السرد الواقعي ومشروع التحديث في أدب المغرب (البدايات) – أحمد المديني

السرد الواقعي ومشروع التحديث في أدب المغرب (البدايات) – أحمد المديني

مجلة الجابري – العدد الثاني


1 ـ المكونات التحديثية للأدب المغربي

1.1 من نافل القول التصريح بأن البحث في الرؤية الواقعية للأدب السردي بالمغرب لا يمكن إلا أن يرتبط بأوثق الصلات بالـهيئة العامة للأدب المغربي، وكذا بالعناصر الرئيسية المكونة لمساره ولاختياراته الثقافية والجمالية. وإذا كان السياق السوسيوـتاريخي يلعب أحد أكبر الأدوار في عملية التشكيل والتأثير في تبلور الإنتاج الأدبي، وخاصة من حيث الجانبين المضموني والدلالي العامين، فإنه لا يعد كافيا أو مشبعا لتعليق كل الاهتمـام عليه باعتبار الظاهرة الإبداعية متوفرة على مرتكزات وعوامل خصوصية وبالغة الأهمية بدورها. وهو ما يدفعنا لإيلاء الأهمية الأولى لها تاركين للقارئ التماس عناصر السياق المذكور في مظان أخرى لمن يحرص على بلوغها، علما بأننا أفردنا لها فصلا كاملا وموسعا في المخطوطة الأصلية لهذا البحث*. وسبق أن نبهنا في المقدمة إلى أننا مضطرون إلى القفز عليها لسبب سلفت الإشارة إليه.

وعليه، فبما أن الكتابة السردية تقع في مركز الإنتاج الأدبي المغربي فإننا نعتبر بأن حفرا يظهر للسطح الملامح الكبرى لهذا الإنتاج لمن شأنه أن يسمح بقياس المكانة المشغولة من جانب التجربة القصصية ـ الروائية وتقويم مقدار إسهامها في بلورة سمات وخطاب الأدب الحديث والتحديثي. أضـف إلى هذا أن في ذلك ما يساعد على معرفة أفضل بأدب عانى ويعـاني من التجاهل، وليست الأبحاث المختصة بميادينه إلا بنت وقت قريب1.

لذا نرى من الضروري إعادة النظر في العناصر المكونة لأدبنا، وإخضاع هذا الأدب لتأمل يهدف إلى الكشف الأوضح عن مرجعياته وبنياته، ولأبعاده، وكذلك لمساءلته بغية تشخيص هويته الحقيقية المتجاورة لمجرد معاينة وجوده. في هذا الاتجاه يصبح الكـلام عن الأدب المغربي الحديث بمثابة النظر إليه ككيان نصي ينتمي إلى فلك التحديث، أي إلى أفـق جديد للكتابة مع كل ما ينطوي عليه هذا الوضع ويستلزمه من قطائع وتخطيات بالقياس إلى قواعد ومفاهيم جاهزة مسبقا. وبالفعل، فإن نزعة التحديث في الأدب المغربي، في موضوع الأعمال المكونة له تستحق أعمق التحليل ولا يمكن اعتبارها أمرا مفروغا منه اعتمادا على ما تراكم من نصوص خلال العقود الثلاثة الأخيرة في الأقل. فمن المشاكل النظرية المطروحة بحدة، بالنسبة لدراسة الأدب العربي الحديث والمعاصر، إسقاط النظرة التحديثية سلفا على كل إبداع يستلهم ضوابط ومقولات الأجناس الأدبية الحديثة أو المشترطة بها نسبيا. إن الشكل الحديث، أو بالأحرى محاكاة هذا الشكل يخلق الوهم بكتابة ذات طبيعة مماثلة. ونحن نرى أن اعتقادا من هذا القبيل، تنضم إليه عوامل أخرى لهو مما تسبب في عرقلة نضج وتفتح التجربة الروائية العربية بأفضل السبل. والإنتاج السردي، والأدب المعاصر عموما في المغرب، قابل لكثير من النقاش من هذا الجانب. وفي ما يتصل ببحثنا على الخصوص لا نرى من الممكن في هذه المرحلة تقدير درجة تحقق عناصر ومظاهر التحديث في الكتابة السردية، إذ أنـها مهمة موكـولة إلى مرحلة تحليل المتن، القادرة وحدهـا على توفير هذا الاقتنـاع أو استبعادها. وعلى كل، ودون أي حكم مسبق عن منفذ هذا التحليل، فليـس من التناقض في شيء إذا ما توصلنا في نـهايته إلى استنتاجـات غير حاسمة لا يمكن أن تقلل من أهـمية أدبنا.

2.1 ـ هذا الأدب الذي تزداد الحاجة إلى معرفته من خلال تعرف أعمق على نشأته وشروط تكونه، وهي نفسها التي لا بد أن تحيل على ملامح جوهرية مؤسسة لهذا الأدب، وتسمح في اعتقادنا بفهم التحولات اللاحقة بالتجربة الإبداعية منذ العقد الأربعين.

ـ الوجه أو الملمح الأول للأدب السابق على التحديث هو تبعيته شبه التامة للأدب العربي في العصر الوسيط بالمشرق. لم يكن يختلف عنه في شيء لتضمنه كل الأنواع والأغراض المطروقة فيه وبقواعد الأداء ذاتـها. إن وضع (Statut) الإبداع متماثل في كلا المتنين، والتقاليد الثقافية والأدبية تخضع، أيضا، للمقاييس نفسها. ولقد بلغ التماثل حدا جعـل المحافل الأدبية في المشرق، حين لا تجد مناصا من الاعتراف بوجـود أدب في الجناح الغربي من البلاد العربية، لا ترى فيه أكثر من امتداد للتقاليد السائدة لديها2.

2.2.1 ـ الوجه الثاني يكمن في تكريس تبعية أمست علاقة ملزمة، في جانبيها الثقافي والأدبي، وتضاعفت بمحمول ديني ومعتقدي. لقد نظر الجناح الغربي إلى المشرق دائما كمركز لإشعاع الإسلام، واعتبر كل ما يصدر منه، بالتالي، ذا طابع مقدس. لذا، كان من الصعب تخيل أدب مستقل في المغرب بخصوصياته أو بإمكانه المغامرة في إبداع أو طرائق كتابية من خارج ما هو مألوف مشرقيا. وكمثال لا غبار عليه عن هذه التبعية لا يفوتنا تسجيل خصوصية الأدب العربي في الأندلس. أدب، كما هو معروف3 استطاع، رغم روابطه الوثيقة مع الموروث المشرقي أن ينتج متخيله، ويتوفـر على قاموس وإيقاع شعريين خصوصين، مظهرا بذلك تجربة لها استقلالها الذاتي ونابعة من محيط سوسيو ثقافي ومجال جغرافي مغايرين، من نواحي عدة، عن تلك التي في مركز الخلافة العربية الإسلامية. بينما بقي الأدب المغربي للعصر الوسيط في المغرب، المجاور للمحيط الأندلسي، إما لامباليا بعطاءات هذا المحيط أو متصلا به على حذر، ذلك أن التأثير والافتتـان بكل ما هو قادم من وراء الحدود العربية البعيدة لم يكن يترك أي مكان لينابيع أخرى للاستلهام الثقافي. وليس صدفة أننا وجدنا المحاولات التحديثية للأدب المغربي، منذ مطالع هذا القرن وإلى حدود بدء العقد السبعين، قد جاءت صدى أو مواكبة للتيارات التجديدية في المشرق.

 

2 ـ هيمنة تجربة المشرق
1.2 ـ إن قراءة وفهم الإنتاج الأدبي المغربي ـ والروائي أساس فيه ـ والحالة هذه، ينبغي أن تتم في مرآة الأدب العربي عامة وبالعلاقة مع الخصائص والمقاييس المهيمنة فيه. وليس لنا أن نصدم بهذا الواقع طالما أن هنالك، بالأصل، وضعية تاريخية مسنودة، وتبعا لذلك بقوة تقاليد اتخذت في وقت لاحق طابع الحتمي والمقدس. وربما جاز لنا أن نضيف بأن هـذا الطابع يمثل اليوم في أعين أبناء الجناح الغربي عاملا للتحدي والتحفيز كي يرفعوا كتابتهم إلى مستوى النموذج المثالي، بل وتحقيق التجربة الخلاقة المتفردة. لكن، وكيفما كان الحال ومن أجل إكمال عناصر الوجه الثالث هذا فإنه ينبغي إدراك الأدب المغربي الحديث أو العصري في إطار رؤية مركبة ومتراوحة بين الأصل والفرع وهذا وذاك.

ـ يخضع عبد الله كنون (1908ـ1989)، الفقيه والأديب المغربي الجليل، هذه الملاحظة لفحص دقيق بغية إثبات قرابة أدبنا الحديث بما سبقه في المشـرق4. إنـها علاقة تحتاج أن ينظر إليها، في رأيه، من زاوية التفاوت التاريخي الذي طبع الاختلاف بين المنطقتين من ناحية الانتقال إلى مرحلة النهضة وحقبتها : “ولا حاجة إلى القول أن هذين العملين الأدبي [القصة والمسرحية] (…) لم يكن لـهما وجود في الأدب العربي قبل النهضة الحديثة، وقد بدأت المحاولات الأولى لمعالجتهما في الشرق منـذ وقت مبكر في القرن الماضي (…) أما في المغرب فإن تلك المحاولات لم تبدأ إلا بعد هذه الحرب [العالمية الأولى]”5. غني عن القول بأن التحديد الزمني المذكور يقصد منه وفي سياقه التأكيد على أسبقية المشرق في تجريب الأنواع الأدبية الحديثة.

3.2 ـ الخاصية الأم للأدب المغربي في العصر الوسيط تكمن، بلا ريب، في انسياقه تيمات وأنماط تعبير شعرية ونثرية لما كان موجودا في الديار المشرقية، منذ زمن موغل في البعد إلى مطلع هذا القرن حيث نسج الأدب إياه على المنوال ذاته، وهنا يقدم عبد الله كنون الرصد التالي : “… لم تكن [حالة المغرب أثناء النصف الثاني من القرن الماضي وأوائل القرن الحالي ] لتخلق جوا أدبيا يختلف عما عهده الناس ولا لتحـدث تحولا فكريا يصـب في غير المجرى المألوف. ومن ثم فإن الحياة الفكرية والأدبية بقيت على حالها من تمثل الماضي واحتذاء حذوه سواء في المادة أو القالب، في المعنى أو الأسلوب، المؤلفون يضعون تآليفهم على غرار الذين من قبلهم، والأدبـاء يصوغون أدبهم نفس الصياغة التي توارثوها عمن تقدمهم، والإنتاج في الواقع كثير…”6 ويصل كنون إلى استخلاص الملاحظة الجوهرية من وراء هذا الإنتاج قائلا : “… ولكن عنصر التجديد وروح الابتكار كانا يعوزان هذه الأعمال، فميزانها بالنسبة إلى النهضة الفكرية الحديثة ميزانخفيف (…) نعم كان هناك مؤلفون وأدباء ولكن صلتهم بأهل العصور الخالية أقوى من صلتهم بأهل العصر الذي يعيشون فيه، فنتاجهم يعد من صميم النتاج القديم لا فرق بينه وبين ما وضع قبل ثلاثة قرون وإن كان منه ما وضع في أواخر العهد الذي نحن بصدده”7.

4.2 ـ وكم يبذل مؤلف “النبوغ المغربي” من جهد في اختراق نسيج النص الأدبي المحافظ أملا في الكشف عن عناصر التجديد أو ما يقترب من خصوصيات تميز الأدب المغربي لمرحلة ما قبل التحديث، لكنه لا يجد بدا في الأخير من أن يصدع بحكم قاطع: “… ولكن هذا الأدب بكل اعتبار لا يعدو أن يكون صفحة متممة لتاريخ الأدب المغربي القديم”8.

 

3 ـ عوامل النقلة التحديثية
1.3 ـ لنحاول تحليل عملية الانتقال إلى الكتابة الحديثة، أو على الأقل الكتابة المتحررة من معوقات النـزعة الكلاسيكية المحافظة، والتعرف على العوامل المؤدية للانتقال، والمتمثلة في مجموع من الشروط التاريخية، الاجتماعية والثقافية.

إن المنهج التاريخي والوصفي يعمد إلى ربط أو تسويد التحولات السياسية على الظواهر الثقافية والأدبية. وهي طريقة تبطن ولاشك محذورات، لأنـها تفترض تطابقا بين ميادين لها إواليات مختلفة. وعلاوة على ذلك فهي ترهن الظاهرة الأدبية بعناصر من خارج وضعها، فضـلا عن تعسفية مثل هذا الاشتراط على صعيد تحديد القيم الجمالية. فلو نحن قلنا، مثلا، بتأثير الوضعية الاجتماعية على إمكانية تحقق هذه القيم فلا شـيء يسمح بالقول بأنها تفعل في تحديدها9. وكارل ماركس الذي يعتبر التأويل المادي لكل إنتاج حجر الزاوية لمنهجه يرفض العلاقة الميكانيكيـة التي يراد إقرارها أحيانا بين الخطاب الأدبي والبنية الاقتصادية. هـا هو يقول في “نقد الاقتصاد السياسي” بأن : “بعض مراحل الازدهار الفني لا صلة لـها البتة بالتطور العام للمجتمع، ولا بقاعدته المادية، بالتالي، والتي تعد عماد تنظيمه”10.

هل ينبغي، والأمر على ما نرى، ولتجنب نتائج هذه المحذورات، التخلي عن كل تقريب بين الإطار الاجتماعي ـ السياسي وظاهرة الإبداع بصفة عامة لدى تحليلنا لعوامل الانتقال والتحول في الإنتاج الأدبي بالمغرب؟ من البديهي أن المقاربات البنيوية والسيميائية الصرف لا ترى مبررا لوجود مثل هذا السؤال، فالنص في إطارها ينظر إليه في ذاته، بغية مساءلة حيـازات خطاب خصوصي، أي الخطاب الأدبي. وهكذا فإن “كل عمـل لا يعتبر عندئذ سوى تجل لبنية مجردة أكثر عمومية، ليس هو إلا واحدا من تحقيقاتـها الممكنة”11.

وواضح من طريقة اشتغالنا أننا لا ننهج هذا النهج، مولين بالمقابل أهمية خاصة للتأثير الذي تفعله العناصر الخارجية على العملية الأدبية. وإن من بين أهداف البحث الحالي، والطبيعة ذاتها لنشأة أدبنا الحديث ومراحل تطوره، ما يلزمنـا بإتباع هذا الطريق. ليكن واضحا بعد التحـديد المذكور أن إبراز القيم الجمالية لهو في قلب مسالة الواقعية ونحن على وعي كامل بما يشكله طرح مماثل في تكون الرؤية الواقعية في مضمار الكتابة السرية.
2.3 ـ فماذا إذن عن المسار التاريخي والسياق الاجتماعي في علاقتهما مع نقلة الأدب المغربي نحو التحديث الذي سيحمل معه من ضمن التغيرات كتابة النوع الروائي والسردي عموما.

1.2.3 ـ يتوقف المؤرخون والمعنيون بالمجتمع المغربي الحديث عند مرحلتي تمفصل تسجلان بداية منعطف في تاريخ المغرب ومنطلق قطيعة باتجاه عهد جديد ونحو تعديل لمختلف ملامح وجوده. تغطي المرحلة الأولى السنوات الممتدة من 1844 إلى 1860. ففي التاريخ الأول تجري معركة إيسلي الشهيرة بين المغرب، الذي يهب لنصرة كفاح الأمير عبدالقادر في الجزائر (1808 ـ 1883)، وبين القوات الفرنسية المحتلة. إنـها السنة التي سيمنى فيها السلطان عبد الرحمن بـهزيمة مرة ستفتح شهية الأجانب وتحرضهم على احتلال عدة سواحل مغربية12. وستكشف هذه الأحداث هشاشة الدولة الشريفة وتنبه الغافلين إلى ضرورة تحديث البنيات العسكرية للبلاد ولتطبـيق سلسلة من الإصلاحات العاجلة. أما سنة 1860 فهي تسجل احتلال إسبانيـا لمدينة تطوان عقب حرب تمثل، أيضا، مظهرا صارخا لأزمة الدولـة والمجتمع المغربيين في القرن التاسع عشر13. لقد كشفت هذه الحرب من جهة أخرى، كيف أن وضعية المغرب بلغت حدا لا يمكن للضغوط الأجنبية، الأوروبية، إلا أن تؤدي إلى نتائج ذات بال14. ولذلك اعتبر عـلال الفاسي هزيمة إيسلي بمثابة الفجر الأول للنهضة المغربية الحديثة، ورأى أنـها نبهت إلى النظم العتيقة للجيش والدولة المتهافتة أمام التقدم الأوروبي، والتي كانت في حاجة ماسة إلى التجديد15. وهو ما دفع المخـزن إلى إدخال بعض التجديد بل وإلى إرسال بعثات دراسية إلى أوروبا16.

لن يكون لهذه الإشارة عن يقظة الوعي بضرورة التغيير من صدى على الصعيدين الفكري والأدبي. فبدايات الاهتزازات السياسية والاجتماعية كانت متقدمة بما يقرب من قرن على اليقظة الثقافية، وخاصة، على ظهور جيل جديد من الكتاب. وإنـها لوضعية شبيهة إلى حد بعيد بما ارتبط ببدايات التحديث الأدبي في مصر، ففي هذا الصدد تساءلت نـدى توميش: “إذا ما أرجعنا اليقظة السياسية لمصر إلى لحظة رفض الاحتلال الفرنسي (1798 ـ 1802)، فإن النهضة الأدبية لا تلي إلا بعد نصف قرن. فهل وجب انتظار جيلين من أجل أن تتكون جماعة قادرة على خلق أنماط من التعبير متكيفة مع التحديث، ومتحررة من الأشكال والأفكـار المتواضع عليهـا ؟ أم أن الـهزات السياسية والاجتماعية الكبرى ـ كما يحدث كثيرا ـ تؤدي إلى صمت النخبة المأسورة بالحدث؟”17.

2.2.3 ـ في المرحلة الثانية الحاسمة سيواجه المغرب حقا بإشكالية التحديث إذ سيقدم لذلك ثمنا غاليا هو سيادته الوطنية ووحدة ترابه. ففي 30 مارس 1912 ستجبر فرنسا السلطان مولاي حفيظ على توقيع معاهدة الحماية18. وهي المعاهدة التي ستمكن فرنسا من الاحتلال العسكري للتراب المغربي والشروع في تنفيذ برنامج الإصلاحات الإدارية والاقتصادية التي تراها ملائمة، وهدفها: “تطهير الوضعية، وإقرار الأمن وتحديث النظام المغرب بواسطة إصلاحات تشمل الإدارة والتعليم والاقتصاد والمالية والجيش”19. ونود أن نحصر من هذا الاستشهاد مفردتي “تحديث” و”إصلاحات”.

لا مراء في أن الجهود المبذولة من طرف المستعمر كانت تهدف بالدرجة الأولى إلى خدمة مصالح المركز الاستعماري أو المتروبول. على أنه سيكون من العبث نكران الطابع التجديدي المتمثل في إدخال أنواع من الإنتاج وأنماط من التسيير والحياة في بلد ذي طراز وجود تقليدي. لقد مثـل الاحتلال عاملا حاسما في التوجه نحو عهد التحديث ولو في حدود عنفوان التحدي المعلن أمام نخبة البلد المحتل التي كانت حتما على موعـد مع حقبة جديدة من تاريخها بما يؤهلها لتبرير وجودها وضمان استمرارها في المستقبل. ستعبئ الهجمة الأجنبية، إذن، هذه النخبة بحيث أنها لن تتوانى عن الوعي بضرورة الالتحاق دون إبطاء بعجلة التقدم.

3.3 ـ والحق أن حركة اليقظة هذه لم تنتظر توقيع معاهدة الحماية كي تعبر عن نفسها، إذ، علاوة على عواقب هزيمة إيسلي عرفت المرحلة عودة أعضاء البعثات الدراسية المتحمسين لاكتشافاتـهم، والراغبين في إدخال تغييرات أولية على تسيير البلاد. ومن أسف، فإنـهم لن يجدوا آذانا صاغية وسيضطرون للاندماج عودا على بدء في أوساطهم الأصلية دون أن ينطفئ في نفوسهم أمل التجديد. بيد أن البشائر الأولى للمطمع التجديدي ستهل مع العرب الوافدين، المقيمين بطنجة، المدينة المتمتعة بوضع دولي آنذاك، حين كانت مركزا لبعثات دبلوماسية وتجارية وجاليات أجنبية. في هذه المدينة المتعددة الجنسيات ظهرت الصحف والمجلات بالفرنسية والانجليزية والعربية. وكانت الصحافة العربية بيد لبنانيين مسيحيين مهاجرين يدافعون في مقالاتهم عن التقدم وكل ما هو حديث، ويلتزمون، أيضا، في عمل داع إلى النهوض بإصلاحات سياسية ولإقرار تمثيل برلماني، ولإنجاز إصلاح يطول القطاعات الكبرى للدولة وكذا للإنتاج20. وما لبثت هذه الروح أن أثرت على عدد هام من المتعلمين والموظفين المغاربة، رموز انتلجنسيا جديدة مقتنعة بالمد الإصلاحي. ذهب بـها طموحها إلى أن اقترحت على السلطان مولاي حفيظ سنة 1908 مشروعا للدستور لا تنال كثير من الانتقادات الموجهة إليه “من قيمته التاريخية ولا من دلالته على صعيد تطور وعي الانتلجنسيا المغربية الجديدة”21.

غير أن هذه المطالب الليبرالية المنـزع لن يطول أمدها، وليس بسبب ترسيم الاستعمار الفرنسـي (1912)، الذي سيشغل الأذهان بـهموم أخرى، بل، وأيضا، لأن الشروط الضـرورية القمينة بتبلور الأفكار التحديثية لم تكن قد اجتمعت بما فيه الكفاية.

4.3 ـ في وقت لاحق سيوقظ الوعي التدريجي بالواقع الاستعماري الروح الوطنية قادحا زنادها لتبحث عن وسائل تخطي الجمـود المهيمن وتنحية العوامل المؤدية لزوال السيادة. وسيقع الاختيار على السلفية، أو بالأحرى السلفية الجديدة كمركب عقيدي، ثقافي وإيديولوجي لبداية العمل في هذا السبيل، وبوصفها حركة اجتماعية وسياسية هادفة للإصـلاح الديني واضعة في اعتبارها المتغيرات الحاصلة في بداية القرن ومتطلبات الحاضر بغية تأطير العمل الوطني في نضاله ضد المحتـل الأجنبي22. وفي هذا المعنى يسجل علال الفاسي الدور الحاسم لهذه الحركة في تطوير الذهنية الشعبية للبلاد، وكيف وقع انصهار كامل بين السلفية والوطنية بالمغرب كان ذا فائدة مشتركة لكليهما، وأدى بصفة خاصة إلى تبلور طراز متفرد من السلفية لم يتحقق حتى في بلاد محمد عبده وجمال الدين الأفغاني23. لقد كان لهذه الحركة الأثر النافذ على كل وسائـل التعبير عن الشخصية الوطنية، والإنتاج الأدبي واحد من أهمل الوسائل وقد تطبّع بالأخلاقية الإصلاحية والبعد الوطني للسلفية التي ستصبح في الواقع إيديولوجية مضمرة في الأدب المغربي، الذي سيعبر بدوره عن الوعي الجماعي في مجتمع سائر في التحول24.

مع توالي الأحداث المرتبطة بمسلسل الاستعمار سيعرف المد الوطني تصاعدا متزايدا، وستتوفر الفرصة للسلفية الوطنية كي تتجـذر وتقوم بالتعبئة ضد أعمال المستعمر خاصة حين يتحرش بالهوية الوطنية، المكرسة في التلاحم بين العروبة والإسلام. وسيكـون إعلان الظهير البربري25 منقبل فرنسا في 16 مايو 1930 (الداعي إلى تطبيق قوانين عرفيـة على ا لبربر وحدهم بمعزل عن باقي السكان العرب) بمثابة هجوم ضد الإسلام والوحدة المغربية، كما وصف ذلك ريمي ليفو بحق26. هذا القرار الأهوج سيفجر ردة فعل شعبية عارمة ستؤسس للهيكلة الفعلية للكفاح الوطني27، أي لولادة تشكيلة سياسية في المغرب عرفت باسم “لجنة العمل الوطني”28.

3.5 ـ من هذا المنطلق سيقترن مصير الأدب المغربي اقترانا صميما بمحيطه الاجتماعي ـ السياسي، وستقوم علاقة عضوية بين التجديد الوطني والتجديد الأدبي. ومنذئذ سيشكل مسعى تحديث الأدب والالتزام بالقضية الوطنية كلا متجانسا. علينا في هذا السياق أن نفهم التحديث بوصفه مسلسلا ينـزع إلى التماهي مع قيم الحاضر، وعلى الصعيد الإبداعي يشهد، من جهة، على مصداقيتها، ومن جهة ثانية، على انفتاح النص الأدبي في وجه الفضاء المتموج للحقائق الجديدة المتولدة من المواجهة الحاصلة بين نمطين من الحياة والتفكير، يندرج في ذلك اعتبار فعلي لمعطيات الكفاح الوطني ضد الاستعمار. ومنذئذ لن نجد من مكان سوى للكتابة المبذولة لروح اليقظة الوطنية. وسيترافق مع هذا التحول بداية انحسار النـزعة المحافظة والتخلي التدريجي عن الأشكال الكلاسيكيـة للتعبير الأدبي وأساليبها وبلاغتها، مما يؤشر على تحول أكبر يمس القيم الفكرية. ومن منظور ابستمولوجي فإننا نتصور الواقعية في هذا الإطار باعتبارها أولا اختراقا لضوابط احتفظ بها طويلا، وترسخت رسوخا شديدا حارسة التقاليد بعين لا تنام وداعمة لقيم ماض آيل إلى الزوال. ومن أجل أن يتمكن الإبداع حقا من نزع قداسة هذا المحرم (التابو) والانخراط في الأجناس الأدبية الحديثة لزم، في مرحلة أولى، ظهور روح إعادة النظر. وهذا أيضا ما ندعوه الواقعية، أي الانتصار على الجمود والخضوع؛ وتجديد الشخصية في مفهومها الشامل كهوية سوسيو ثقافية؛ ثم الجواب على أسئلة الحاضر بكيفية مناسبة. وقد كانت السلفية الوطنية في قلب هذه الاستعدادات، وخاصة تيارها الإصلاحي في نـهج لجنة العمل الوطني كما برز من خلال مخطط الإصلاح المطروح على الإدارة الاستعمارية سنة 1934 29. وهو مخطط يكشف بطبيعة مطالبـاته عن نزعة واضحة لتحديث المجتمع المغربي في مختلف أبعاده30.

على هذه الأرضية النظرية والحديثة، وبتأثير منها نهضت تجارب الأجناس الأدبية الحديثة وأضحت ممكنة. وبينما كان الأديب، في نهاية القرن الثامن عشر، مدعوا للتخلي عن قراءة كتب القصص وإلا عرّض نفسه للقصاص31، هاهو ذا بعد قرن ونصف (حوالي العقد الأربعيني) يضع الأسس الأولى لكتابة قصصية حديثة في المغرب. وإن من حقنا أن نتساءل ما إن كان الخوف من العقاب، الذي تحول إلى عقدة حقيقية تجاه قسم من التراث، قد ساهم في إعاقة الانتقال نحو كتابة سردية تستثمر التقاليد الغنيـة للمحكي العربي القديم. هذا، وإذا كانت كتابة وإعادة كتابة الواقـع تعد بلا ريب أو يمكن أن ترى بمثابة رد فعل على بعض التقاليد المحبطة فهي في الآن عينه تشخيص لنية التحديث. إن طموح إعادة نمذجة الكتابة، على الرغم من التردد والاضطراب والتراوح بين نظم جمالية متعددة، أمسى عندئذ مطلبا سيدا بوحي من تقليد الأدب العربي في المشرق، ما في ذلك شك، ولكن كذلك بحافز من كثافة التغير الآخذ طريقه والمعبئ للقوى الحية للأمة.

 

4 ـ تحديث التعلم
1.4 ـ في مرحلة أولى لم يكن بوسع تجربة الكتابة السردية إلا أن تتضامن مع القضية الوطنية في علاقة ارتباط ستمنحها جزءا من شرعيتها، فيما لن تبلغ النضج الفني أو تتوسل الطريق الصحيح إليه إلا بدءا من العقـد الستيني، حين ستصبح القصة القصيرة نوعا أدبيا قائم الذات في الأدب المغربي. لقد عاش الكاتب المغربي وخرج نتاجه من أعطاف حركة عقيدية وثقافية وسياسية أرادت، باسم إيديولوجية وطنية ذات مكونات عقيدية، أن تخضع كتابته لتصور معين عن التغيير. وما كان المحيط السوسيو ثقافي يعترف للكاتب بوضع (Statut) مستقل، وبالتالي بعالم ومتخيل خاصين به32. وعلى سبيل المثال، فطالما انتقد محمد بن إبراهيم، الملقب بشاعر الحمراء (ت 1955) بسبب عزوفه عن طرق المواضيع الوطنية وميله إلى الكتابة على سجيته ورميه للشعر “في القرطاس بأساس وغير أساس”33.
غني عن القول أن النقد الأدبي كان يحبذ الكاتب أو الأديب صاحب الرسالة. وبين رهان الفن ومتطلبات الظروف الوطني الاجتماعي ستأخذ هذه الأخيرة حصة الأسد.

والحقيقة أن ما يأخذ هنا مظهر الاختلال هو ما يتعلق بالكيفية التي تم بـها التناغم بين البنية الذهنية، ورؤية العالم للفئات الاجتماعية والخطاب الأدبي الذي يعيد إنتاج الإيديولوجيا، على طريقته. ويرشدنا لوسيان غولدمان إلى إواليات قيام مثل هذا التناعم بقوله: “إذ كان كل وعـي فردي يمثل خليطا من تيارات متنوعة ومتناقضة نحو بنيات منسجمة من طراز إيديولوجي شمولي، فإن العمل الثقافي يتميز بكونه يحقق على صعيد خصوصي، وعلى صعيد الإبداع الأدبي الذي يعنينا، عالما شبه متناعم مرتبط برؤية للعالم أسسها موضوعة من طرف فئة اجتماعية”34. إن هذا المظهر، في ما يخصنـا نحن، يمتد بدرجات كبرى ليشمل مجموع النصوص المكتوبة تحت تأثير الحركة الوطنية، أي من الفترة الذاهبة تقريبا من 1934 (تاريخ تقديم المطالب الوطنية الأولى) إلى 1956 (تاريخ الاستقلال) وما بعدها بسنوات أخرى إلى أن تتبلور عناصر إيديولوجية أخرى، مكملة أو مغيرة ستلزم الأدب بدورها كي يتبع مجراها.

فابتداء من مطلع العقد الستيني سيتحدد المشهد السياسي والثقافي بتواجه إيديولوجيتين لا واحدة، أولاهما تلك التي كانت معبرة عن فكر واختيارات البورجوازية الوطنية، وثانيهما عن تطلعات الطبقة الوسطى، الآخذة في التشكل والوعي بواقعها، علما بأن هذه الأخيرة كانت من جهـة تصوراتـها مضمرة في الأولى، وعلما، أيضا، بأن تحدد شروطها الاجتماعية والفكرية نحتت بصورة تدريجية. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الخطابات الأدبية الدائرة في فلكيهما. ويبقى أن التماثل على صعيد التشابه في القيم المعبر عنها بين الخطاب الإيديولوجي والخطاب الأدبي سيبرز بوضوح، وهذا في الوقت الذي كان الكتاب يترنحون بعد في مدار تجديد الكتابة وتملك طرائق الأنواع الحديثة فيها.

2.4 ـ وبالنسبة للنوع السردي تخصيصا سنلقي التوجه نحو الكتابة التحديثية يخضع لسنن خطاب قبلي وحيد البعد سيعرقل، بالطبع، إمكانيات اشتغال مستقل للقيم النصية. وطالما احتكر الخطـاب الإيديولوجي الشرعية المغيبـة للفعل الثقافي والإبداعي فلن يكف العمل الأدبي عن التذبذب محاولا كسر أو تليين صـلابة النـزعة الإلزاميـة. وذلك ما يفسر بعض الانزياحات الملحوظة مع نـهاية العقد الستيني، المؤهلـة لخطاب أدبي ساع لأن يتبلور ذاتيا. وجاء التراجع التدريجي لثقل الشرعية الإيديولوجية، في وقت لاحق، الناجم عن جملة ظروف موضوعية لا مجال لاستعراضها هنا، ليسهل طموح الإبداع الأدبي الذي سيبرز في كتابة تستثمر أجواء جديدة معبرة بواسطة مقاربات وأدوات فنية متنوعة وليس على طراز واحد، توافقي.

وفيما بقيت المسألة الاجتماعية تحتل الصدارة دائما فإنها أمست تخضع شيئا فشيئا للتصور الشخصي للكاتب، أي لنظرته هو عن المجتمع ؛ وبذا لم تعد الرؤية خارجية بحت بل تتشكل وفق علاقـة تذهب من الداخل إلى الخارج ومن هذا إلى ذاك. ينسحب هذا على السردي والشعري معا. وإذا كان العقدان الخمسيني، والستيني خاصة، قد عرفا بداية التمـرس آنذاك بالشعر الحر أو شعر التفعيلة، المنـزاح عن الشعر العمودي التقليدي، والذي تجلى بمثابة “تجسيد لوعي تاريخي محايث لوعي طبقي”35. فإن المرحلة اللاحقـة ستشهد تقلبا يولد رؤية مركبة وصفت مرة ب “المأساوية”36، ومرة ب “الشهادة”37، ولم يستطع الشعر المغربي في العقد السبعيني أن يتوصل إلى ما يبحث عنه من توازن إذ سيبقى متأرجحا “بين هوس المغايـرة، كحداثة فنية تقطع أو تحاول أن تقطع مع السائد، وتبحث عن المستقبل، وهم التغيير، كحداثة سياسية.. تبحث عن المستقبل”38.

3.4 ـ نعتقد أن هذه الملاحظة تنسحب على مجموع الأدب المغربي المحدث، ولعل مضمونـها ما يزال قائما في الوقت الراهن. وهو ما يدفعنا إلى أن نستخلص أن أدبنا، بل والأدب العربي عموما، لم يكن ليتوصل إلا بصعوبة إلى “تملك ترف” تجربة إبداعية حقيقية (خالصة)، نابعة من ذاتيـة الكاتب و غير مرهونة بالإواليات السوسيو ـ تاريخية ذات التحكم المتواصل التي لم تعرف هي والمجتمع أي تغيير جذري. والواقع أن كل التجارب الثقافية والفنية في بلدان العالم الثالث أو مـا يصطلح على تسميتها اليوم بالبلدان السائرة في طريق النمو، كانت وستظل مطبوعة بمختلف أشكال الصراع المعيش من قبل الطبقات المحرومة. والخطاطات السياسيـة في هذه البلدان تبقي التجارب المعنية حبيسة محمولات ظرفية، هذا إذا لم تقصرها أحيانا على دور دعائي.

بيد أن مثل هذا المصير لا يقود بالضرورة إلى تهافت الشكل الفني في الأدب المتولد عن هذا الفضاء. وأسطع مثال لدينا أدب أمريكا اللاتينية، رغم الفارق، الذي نجح في إنجاز التركيب بين التيمات الناطقة بالهواجس الاجتماعية والمتخيل الشعبي العميق، من جهة، والشكل الفني المجدد، من جهة ثانية39. والواقع أن ارتباط العمل الأدبي بحقائق وقضايا اجتماعية مباشرة ليس هو ما يضعف أو ينال من خاصياته الجمالية ؛ أضف إلى هذا أن الواقع الاجتماعي حين يعاش ويدرك بعمق يؤهل العمل أكثر كي يشع كقيمة جوهرية في النظام الذي يهيكله، وكما يقول إيزر ISER بحق فإن “العمل الأدبي له مصدره في النظرة التي يحملها المؤلف عن العالم ويكتسب من هنا طبيعة حدث ما دام يمثل نشرا لأفق العالم الحاضر، وهو أفق غير مدمج في هذا العالم. وحتى لو رغب النص الأدبي في إعادة إنتاج العالم الحاضر، فإن عملية مماثلة في النص ستصبح سلفا بمثابة تغيير نظرا لأن الحقيقة المتكررة متجاوزة بالرؤية المعطاة”40.

4.4 ـ إن إلحاحنا على العلاقة بين النص ومحيطه الاجتماعي ـ السياسي مبعثه توكيد خاصية جوهرية في الإنتاج القصصي ـ الروائي بالمغرب. ولا مشاحة في أن وضع هذا الإنتاج يبقى منفتحا على عوامل ومحددات أخرى تفعل فعلها في طبيعته ومكوناته، وعلى الخصـوص، في بُرده الجمالي لنشدد على أن الواقعية تشتغل هنا بصيغ التقنية السردية، والطرائق الأسلوبية وبتأثير الإبداعية الفردية للكتاب، هذه التي تنـزع إلى بصم فضاء كتابة وزمن. من هنا ضرورة التساؤل عن مقدرات السـردي في ما يخص المدونات المختلفة لتجلياته ومراحل تطوره. وفي هذه الحالـة فإن الرؤية (الرؤى) الواقعية لا تستطيع كما لا ينبغي لها أن تقف عند حدود وحدة التيمة (التي تشمل المضمون أيضا) ولا في الإطار المرجعي خارج النص (ميدان النثر الاجتماعي والخطاب الإيديولوجي). بل تصاغ بالتجسيد النصي المتلفظ بـهذه العناصر مخصصا طبيعة الرؤية، أي واقعية الكتابة.

إن تصورا مماثلا قابل لأن يبنى دون عوائق على المستوى النظري الخالص. ولنضف أن بإمكاننا استقراؤه من نماذج مكرسة في الإنتاج السردي الغربي. أما في حال الأدب المغربي، الفتي والذي يوصل البحث عن هويته ومبناه، فهذا التصور، علاوة على وضعه المثالي، كان ويظل مواجها بإشكالية التحديث (الحداثة) عموما والكتابة خصوصا. هذه الأخيرة بوصفها متأتية عن تشابك عناصر وعوامل لا تنتمي إلى فلك واحد، والمقترن تجسيدها إما بتبعية دائمة لخطاب قبلي أو خضوعها لاستيعاء نصي (عربي أو أجنبي) أو تجاذبـها بين هذين المنـزعين.

وعليه فإن تاريخ الأدب المغربي المحدث، بل وجوهر هذا الأدب يقوم على تخطي العقبات التي تعرقل طريق تطور حقيقي، يسمح، من جهة، بالعبور من كتابة “أدبية” مشروطة بالالتزام الاجتماعي نحو تعبير هو صاحب الكلمة والأدوات في تشخيص الالتزام. ويجعل من الممكن، من جهة أخرى، وجود فضاء حقيقي للإبداع يهيمن فيه هذا الأخير ويستثمر ضمنه مختلف وجوه الحداثة الأدبية. وربسائل عما إذا كانت هذه الأهداف قـد تحققت وهو ما لا نملك الجواب عليه بالقطع، فمسلسل التحول متواصل ويحتاج إلى سند الإنتاج الكافي والمنتظم؛ كما يتسم الإنتاج نفسه أو يتبـدى كحقل للتداخل والتعايش القسري بين اختيارات عدة للكتابات والخطابات الأدبية. لذلك نقول بأن التحديث الأدبي في المغرب تحديث تعلّم، وخلا بعض الحالات الاستثنائية، علما بأنـها تتنامى في السنوات الأخيرة، فمن الصعب الزعم ببلوغه مدرك الإتقان. نضيف لما سبق بأنه تحديث يتحقق بمحاولة اكتساب منالات آداب أخرى؛ اكتساب الأنواع الجديدة، ثم تملكها في ظل شروط جد معقدة، وأخيرا بالبحث عن صوغ النص التجريبي الذي بات يكرس عمليا صيغة التجديد وضربا من الكتابة المفتوحة.

إن التجليات الأولى للأدب المغربي الحديث ترجع إلى حوالي نصف قرن سابق، وتمثل العقود الثلاثة الأخيرة مرحل التكوين الأساسية . وانطلاقا من منتصف العقد السبعيني بات من المتيسر القول بأن الإبداع الأدبي، والسردي منه في الجوهر، انتقل إلى مرحلة التوفر على ما يؤهله لاكتساب شرعية ذاتية ولإقرار تفرده.

 

5 ـ من وظيفة المحاكاة إلى وظيفة التخييل
1.5 ـ يمثل العقد الستيني الحقبة المثلى لـهيمنة المسألة الاجتماعية على الكتابة السردية، والقصة القصيرة سيدتـها آنذاك، بوجه خاص. في ما بعد، ومع الاحتفاظ بمبدأ التزام الكاتب، سيتجه هذا الإنتاج تدريجيا نحو آفاق جديدة حين سيبدأ وعي القاص، ثم الروائي بالانتبـاه إلى أهميـة تخييل لا يقنع بإعادة بإنتاج الواقع بالتمثيل البسيط لأوضاعه، ويعطي الأولية لصياغته في النص وبواسطته بدل الإحالة على الحالة المجتمعية خارجه.

إنه منعطف حفزت عليه مستلزمات ذات طبيعة موضوعية ثقافية وأدبية، يمكن بسطها كالآتي :

1.1.5 ـ فالواقع الاجتماعي الذي يمتح منه الكاتب مادته الأولية كف عن الظهور، على غرار حاله في العقد الستيني، في بساطته وانسيابه الشكليين على الأقل. لقد أمسى مركبا، متشابكا ومتعدد الأبعاد، كما أن الحدود بين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لم تعد واضحة كذي قبل. ومن نحو آخر، تعدد المتواجهون في الحلبة الاجتماعية مما ألغى الثنائية التقليدية المجابـهة للمحظوظين تجاه المحرومين، والطبقة الحاكمة والطبقة المضطهدة. سيلقي هذا الوضع المركب بظلاله على رؤية الكاتب ليدفعـه إلى إعادة التفكير في كيفية تشكل الواقع، وإلى إعادة بناء نظرته إليه وفق مقاربة مختلفة عن مقاربة الماضي، وكذا إلى تعديل عملية اشتغـال هذا الواقع الجديد في العمل الأدبي. على أن الوعي بمثل هذا التغيير لم يكن متعادلا عند جميع الكتاب وهو بعض ما يفسر التفاوت الملحوظ بين النصوص السردية، وكيفية تمثيل المجتمع، أي الرؤية المنقولة في كل نص. بفعل هذا التحول اصبح ممكنا إثارة قضية تفتُّح الواقعيات لا الحديث عن واقعية وحيدة الصوت، فحسب.

1.2.5 ـ لقد أدى تعقيد الظواهر الاجتماعية والسياسية؛ واستقرار قواعد اللعب السياسي، وخاصة بدءا من 1975 حين نجح الحكم في فرض سياسة “السلم الاجتماعي”41؛ ثم الإحباط المتولد في قلب الطبقة الوسطى بسبب غياب كل أفق للتغيير ـ، هذا كله إلى جانب خيبـات أمل عديدة أدى إلى خلق تباعد محسوس بين الكاتـب ومجتمعه ودفع كثيرين إما إلى اجترار أحلامهم أو الانطواء في الغالب على أنفسهم وهمومهم.

2.5 ـ وهي وضعية سمحت إلى حد ما للكاتب بانتزاع الواقع المعيش من سطوة التأويل الإيديولوجي، وبالتالي، إلى استخلاص أجزائه الدالة، تلك القادرة على تشكيل البنية الدلالية لنص التخييل. هي حالة الانتقال من العام إلى الخاص، ذلك الانتقال الضروري لكل إبداع أدبي، والذي يعد أحد المبادئ المسيّرة لنظم الأنواع الأدبية. وبالنسبة لهذا الوضع بالذات فهو يسهم في تحديد خصوصية الخطاب القصصي ـ الروائي، وتخويله إمكانية توكيد استقلاليته تجاه العالم الخارجي وإعداد مدونة قيمه وجماليته الخاصة. ونزعم أن الإنتاج السردي قد نجح في المغرب، في العقد السبعيني، والقسم الثاني منه خصوصا، في بلوغ مرحلة تشهد على ارتقاء مدارج النضج الفني والتخصيص المقبول لعالم المحكي ومميزات وظيفته. ونلاحظ علاوة على ذلك بأن التباعد المحسوس بين الكاتب ومحيطه المباشر سيهيئه للعكوف على ذاته بتقديم أناه الفردية على دفق العالم الخارجي. فأمام الإحباط الجماعي حلت الفردية محل المد النضالي الذي كان المثقفون من طليعته، وبهذا سيتولد التعبير الأدبي من استبطان التجربة أكثـر فأكثر من السحنة الخارجية للواقع نفسه. سيتقلص انبثاق المادة السردية من ركام الأوضاع الاجتماعية وحالات التأزم النمطية ليعبر ضرورة بمصفاة الملاحظـة المنتظمة للكاتب ـ هذه التي بإعادة تذكر العناصر الجلية للتاريخي والاجتماعي والعابر، وبغربلتها العام والبدهي لاستخلاص المتفرد تصل إلى إنجاب التجربة الموضوعية كقيمة جوهرية للنشاط السردي. وعلـى صعيد الشعر، مثلا، تبدى هذا التغيير بالانتقال من الشعر الغنائي (Lyrique) إلى النص المركب المعتمد على جمالية المجاز وخطاب الوجود. خلال العقد الستيني كان الشاعر يمارس إبداعيته على مستـويين : فمن جهة تدربه على القصيدة الحديثة مسهما كذلك في خلق دليل جديد للتلقي الأدبي، ومن جهة ثانية تعبيره عن موقف الاحتجاج والتمرد. في السنوات الموالية سينصرف أكثر إلى هيكلة القصيدة وتعميق كيفية تصور العالم والتعبير عن ذاتية أشد حميمية.

3.5 ـ هذا التحول في رؤية الشعر المغربي المحدث يقترن بما لحق الأجناس الأدبية عامة من تغير، ويشير خاصة إلى إعادة النظر في وضعيتين اعتبرتا وقتئذ نـهائيتين، أولاهما تتصل بوظيفة العمل الأدبي، وثانيهما تخـص مبدأ التزام الكاتب. في الحالة الأولى سيقدم الإنتاج الأدبي للعقد السبعيني ما يشهد بالاهتمام الذي يوليه لأدب لا يستمد شرعيته من إبلاغ رسالة معينة وحدها أو يتوافق مع الواقع المعطى. فالنصوص المؤهلـة للأدبية، والوظائف الداخلية، أي الجمالية والتقنية للنص تشترك بالكامـل في تخويل الشرعية للكتابة معلنة الطلاق مع تقليد الانعكاس وواضعـة الأدب في مرتبـة أعلى من التمثيل المحاكاتي الخالص. وفي الحالة الثانيـة يعتبر تعديل الموقف تجاه مبدأ الالتزام نتيجة مباشرة للتغيير الملحوظ وتأكيـدا له. وهو تعديل نوعي للكيفية التي يتحمل بها الكاتب التزامه بحيث ما عاد هذا الفعل قرين تيمة النص وحدها ولا لصدى الخطاب الإيديولوجي والمجتمعي المرجّع فيه. لقد فهم الكاتب المغربي بأن التزامه ينبغي أن يمارس ملء عمله بدءا من العناصر الداخلية المكونة لرؤيته وبنيته. وهذا ما جعل المسألة الجمالية، عقب العقد السبعيني، تشغل حيز الصدارة في الحقل الأدبي وترتبط عضـويا بمسألة الالتزام. إنه منعطف حاسم نراه يندرج في خط تعميق مسلسل التحديث الملزم، من بين أمور أخرى، أن يأخذ الكاتب على عاتقه ملء عمله معيدا تقويم وضعه، أيضا.

4.5 ـ نود التنويه كذلك بأن التغير الحاصل في علاقة الإبداع الأدبي بمادته الأولية، بالمصادر الواقعية خارج النص، قد تجسد على صعيد الإنتاج السردي خاصة، بإعادة نظر ذات دلالة بالغة لمفاهيم الواقع وما هو واقعي، وبالطبع للمفهوم العام للواقعية في النص السردي ما كان الكاتب خلال سنوات التعليم يلقي بالا كبيرا لمعنى هذه المفاهيم، ولا للدلالة المتميـزة لها في سياق التخييل السردي، أو ما يفترض أنه كذلك. فالتداخل بين الخطابين الأدبي وما هو في خارجه، قل زوال الحدود بينهما حيث النوع الأدبي المؤشر من طرف الكاتب، هو ما يصنع وضع العمل؛ كـل ذاك كان يحيل إلى مرتبة ثانوية الامتداد الجمالي لمفهوم “الواقعية”. لقد كانت مقولات “حقيقة احتمال الحقيقة، طبيعة، طبيعية”، حسـب هنري متيران H.MITTERAND 42،التي تتدخل من قريب أو بعيد في فهم الواقعية، هي ما يحظى بعناية الكاتب المغربي في نظرته لتشخيص الواقع. في مناقشته لكتاب أورباخ AUERBACH المعنون Mimésis ، خاصة للتحليل الذي قدمه هذا الأخير عن رواية جيرمنال GERMINAL لأميل زولا ZOLA، يسخر متيران من التأويل المعطى لمفهوم الواقعية بالعبارات التالية :

“إنه “واقعي” إجمالا كل ما يعطينا انطباعا عن الحقيقة، سواء عن طريق نثر فوق سطح النص السردي (= الروائي) لملفوظ إخباري، لمعرفة ما، لوصف عاكس […]، أو بالإسقاط على النص لأفكار متقبلة من القـارئ. من هنا صيغة “النمط” أو “النمطية””43. ورغم غياب التكافؤ بين المتن المرجعي لهذه الملحوظة ومتننا نحن، فإن عبارات متيران تنطبق بيسر على هذا الأخير وتعين بكل تأكيد خصائصه. فنحن نلاحظ عند الكاتب المغربي، في المحاولات السردية الأولى وخلال العقد الستيني، خلطا في دلالة مفهوم التخييل Fiction بوصفه “خطابا تمثيليا (“محاكيا”) يثير عالم تجربة”44 وخاصة كإبـهام بخلق واقع، وكخاصية متخيلة عن القص الذي يعطي انطباع كونه واقعا45. ولم يكن هذا الخلط عنده ناجما عن توجه مملي من غائية النص السردي، بل وأيضا عن التطور البطيء والمشوش للأنواع السردية في أدبنا الحديث. فصيغة الواقع المحتمل Vraisemblable، أو شبه الواقع، تؤول في هذا السياق مرادفا لحقيقـة Vérité وللحقيقي الموثوق Vrai vérifiable، الشـيء الذي يجعل الإنتاج القصصي يندرج في سجل واقعية بدئية، غير فنية حيث التخييل والواقع وجهين لعملة واحدة46. وليس من قبيل الصدفة أن تطبع الرواية المغربية بالنبرة والمسحة الأوتوبيوغرافية (=الغنائية Lyrique). ترى كات هـمبورجر HAMBURGER Käte بأن التخييل الملحمي (أو المحكي بضمير الغائب) هو الذي يجسد التخييل بمعناه الحقيقي47.

5.5 ـ وبمقدار ما كانت الكتابة السردية تتوافق أو تتجاوب نسبيا مع المحددات الحقيقية لمجال التخييل يأتي النص القصصي مكتسبا خصائص النوع. هكذا ستبلغ الواقعية تفتحها الذي عاش مختنقا في ما قبل بسبب الفهم الساذج للواقعي. مع هـذا التفتح يصبح العمل، حسب تعريف زولا : “قطعة من الطبيعة منظورا إليها عبر مزاج”، وهو في نظر متيران تعريف موصول ب “بنية وعمل المصفاة التي تمر بـها المادة” الطبيعية والاجتماعية”، قبل أن تصبح مادة صورية picturale”48. وكما بمقدور طرق الإبداع أن تتنوع تحت تأثير تحول مماثل، فإن الواقعية بدورها تنـزع نحو التعدد سواء على مستوى الرؤية أو المبنى ، وفي البنيات والتقنيات السردية المسيرة للملفوظات.

 

6 ـ تحديث الأدب السردي في مدار المؤثرات
يُـعزى تحديث وتفتح وإعادة هيكلة الإبداع الأدبي في المغرب، حوالي نـهاية العقد السبعيني إلى جملة مؤثرات. منها ما هو داخلي، أي خاص بالمحيط المغربي في بنياته المختلفة، وهي التي يمكن الوقوف عليها في مضانـها، وسبق أن أشرنا إلى عناصر منها49. وفيها الخارجي، وستلتحم بسابقتها يصعب فرزهما، فكلا المؤثرين لهما فعلهما الأكيد، المتخلل لنص المحكي.

1.6 ـ لقد كان للمؤثرات الخارجية أثرها الفعال الذي يحتاج حقا إلى التوقف عنده ببعض التفصيل. ونحن نعني هنا بالدرجة الأولى ثقل الثقافة العربية وآدابـها في المشرق مقترنة بالتيارات الإيديولوجية وكذا ما استطاعت أن تستوعبه أو تأخذه من ثقافات وآداب أجنبية أخرى. وهو مـا يجعل تأثر الأدب المغربي مزدوجا بحكم ازدواج مخزون وأشكال ما خضع لتأثيره. لنحاول، إذن، متابعة المؤثر المشرقي عن كثب في مساره، وملامحه وانعكاساته حديثا وتاريخيا، في مادته وكذا على صعيد تلقي العمـل الأدبي من طرف الكتاب المغاربة.

لسنا بحاجة إلى الرجوع بعيدا في الزمن لتلمس علاقة مشرق/مغرب فهي تدخل في باب الحصر التاريخي، ولسنا مطالبين، هنا على الأقل، للتذكير بالمراحل كافة فأغلبها معلوم وفاعليته محسوسة50. ما يعنينا عاجلا هو الأقرب إلى المعاصرة حين كان للتيارات الفكرية والأدبية والإيديولوجية النشطة بالمشرق صداها المسمـوع في المغرب مع منطلق العقد الستيني، مما جعل محافل سياسية عندنا إنما تستعمل وتردد شعارات وتحليلات وتتبنى قضايا مصدرها هناك. فالناصرية والقومية، مثلا، بطنتا ولونتا إيديولوجية اليسار المغربي. وحين هزت نكسة يونيو (حزيـران) 1967 مصر والعالم العربي كله ضرب الوسط الثقافي، في المغرب، في الصميم. فقد تبخرت كثير من الآمال وأُحبطت طموحات وتصورات عن تجديد الهوية الوطنية، وعن التغيير الاجتماعي المتواشج بالمصير العربي المشترك. بيـد أن العواقب السياسية والسيكولوجية التي وصفت بالكارثة على الأمـة العربية51 حفزت النخبة الفكرية المغربية على إعادة النظر في الحاضـر والماضي على السواء بحثا عن آفاق جديدة، وقد انعكس هذا الوعي على أكثر من مستوى. في إطار الإنتاج الأدبي ستؤهل المحنة لتوسيع الرؤية وتكثيفها وخلخلة جمود أو رتابة التيمات المطروقة، ودفع الكاتب، وقد تبددت الأوهام، نحو استبطان التجربة الخلاقة.

2.6 ـ ولمن قد يعتقد بوجود مبالغة في الاقتران الموصوف أو بعض التعسف نرد بأن الكتاب المغاربة، خلا استثناءات محدودة، كلهم ذووا تكوين عربي، وأن مشاعرهم مغموسة في المد القومي المشارك جذريا في تأسيس الرؤية عندهم. وعلينا أن نلاحظ في هذا المسار، مما يعد أمرا بالغ الدلالة، كيف أن تعاظم الخيبة من تحقق المصير العربي المأمول وجد له انعكاسه المباشر على الأدب، مشرقا ومغربا، فتبدلت مثله وغير قيما بقيم إما عبورا بالنقد الذاتي أو بضرب من النهش الذاتي لحالات أفراد متأزمين أصبحوا في قطيعة مع المحيط وانعدم أمامهم كل أفق للتغيير. والحال أن الـمراد هو رغبة الوصول إلى أسباب الـهزيمة وانـهيار الأمة.

ولقد بلغ تأثير المشرق على الجناح الغربي من العالم العربي مداه على صعيد تلقي الأعمال الأدبية. فإذا كانت الشروط الإيديولوجية والسياسية الجامعة للمنطقتين قد نبهت المثقفين المغاربة لمعوقات الحاضر وأهمية اعتناق قيم بديلة للمستقبل، فإن النص الأدبي المشرقي، ونعني الحديث، لعب أكبر دور في التحسيس والحفز على التحديث الأدبي في المغرب، وضمنه، بصفة خاصة، العبور إلى منطقة الكتابة السردية الفنية. أجل، لقد كان القاص والروائي عندنا تابعا في تربيته القصصية وتمرسـه على النسج السردي، وأساتذته، المباشرين وغير المباشرين، ولنا على سبيل المثال لا الحصر أن نذكرهم منهم جورجـي زيدان (1861 ـ 1914)؛ محمود تيمور (1894 ـ 1973)؛ محمد عبدالحليم عبدالله (1927 ـ)؛ أحمد أبو المعاطي أبو النجا (1930 ـ)؛ يوسف الشـاروني (1924 ـ )؛ نجيب محفوظ (1912 ـ )؛ يوسف إدريس (1927 ـ 1992). والتيارات الأدبية للأدب الحديث في مصر خاصة ستخترق ذاتـها بكيفية عشوائية، الأدب المغربي، أي بنفس الصورة تقريبا للتأثير الذي عرفه أدب المشرق من جـانب الآداب الغربية52. ولا شك أن الدراسة المقارنة الدقيقة للكتابات السردية في هذه الآفاق المتعددة هي وحدها ما يكفل معرفة موثوقة بظواهـر ونوعيات ومستويات التأثير والتأثر، مما يخرج عن دائرة اهتمام البحث الراهن، ويعد في الواقع مطلبا شديد الصعوبة نظرا لعدم الانتظام في تلقي الأعمال الأدبية المشرقية من قبل المغاربة، أو خضوعه للصدفة أو المزاج وغير ذلك، مما لا يسهل رسم شبكة التحليل وضوابطه.

غير أننا لا نعدم وسيلة للتغلب على بعض الصعوبات باللجوء إلى اقتراح فكرتين متوازيتين، واحدة تخص مردود التلقي في تطوير أو تبلور الأجناس الأدبية في المغرب، والثانية تنشغل بصلة القرابة بين الرؤى والتيمات في الأدبين المشرقي والمغربي.

3.6 ـ تقودنا الفكرة الأولى إلى بحث الكاتب المغربي عن التآلف مع ضوابط وتقنيات الأجناس الحديثة وتملكها. في مرحلة أولى خلال العقد الخمسيني لم تتجاوز قراءة هذا الكاتب قصصا مصنوعة بسذاجة أو تعثر، وبمقارنتنا للمتنين المشرقي والمغربي سنلاحظ أن الأصل والفرع كانا معـا ـمع فارق التفاوت التاريخي في انتهاج خط التحديث، طبعا ـ في مضمار التعلم قياسا بالمتن الغربي الأم. وهو ما نجم عنه، بالنسبة للأدب السـردي في المغرب، حدوث تفاوت مزدوج، على المستويين الزمني والتجنيسي، بالعلاقة مع النموذج السابق، من جهة، ووجود تأثير غير مباشر للأدب الغربي في صورة مثاقفة محرفة، من جهة ثانية. من هنا مصدر الطابع المركب للتأثيرات الخارجية على نشأة الأدب السردي المغرب وتطوره اللاحق. إن هذه التأثيرات لا تندرج في خطاطة قابلة للتحقق منها ولا ينتظمها إيقاع محدد، وهو ما يعطيها وضع الإشكالية.

مع تقدمنا صعدا في العقد الستيني سيصبح ممكنا سل الخيوط المتشابكة للمثاقفة النصية وهذا بفضل مهارة نسبية في كتابة النوع السردي. طيلة فترة التعلم كان الكاتب المغربي “يستهلك” دون تمييز كل ما يصـل إلى يده من نصوص53 عربية وأجنبية مترجمة (فرنسية، انجليزية وروسية). والأعمال المترجمة قل أن تعنى بنقل الخصائص الأدبية للنصوص الأصلية، كما أن الاختيارات في حقل الترجمة عسفية. بينما لا سبيل للوصول إلى تلك النصوص في لغتها الأم54. علاوة على هذا لم يتجاوز تعليم الأدب العربي الحديث ما هو متيسر في مرحلة النهضة. ومع تجاوز مرحلة التعلم ستقوم علاقـة جديدة مع الأعمال المتلقاة ستعلن عن نفسها، أولا، بجهد في الاختيار مرجعه أهليـة الكاتب وكتابته المعبر عنها بتنوع التيمات والأساليب الفنيـة، وكذا بالتطور العام للإبداع الأدبي الواقع دائما تحت ظل تأثيرات المتن القصصي المشرقي (والغربي)، وبنسب مختلفة بين هذا الكاتب وذاك. لا بد من الإشارة، أيضا، إلى ما عرفته حركة الترجمة، بدءا من العقد الستيني، من توسع في المشرق العربي، وفي لبنان خاصة حيث نـهضت ترجـمة أو “تعريب”55 الأعمال الأجنبية مركزة أحيانا، وبكيفـية منتظمة، على تيارات أدبية وأعمال روائية بعينها56. وهي حركة ستفعل فعلها الملحوظ في توسيع الأفق الإبداعي لكتابنا بـما ستضعه بين أيديهم من نصوص روائية سيدة ينتمي قسم بارز منها إلى تراث الواقعية. وابتداء من هذه الفترة بالذات سيغدو من الممكن قياس تأثير مثاقفة ونتائج التلقي على المتن السردي المغربي، وذلك بالاعتماد على مظهرين أساسيين: الأول يخص محاور التيمات والرؤى في السرد. نشير هنا إلى أن المتن المذكور شرع ينفتـح على تنوع الفضاء الاجتماعي والبشري. وإجمالا فإن جل المضامين تدور في محيط عالم البورجوازية الصغيرة أو الطبقة الوسطى بالأحرى، بأزماتـها المعيشة والذاتية، بتطلعاتـها وأوهامها وانكساراتـها الاجتماعية والنفسية مما يعـد، في الواقع، خطا مشتركا للتخييل الأدبي العربي جميعه، وفي هذا الصـدد يقول عبد الله العروي بحق: “حين ستعرف الرواية العربية الموضوعيـة التفتح فإنـها ستدرك ذلك تحت راية البورجوازية الصغيرة وهذا ميسم على درجة بالغة الأهـمية ينبغي استحضاره دائما، إذا ما أردنا إصدار حكم سليم على قيمة “الواقعية” التي ستعلن مبدأ وثوقيا غير قابل للمساس به”57. أما المظهر الثاني فيخـص السرد المتقن والمهذب أكثر فأكثر، المميز تحديدا بالتباعد الضروري بين المؤلف وسارد قصته. ودائما، نتيجـة لتأثيرات المتنين الغربي، والأجنبي من ورائه، ستتطور ضوابط تقنية القص وتتنوع وهو ما سيؤدي في القصة القصيرة إلى خرق القاعدة التقليدية للوحـدات الثلاث، مثلا.

4.6 ـ الوسيلة الأخرى التي يمكن للباحث اعتمادها لتوضيح دور النص القصصي المشرقي في النص المعني بالدراسة تنطلق من فكرة التقارب الموجود بين الرؤى والتيمات في كلا النصين. فبوسع كل من يتفحص الأدب السردي العربي أن يضع يده على الحضور الكثيف لأوضاع الطبقة الوسطى بصفتها مادة أولية للحكي. أكيد أن هنالك تفاوتا تاريخيـا هاما في تطور المكونات السيوسيو ثقافية والسياسية والاقتصادية في هذا الصـدد بين مشرق ومغرب. وعلى سبيل المثال تمثل سنة 1952 تاريخ اندلاع ثورة الضباط الأحرار التي ستؤول قيادتـها في الأخير إلى الزعيم جمال عبدالناصر. وفي الفترة نفسها (1953) نرى المغرب خاضعا بعد للاستعمار وينفى السلطان محمد الخامس وتأخذ المقاومة الوطنية منعطفا حاسما. رغم هذا التفاوت نستطيع أن نلاحظ بأن التجربة السياسية والاجتماعية الجديـدة في مصر ستمثل نوعا ما مظهرا من التطلع والآتي المغربي. وبعبـارة أخرى سيسقط المغاربة ماضي الآخرين على حاضرهم الخاص. فالتيمات المطروقة من لدن قصاصينا بعد الاستقلال سبـق وأن استثمرت في النموذج المصري خلال العقدين الأربعيني والخمسيني بل وقبل ذلك، وسيستمر هذا التفاوت من جوانب مختلفة إلى حدود العقد السبعيني. وما من شك في أن الانجذاب نحو فن القص عن الأصل المشرقي عامة وهيمنة نموذجه يعد أساس التقليد الملحوظ، لكن بوسعنا القول، أيضا، بأن وجود نوع مـن التماثل بين رؤيتي العالم كما احتوتـهما الكتابات السردية جعلت هذا التقليد حتميا.

5.6 ـ لعلنا نمس هنا نقطة باعثة على القلق، ذلك أن تجربة أدبنا السردي إن لم يكن يميزها شيء عن غيرها، بل وإذا ظهرت مجرد نسخة لأصل سابق، فعن أية شرعية وعن أي نوع من الواقعية والرؤية الواقعية في أدبنا بمقدورنا أن نتحدث؟ والحقيقة أن مثل هذا الشاغل يشمل كتابة التخييل العربي الحديث كله بما أنـها في أغلبها جوهرها نتاج أجنـاس تعبير وتشكيل موضوعة خارجها. عندئذ فإننا مطالبون كلما عرضنا لمحاولات تحديث الكتاب العرب في هذا المجال أن نستعيد إلى الذهن الحضور الكلي للنموذج الغربي في شتى تنويعاته المستأنفة من قبلهم، والمجربة طويلا بغية الالتحاق بفلك التحديث والتحليق في فضائه ولو كلف ذلك معاناة التجربة تحت ميسم ازدواجية التفكير والإحساس بالأزمة. والبحث عن شرعية تاريخية جديدة وعن إبداعية مجددة تحذو حذو “الآخر” يبرزان هذا الميسم؛ فالأزمة، كما يقول عبد الله العروي ليست شيئا عديم النظير “إن كل مجتمع عرفـها، يعرفـها أو سيعرف تجربتها على طريقتـه وليس مؤكدا أنه لن يعيها سوى مرة واحدة، وإلا كيف يمكن تفسير إعادات الترتيب والاكتشافات المستعادة وتجدد التيارات”58.

تبعا لوجهة النظر هذه يفقد سؤالنا أو تساؤلنا القلق نسبيا بعض حدته ليرتبط بالأحرى بجملة الإشكاليات الملازمة بالضرورة لتجربة قص يمثل تعلمها الفني وشاغل تقديم شهادة عاجلة أو ما يسميه هـ. متيران “متعة الحكي” و”خطاب عن العالم”59 نقول يمثل إجمالا الخاصيتين الرئيسيتين لـها. وينبغي، في الواقع، اعتبار هذه الخصائص بمثابة المقياس الجوهري لمشروعية مشروع في الإبداع باعتبار هذا الأخير لم يكن قادرا وليس له إلا أن ينخرط في نـهاية المطاف في وضع (Statut) يختص به. والاعتراف بـهذه الفرضية للتصريح بطريقة غير مباشرة، أو نظريا على الأقل، بأن مشروع الإبداع السردي المغربي، رغم بساطة بداياته، كان ضروريا لإقامة بنيان تحديث جيد الرسوخ لزم مروره حتما بمرحلة التقليد لنموذج أو نماذج سابقة عليه، هي في آن واحد مرحلة تعرف وتعلم فتمثل لاحق، والتي صبت فيها تأثيرات فضاء أو عالم من خارج النص شديد الفعالية في شحن الخطاب الروائي.

 

 

 


الهوامش:

1 ـ يمكن القول بأن الأبحاث المنهجية في الأدب المغربي انطلقت بكثافة وانتظام مع النصف الثاني من العقد السبعيني في إطار الرسائل والأطروحات الجامعية، وتركزت على الشعر والقصة القصيرة.
2 ـ الإحالة هنا على القولة الشهيرة للصاحب بن عباد المستوحاة من سورة يوسف : “هذه بضاعتنا ردت إلينا”، وكان وهو من كبار رجال الآدب في القرن الثالث الهجري، قد فاه بـها معلقا على توصله بكتاب للأديب الأندلسي المرموق ابن عبد ربه، بـما يفيد أن الأندلس، في نظره، إنـما تكرر ما هو معروف سلفا في المشرق.
3 ـ الركابي، جودت. في الأدب الأندلسي، القاهرة، دار المعارف، 1980.
4 ـ كنون، عبد الله، أحاديث في الأدب المغربي الحديث، القاهرة، معهد الدراسات العالية، 1964.
5 ـ نفسه، ص 122.
6 ـ نفسه، ص 17.
7 ـ نفسه.
8 ـ نفسه، ص 21.
9) WELLEK, René et WARREN, Austin. La théorie Littéraire, Paris, . Seuil. 1971, (Coll. Poétique). P. 144
10 ) MARX, Karl. Critique de l’économie politique. Paris, 1957, pp. 173 174.
Cité par WELLEK & WARREN, op. Cit., p. 145.
11 ) TODOROV, Tzvetan. Qu’est-ce-que le structuralisme? (Tome) 2: Poétique, Paris, Seuil, 1968 (Coll. Points), p. 19
12 ـ انظر :
JULIEN, Charles-André. Le Maroc face aux impérialismes : 1415-1956, Paris, Ed. Jeune Afrique, 1978, p. 29.
وانظر أيضا :
الناصري، أحمد. الاستقصاء في أخبار المغرب الأقصى، ج 9، الدارالبيضاء، دار الكتاب، 1956، ص 50.
13 ـ انظر :
LAROUI, Abdellah. Histoire du Maghreb. Paris, Maspéro, 1970, p. 206.
14 ـ نفسه، ص 275.
15 ـ الفاسي، علال. الحركات الاستقلالية بالمغرب العربي، تطوان، دار الطباعة الوطنية، 1956، ص 85.
16 ـ المنوني، محمد. مظاهر يقظة المغرب الحديث، ج 1، الرباط، مطبعة الأمنية، 1976، ص 27.
17 ) TOMICHE, Nada. Histoire de la Littérature romanesque de l’Egypte moderne. Paris, G-P. Maisonneuve et Larouse, 1981 (Islam d’hier et d’aujourd’hui, 15), p. 11.
18 ـ انظر :
LULIEN, Ch. – A. Le Maroc… op. Cit., pp. 87-90.
19 )AYACHE, Albert. Le Maroc, Paris, Ed. Sociales, 1956, p. 115.
20 ـ انظر المنوني، مظاهر …، م. س.، ص 282.
21 ـ الجابري، محمد عابد. تطور الانتلجانسيا المغربية : الأصالة والتحديث في المغرب. في : جغلول عبدالقادر، الانتلجانسيا في المغرب العربي، بيروت، دار الحداثة، 1984، ص 25.
22 ـ الشاوي، عبدالقادر. السلفية والوطنية، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، 1985، ص 181.
23 ـ الفاسي، علال. الحركات الاستقلالية…، م. س، ن ص 134.
24 ـ يقول غولدمان : “حين نتحدث عن الوعي الجماعي فينبغي كلما تعلق الأمر بإبداع الأعمال الثقافية الرجوع إلى المجموعات ذات الامتياز والتي يتوجه وعيها نحو تنظيم شامل للعلاقات البشرية في ما بينها”
انظر :
GOLDMAN, Lucien. Structuralisme génétique en Sociologie de la Littérature. In : Le structuralisme génétique : L’oeuvre et l’influence de Lucien Goldman, (ouvrage collectif), Paris, Denoël/Gonthier, 1977, p. 29.
25 ـ انظر :
JULIEN, ch. – A. Le Maroc face…, op. Cit., p. 160.
26 ـ انظر :
LEVEAU, Remy. Islam et contrôle politique au Maroc. In : Islam et politique au Maghreb, (ouvrage collectif), Paris, Ed. CNRS, 1981, pp. 271- 281.
27 ـ انظر الفاسي، علال. الحركات…، م. س.ن ص 140.
28 ـ انظر :
AYACHE, Le Maroc, op. Cit. P. 115.
29 ـ انظر الفاسي، علال. الحركات…، م. س. ص 167.
30 ـ نفسه.
31 ـ كان السلطان محمد بن عبد الله (1757 ـ 1790)، الذي أدخل الوهابية إلى المغرب، قد أصدر منشورا يحدد فيه المواد التعليمية التي يجب الاقتصـار على تدريسها في المساجد (سواء بالقرويين أو غيرها) وكذا ما ينبغي اعتماده من مراجع في الفقـه والنحو والأدب والحديث والتفسير. وقد ورد في هذا المنشور ما يلي : “ومن أراد أن يخوض في علم الكلام والمنطق وعلوم الفلسفة وكتب الصوفية وكتب القصص فليتعاط ذلك في داره (…) ومن تعاطى ما ذكرناه في المساجد ونالته عقوبة فلا يلومن إلا نفسه” ويخلص المنشور إلى القول : “فحين يسمعونـهم [(الطلبة] يدرسون هذه العلوم التي نـهينا عنها [ومنها القصص] يظنون أنـهم يحصلون على فائـدة بـها فيتركون مجالس التفقه في الدين واستماع حديث رسول الله (ص) وإصلاح ألسنتهم بالعربية فيكون ذلك سببا في ضلالهم”.
نقله كنون في : النبوغ المغربي في الأدب العربي، ج 1، بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1961، ص 276.
32 ـ يرتبط هذا الموضوع خاصة بوضع الأديب في مجتمع لم يتبلور فيه بعد مفهوم الكاتب، وحيث ثقل الهيمنة الإيديولوجية، من جهة، وفتوة التقاليد الثقافية والأدبية لا تسمح لهذا المفهوم باختصاص مستقل بذاته. لم يقتصر هذا الحال على مرحلة الاستعمار التي تطلبت تعبئة الأدباء وربط هويتهم بالمقاومة بل امتد إلى مرحلة الاستقلال في العقود الأخيرة. ونعتقد أن الموضوع المعني في حاجة إلى معالجة أخرى نأمل في إنجازها في المستقبل.
33 ـ انظر : مجلة المغرب، فبراير 1933.
يحمل المقال المعني أسفله توقيع “م”، ونعتقد أن صاحبه هو محمد عباس القباج، ناقد المرحلة المعروف.
34 – GOLDMAN, Lucien. Structuralisme génétique…, op. Cit., p. 23.
35 ـ بنيس، محمد. ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب : دراسة بنيوية تكوينية، بيروت، دار العودة، 1979، ص 338.
36 ـ انظر الناقوري، إدريس. المصطلح المشترك : دراسات في الأدب المغربي المعاصر، ط 2، الدار البيضاء، دار النشر المغربية، 1980، ص 237.
37 ـ راجع عبد الله. القصيدة المغربية المعاصرة ـ بنية الشهادة والاستشهاد، الدارالبيضاء، منشورات عيون، 1987.
38 ـ العوفي، نجيب. جدل القراءة، الدار البيضاء، دار النشر المغربية، 1983، ص 145.
39 ـ انظر :
INSTITUT DE SOCIOLOGUE DE L’UNIVERSITE LIBRE DE BRUXELLE, CENTRE D’ETUDE DE L’AMERIQUE LATINE. Fiction et réalité : La littérature latino-américaine, Bruxelles, Editions de l’Université de Bruxelles, 1983.
انظر بصفة خاصة مقالة Julio CORTAZAR بعنوان :
Options de l’écrivain latino-américain d’aujourd’hui, pp. 17-26.
40 – ISER, Wolfgang. L’acte de lecture ; Théorie de l’effet esthétique, Bruxelles. Pierre Mardaga, 1985 (coll. Philosophie et langage), p. 9.
41 ـ في سنة 1975 سيسترجع المغرب الصحراء المغربية التي كانت واقعة تحت الاحتلال الإسباني، وسيضطر لمواجهات عسكرية مع مجموعة انفصالية، الشيء الذي سيؤهل لإجماع شعبي حول القضية الوطنية حاكما بتأجيل المطالبات الاجتماعية والاقتصادية. وهكذا أصبح السلم الاجتماعي قائما بحكم الواقع.
42 – MITTERAND, Henri, Le discours du roman, Paris, PUF, 1980, Coll. Ecriture, p83.
43 ـ نفسه، ص 84.
44) GENETTE, Gérard. Figures II, Paris. Seuil (Coll. Points), p. 73.
45 ـ من أجل فهم حسن لأصل مفهم Fiction وتحولاته ومختلف استعمالاته نحيل القارئ على :
HABMBURGER, Logique des genres Littéraires, Paris, Seuil, 1986 (Coll. Poétique), pp. 69-72.
46 ـ يعتبر تيودور فونتان Théodor FONTANE أن على الرواية أن تحكي لنا قصة نعتقد
بـها وأن عليها أن تظهر لنا عالم التخييل كعالم حقيقة…”
ـ المصدر السابق، ص 71.
47 ـ نفسه، ص 72.
48) MITTERAND, H. Le discours…, op. Cit. pp. 87- 88.
49 ـ يتعلق الأمر بوصف المحيط السوسيو ثقافي وتحديدا العناصر الداخلية المشكلة لمختلف الرؤى الثقافية بالمغرب. وقد أفردنا لها فصلا خاصا في أصل الأطروحة، اضطررنا هنا لتجاوزه على أهميته القصوى في تكون الرؤى الـمبثوتة في الإنتاج الأدبي السردي.
50 ـ يتعلق الأمر هنا بالفصل الثالث من القسم الأول لاطروحتنا.
51 ـ شكري، غالي. سوسيولوجيا النقد العربي الحديث، بيروت، دار الطليعة، 1981، ص 193ـ 200.
52 ـ انظر علوش، سعيد. إشكاليات التيارات والتأثيرات الأدبية في الوطن العربي: دراسة مقارنة، الدارالبيضاء، المركز الثقافي العربي، 1986، ص 81 ـ 82.
53 ـ نعتمد هنا على شهادات وتصريحات مباشرة من كتاب أصدقاء وزملاء، وعلى معانيات ميدانية، وكذا على تجربة شخصية في هذا المضمار.
54 ـ باستثناءات لا تكاد تذكر، فإن الجيل الأول من الكتاب المغاربة ـ أي الرواد من المحدثين ـ، وكذا الكتاب الذين نشطوا في العقد الستيني تلقوا تعليمهم في محيط عربي إسلامي صـارم ؛ والأوائل تلقوا على الأغلب تعليمهم، إما في جامعة القرويين أو بتطوان أو كلية بن يوسف بمراكش. بينما تلقى من بعدهم تعليمهم إما في المدارس الوطنية الحرة أو المدارس العمومية، ثم في الجامعات في أسلاك عربية. ولم يكن تلقين الفرنسية يمثل شأنا كبيرا في التعليم الحر. ومن كتاب العقد الستيني نجد محمد بيدي وهو ذو تكوين مزدوج، ولكنه يؤكد القاعدة، فقصصه لا تكاد تختلف في شيء عن قصص أبناء جيله من ذوي التعليم العربي الخالص.
55 ـ كثيرا ما نجد كلمة (تعريب) تستعمل من قبل المترجمين بدل كلمة (ترجمة). ونعتقد أن هذا الاستعمال يراد منه لفت نظر القارئ إلى قيمة العمل المترجم من جهة نقله بعناية ولغة مثقفة.
56 ـ تقدم دار النشر اللبنانية “دار الآداب” المثال الأكثر دلالة في هذا المنحى. ففي ظرف سنوات معدودة ترجمت مجمل الأعمال النظرية والروائية الوجودية. وتقدم مجلة “الآداب” نخبة مترجمة من القصص الأجنبي، من تيارات متنوعة بموازاة القصص العربي المجدد. فيما اختصت “منشورات عويدات”، وهي الفرع اللبناني لدار النشر الفرنسية “هاشيت” في ترجمة بعض العناوين الكبرى للرواية الفرنسية. واختصت دور “لبنانية” أخرى بترجمة الأعمال الفلسفية والأدبيات الإيديولوجية والسياسية. وهذا فضلا عن ما كان يترجم في القاهرة ودمشق، مما وصل إلى المغرب أو لم يصل.
57 – LAROUI, Abdellah. L’idéologie arabe contemporaine, édition revue, Paris, Maspero, 1977 (Coll. Textes à l’appui), pp. 188.
58) LAROUI, Abdellah, Islam et modernité, Paris, la découverte, 1986.
59 ـ انظر :
MITTERRAND, H. Le discours…, op. Cit., p. 5.

error: المحتوى محمي