الذكرى المئوية للنظرية النسبية العامة – يوسف البناي

الذكرى المئوية للنظرية النسبية العامة – يوسف البناي


   قبل مئة عام، عام ١٩١٥، نشر آينشتين أحد أكثر النظريات جمال وأناقة في القرن العشرين. لقد أسرت تلك النظرية قلوب الفيزيائيين بجمالها وسحرها وقدرتها على اجتياز جميع الاختبارات التجريبية على مدى تلك العقود العشرة. لقد كنت معجبا بالنظرية عندما قرأتها بشكل عام في أول مرة، لكن بعد فهم رياضياتها، وقعت في حبها بالكامل! في الحقيقة نوع رياضياتها صعب جدا، وكم كانت معاناة آينشتين كبيرة وهو يحاول الوصول الى المعادلة النهائية. شاهد فلم “آينشتين وادنغتون” فقد صور المخرج مدى معاناة آينشتين من كل الجهات العلمية والسياسية وهو يكافح في شق طريقه الى معادلة تصف كيف تدور الارض حول الشمس بدقة. ليس الأمر  بالطبع مقصور على الأرض فقط، بل يشمل جميع النجوم والكواكب التي تدور حول بعضها البعض. لكن ماهي النظرية النسبية العامة؟ ولما كل هذه المعاناة التي عاناها آينشتين؟ ولماذا لها هذا السحر الفتان  كنظرية فيزيائية؟ سأحاول هنا تبسيطها قدر الامكان.

    بالأمس ألقيت محاضرة بعنوان “نظرية الانفجار العظيم وتطور الكون” في قسم الفيزياء بجامعة الكويت. سلطت الضوء فيه على معادلة آينشتين بشكلها الرياضي الجميل ثم حاولت تبيان كيف أن هذه النظرية هي من أدت الى فكرة الانفجار العظيم كبداية للكون وكيف أدت الى فكرة الثقوب السوداء وانحراف الضوء وغيرها من الأفكار الأنيقة في علم الكونيات. ليس لدي رغبة هنا لوضع رياضيات، ولكن لدي نية قوية لكتب كتاب شامل فيها مع رياضياتها الأساسية في يوم ما. لكن دعنا هنا نحتفل جميعا بذكراها المئوية بشرحها بشكل عام مبسط.

   بدأت قصة الجاذبية مع إمام الفيزيائيين اسحاق نيوتن. فقد اكتشف ما يسمى “الجاذبية” وأكثر من ذلك وضع القانون الرياضي الذي يخبرنا كيف تتصرف تلك القوة بين الشمس والأرض. وهو قانون عام تعلمناه بالمدرسة، هناك قوة بين أي جسمين في الكون، ليس بالضروري بين الارض والشمس، ممكن بينك وبين الأرض، فأنت تجذب الأرض ناحيتك مثلما تجذبك هي ناحيتها، لكن بسبب فرق الكتلة بينكما فلا تشعر أبدا أنك تجذب الأرض ناحيتك. هذا القانون ينص على أن القوة تساوي حاصل ضرب كتلة الارض والشمس مقسومة على مربع المسافة بينهما:

G يسمى ثابت الجذب العام، وهو مجرد رقم لا يهمنا هنا. في الحقيقة لم يكن نيوتن يشعر بالارتياح تجاه هذا القانون. فعلى الرغم من دقة وصفه لحركة جميع الكواكب حول الشمس، باستثناء عطارد، وعلى الرغم من تنبأه بظاهرة المد والجزر، ظل هناك سؤال قاتل لا مفر منه؛ ما هو ذلك الشيئ بين الأرض والشمس الذي يعمل على تجاذبها؟ ماهي طبيعة تلك القوة؟ حتي نفهم الصورة بشكل أفضل تخيل أن هناك شحنتين تقعان على بعد مسافة معينه من بعضيهما. إذا كان هناك تأثير متبادل بين الشحنتين، فهذا يعني بدون شك أن هناك وسيط “ناقل أخبار” بينهما وهي القوة الكهرومغناطيسية أو الضوء الذي يحمل تغريداتي من جهازي الى جهازك! لا يمكن أن يحدث أي اتصال بيني وبينك بدون هذا الحمام الزاجل الكهرومغناطيسي الذي يتحرك بسرعة الضوء. لذلك لو ذهبت أنت الى الشمس ومعك جهازك، ثم أرسلت لك رسالة أنا هنا من كوكب الأرض، فلن تصل اليك إلا بعد ٨ دقائق! ليس بسبب كذب شركات الاتصالات علينا وبخدماتها السيئة! بل لأن المسافة بين الأرض والشمس تساوي ٨ دقائق ضوئية. وحمامنا الزاجل الكهرومغناطيسي ينتقل بسرعة الضوء كأقصى سرعة في الكون. لذلك يحتاج ٨ دقائق. في عام ١٩٠٥ نشر آينشتين النظرية النسبية الخاصة، وبين من خلالها بأنه لا يمكن أن ينتقل شيئ ما بسرعة أعلى من سرعة الضوء. لذلك لم يكن آينشتين مرتاحا من قانون نيوتن كتفسير للجاذبية. إليك هذه الحجة؛ تخيل لو اختفت الشمس فجأة الآن، حسب قانون نيوتن السابق، ستشعر الأرض بهذا الإختفاء مباشرة، وبالتالي تفلت من مدارها مباشرة! وهنا تأتي المشكلة؛ إن شعور الأرض بهذا الاختفاء الشمسي بشكل آني يعني أن هناك اشارة انتقلت من الشمس الى الأرض بأسرع من سرعة الضوء!! وهذا ممنوع في النسبية الخاصة، لذلك حاول آينشتين ايجاد البديل.

    لقد أيقن أن معادلات النظرية النسبية للخاصة ما هي الا حالة خاصة لمعادلات أكثر عمومية. بالمناسبة آينشتين لم يطلق اسم النسبية الخاصة ولا العامة على نظرياته. كانت عناوين ورقاته العلمية مختلفة. لكن نالت نظرياته الشهيرة هذا الاسم لمدى اكتشافها نسبية كل شيئ؛ الزمن، الطول، الفضاء، الحركة..الخ. في الحقيقة لو ذهبت الى البحر كما سأفعل أنا اليوم، وشاهدت الأفق في البحر، فهناك نقطة بعدها لا تستطيع رؤية البحر، والسبب بالطبع يعود الى كروية الأرض. لكننا لا نشعر بتلك الكروية في حياتنا اليومية. القي نظرة حول نفسك من فضلك؛ كل شيئ مسطح، لكن لو بدأت بالصعود تدريجيا أعلى فأعلى فأعلى سيظهر لك تدرج الأرض الكروي شيئا فشيأ، حتى تخرج خارج الأرض وتشاهد الكوكب الازرق الكروي الجميل. ان ما نشره آينشتين في النسبية الخاصة ينطبق على فضاء مسطح يسمى “فضاء منكوفسكي” وهو زمان-مكان مسطح، الشيئ الذي حولك الآن. لكن آينشتين أراد معادلات عامة ل زمان- مكان منحني. لماذا؟ لأنه اقترح الفكرة التالية: ان الشمس بسبب كتلتها الضخمة تعمل على تشويه كبير في فضاء منكوفسكي الزمكاني المسطح، كما في الشكل التالى:

ومن ثم تدور الأرض بعجلة في هذا التشوه الزمكاني. وهذا هو ما نسميه “الجاذبية”. الجاذبية ليست سوى حركة الأرض المعجلة فينا حول الشمس على هذا السطح الزمكاني المشوه! هذا السر الذي حير نيوتن! فهناك حقل ممتد من الأرض الى الشمس، واي شيئ يحدث للشمس سينتقل تدريجيا كرسالة لنا على هذا الفضاء المشوه. مثل تغريداتي التي تنتقل بالموجات الكهرومغناطيسية، لكن هنا تنتقل بالموجات الجاذبية. فعند اختفاء الشمس سيبدأ هذا الزمكان المشوه بالتعدل تدريجيا على شكل موجات حتى يصل الى الارض بعد ٨ دقائق! لذلك كان آينشتين بحاجة لتعميم معادلات النسبية الخاصة التي تصف الحركة في “زمان-مكان مسطح” الى معادلات عامة تصف الحركة في “زمان-مكان مشوه”! لذلك تسمى الاولى النسبية الخاصة بينما الاخرى النسبية العامة.

لكن آينشتين كان يتسائل كيف يمكن كتابة ذلك رياضيا؟ لقد كان بحاجة الى هندسة لا اقليدية، هندسة لا مستوية، تصف كيفية انحراف الزمكان عن تسطحه. من نعم الله على آينشتين أن الرياضي العظيم برنارد ريمان عاش قبله في القرن التاسع عشر. فقد وضع جميع أسس الهندسة اللا اقليديه والتي تعرف اليوم باسم “هندسة ريمان” ومن نعم الله على ريمان أنه تلميذ لأعظم عقل رياضي في التاريخ “فريدريش جاوس” الذي كان أول من انتبه لإمكانية تعميم الهندسة من مستوية الى لا مستوية. بالاستعانة بتلك النعم وبصديقه الرياضي جروسمان، توصل آينشتين الى المعادلة التي تصف كيفية تحرك الأرض حول الشمس:

الطرف الأيسر يمثل صناعة علماء الرياضيات “هندسة الأسطح اللامستوية” الطرف الأيمن يمثل صناعة الفيزيائيين، كيف تشوه الكتلة الفضاء “كتلة أكبر تشويه أكثر”. وبإمكانك اشتقاق قانون نيوتن السابق من هذه المعادلة!! فهي تعميم لمعادلة نيوتن، وليست اثبات أن نيوتن كان على خطأ.

    لقد ألهمت هذه المعادلة جميع أجيال الفيزيائيين بعد آينشتين. منها عرفنا أن للكون بداية، عرفنا الثقوب السوداء، الثقوب الدودية، انحراف الضوء بالكون،…الخ

تحية للبطل الذي كافح وعانى كثيرا، عانى من حربين عالميتين، كان وحيدا أغلب الوقت، لكن ارادته لا توصف بالكلمات. وتحية للبطل البريطاني ادنغتون الذي أثبت النظرية تلك بعد فترة وجيزة من نشرها عام ١٩١٩ رغم أهوال الحرب. لقد فرقت الحروب لندن عن ألمانيا، فرقت البشر عن بعضهما بتلك النظرات العنصرية البغيضة الغبيه، لكن اينشتين وادنغتون اعادوا توحيد البشرية بالعلم! فتحية للبطلين.

error: المحتوى محمي