الرسالة السادسة والستون من الرسائل الفارسية – مونتسكيو

الرسالة السادسة والستون من الرسائل الفارسية – مونتسكيو

الرسالة السادسة والستون

(من ريكا إلى ……)


يهتم الناس هنا كثيرًا بالعلوم ولكن لا أدري هل يمكن أن يصبح الإنسان من فحول العلماء؟

وذلك الذي يشك في كل شيء كفيلسوف لا يجرؤ أن ينفي شيئًا كعالم لاهوتي, فهذا الإنسان المتناقض راضٍ عن نفسه دائما إذا أقر الناس بمواهبه.

إن الرغبة الجامحة لدى أكثر الفرنسيين هي أن يكون لديهم حظ من الذكاء, ورغبتهم الجامحة في الذكاء, لأنهم يريدون أن يألفوا كتبًا. ومع ذلك لا يمكن تخيّل شيء أسوأ من ذلك لأن الطبيعة بدت بحكمتها حريصة على أن تمر حماقات الناس عابرة, ولكن الكتب تأبى لها أن تموت, ويترتب على ذلك أن يرضى الأحمق بأن يضايق بحماقاته من يعاصره, ثم يؤذي بها الأجيال المقبلة. ويجب لها أن تنتصر على النسيان الذي كان يستطيع أن يظفر بها كالقبر. كما يريد من الخلف أن يعلموا أنه عاش, وأن يعرفوا دائمًا أنه كان أحمق.

ليس في المؤلفين قط أولى بازدرائي من الجمّاعين الذين يأخذون من هنا ومن هناك أجزاء من كتب غيرهم ويضمنونها كتبهم, كقطع من العشب في روضهم, وليسوا في عملهم هذا خيرًا من عمّال المطبعة الذين يرتبون الحروف ويصفونها, ثم يطبعون كتابًا لم يبذلوا فيه إلا عملا يدويًا. ولهذا أريد أن لا يحترم الناس إلا الكتب الأصيلة المبتكرة.

وأراه ضربًا من المهانة أن تؤخذ الأجزاء التي تؤلف من أماكنها الكريمة لتعرّض لإزدراء لا ينبغي لها مطلقًا.

ألا يسكت الإنسان إذ لم يجد جديدًا يقوله؟ وما الداعي إلى مضاعفة الجهد بالتكرار, لكني أريد أن أصدر أمرا جديدا؛ أنت رجل ماهر, أعني أنك تجيء إلى مكتبي, فضع في أسفلها الكتب التي كانت في أعلاها, وضع في أعلاها الكتب التي كانت في أسفلها؛ فتكون بذلك قد أنشأت أثرًا رائعا.

إني أكتب لك في هذا الموضوع, يا……… لأني مغيض من كتاب فرغت لساعتي من قراءته, وقد بلغ من الضخامة درجة يخيل للمرء معها أن قد حوى علم الدنيا؛ لكنه كسر رأسي دون أن أتعلم منه شيئًا. وداعًا…..

في باريس في 8 من شعبان سنة 1714م

رسائل فارسية – مونتسكيو (ترجمة: أحمد كمال يونس؛ مراجعة: عبدالحميد الدواخلي)