الروائي ميلان كونديرا – ترجمة: سعيد بو خليط

الروائي ميلان كونديرا – ترجمة: سعيد بو خليط

سعيد بوخليط


 

يجدر أولا، لفت الانتباه على طريقة صورة الغليون الشهير لروني ماغريت: ((هذه المقالة، ليست حوارا مع ميلان كونديرا Milan Kundera…)) بناء على المعنى المتداول للمفهوم، بل “محاورة لعمله”. المبدأ بسيط : يتعلق بمساءلة مؤلفاته، واستفسار رواياته واستنطاق دراساته…

منذ، ما يزيد عن خمسة وعشرين سنة، تجنب دائما، صاحب رواية: [ l’insoutenable légèreté de l’être]، [خفة الكائن التي لا تحتمل]، الإدلاء بأي حديث لوسائل الإعلام. سنة 1986، كتب في “فن الرواية” « l’art du roman » : ((لقد قررت بشكل جدي، عدم إجراء أي لقاء صحافي)). خشية، أن تنسب إليه أقاويل غير صحيحة، لكن ربما، وكما يقول “إزاك سينجر” ((وحده العمل، يؤخذ بعين الاعتبار، وليس الرجل الطيب)، ويضيف أيضا : ((حينما نشعر بجوع حاد، فلا تهمنا حقا لحظتها حياة الخباز !)).

إذن،  فقط المتن يحتسب، وكل الأجوبة عن الأسئلة التي تريدون طرحها، تتضمنها المؤلفات : لقد

Milan-Kundera

Milan Kundera

حدثني دائما كونديرا بهذا الخصوص، طيلة سنوات، لما توخيت يوما، أن أنتزع منه حوارا. وإذا أقمنا التجربة وفق قياسها الطبيعي ؟ ألا يعتبر فرصة مثالية، إقدام “البلياد” أو مكتبة “الخالدين” على إصدار جزأين ؟ إذن، صار الكاتب جاهزا للعبة. توضيب التيمات والكلمات ـ المؤشرات، يعود إلى اختيار لنا. عن كل  سؤال من أسئلتنا، نجد الإجابة بين طيات نصوصه. مقتطف من هنا أو هناك. وأعماله المرصودة في هذا السياق : (فن الرواية)
« L’art du roman » و « des Testaments Trahis »  (الوصايـا المغدورة) و « la vie est ailleurs » (الحياة في مكان آخر) إلخ. إنه المشروع، ذاته من يتكلم.

مثلما، كان الأمر مع “أندريه جيد” و “بول كلوديل” و “سان جون بيرس” أو “نتالي ساروت”، فقد أضحى الكاتب الكبير ميلان كونديرا وهو على قيد الحياة، ضمن زمرة الخالدين في مكتبة البلياد La Pléade. بهذه المناسبة، التقيناه بطريقة غير مباشرة، بعد الاستماع إلى نبض نصوصه….

 

1 ـ نبدأ بسؤال بسيط، لماذا تمقتون إلى هذا الحد المعطى “البيوغرافي” ؟ لماذا تشمئزون من التكلم عنكم ؟

يقول فلوبير : ((على الفنان، أن يحيل في تفكيره على المابعدي))، ورفض موبسان أن تظهر صورته  في إطار سلسلة مكرّسة لمؤلفين مشهورين : ((إن الحياة الشخصية للرجل وشكله، لا ينتميان إلى العموم)).؟ أما “هيرمان بروخ”، فقد قال عن نفسه و”غوبير موزيل” وكذا “فرانز كافكا”: ((نحن الثلاثة. ليست لنا بيوغرافية حقيقية)). هذا لا يعني، بأن حياة كل واحد منهم تميزت بخلوها من الحوادث بل لم تكن موجهة، نحو أن تصير  مميزة وعمومية ثم بيوغرافية… و”فولكنر” توخى : ((أن يلغى كفرد، ويحذف من التاريخ، ولا يبقى منه أي أثر غير مؤلفاته المطبوعة)) (التشديد على كتب مطبوعة، بمعنى ليس المقصود مسودات  غير مكتملة ولا رسائل ولا يوميات).

هناك استعارة مشهورة، تؤكد بأن الروائي يهدم منزل حياته، كي يبني بالقرميد منزلا ثانيا له : منزل الرواية. من هنا، يستنتج بأن السير الذاتية لروائي ما تقوض ما صنعه، ثم ترمم ثانية ما تخلص منه. إن وظيفتها سلبية جدا، من وجهة، نظر الفن، ولا يمكنها إضاءة قيمة أو معنى رواية من الروايات. هكذا، في اللحظة التي جذب فيها كافكا الانتباه أكثر حول شخصية “جوزيف. ك”، تجلت بوضوح سيرورة موته المابعدي.

 

2 ـ ماذا يوسعنا القيام به، كي نتجنب عدم تواري الكتّاب شيئا فشيئا وراء سيرهم الذاتية ؟ 

أحلم بعالم، يكون فيه الكتّاب مجبرين قانونيا، كي يتكتموا على هويتهم، ويستعملوا فقط أسماء مستعارة. يترتب، عن هذا الأمر، ثلاث امتيازات : تحديد جذري لهذا الانقياد المرضي خلف الكتابة (La Graphomanie)، وتقليص للعدوانية في الحياة الأدبية، ثم اختفاء مبدأ تأويل العمل، بيوغرافيا.

 

3 ـ بخصوص الغرافومانيا Graphomanie لديكم تعريف شخصـي 

     جدا …؟

لا تعني الغرافومانيا La Graphgomanie، الهوس،  بكتابة رسائل ومذكرات حميمية أو أخبار عائلية (أي أن يكتب لذاته أو أقربائه)  ولكن إنجاز مؤلفات (بمعنى أن يتوفر على جمهور من القارئين المفترضين)، يتحول هاجس خلق صيغة، إلى مسألة فرض الذات على الآخرين، إنه المنحى الأكثر فظاعة، لإرادة القوة.

 

4 ـ إذا كنتم تبغضون إلى حد ما إجراء مقابلات حوارية، فلأنه  “يعاد تنقيحها”، كما نقول اليوم. عند أي حد تتجلى خطورة هذه الممارسة؟ 

مقابلات، محاورات، تجميع لأحاديث، اقتباسات، تسجيلات سينمائية وتليفزيونية.هكذا، تعتبر  إعادة الصياغة بمثابة سمة لفكر العصر. يوم ما، سيعاد ثانية كتابة ثقافة الماضي بأكلمها، ثم تنسى في مجملها خلف المنقّح.

 

5 ـ خلال كل حياتكم، طبقتم “فن الرواية” مع ذلك في “الوصايا المغدورة”، تكتشفون إلى أي حد تمثل الرواية لديكم أكثر من مجرد “جنس أدبي “. بشكل عميق جدا، ماذا يعني لكم، أن تكون روائيا ؟ 

دلالة الروائي بالنسبة إلي، تتجاوز ممارسة “جنس أدبي” من بين أجناس أخرى. هو، حالة وحكمة ووضع يستبعد كل تماثل مع سياسة أو دين أو إيديولوجيا أو أخلاق أو جماعة من الجماعات، إنه لا تماثل واعي ومتصلب وساخط، يدرك ذاته، ليس كتملص أو انقياذ، بل مثل مقاومة وتحدي وثورة.

 

6 ـ نريد مثالا : 

لقد قطعت مع هذه الحوارات الغريبة : “السيد كونديرا، هل أنتم شيوعي ؟”. “لا ، أنا روائي”.؟ “هل أنتم منشق ؟”. “لا، أنا روائي”. “هل أنتم من اليمين أم اليسار؟ “، “لا يمين ولا يسار، أنا فقط  روائي”.

 

7 ـ نتوفر على عنصر بيوغرافي واحد، لا غير، لقد ولدتم سنة 1929، ب برنو Brno أي ما سمي في تلك الحقبة بتشيكوسلوفكيا. فماذ، تعني لكم حالا كلمة ” تشيكوسلوفكيا” ؟

لا أوظف قط كلمة تشيكوسلوفكيا في نصوصي الروائية، مع أن تأثيرها بشكل عام قائم. هذه الكلمة المركبة، حديثة جدا (ظهرت سنة 1918)، بلا أصل في الزمان أو جمالية، كما أنها تخدل الخاصية المركبة، وجد فتية قياسا للشيء المسمى. إذا أمكننا عند الاقتضاء إقامة دولة على كلمة لا تتوفر فيها المتانة المطلوبة، فلا يمكننا في المقابل، أن نؤسس  عليها رواية. لذلك، عندما أريد تسمية بلد شخصياتي، فإني أعود دائما إلى توظيف، المفهوم القديم : بوهيمي. من وجهة نظر الجغرافية السياسية، ليس دقيقا (مترجمو أعمالي يرفضون ذلك غالبا)، لكن إذا استندنا إلى القصيدة، فستبقى بمثابة التسمية الوحيدة الممكنة.

 

8 ـ لنبقى في إطار الجغرافية والثقافة، ما هي رؤيتكم لأوروبا ؟

خلال العصر الوسيط، قامت الوحدة الأوروبية على الدين المشترك. أما في الأزمنة الحديثة، فقد أخلي المكان للثقافة (الفن، الأدب، والفلسفة(، التي صارت تحقيقا لقيم عليا، يكتشف الأروبيون بواسطتها أنفسهم، ويتمثلونها وتتجسد هويتهم. حاليا، تنازلت الثقافة بدورها عن مكانها، لكن لماذا ؟ ولمن ؟ ما هو المجال  الذي تتحقق في سياقه القيم العليا ،القادرة على توحيد أوروبا ؟ الإنجازات التقنية ؟ السوق ؟ السياسة وفق المثال الأعلى للديمقراطية، مع مبدأ التسامح ؟ لكنه  تسامح، قد  يصبح فارغا وبلا جدوى ؟ إذا لم يحافظ على إبداع غني وفكر متين ؟ أو أيضا، هل بوسعنا أن نفهم استقالة الثقافة، كنوع من التحرر، ينبغي الاستسلام له بغبطة ؟ لا أدري. ما أعرفه، أن الثقافة هاجرت مكانها. هكذا، تتوغل صورة الهوية الأوروبية في الماضي. أوروبي : تعني، من يسكنه هذا الحنين إلى أوروبا.

 

9 ـ بين صفحات نسخة “البلياد” الصادرة حاليا، نعثر على قاموسكم الشخصي. أو ما أسميتموه بالكلمات المفاتح والإشكالية والمعشوقة. من بينها : نعثر على « infantocratie » فما هي، إذن، دلالة مفهوم كهذا ؟

كتب “موزيل” Musil، في عمله : [l’homme sans qualités] : ((تخترق دراجة نارية وسط الشارع الفارغ، يد السائق ورجله، تأخذان شكل “0” وتركز النظر بسبب صخبها المجلجل. وجه صاحبها، يعكس رصانة طفل، مما يمنح صياحه أقصى درجات الأهمية)). جدية طفل، ثم سمة العصر التقني. فمفهوم « infantocratie » بمثابة مثال أعلى للطفولة، يفرض على الإنسانية.

 

10 ـ دائما في الفصل المخصص للمفاهيم التي تبدأ بحرف « I » نقف على واحد مهم جدا بالنسبة لفضائكم، أقصد : « L’ironie » أو السخرية، فتقولون بهذا الصدد “تعرية للعالم باعتباره غموضا”.

أيهم على صواب، ومن المخطئ ؟ هل كانت “إيما بوفاري” لا تطاق ؟ أم شجاعة ومؤثرة ؟ ثم ماذا عن ويردر ؟ مرهف الحس ونبيل ؟ أم صاحب شعور عدائي وعاشق لذاته ؟ بقدر ما نقرأ الرواية بهدوء أكثر، يغدو الجواب مستحيلا، فالرواية تعريفيا، فن السخرية : “حقيقتها” مضمرة، غير مصرح بها، وغير قابلة للإقرار. “تذْكر رازوموف Razumov، أن النساء والأطفال والثوار يمقتون السخرية. فهي سلب لجميع الغرائز ولكل إيمان، ووفاء وفعل !” يتحدث جوزيف كونراد، على لسان ثورية روسية، عبر صفحات عمله (sous les yeux de l’occident). السخرية، تغضب.ليس لأنها تزدري أو تهاجم، لكنها تسلبنا يقينيات حينما تزيل عن العالم إبهامه.

 

11 ـ لديكم مفهوم أخر محوري، أقصد : كيتش Kitsch.

حينما، أنهيت روايتي : [خفة الكائن التي لا تحتمل] (1984)، شعرت بالخوف شيئا ما، لأني جعلت من كلمة كيتش “Kitsch”  إحدى الكلمات الأساسية  للرواية. في الواقع، وحتى عهد قريب أيضا، بقيت الكلمة شبه مجهولة في فرنسا أو متداولة من خلال معنى فقير جدا.

مع التأويل الفرنسي للدراسة الشهيرة ل هيرمان بروش Herman Broch، فقد تُرجمت كلمة “كيتش” Kitsch ب “فن الرداءة”. تفسير معكوس، ما دام “بروش” يبرهن على أن كيتش Kitsch أكثر من مجرد عمل للذوق السيئ. هناك حالة “كيتش”، وسلوك “كيتش”، وحاجة  “كيتش” لإنسان “كيتش” : الحاجة أن تنظر إلى نفسك، في مرآة الكذب المزخرف والمزيّن، وتكتشفها بنوع من الإشباع المنفعل.

 

12 ـ وماذا عن الشيخوخة، ميلان كونديرا ؟ في روايتكم : [الحياة في مكان آخر] تتخيلون رجلا عالما وكهلا يتأمل الشباب، ثم يقف على جانب غير منتظر أو بالأحرى منعش للشيخوخة. هل تستحضرون المقطع؟

“العالِم الكهل، يتأمل الشباب الصاخب، وأدرك فجأة أنه كان الوحيد داخل هذه القاعة الذي امتلك امتياز الحرية، نتيجة شيخوخته” . “فقط، حينما يكون المرء مسنا، يمكنه تجاهل فكر القطيع ورأي العموم، وكذا المستقبل. إنه وحيد مع موته المستقبلي، والموت يفتقد لعيون أو آذان ولا يحتاج لإرضائه. بالتالي،  يمكنه أن يفعل ويقول ما يسعده لذاته.

 

IIـ اللغة، أداة للتدقيق : 

ما هي لغة مشروع ميلان كونديرا ؟ لقد تعودنا ونحن نقارب هذه القضية، التمييز بين المرحلة التشيكية والحقبة “الفرنسية”، حسب اللغة المفترضة للمسودات. لكن الأشياء، معقدة شيئا ما.

أولى نصوص كونديرا الجميلة، كتبت بالتشيكية. لكن أخرى مثل : (غراميات مضحكة Risibles amours) وكذا (المزحة La plaisanterie)، صدرت بالتشيكوسلوفاكية سنة 1960، ثم تعرضت على الفور للحظر وستختفي لمدة عشرين سنة. فيما يخص الروايات الخمس اللاحقة، فلم تظهر قط علانية بالتشيكية قبل انهيار النظام الشيوعي. لقد كانت كتابات أطياف، ويعود فضل  ظهورها، إلى الترجمات التي أبرزتها على امتداد العالم. من ثمة، هذه الوضعية المتناقضة والمنفردة : تلك المتعلقة بمنتوج دون نص أصلي معروف، وكذا المؤلف الذي يكتب بلغة، يعرف قبليا كونها ليست اللغة التي سيقرأ بها.

وإن صار أكثر براعة،  استمر الغموض بعد هجرة ميلان كونديرا إلى فرنسا، بينما عرف نصه فترة سنوات 1980، مرحلة “مزدوجة” عجيبة : يشتغل على روايته (الخلود) « L’immortalité » بالتشيكية، وفي نفس الآن يكتب بالفرنسية مختلف مقالاته، كما يهيئ بنفسه النص الفرنسي لمسرحيته التشيكية : (جاك وسيده) (Jacques et son maître)، وقضى سنتين أو ثلاث، متفحصا بدقة متناهية الترجمات الفرنسية لرواياته كي يتأكد من “صحتها” ومطابقتها الكلية للنصوص الأصلية.

هكذا، وبشكل سريع جدا، ونتيجة وقائع تاريخية وجد نفسه مشدودا إليها.أيضا لأسباب النظام الفني، الذي لا يزداد إلا تعمقا مع مرور الوقت، أدرك كونديرا فنه بوعي ينساب لسانيا أو متعدد الألسن. بمعنى الانفصال، عن هذه اللغة أو تلك بعينها، ثم الانطلاق من أجل التفكير فورا في إطار “السياق الكبير” (الأوروبي أو العالمي) حسب تناغم وتبادل اللغات.

إلى هذا، يمكن أن تعزى سمتان لممارسته كروائي. الأولى، رصانة وجلاء أسلوبه. أسلوب كاتب، لا يعتبر اللغة الأدبية “مادة” ينبغي الاشتغال عليها، مثلما يدعي محترفو “الكتابة”، بل أداة تتوخى تعبيرا أكلثر دقة، وأقل غموضا من بين كل الأفكار والصور التي تلهمها.

البحث عن نثر، شكل هاجسا لكونديرا منذ قصصه الأولى، بينما لم يفكر قط في ترجمات محتملة. هذه الاستتيقا التي تروم نحو بحث مطلق عن نثر مقروء وواضح، بقدر ما أمكنه الأمر، مما يستدعي كل سلط التدقيق والاقتضاب التي تخفيها لغة ما، وتقتضي تنقيحات وتصويبات ثابتة لا تتعدد أبدا بعد ذلك.

هي الاستتيقا أيضا، التي تحكم مؤلفات ميلان كونديرا المكتوبة بالفرنسية، بحيث لا يوجد اختلاف بارز بهذا الخصوص، سواء بين مجموعته القصصية الأولى : غراميات مضحكة Risibles amours المكتوبة بالتشيكية، ثم روايته الأخيرة الصادرة بالفرنسية، تحت عنوان “الجهل” (L’ignorance). أشار كونديرا سنة 1998 : ((تبتغي لغتي، أن تكون بسيطة ودقيقة بل وشفافة، وتريد أن تصير كذلك بين طيات جميع اللغات)). الطابع الآخر، المميز للوعي المتعدد لسانيا، يتجلى في القيمة  التي يمنحها للترجمة الأدبية، باعتبارها “فن الدقة” والإحكام، أسلوبيا وسيمانطيقيا. من هنا، تجلي  أقصى درجات الاهتمام التي يوليها كونديرا، لكيفية ترجمة أعماله وانتقاء مترجميه.

بعيدا، على أن يصنف كتبه المترجمة، بمثابة نتاجات فرعية أو ثانوية كما يفعل أغلب المؤلفين، يشعر كونديرا بمسؤوليته التامة، بالتالي يعطيها قيمة تعادل عمليا نصوصه الأصلية.

إذا اعتبر الترجمات الفرنسية لرواياته التشيكية، جديرة ب “الثقة” مثل الأصلية بل و “أكثر وفاء للنصوص الأصلية،  من هذه النصوص نفسها”، إلى حد تفضيله أن تتم الترجمات الأجنبية انطلاقا منها. أما، عندما ينكب بلا كلل على تصحيح ترجماته الإيطالية والألمانية والإنجليزية وفيما بعد الروسية، فليس حتما نتيجة عدم اكتراثه ب “العبقرية” الخاصة  للغات، ولكن على النقيض، بسبب رهانه على أن جميع اللغات باستطاعتها استيعاب  أسلوبه الخاص، وتتماهى بوضوح، مع صوته الروائي.

 

III ـ ميلان كونديرا : أبي الروائي. يحكي الروائي البريطاني « Adam Thirlwell » كيف تغير مجرى حياته مع كتاب “فن الرواية”.

حين  بلغت سن الثامنة عشر، و أعيش في مدينة بودابست، اكتشفت اسم كونديرا. كنت شخصا سليم النية، أو بلغة كونديرا، شاعرا غنائيا. توجهت إلى براغ في جولة سياحية صحبة صديقة لي، وداخل مؤسسة “منزل كافكا” وقع بصري على كتاب “فن الرواية”. آنذاك سكنتني رغبة أن أصير  شاعرا، فقد اعتقدت بأن الرواية مجرد جنس للتسوية وبورجوازية : مرض للواقعية. لذلك، تظل القصيدة الفن الحقيقي للغة.

وأنا عائد، على متن القطار، أحدثت لي قراءة كونديرا هزة. حقا، يوجد “فن للرواية” ! بالنسبة  لانجلترا، كنا ننزع دائما للتفكير، بأنه وحده الموضوع والمحتوى، يهمنا في الرواية. غير أن كونديرا، سيتكلم عن أبنية روائية صارمة مثل آلات، ثم لينة كالقصائد. لقد، تلمست معه شاعرا للرواية.

على أنقاض ذاته السابقة يقول “روني جيرار” في مكان ما من كتابه (mensonge romantique et vérité romanesque)  يبني الروائي ذاته الجديدة. في بودابست، قررت أن أصبح روائيا والانضواء ليس فقط ضمن التقليد البريطاني، لكن في إطار المسار الأوروبي منذ سرفانتس .

مباشرة بعد “فن الرواية”، قرأت له رواية « la lenteur » “البطء”، فأثارني شيئان. أولهما، وينبغي الإقرار بذلك، يشير إلى السلطة والحرية اللتان تكلم بهما كونديرا عن الجنس. أية حكمة !  لكن، ما استهواني خاصة، كان التركيب : المنحى الموسيقي للكل. طريقة تنزع نحو تأسيس أسلوب قائم على التجاور، والالتصاق ثم فصول قصيرة، ولعب بالإيقاع إلخ (درجة  تغير الإيقاع، عند كونديرا، دائما دقيقة ومضبوطة). نعم، هذه الكيفية القائمة على التلاعب الحر بالفضاء النغمي والشكل والمنظورات، تعتبر ربما أكثر ما جذبني نحو ميلان كونديرا.

أمر ممتع، حينما أفكر ثانية، لو أني حصلت أولا على نص “البطء” روايته الأولى المكتوبة بالفرنسية. لقد أحببت جدا، وضعية الكتابة من خلال لغات متعددة (وجه آخر للغنائية لدي). لذلك، فكونديرا مثل بيكيت ونابوكوف أو سيوران، يجسدون أبطالي القلقين. أظهرت تجربتهم، منظورين متعارضين : عندما نحاول إخراج نفس الكتاب بلغة ثانية، يتغير المضمون. لكن، في الوقت ذاته، الأسلوب أبعد من اللغة، لأن الرؤية  والشكل والبناء، يحافظون دائما على وضوحهم كيفما كان اللسان التعبيري.

إذا، عاودت التفكير في العلل الباطنية والمستترة، التي دفعتني إلى أن أرتقي بكونديرا نحو مرتبة أبي الروائي. يمكنني القول، لقد مثل حقا، نموذجي اللا-إنجليري. ثم نظرا للأهمية، التي يوليها للشكل، وكذا امتناعه عن مقاربته انطلاقا من زاوية سياسية أو أخلاقية.

 بالنسبة لجيلي، يرتبط نجاح كونديرا برفضه التهكمي والساخر كي لا تغمر السياسة الحياة : ما تصنعه الكوميديا بالإيديولوجيا، بناء على هذا الاستبعاد للسياسي، باعتباره قيمة مطلقة، فقد أعطى حيزا لنوع من الحرية : النظر إلى السياسي، هزليا وبوقاحة.

أنا إذن، وقد كنت طفلا متشبعا جدا بالحداثة، أغوتني أكثر، استحالة أن تستخلص من عمل كونديرا أقل خلاصة أخلاقية. مؤلفاته، أولا وقبل كل شيء، أدوات متعة وأنساق ذكاء سعيد. نقف هنا، على المرح وانسلاخ من الصرامة  التي تشبث بها كونديرا دائما. لقد بقي وفيا مطلقا، لفن الرواية وفقط هذا الفن.

 

IV ـ الخلود، وماذا بعد ؟ 

يوضح الكاتب “فيليب فوريست” Philippe Foerst الوحدة  العميقة، لكتابات كونديرا : بناء نموذجي خلاّق “أوج تحققات الرواية” Archi-roman، تقترن برؤية تراجيدية للإنسان، لكنها مضحكة مع ذلك.

رواية الخلود

رواية الخلود

كاتب يرى بأم عينيه، أن نتاجه ولج”مكتبة البلياد”.  بعد أن ا ستحضر، قبل عشرين سنة  بين طيات إحدى رواياته،  إدراكه إبان حياته هذا “الخلود الكبير”. رفض كاتبنا دائما اللجوء إلى الاعترافات، واختار عدم التحدث للعموم، لكنه سيقبل شيئا ما، أن يبوح بانطباعاته حول التكريس الذي استطاع تحقيقه. إعادة  قراءة عمل “الخلود” L’immortalité، تمكن بلا شك من نسج فكرة عن التمازج بين الغبطة المشروعة، والارتياب المضطرب، الذي سيسكنه من الآن فصاعدا.

يقول كونديرا : ((يعتبر اللاموت، محاكمة أبدية)). أمام أعماله في “البلياد” والمصنفة إلى جزأين، سيجد القارئ صعوبة كي يقاوم مثل هذا الإحساس، حينما يمسك بأصابعه فصول محاكمة، ابتغى كونديرا تجميعها من أجل المابعدي.

تميزت الطبعة الجيدة لفرانسوا ريكار بوفاء متعصب تقريبا،  للمبادئ ذاتها، التي توخى كونديرا  أن تتم قراءته على ضوئها : النص ولا شيء غير النص، أو بشكل دقيق أكثر، فقط ما تضمنه النص، حصل على الموافقة النهائية لكونديرا. فإلى جانب التعليقات والحواشي المعتادة، نقف على “بيوغرافية للعمل”، تنحصر عند بعض الإشارات السريعة والجوهرية. فهل  ينبغي أن نقيم دائما براهين كهاته، كي نقنع أي قارئ. حقا، ستكون نيتك سيئة للغاية، حتى لا تعترف بأن كونديرا يستحق بشكل واسع هذا “الخلود الكبير”، الذي دشنه دخوله “البلياد”، ما دامت كتاباته بكل بساطة، تتموضع ضمن المقام الأول للأدب المعاصر.

كل العناوين التي راكمها وتابعناها على التوالي حسب صدورها، لقنت صفحاتها أغلب الكتاب المحدثين، ماهية الرواية، لازالت تثابر  باندهاش، عندما يعود إليها القارئ ثانية، وتبدو في مستوى الذكرى العجيبة التي نحفظها لها. أكثر من ذلك : سعى تجميعها، إلى إبراز بعدها الحقيقي، فيما وراء الدلالات الجزئية والعابرة، التي قد تعزى إليها، سواء من قبل النقد أو المؤلف نفسه.

تلقينا أولا، روايات كونديرا مثل تضمين لشهادة أدبية عن كاتب مختلف ينتقد بتهكم التوتاليتارية التي سادت تشيكوسلوفاكيا القديمة وباقي أوروبا الشيوعية. هكذا،  بدا الأمر منذ “المزحة” « La plaisanterie » المترجم إلى الفرنسية  سنة 1968، بتقديم لامع ل “لوي أراغون” أدان من خلاله  سحق الدبابات الروسية ل “ربيع براغ”، مرورا بكتاب “الضحك والنسيان” « Du rire et de l’oubli »، الصادر عشر سنوات بعد ذلك، وكان سببا في تجريد كونديرا من جنسيته، بعد مرحلة المنفى الفرنسي. وكرد فعل، ضد اختزال عمله إلى القصد السياسي، المفترض بأنه يعبر عنه، فضل كونديرا تأويلا نقيضا حينما موضع الرواية منذ سنوات 1980 مع رواية : “خفة الكائن التي لا تحتمل”، تحت الإشارة الساخرة “لما هو غير قابل للبت”. محذرا من خلطها بأدب الأفكار الذي انتقد بعنف أطروحاته،  لأن الرواية في نظره بمثابة : “يقين وحيد، لحكمة اللايقين”.

تؤسس نصوص كونديرا، بنية متكاملة. حقيقة، أظهرتها بامتياز الطبعة الحالية المقترحة. هكذا، تشير مختلف جوانب السؤال إلى الاتفاق حول ما يصنع هذه الوحدة، وتخبر بالطريقة نفسها عن كل مؤلفات الكاتب سواء الروايات أو الدراسات، مهما كانت لغتها، والحقبة التي تطويها. وليس يقينيا، أن هذه الوحدة، ترجع  إلى مجموعة أفكار عرضها  كونديرا نفسه، بغية تخليص عمله، من تفسيرات أولى مغلوطة أبعدتها عن التأمل الحاذق جدا، كما يقترحه، فقد أخذت شيئا ما قيمة “الفضاءات المشتركة” فيما بعد (“ضد الحداثة”، “الهزل”، المناقض ل “كيتش kitsch و “تعليق الحكم الأخلاقي)، بينما من البديهي أن متنه بعيدا عن اختزاله إلى ذلك، يقترح توضيحا خالصا يتجاوز تلك الشعارات.

أما عندما يستدعي نص كونديرا التناقض الذي يحكمه، فسيقدم نفسه أيضا كي نقرأه، من وجهة نظر مخالفة لما نثمنه أحيانا فيه، هكذا سيأخذ أساسا، مسار  نص هيأه كاتب “معاصر” جدا (حسب التعريف التناوبي للحداثة، كما سنه “فن الرواية” وكذا “الوصايا المغدورة”) فيكشف حينئذ عن رؤية عويصة للوضع الإنساني (من هنا التأثير  العجيب الذي لا يضاهي لبعض صفحات “الخلود” أو “الهوية”). أما تخلي كونديرا عن الالتزام السياسي، فلا يستبعد أبدا نظرة أخلاقية يحملها إلى العالم المعاصر (إذن كاتب “خفة الكائن التي لا تحتمل” أو “البطء”، يستحق حتما، توجيه التحية إليه باعتباره، أحد الملاحظين النبهاء).

وحدة من نوع آخر، ليست مخولة لكل الكتّاب الذين استطاعوا خلق شكل، كما الحال مع كونديرا. لقد تأتى له تحقيق إبداع ثان للرواية، بدءا “من الحياة في مكان آخر” حتى نصه الآخر “الجهل”، سلسلة مؤلفات يقطع داخلها السرد مع كل تخطيطية متفق عليها، وترسمه تغيرات متتالية حسب نموذج موسيقي (اللحن الموسيقى بالنسبة للتراكيب الواسعة في التشيكية، ثم الطباق قياسا لتراكيب الفرنسية الأكثر ضيقا). تتشظى الحبكة، ثم تنصهر في النص حسب سلاسة رائعة، الرواية والدراسة والنثر والشعر، والحلم والواقع والحاضر والماضي. بنية كهاته ـ تبقى منتمية لهذا الشكل الثالث الذي أثاره رولان بارت بخصوص مارسيل بروست ـ سماها كونديرا في كتابه الأخير « une rencontre » “لقاء” : “أوج تحققات الرواية” « Archi-roman » .

غير أن، اكتشافا كهذا، ومثل كل اكتشاف أصيل، يُعتبرُ كل شيء، غير أن يكون بالضبط شكليا، ينسج معه رؤية حقا تراجيدية، لكن الضحك يتمم، رؤية الإنسان في العالم، وهو يتقدم مختبرا المجهول والمنفى والغرابة، يسائل باستمرار : ((وضعيته الوحيدة والمنفردة، التي يتلاشى فهمها بين ثنايا الشساعة))، يسير نحو الموت والأبدية، ثم أبعد منهما اتجاه “نشوة اللاوجود الكلي”، مع لاشيئه “بلون مائل للزرقة”.

 

 


*المصدر: Le monde des livres : 25 mars 2011.

error: المحتوى محمي