الزمان الدائري وفكرة التقدم: فينومينولوجيا الروح وإرادة الانفصال – عمر بوجليدة

الزمان الدائري وفكرة التقدم: فينومينولوجيا الروح وإرادة الانفصال – عمر بوجليدة

 


إن الـنـظر الـذي استوى لدى البعض، استواء لا نـزاع فــيه، هـو العناية بالحداثة مـن حـيث هـي حـقـبة تـاريخـية لـذلك يعـاود “هيغل “عـين المسار فيما انتهى له، لفظ ” الحديث” لـلإشارة إلـى فـتـرات بعـينها كـأن يـقـول مــثلا” الأزمـنة الحـديـثة ” أو” الأزمـنة الجـديـدة” فـي صيـغ تـتـوافق مـع الألـفـاظ المـستخـدمـة في ذلك الوقت، وهـي ألفاظ تـشير إلـى القرون الثـلاثة السابقة: ” اكتشاف العالم الجديد”، “عصر النهضة”، و “الإصلاح”.

و قـد شـكـلت هــذه الأحـداث الـهامّـة العـتـبة الـتاريخـية بـين “العــصور الـوسـطـى” و ” الأزمـنة الحـديـثة”. لـمثل هذا أعتبر “هيغل” أول مفكر تأكد لديه وعـي واضح بالروابط العميقة الثاوية خـلـف هـذه الأحـداث،و اسـتشعـر جـدتها الكلية بالقياس إلـى ما سـبقـها،وفطن إلى الدلالة الفلسفية المـشتركـة بـين هـذه الأحـداث. فـمـعـظـم مـؤرخي الحداثة يـؤكدون عـلى أن الحـداثة لـم تع ذاتها فلسفيا، و بشـكـل واضـح إلا مـع “هـيـغل” فـقـد استعـمل هـذا الأخـير مصـطـلح “العـصور الحـديثة” اسـتعـمالا خـاصا يـتـمـيـز عـن المفهوم الزمني المتداول لدى الـمـؤرخين و الذي يشير إلى مجرد حـقبة أخـرى مـن حـقـب التـاريـخ. “فالعـصور الحـديثة” من منظور “هيغل” هي عصور جديدة، عـصور مختلفة نوعيا عمّا سبقها، العـصور الحديـثة بهـذا المعنى تـصف الحاضر على أنه فترة انتقال تسـتنـفد ذاتـها في الوعي بالتسارع من جهة و بانتظار و توقع لمستقبل مختلف نوعيا عن الحاضر، و جذريا عن الماضي.

فـفـي مـقـدمـة كتاب “فيـنومـينولوجيا الروح” يصف “هيغل” الزمن الذي يعيش فـيه بأنـه زمـن ميـلاد و انتقال نـحو حـقبة جـديدة،فقد انفصل الـروح عما كأنه العـالم إلى حد الآن فـي وجـوده و تمثله، إن الـقـلـق،و الضجـر و اللامبـالاة الـذي يـداهم ما ظـل باقـيا و مسـتمرا مـن ذلـك الـماضي و الإحـساس الـغامض بمجهول آت، هي العلامات المبشرة بأن شيئا آخر مـختـلفا يتهيأ. إن هــذا التـفتت يوقفه طلـوع الشمس التي تحاول بسرعة أن تبني صرح العالم الجديد(1).

و حول ذات الأمـر يمكن أن نوضح أن الحداثة إنما ترتبط بوعي تاريخي خـصوصي يجـعـل من الحاضر المـولّد دوما للـمسـتقـبل(2) و أنـه في رفضها لنماذج محددة فإنها تـعــلـن انفـصالها عـن الـتقـليـد وعـن المـاضـي،إذ هـي تـتـعـارض اصـطـلاحا مــع”القــدم” للـدلالـة عـلى رفــض الـثـبـات و الـديمـومـة، فـهـي سيـلان و صيرورة تـثبت قـدرة الإنسان و تجذر كـيـنونـته فـي الـتاريخ، أنـها وعـي الإنـسان بـذاتـه داخـل التـاريـخ- إنها شـدة التعلق بالجديد- وهو ما يجعل إرادة الانفصال عن القـديم حاضـرة بكـثافـة غايتها بـلورة رؤية للعالم لا سـابق لها ومن الأمـثلـة عـلـى ذلك ثـورة “كوبـرنيك” و ما أفــضت إلـيه مـن رؤيـة جــديدة للكـون هزت التـصورات الأرسطية- البطليموسية، وكذلك جهـود “ديـكـارت “، “غاليلي”، “نيوتن” الـتـي خــلخلت بنية العقل و رؤية الإنسان التقليدية للعالم، ذلك” أن نشأة الحداثة بصفة عامة في عصـور النهضة الأوربية، قد تخـلـلـتها هزات عـنيـفة و تقلبـات شــديدة عـلـى المستويات المجتمعية و السياسية و الفكرية، فالحـروب الدينية و المـعـارك السياسية فـي عصر النهضة ما هي إلا مستـوطنات لتلك الهـزات و التـقلـبات”(3) .

و ممّا أسلفنا ذكـره، يظهـر لنا أن عصر الـتـنويـر مـثـل مـحاولـة للإفـلات مـن التقاليد، “فـسمة التنوير الإيـمان بـذات قيـمة الإنسانية، و التـي تتجلى في بناء مفهوم يتراوح بين التأكيد على تناهـي الإنسان و على فاعليته باعتباره المركز الجديـد ” لـعـالـم ابتـعـدت عـنه الآلـهـة(4). فالـعـالـم الجـديد أي ” عـصـرنا” بعــبارة “هــيـغل” هـو ما يـتـميـز بالانــفـتاح عـلـى الـمسـتـقـبل، و على بداية مرحلة تاريخية جديدة، فالحاضر يصبح مرحـلة انتقال تتلاشى فـي الوعـي بالتـسـارع: إن الـزمان هـو الـحاضر فـي تـسـارعـه.

يـكـاد يكـون من المحـقـق أن مفـهــوم الحداثة وثيق الصلة بتمثل للزمان و التاريخ خـاص، و يـنهـض عـلـى أساس فـلسـفة فـي التاريخ ونظرية في التقدم: فقد بدأ الاقتناع يسود بفكرة الـتقـدم المناهضة تماما للرؤية القـديمة للـزمان، و هـي الرؤية الدائرية.
و ما يمكـن استـجـلاءه هـو أن مــفـهـوم التـقـدم يـرتـبط بـفـكـرة مـفــادهـا أن الإنـسان فـاعـل في التاريـخ، كـما يـرتـبـط بفـكرة التفاؤل بالمستقبل:ومن ثمة فالحداثة هـي النزوع نحو التقدم. ولكـن مـا نعتقد أنه أصبح مدار المسألة ليس عملية التقسيم ذاتها، و إنما عـملية التـقـويم التي رافقتها. فالحداثة إنما هي قيمة تستمد معناها من ذاتها كحركة دائـمة، إنها ذلك المستوى الذي غدت فيه” حادثة أن يكون الإنسان حديثا، قيمة، أصـبحت أكثر مـن ذلك، القيمة الأساس التي تحيل إليها كل القيم الأخرى”(5).

بـيـد أن الـمـتصفح للطريقة التي بها يطرح فـوكـو، مسألة التقدم و يعالجها، إنما يـقـف عـلـى أن هـذا الـطـرح، وهـذه الـمعالجة، يشترطان ارتباطا وثيقا بين سـؤال التنوير” النـص/ السـلطـة”. و سـؤال ” ما هـي الـثورة؟” و يعـتبر من وجوه عدة، تتمة لنص ما الأنوار؟ (6) . حـيـث طـرح فـي هـذا الـنص، سـؤال آخـر هـو: “هـل هـناك تـقدم مـستمر للجنس البشري؟” و وضـح أنه لا يكفي التدليل على التقدم بل لا بـد مـن وجـود حـدث تـاريخـي تـكـون لـه قيمة الـمؤشـر، و من دون شـك فـان الحـدث الذي يحمل كـل هـذه الإمـكـانـيات هـو حـدث الثورة، و من ثـمة تـكـون للـثورة قـيمة المؤشر.إلا أن كانط يحذر من أن الـتـقـدم يمكن أن يـظهر فـي الأمـور الأقـل شأنا: و لعـل هـذا ما يجـعلـنا نتـساؤل: أليس الثـورة حـدثتا عظيما؟ أليست هـي مثالا للحدث؟ (7)
إن ما يـشكـل مـؤشـر الـتـقـدم- بالـمـقابـل هـو ما يحاذي الـثورة،كما يقول “كانط” من ” تعاطف بين التـطلـعات يـلامس الحـماسة” (8) فالحماس للثـورة هـو المـؤشر لتأهـب يظهر بـصفة مـستـمـرة. و قــد يتـجلـى فـي مـظهـرين اثنـين: الدستور السياسي الذي اختاره الشعب بمـحـض إرادتـه. و دسـتور سـياسي يجنـب الحـرب: هـما العنصران المشكلان لمسار عصر التـنويـر، و أن الثورة هي التتويج النـهـائي له باعـتبارها مـؤشر التقدم.

و لكن يتعين أن نمعن النـظر في فكرة التقدم هذه و مساءلتها. فـفوكو يـوضح أنه تعلم من ” تاريخ العلوم” أن يشكك في فكرة التقدم(9).
و مـن المـؤكـد أنـه لا يـنكر أن الـبشـرية تـتـقـدم، ولكـن ما ينكره هو الطريقة الخاطئة في طرح مسـألـة التـقـدم إذ يتساءل: كيـف حـدث و أن تقدمنا؟ أو كيف يحدث التقدم؟ و أن ما يحدث الآن ليس بالضرورة أفضل مما حدث؟ حيـث يصف تقـدم وسائـل التعـذيب و المراقبة و الضبط التي تـطال الجسد الاجتماعي(10) و أفضل طرح لمسألة التقدم فـي نظـره هـو تحليل العقلانيات الخاصة بدلا من الاستشهاد بتقدم العقلنة عموما(11).
إنه هـنا تحـديـدا نفـهـم عـودة فـوكـو إلـى نـص كانط إنـها لحـظة “انطـلاق سلالة مـن الأسـئـلة الفـلـسفية”(12).حـيث طرح عصر التنوير بكل قوة مسألة العقل و الـتاريخ. و”كـانط” بمساءلته الأنوار والثـورة يكون قد طرح فـي نظـره مسـألة الآنـية أو ما يسميه فـوكـو الأسس الـفلـسـفية لانـطـولوجيا الـحـاضر أو انـطولوجيا نحن ذاتنا. ” و يفـترض أن استشكال عـصر التنوير بوصفه الصيغة الكبرى لبرنامج الحداثة إنـما هـو القـطب الــذي دارت حـوله الجهود الفـلسفـية المـعـاصرة من “هيغل” إلى هابرماس مرورا بـنيتشه و فيبر”(13).

وإذ قـد بان لـنا ما يـنسب إلـى كانـط مـن ريادة فـي الحـداثـة، فانـه عليـنا أن نـوضح أن فـوكـو يستـعمـل مـصـطلح الـحـداثـة استـعـمالا خـاصا: إذ ” ما يعـرض نـفـسه علـى التحليل الأركـيولـوجـي هـو المـعـرفـة الكلاسيكية كلها أو قبل ذلك هـو هـذه العـتبة التـي تفصلنا عـن الـفـكـر الكـلاسيكـي و تشـكـل حـداثـتنا”(14). و هـذا ما دفع البعض إلى القول بأن”كانط” يمثل – في نظـر فوكو- نـقـطة الـتقاء العديد من مسارات الحداثة و كأنها حداثات متقاطعة لا مجرد حداثة واحدة(15).

 

 


 المراجع:

(1) -Habermas, Discours philosophique de la modernité , trad. de l’allemand par Christian Bouchindhomme et Rainer Rochlitz, Paris, Gallimard 1988,p 7.
– Hegel, Phénoménologie de l’esprit, Paris Aubier Montaigne 1947, Préface p 12 الترجمة العربية: هيغل، علم ظهور العقل، ترجمة مصطفى صفوان، الطليعة، بيروت ،ط 3 / 2001

(2) محمد نورا لدين أفاية، الحداثة و التواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة، نموذجا هابرماس، إفريقيا الشرق الدار البيضاء 1998، ص 126

(3) فتحي التريكي ،الحداثة و المعقول” ، في ، “فلسفة الحداثة” ، مركز الإنماء القومي ، بيروت 1992 ، ص16.

(4) صالح مصباح، التنوير الكلاسيكي ،في تنوعه وتاريخيته : راديكاليا ومعتدلا ومضادا ، المجلة التونسية للدراسات الفلسفية ، العدد 38 / 39 ، ص73

(5) Gianni Vattimo, La fin de la modernité, Paris Seuil 1987, p 105
(6) الزواوي بغورة، فوكو: الأنوار و التقدم، كتابات معاصرة، عدد 38، 1999 ص77

(7) المرجع نفسه، ص77

(8) فوكو، كانط و الثورة، ترجمة يوسف الصديق، المجلة التونسية للدراسات الفلسفية ،العدد 38/39 ، ص.15

(9) M. Foucault, Entretien sur le prison, in Dits et Ecrits, T 2,Paris , Gallimard , 1994 , p 7

(10) M. Foucault, Surveiller et punir : Naissance de la prison, Paris Gallimard 1976
الترجمة العربية: م. فوكو، المراقبة و المعاقبة: ولادة السجن، ترجمة علي مقلد، مركز الإنماء القومي بيروت،1990،

(11) درايفوس+ رابينوف، م فوكو مسيرة فلسفية، م فوكو مسيرة فلسفية ، ترجمة جورج أبي صالح ، مركز الإنماء القومي (د-ت) .ص 188.

(12) فوكو، كانط و الثورة، ترجمة يوسف الصديق،(= مرجع سبق ذكره) ، ص 16

(13) فتحي المسكيني، الهوية و الزمان ، تأويلات فينومينولوجية لمسألة النحن ، دار الطليعة ، بيروت ، الطبعة الأولى 2001 ، ص 39.
أيضا:
Magazine littéraire, Mai 1984, p 39, un cours inédit de M. Foucault (14) Foucault, Les mots et les choses, Gallimard, 1966, pp. 15-16
الترجمة العربية: م. فوكو، الكلمات و الأشياء، ترجمة مركز الإنماء القومي بيروت،1990
.
(15) Leblanc, Le conflit des modernités selon Foucault, in Magazine littéraire n°309
Avril 1993, p 57

Foucault, Qu’est ce que les lumières, in Magazine littéraire n°309,
Avril 1993, p 63.

*د. عمر بوجليدة: مهتم بالبحث في التأويلية والفلسفة المعاصرة، حاصل على دكتوراه في الفلسفة ببحث حول تأويلية الفعل من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، له العديد من المساهمات والمقالات المنشورة، صدر له كتاب بعنوان: الحداثة واستبعاد الآخر، دراسة اركيولوجية في جدل العقلانية والجنون، وكتاب تحت عنوان “العرب ومسألة التنوير” (تحت الطبع).

error: المحتوى محمي