الرغبة في حوّاء (4): لاشعور راغب في صمت – يوسف عدنان

الرغبة في حوّاء (4): لاشعور راغب في صمت – يوسف عدنان


“إننا نقتنع بالبراهين التي أقمناها بأنفسنا أكثر ممّا نقتنع بالبراهين التي أقامها غيرنا”                                                                بليز باسكال

نرى حسب ما تبيّن لنا على مدار انشغالي الشغوف والمطوّل بهذا الموضوع، وكذلك من حيث نقاشاتي المثمرة مع بعض الزملاء في مختلف التّخصصات العارفة حيال بعض القضايا والإشكالات المتعلقة بقصة الخلق الإنسي، أنّ آدم اختلجته رغبة قبلية مبهمة ومضمرة في المرأة ، لذلك تطلّب تجلّي حوّاء في منامه قبل أن تخلق في الواقع.  فالحلم هنا هو جواب عن رغبة، تلك الرغبة التي لم تستطع أن تعرب عن طلبها أو تجد موضوعها في السجل الواقعي، سيزيحها الأنا إلى الخيال الحالم. بل يمكن القول أنه في اللاشعور بالضبط تموقعت وظيفة الرغبة. هنا يسقط الحجاب السميك على أسطورة البدئ وتنقشع لنا حقيقية المنام -حلم آدم- وكيف أن الرغبة في المرأة، في الأم حوّاء، قد تجسّدت من حيث الأصل في كنه اللاشعور.

وجل المقصود من تأويلنا هذا المقدّم، هو تحقّق ما كان حلما في الواقع، أن يعدو الغيبي حقيقي، وهذا أكبر دليل ساطع على أن خلق حوّاء لم يكن من داخل آدم – من ضلعه- بل وبدون رغبة مسبقة لدى الطرفين كذوات راغبة في بعضهم البعض. وفي سبيل الخروج من هذا المأزق الذي يستعصى عن الفهم، نشدّ على الأخذ بباطن التفسير لا بظاهره. فقد تطلّب خلق حوّاء تمهيدا قبليا ترجمه مضمون الحلم – التجلي الأنثوي في المنام – قبل حضور حوّاء ككائن مجسم. وبالتالي يبدو لنا أن إيلاء أهمية إلى المعطى الجسدي في خلق و تكون الأنثى {معطى الضلع} ليس ذي بال، أمام الجانب اللاشعوري والباطني. فالفهم المبسط، ينساب نحو التماس القاعدة الفيزيولوجية – الضلع- مبدآ للتفسير. أما الطرح المخالف الذي نعرضه، فيتقصى تحديدا من داخل السجل الخيالي والباطني.

ففي اعتقادنا، لم يحدث أن خلقت حوّاء بشكل فجائي أمام أنظار آدم، كما لو أن الأمر قد كان خارج عن رغبة آدم من جهة، وتجاوب حوّاء مع هذه الرغبة من جهة أخرى. ففي المنام رأت حوّاء كذلك آدم وحظيت بفرصة التّعرف على هذا الكيان المخالف، فكان مجال الرغبة الخيال وليس الواقع المادي. ولا يمكن أن نتصور عقلا أو نقلا عكس هذا المنظور، لأن وجود حوّاء لم يكن ليكون له معنى وقابلية للإمكان بدون رغبة مسبقة من آدم في هذا الموجود. بما هو يحضر كانكشاف حقيقي للوجود، بالمعنى الذي يعطيه هايدغر لمسألة حضور الكينونة واختفاءها (33). فاكتمال الوجود تمّ مع متول حوّاء في العالم، هذه الإضافة التي قد منحت آدم ولادة ثانية اكتملت معها إذا لاحظنا الكينونة الإنسانية.

ونأتي هنا على تأكيد أنه حتىّ الجنس هو حدث خافي لم يكن المتضمّن الظاهر للرغبة – أي رغبة آدم- لأن موضوع الرغبة في البدء لم يكن هو جسد حوّاء، بل هي رغبة تعلّقت بالكشف والإلهام وإعادة النظر في الموجود وثقله الجسدي من خلال انعكاس صورة آدم في وجه حوّاء، المرأة كمرآة. فالمرأة مرآة الرجل، أي صورته الأخرى التي يمكنه من خلالها أن ينظر فيها لنفسه، وذلك الأنا الذي يخاطبه ويملئ عالمه، وبالتالي فوعي الذات بذاتها يدين بشكل قوي لحضور الآخر في صلب التجربة الإنسانية. فالرغبة أيضا وأساسا رغبة فيما سوى الذات، في شيء آخر غير الذات كما أوضح ذلك ديالكتيك الرغبة الهيغلي المسحوب على المرأة (34). إنّ الرغبة منقاضة بتخالج، يخرج بالذات من تطابقها مع ذاتها، واعتراف بوجود الموضوع خارج الذات، وبعيدا عن متناولها *. فإلى متى سيظلّ الذهن البشري يقاوم هذه الحقيقة، حقيقة الرغبة الآدمية المتوارية خلف جدران السرد التاريخ البدئي.

من كلّ هذا وذاك، نجد أنّ الموقف المتصلّب والبارد، الذي يتمسّك بوهم انسلال حوّاء عن جسد آدم أثناء نومه، واقتحامها عالمه فجأة عندما استفاق، بدون أدنى علم مسبق له بطبيعة هذا الكيان الذي من المفترض أنه رغب فيه أولا، لهو نفس الموقف الشّبقي الذي يغيب معه التمثل القبلي اللاجنسي للجسد – ويمحو كل رغبة حقيقية في المرأة المنفصلة عن الأصل الذكوري-  بوصفها وجودا مستّقلا- نافيا بذلك تلك الرغبة التي لا تحمل طلاسم العلاقة المعقدة مع الجسد الأنثوي، تلك الرغبة في المرأة ككيان باعتبارها موضوعا خارجيا مفصولا ذاتا ومعنى، له مواصفاته وخصائصه المختلفة. وهذا ما أقصده تحديدا بتحرير المعنى من مركزية المعنى. لا بتقليص الوجود الأنثوي أنطولوجيا الى مجرد سلب خالص، يكاد لا يمت الى الوجود سوى بصلة التحديد السلبي لذكورية المذكر الموجبة والممتلئة. بحيث أضحت الذكورة تشكل مرجعا، لا تتعرف المرأة عن ذاتها وجنسها وهويتها إلا من خلاله، أي أن المرأة لا تتعرف على هويتها الجنسية إلا سلبا، كما لو أن في وجود المرأة نقص أصلي، خواء، ثقب، جرح (35). إذ ينبغي علينا تفكيك هذه القواعد الارتهانية قصد تحرير المرأة من تبعات الانغلاق الأسطوري الذي يحويها تاريخيا. بحيث أننا عندما  نقوم بتفكيك للأصل الأنثوي على هذا النحو، نكون بصدد هدم وتشييد، استئصال وتجذير محو وتأسيس، نعيد من خلاله كتابة تاريخ مضاد للرغبة المهدورة في مستواها الأنطولوجي العميق.

لعّل نفس السؤال المأزوم الذي توقف عنده فرويد: ماذا تريد بالفعل المرأة ؟ أو بالأحرى من تكون   الأنثى ؟ قد حاول أن يستأنفه وريثه جاك لاكان “Jaques Lacan” لكن بدون جدوى، ما دام هو الآخر قد انتهى في متاهاته التحليلية الوعرة التضاريس، إلى اعتبار وجود المرأة لغز محيّر، لنكون أمام رغبة بدون موضوع. ويستغلق الفهم أكثر عندما يدخل على الخط، حس تحليلي نسوي، يدفع بالنزوع الجنسي الأنثوي خارج مآخذ التأمل القضيبي. فأن نكون أمام رغبة  بدون موضوع، هذا ما قد يجني اختلافا ليس بالهّين مع الموقف اللاكاني من الرغبة والأنوثة. وذلك بتوجيهنا السؤال صوب ذلك الأصل الضائع في خبايا أسطورة الخلق الإنسي، إلى تلك الهوية الأنثوية المحجوبة، التي طالها كما يزعم جرح التّفضيل الإلهي، لا أن نشرنق الرغبة في متاهة نصوص ميثولوجية ومسرحية، يمكن أن تقرأ  بأكثر من     نظّارة واحدة، وتخترق من نوافذ نقدية وتأويلية متنوعة، حسب المرجعيات التي يتكّل عليها كلّ     عارف ومفكر * .

بالرغم من كون العديد من الكتابات والأبحاث قد أسهبت في الحديث عن البداية النشوئية من زوايا تخصصيّة مختلفة، ليصير الأمر غير خاف عن البشرية جمعاء، إلا أن هذه القراءات والتأويلات الأحادية ظلّت قاصرة على استبطان البعد الخيالي المراد من التجربة الحلمية لآدم، حيث إذا ما استثنينا هذا السجل -الخيالي- لا نكاد نجد أيّ حضور للرغبة في نزوع الكائن الإنساني. وإذا كان هناك من تعديل أو تصويب محتمل للنزوع الإنسي الرغبوي، فهو يمرّ بالأساس من إعادة فهم جذري للعلاقة المعقدة بين الكائن و جسده، بغية فضّ الغبار عن تاريخ منسي لا يترك وراءه أي علامة تسمح باقتفاء أثر الرغبة في قصة الخلق الإنسي. وسأقدم أول ملحوظة بخصوص هذا الجانب:

فالرغبة الأولى لآدم في حوّاء، قد كانت رغبة منفلتة عن أي تصور شبقي- إيروتيكي للجسد الأنثوي. و دليلنا على هذا الطرح، كون آدم وحوّاء لم يدركان معا مفهوم الجنس المتمثل في العورة، إلاّ بعد الأكل من شجرة المعرفة التي حذّرهما الرب التذوّق منها، مع العلم أن هناك كثير من الروايات التي تتضارب في هذا الشأن. خاصة حول كيفية حصول الإغواء، وتلازم هذا الخرق للمحظور بانفتاح عالم المعرفة والجنس والموت. هذا الثلاثي المفزع الذي انحشرت في ديدانه الرغبة. إذ علينا أن نوقن أن غريزة الجنس لا زالت قبل “الخرق” طاقة معطّلة شبه عمياء لذا كلى النوعين، ومتضمنة لمفعول مؤجل. وهو ما وجد تعبيره في دنوّ الرغبة إلى حضيض الحاجة الفيزيولوجية موقظا الغريزة الجنسية. بمعنى من المعاني، إنها رغبة تمثل الشكل الأسمى للنزوع الإنسي، بحيث تغيب فيها أي شهوة جنسية وعلاقة هيمنة حول رهان أسبقية امتلاك الفالوس. حيث لم يكن هذا الرمز الدّال –  بالمعنى اللاكاني – ذي بال في التّمثل القبلي لآدم وحوّاء عن حقيقة ذواتهم. فالعشق البدئي كما كان الرّب يريده لا تشوبه فكرة الزواج ولا الخطيئة (36).إذا كان هذا التصور الذي نقدّمه يدلّ على شيء، فهو ينفي بشكل قطعي لا يخلو من براهين، وجود أيّ تصور مسبق للمرأة كجسد شبقي في المتخيّل الآدمي، لأن الفارق الجنسي الليبيدي لم يجد هنا  تعبيره الوعيوي و الأخلاقي/ المعياري، حتىّ حدث انفلات الرغبة من مجالها العذري {العلوي} إلى قطب الواقع الشهواني {الوجود الدنيوي} .” إن الفعل الجنسي قد عبّر عن نفسه منذ قصة الخلق ككبت لاشعوري أصيل، كمعنى مؤجل للشّبقية الشهوانية الأرضية “.

error: المحتوى محمي