير من المساومات في البيت الأبيض يوم 26 مارس عام 1979 وتعتبر اتفاقية السلام بين مصر واسرائيل وذلك بعد 35 سنة مستقرة إلا أنها تضطرب في بعض الأحيان. وتمثل هذه الاتفاقية انجازا دبلوماسيًا عميقا وذلك للتخلص من الصراعات الاسرائيلية العربية.

يعد كتاب 13 يوما من سبتمبر تأليف لورانس رايت من الكتب الرائعة والمستمدة من مصدر غير اعتيادي، وقد بدأ هذا الكتاب كمسرحية تدعى “كامب ديفيد” والذي كتبها رايت بناء على طلب جيرلد رافشون مستشار وسائل الاعلام السابق للرئيس الأمريكي كارتر، وكانت المفاوضات هي العنصر السائد على خشبة المسرح بالإضافة أن المسرحية كانت مليئة بالشخصيات الغريبة المتنوعة والمؤامرة المستمرة بين الطرفين وحس الفكاهة المليئ بالخبث، وعرضت المسرحية في مسرح ستيج ارينا في واشنطن وحققت نجاحًا باهرًا وذلك في فصل الربيع عام 2014 ومع ذلك لم يكن رايت –الصحفي الحائز على جائزة بوليترز وأفضل الكتّاب للقصص غير الخيالية- راضيًا عن ذلك، فقد كانت احداث المسرحية أكثر من كونها دراما مثيرة بل كانت تتعلق بتاريخ المنطقة كما أنها تعد برنامجًا تعليميًا لاستراتيجية التفاوض، وبغض النظر عن مذكرات المشاركين فقد لفتت المسرحية وبشكل ضئيل نسبيًا نظر المؤرخين لها.

أعظم خدمة قدّمها كتاب 13 يوم من سبتمبر هي محتوى الكتاب، فقد وشى رايت في حديث له في برنامج مينت باي مينت عن العلاقات الاسرائيلية المصرية بدءًا من قصة الهجرة الجماعية وكان وصفه دقيقًا ومختصرًا، ومن الجدير بالذكر ادراك رايت بأن السادات وبيغن وكارتر ليسوا بقادة سياسيين ولكنهم نماذج الأرض المقدسة فكما يعتقد كارتر بأنه المسيح المولود من جديد “وهو مؤمن بأن الله أراد منه احلال السلام” في حين أن السادات رجل متدين احضر معه نائب رئيس الوزراء وخبيره الروحاني حسن التهامي الصوفي وسبب احضاره له “أن لديه موهبة إلهية وأنه يستطيع رؤية المجهول”، وصرح التهامي “أن الأحلام النبوية والمحادثات التي يستوحي منها كانت فقط مع الملائكة” في حين اعتقد بقية الوفد المصري بأنه مجنون.

بينما كان مناحيم بيغن علمانيًا متشددًا فقد كانت ديانته اليهودية متنازع عليها إذ أنها مستمدة من التقليد التلمودي ويعتمد على تشكيك القانون من أجل الإلهاء ورفض جميع الاتفاقيات، إلا أن بيغن لديه بعض اللحظات الروحانية، وعندما اقترح كارتر بأن تضع اسرائيل العلم الأردني وجعله يرفرف فوق قبة الصخرة في القدس، كان رد بيغن “مستحيل.. ماذا سيحدث عندما سيأتي المسيح؟” فقد وافق بيغن على المشاركة في المفاوضات لأن ” الرئيس كارتر يعلم بالإنجيل عن ظهر غيب ويعلم لمن الحق بامتلاك هذه الأرض”.

لدى رايت مقاييس للنزاهة والدهاء والتي حكمت على بيغن أنه شخصية عاطفية، فهو ليس بأنيق ولا فصيح اللسان كما أنه لا يبتسم ولكن هناك نزاهة وذكاء في اصراره وعزيمته، فهو ارهابي سابق يعتقد بأن غزة والضفة الجنوبية وشبه الجزيرة سيناء أجزاء لا تتجزأ من اسرائيل، وهو يعلم بأنه سيتنازل عن سيناء ولكنه رفض التنازل عن المستعمرات اليهودية هناك، فكانت تلك القضية الأساسية في المفاوضات والتي قام بحلها بذكاء الاسرائيلي موشيه ديان وذلك عند اقتراحه بتوجيه القرار واصداره من البرلمان الاسرائيلي الكنيست، وافق كارتر على ذلك وحصل على تعهد شخصي من بيغن أنه لن يشن حملة ضد الاقتراح.

وفي نهاية الأمر تعد اتفاقية كامب ديفييد انتصارًا للرئيس الأمريكي كارتر على الرغم من أنها ليست بأفضل اتفاقية، وبطريقة ما كان كارتر –الأستاذ المحبوب في مدرسة ساندي– دائمًا ما يتملص من السمعة التي يستحقها، فهو يجري نقاشات بعناية فائقة فقد طلب من بيغن والسادات التحدث عن أيامهم كسجناء سياسيين وهذا بالفعل مافعلوه إلا أنه لم يتمكن من تكوين علاقة جيدة بينهما، فطلب منهم لبس ملابس غير رسمية أثناء المفاوضات -بيغن رفض ذلك- كما لو أن التصرف بغير رسمية بمقدورها تكوين علاقة حميمة، كما أنه لم يكن يتحدث بفصاحة وبلاغة أثناء المفاوضات وكان كلامه فيه نوعًا من السحر إذ كان يتمتع بالذكاء وكان مفاوضًا عنيدًا إلا أنه كان معتدًا بنفسه ولكنه يفتقر لحس المتعة، ونجد أنه أثناء المفاوضات قد خاطر برئاسته ومنصبه وبغض النظر عن محاولت بيغن والسادات عن المضي قدما وعدم اكمال المفاوضات إلا أنه تمكن بطريقة ما من إدارة الوضع بينهما أثناء 13 يوماً، وكان يتلقى كارتر لمشادات كلامية من كلا الطرفين فضطر لتهديدهما بأنهما سيخسران المساعدات الأمريكية وستنتهي الصداقة بين دولهم.

كما أنه باستطاعته الترفع عن الفوضى عندما تحدث ويقوم بتغير الأساليب المستخدمة، فعندما وصل إلى منتجع كامب ديفيد كان يتوقع بأنه سيكون ميسّرا للأمور ولكن بحلول اليوم الخامس أدرك بأن عليه تولي زمام الأمور فاقترح عليهما خطة سلام أمريكية مفصلة والتي أصبحت بنهاية المطاف النموذج النهائي للإتفاقية (بالنسبة لباراك أوباما فقد كان شديد الحرص فلم يكن يريد عرض خطة أمريكا المفصلة ولم يكن يريد دعوة رئيسا اسرائيل وفلسطين إلى منتجع كامب ديفيد).

ختامًا يريد رايت بتذكيرنا بأن اتفاقية كامب ديفيد كانت حركة لتخطي الشجاعة السياسية، فقد ترك كارتر كل شيء لمدة أسبوعان وأخذ وقتًا طويلاً في التفكير من أجل احلال السلام في وقت كان معدل التضخم في البلاد مرتفع وكان هناك تباطئ في معدل النمو الاقتصادي وارتفاع أسعار الغاز وثورة حقيقية في إيران، إلا أنه في نهاية المطاف فاز كارتر بالمعاهدة ولكنه مقابل ذلك خسر منصبه الرئاسي وذلك بسبب لوم الشعب الأمريكي له، حيث أنه لم يستعرض الأمور التي يهتمون بها، في حين كانت أفعال كارتر ونتائجها بعيدة المدى ولكن بسبب عزة نفسه لم يتحدث عن شيء، والآن وبعد مسيرة 35 سنة من التذمر ولكن باحلال فعلي للسلام يريد لورانس رايت بنسب الفضل للرئيس جيمي كارتر لجميع الأرواح الذي أنقذها بسبب الهامه الدبلوماسي.

 

 


المصدر

1)كومبايا: أغنية بسيطة يدعو فيها الله لمساعدة المحتاجين.