الدولة في الفكر الخلدوني – د. علي سعد الله / قراءة: سارة الغامدي

الدولة في الفكر الخلدوني – د. علي سعد الله / قراءة: سارة الغامدي

 

 

300px-Ibn_khaldoun_in_a_maroccan_stampikst2

 

قراءة في كتاب نظرية الدولة في الفكر الخلدوني للدكتور علي سعد الله (2003) – سارة عبد الله الغامدي

 

 

نظرية الدولة في الفكر الخلدوني

الدولة ظاهرة سياسية قديمة، تناول موضوعها عدة مفكرين فدرسوا أسباب نشأة الدولة وظهورها ومفهومها وأشكالها وعديد من الجوانب الهامة في الدولة, وأبرز من اهتم بدراسة الدولة في القِدم أرسطو في كتابه (السياسة), وفلاسفة مدرسة العقد الاجتماعي, أيضاً اهتم بدراسة موضوع السياسة العلامة أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون, هو مؤرخ وفيلسوف اجتماعي, أشهر مؤلفاته كتاب (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن صاحبهم من ذوي السلطان الأكبر) المكون من سبع مجلدات, كما يُعتبر مؤسس علم العمران, فكان ابن خلدون يكتب في السياسة بصفته مؤرخاً وسياسياً معاً, أي أنه كان مؤرخ في غمار السياسة, واختبرها بنفسه متقلباً ما بين تونس والجزائر والمغرب والأندلس(شعبان,2010).

ينقل الكتاب -نظرية الدولة في الفكر الخلدوني- وجهة نظر ابن خلدون عن الدولة والفلسفة السياسية, مستشهداً بذلك ما ذكر في مقدمة ابن خلدون, ويروي الكاتب فكر ابن خلدون ومن سبقه من الفلاسفة السياسيين أمثال: أفلاطون, أرسطو, الفارابي. ويحوي الكتاب على خمس فصول, وسيتم التركيز على فكرة ابن خلدون في السياسة والدولة ونظريتها, كما جاء في الفصل الأول الذي يحوي ثلاث أقسام يتسلسل بها الكاتب عن مفهوم الدولة وكيفية نشؤها وصولاً إلى اضمحلال الدولة وزوالها وظهور دولة جديدة أخرى, أيضاً الفصل الثالث الذي يحوي مفهوم الدولة عند ابن خلدون, والفصل الخامس الذي ذكر فيها الكاتب وظيفة الدولة عند ابن خلدون.

يرى ابن خلدون أن الدولة لا توجد دون حكم سياسي, ولا يوجد حكم سياسي دون دولة, بالتالي يرى أن الدولة والسياسة هم وجهان لعملة واحدة, وأن منشأ الدولة هو المجتمع.

مجتمع -

الجدير بالذكر هنا أنه ليس أي مجتمع ينبثق منه دولة, فمثلاً المجتمعات الطبيعية أو البدوية لا يمكن أن تنشأ منها دولة ولا حكم سياسي -سيتم شرحها بالتفصيل لاحقاً-.

لم يَذكر ابن خلدون تعريف صريح عن “الدولة”, فكان يستخدم اللفظ لأكثر من معنى  فمثلاً تعبيره عن الملك بلفظ الدولة, و استعمل لفظ الملك بعدة معاني, منها: الدولة, السلطة, الحاكم, الحكم وغيرها من معاني, مما يؤدي إلى تشتت في ذهن من يقرأ لابن خلدون, إلا أن هناك اجتهادات من الباحثين لتعريف الدولة تعريفاً مباشراً من وجهة نظر ابن خلدون, فعرف أحد الباحثين أن الدولة عند ابن خلدون “هي الامتداد المكاني والزماني, لحكم عصبية ما” (سعد الله, 2003: 33)

ثم بعد ذلك ينتقل الكاتب إلى سرد بعض النظريات التي حاولت تفسير نشأة الدولة فمن بين تلك النظريات, نظرية التطور الاجتماعي أو قد تسمى بالنظرية التاريخية, ترى النظرية أن الدولة تنشأ من عدة عوامل من أهمها (علاقة الدم, الدين, الوعي السياسي).

علاقة الدم أو ما تسمى بصلة الرحم فترى النظرية أن الأسرة لها نوع من السلطة السياسة وإن كانت محددة بالمحيط العائلي, فتتمثل السلطة في مكانة الأب والأم وسلطتهما على الأبناء, لذلك اعتبرت سلطة رب الأسرة أقرب إلى سلطة الدولة, وذلك لوجود عنصر الانقياد والخضوع, فالشعب يخضع لسلطة الحاكم السياسي, والأبناء يخضعون إلى سلطة رب الأسرة, الجدير بالذكر أن علاقات الدم وصلة الأرحام هي ما عبر عنها ابن خلدون باسم العصبية, وهي من أهم العوامل المكونة للدولة –كما سنوضح لاحقاً-, وركزت النظرية كذلك على الدين لما لها من دور معنوي معزز, وكما تزود الدولة بالدعائم التي تساعد على قيامها, أيضاً ركزت النظرية على الوعي السياسي فكان المقصود منه هو الوعي بضرورة وجود نظام سياسي لحماية أنفسهم وممتلكاتهم, ووجود الأمن. سبب ذكري لهذه النظرية أن ابن خلدون كان من أشد أنصارها, وذلك لأن العوامل التي ذكرتها النظرية هي عوامل يرى ابن خلدون أنها مهمة لنشأة الدولة (العصبية, الوازع الديني).

أيضاً نظرية القوة والغلبة التي كانت تؤكد على أن الدولة نشأة نتيجة للعنف والقوة, وأنها أداة تستخدم داخل المجتمع مع الشعب للردع, وخارج المجتمع لفرض هيبة الدولة وحماية حدودها, والدفاع عنها. فتبرر النظرية أن استخدام القوة هو مبدأ طبيعي وضروري في الحياة, فالقوة بين جميع الكائنات الحية, والعشائر, وبين الدولة والأمم في حروبها, أيضاً لها استخدام إيجابي لفض النزاعات, أما عن الجانب السلبي في النظرية فقد أكدت أن كل الدول لا تقوم إلا على القوة والعنف, إلا أن هناك نظرية أخرى أتت بعكس ما قالته نظرية القوة والغلبة, وهي نظرية العقد الاجتماعي التي ترى بأن الدولة تنشأ على أساسين هما: الاتفاق الواقع بين المجتمع ويتلوه عقد أبرمه أعضاء من المجتمع على إنشاء دولة, وعلى الرغم من أن نظرية العقد الاجتماعي أتت بما لم تأتي به نظرية القوة والغلبة إلا أنها قامت على أساس الافتراض وليس الحقيقة, فيستحيل وجود مجتمع يتفق فيه جميع أعضائه على إبرام العقد لذا اعتبرت أنها تميل إلى المثالية, كما أن البعض يرى أن نظرية العقد الاجتماعي قائمة على فكرة التنازل, فموجبة يتنازل الأفراد عن جزء من حقوقهم مقابل التمتع بمميزات المجتمع السياسي.

أما عن القسم الثالث من الكتاب يروي نشأة الدولة عند ابن خلدون, فتنشأ الدولة عند التجمع الحضري, أو كما يسميها المجتمع المدني, فلا تنشأ الدولة عند المجتمع الطبيعي أو التجمع البدوي؛ ويعلل سبب عدم نشأة الدولة في المجتمع البدوي لعدة أمور منها: أن الدولة تنشأ في التجمع السكاني لأفراد في مكان ثابت, فالمجتمع البدوي يتميز بالترحال وعدم الاستقرار, كما أن المجتمع البدوي يتميز بوجود عصبيات ولكن ما يعوق تلك العصبيات التي تُبطل شرط قيام الدولة هي أن تلك العصبيات في طور التكوين والنمو, ومتفاوتة القوى, كما أنها متفرقة بين الجماعات –جماعات البدو-, المميز أن هذه العصبية تنشأ في المجتمع البدوي, فعندما تصبح هذه العصبية ذات قوة كبيرة وموحدة يتم هنا يتم شرط العصبية في نشوء الدولة وعند انتقالها إلى المجتمع الحضري.

وهنا وجب تحديد العناصر الأساسية لنشأة الدولة:

قسمت نظرية الدولة في الفكر الخلدوني منشأ الدولة إلى ثلاث عناصر أساسية:

نظرية الدولة في الفكر الخلدوني

أولا: عناصر معنوية وهي عبارة عن ثلاث أقسام: العصبية يقصد بها كما ذكر شعبان (2010) حالة نفسية ذهنية تظهر في العلاقات والسلوكيات التي تتسم بها مجموعة من البشر في حالة البدو. كما تعتبر المحور الأساسي لقيام الدولة ونشأتها ويقصد بها رابطة تربط أعضاء الجماعة؛ فقد تكون صلة دم أو نسب أو حلف وولاء وانتماء, وكما ذكرنا سابقاً بأنها تنشأ قبل المدينة في طور البدوي, ولابد أن تكون العصبة كبرى جامعة لكل العصائب, وذكر في مقدمته أن الرئاسة في العصبية تكون من نفس أهل العصبية “أن الرئاسة على أهل العصبية لا تكون في غير نسبهم ذلك أن الرئاسة لا تكون إلا بالغلب والغلب إنما يكون بالعصبية كما قدمناه فلا بد في الرئاسة على القوم أن تكون من عصبية غالبة لعصبياتهم” (ابن خلدون, 1981) , كما أكد على أهميتها لدعم العنصر الديني في مقدمته “أن الدعوة الدينية من غير عصيبة لا تتم” (مرجع سابق: 199), وقد تعتبر أيضاً من العناصر العضوية لأنها تنشأ من صلة الرحم والنسب, وتعتبر معنوية لأنها أمر غير محسوس, أما عن القسم الثاني فهو الإكراه والاقناع وقد شرح ذلك على أهل الحواضر وأهل البادية, فالملك أو الرئيس على اقليم ما يقوم باستدراج أهل البادية إلى طاعته اختياراً واقناعاً كأن يبذل لهم ما يحتاجونه من الضروريات التي تنقصهم, أو عن طريق الإكراه فيحاول التفريق بينهم حتى يحصل له جانب منهم. أما عن القسم الثالث الخاص بالعناصر المعنوية هو الوازع الديني؛ ويرى أن دوره معنوي في التأليف بين قلوب الشعب وجمع الأفراد وهذا يساعد العصبية في تأسيس الدولة, كما أشار ابن خلدون في مقدمته “أن الدولة عامة الاستيلاء العظيمة الملك أصلها الدين أما من نبوة أو دعوة حق”(مرجع سابق: 197), أيضاً وضح “أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة العصبية التي كانت لها من عددها” (مرجع سابق: 199).

ثانياً: العناصر المادية أيضاً تنقسم إلى ثلاث أقسام: منها التجمع والذي يقصد به جماعة من الناس أي التجمع الحضري, ويرى ابن خلدون أن التجمع الحضري في الطور الأول تكون في حالة من البداوة؛ وذلك لأسباب اقتصادية, أما عند توسع الدولة في الملك فأنها تنتقل إلى طور الترف والحضارة وتمتاز بكثرة نفقات الدولة, إلا أنه عند الاسراف في كثرة النفقات تدخل الدولة في طور الانحلال , ولذلك يفسر ابن خلدون هنا تفسيراً مادياً فالدولة تكون بدوية عند اعتمادها على الضروريات, ومتحضرة عند اعتمادها على الكماليات, وعند الاسراف تتلاشى, القسم الثاني هو الوازع الحاكم وهو شرط أساسي من شروط نشأة الدولة ويقصد بها الحاكم. أما القسم الثالث هو الإقليم فيقول ابن خلدون في المقدمة “إن كل دولة, لها حصة من الممالك, والأوطان, ولا تزيد عليها” (مرجع سابق: 285) كما أنه لا يتصور وجود جماعة بدون أرض أو إقليم.

ثالثاً: العناصر المشتركة التي يقصد بها خليط بين ما هو معنوي وما هو مادي, وهي تنقسم إلى ثلاث أقسام منها: الجند؛ فلا توجد دولة بدون جند, ثانياً؛ المال فتحتاج الدولة للإنفاق على وجوه الدفاع المختلفة مثل الجند والأعوان والقادة أيضاً المصالح العامة والمصالح الخاصة, والمال هو قوام أولئك الجند, وبالرغم من ذكره أهمية المال لإنشاء الدولة إلا أنه قد يكون سبب في اضمحلالها عند الانغماس في الترف وصرفه على الشهوات, فبين الأوقات التي تحتاج الدولة فيها إلى المال, فأكد أن المال ضرورة في مرحلة التأسيس –مرحلة البداوة-, ولأهمية العنصرين السابقين –الجند والمال- ووضح أن الخلل إذا طرق الدولة, طرقها من هذين الأساسين. ثالثاً تحقيق العدل؛ كما أشار إلى أنها من وظائفها الرئيسية وليس فقط من عناصر نشأتها, وأن العدل أداة لبناء العمران.

عوامل سقوط الدولة:

  • احتكار السلطة؛ يعتبر ابن خلدون أن الدولة في الجيل الأول ذو عصبية قوية وبأسها شديد, وفي الجيل الثاني؛ ينفرد بالمجد واحد من أفراد العصبية دون باقي الأفراد؛ بالتالي تضعف العصبية, وتسقط الدولة.

  • فساد عصبية الدولة؛ فيحصل الفساد عندما تنتشر روح المنافسة في الاستيلاء على السلطة, وتطمع قرابة صاحب الدولة في الحكم.

  • الانهماك في الترف؛ فيوضح ابن خلدون أن طبيعة الملك تقتضي الترف بالتالي وعلى الرغم من ضروريته إلا أن الانهماك فيه يؤدي إلى سقوط الدولة, ومن الناحية فيعتبر الترف هو عامل بناء دولة جديدة, إذا هو عامل هدم وعامل بناء في آناً واحد.

  • الراحة وعدم الإنتاج؛ فقلة العمل يؤدي إلى نقص الإنتاج, بالتالي ذهاب شدتهم وبأأسهم, كما أنه يعد نتيجة تفشي الترف.

  • الخلل الذي يصيب الدولة في العناصر الأساسية المشتركة (الجند, المال, العدل)؛ فإذا اختلت الدولة في هذه العناصر سينتج عنه تمرد الشعب على الحكم, والخروج ضدها.

 

تصنيف الدول من وجهة نظر ابن خلدون إلى ثلاث أقسام: سياسي, أخلاقي, وصفي.

التصنيف الأول: سياسي

يقصد به انبثاق دولة أو عدة دول عن الدولة الأم, وذلك عن طريق الانفصال, وهناك شكلين للانفصال أما عن طريق انفصال بعض الولايات في أطراف الدولة عن الدولة الأم, فتشكل تلك الولايات دولة جديدة, وأما عن طريق ثورة على الدولة الأم فتسقطها, وتنشأ من الثورة دولة جديدة.

إذاً هناك ثلاث أقسام لتفكك الدولة في ضوء تصور ابن خلدون, فتلك الأقسام هي: (الدولة الأم, الدولة المتجددة من أطراف الدولة الأم فتنفصل عنها وتنشأ دولة جديدة, والدولة المتجددة من الثورة).

التصنيف الثاني: أخلاقي

تناول التصنيف الأخلاقي كيفية انتقال المجتمع من حال البداوة إلى حال الحضارة, فبداية من مرحلة البداوة وصف هذه المرحلة بأنها مرحلة بسيطة في طبيعة تصرفها مع الشعب, وفي نظام الحكم, وفي سيطرتها على الأوضاع السائدة في المجتمع, وأكثر ما يميز هذه المرحلة هي قوة العصبية, وشدة تماسكها الأخلاقي, والدفاع عن ذاتها وكيانها, ويرى ابن خلدون أن هذه المميزات الايجابية في العصبية لا تتوفر إلا في مرحلة البداوة, كما تمتاز من الناحية الاقتصادية بالاقتصار على الضروريات وعدم التبذير, ومن الناحية الاجتماعية بالمحافظة على روح التماسك, ومن الناحية الخلقية فتمتاز بالخشونة, والشجاعة, والعز, والأنفة, والطموح, ومن الناحية السياسية فتمتاز العصبية بالقوة والوحدة والمشاركة في السلطة السياسية. أما عن المرحلة التالية هي مرحلة الحضارة؛ تفقد فيها الدولة جميع خصائص مرحلة البداوة, وتمتاز بالبدء في الانغماس بجميع ألوان الترف, الأمر الذي قد يقودها إلى الانحلال الخلقي, أو كما أشرنا سابقاً أن الانغماس في الترف هو أحد أسباب سقوط الدولة, وأيضاً هو أمر طبيعي في الحكم, بالتالي مرحلة الحضارة هي مرحلة فاصلة بين مرحلة بناء الدولة ومرحلة سقوطها, أما عن مرحلة الاضمحلال التي تسبقها مرحلة الانغماس في الترف ثم يليها طور الهرم والاضمحلال شيئاً فشيئاً, ويشير إلى أن هرم الدولة يبدأ في أطراف الدولة ثم يتسرب تدريجياً إلى مركزها.

التصنيف الثالث: وصفي

يرى ابن خلدون ان التصنيف الوصفي التقييمي قائم على أساس طبيعة النظام الحاكم, وتقدير تلك الأنظمة للحكم باعتبار التوجه الوظيفي للعصبية, وفي هذا الإطار, يرى أن هناك أربعة أصناف من الدول, وهي:

  1. دولة النظام الطبيعي: ويقصد بها الدولة التي تكون العصبية فيها لا يحكمها قانون سماوي أو قانون وضعي, إنما الحاكم لها شهواتها, والميول الغريزية, والنزوات الطبيعية, وشكل الحكم فيها يكون استبدادي لأنه قائم على الظلم والعدوان, بالتالي لا يحقق العدل بين الناس, لاعتماده على الهوى, فيرى ابن خلدون أن هذا النوع من النظام مرفوض لعدم اعتماده على وازع ديني أو حتى سياسي أو أخلاقي.

  2. دولة النظام الشرعي: يمثل هذا الصنف دولة الخلافة, فتقوم العصبية فيها على خدمة الشرع, وتستند في حكمها عليه. فهي سياسة شرعية تعتمد على قانون منزل من السماء, ومن الواضح ميل ابن خلدون لهذا الصنف من الدول لاعتماده على الحكم الشرعي.

  3. دولة النظام الوضعي: هنا تقوم العصبية على خدمة العقل, ويسميها ابن خلدون السياسة الملوكية أو الملك السياسي, فهو يعتمد على القوانين التي يسنها العقل البشري.

  4. دولة النظام المدني: هذا الصنف من الدول يعتبر مثالي وغير واقعي فهو أقرب ما يكون إلى المدينة الفاضلة التي نادى بها أفلاطون, أي أن العصبية فيها تخدم المثل العليا.

أطوار الدولة, أو ما يسميها (نظرية التعاقب الدوري): قرر ابن خلدون أن الدولة كائن عضوي يمر بأطوار خمسة مختلفة كل طور يتميز بخصائص وأحوال معينة, وهي كالآتي:

الطور الأول (الظفر): هو طور التأسيس والاستيلاء والنصر على الحكم, ومن مميزات هذا الطور هو تعاون وتكاتف أفراد العصبية في الحكم والمشاركة في السلطة السياسة, والدفاع والحماية من العدوان, والمساهمة في النهوض باقتصاد الدولة المالي.

الطور الثاني (الاستبداد): في هذا الطور يبدأ الحاكم باحتكار السلطة السياسية لذاته دون أقاربه من أفراد العصبية, ورفض مشاركتهم السياسية, وينتج عن ذلك توتر السياسي مما قد يجعل الحاكم اتخاذ أعوان وأنصار من الموالي والأباعد, لحمايته من المعارضة.

الطور الثالث (الفراغ): ما يميز هذا الطور العمل على تنظيم الحياة الاقتصادية, والسعي إلى الرفعة والشهرة والجاه, وصرف الأموال على الحاشية والأعوان , كما يتم العناية بالجند بالتوسعة عليهم في المال وإنصاف قضاياهم, والمباهاة بالجيش والافتخار بهم أمام الدول المسالمة وإرهاب الدول المعادية.

الطور الرابع (القنوع): سمي بالقنوع نسبة إلى قنوع الحاكم بما بناه الأوائل, ومسالمة حاكم ورؤساء الدول, أيضاً يتصف الحاكم هنا بتقليده لأسلافه.

الطور الخامس (الإسراف): وهذا هو الطور الأخير من أطوار الدولة من وجهة نظر ابن خلدون, فنرى أن خصائص هذا الطور تمتاز باستهلاك ما انتجه الأوائل, وانغماس الحاكم في الملذات والشهوات, واصطفاء أخدان السوء والتقرب منهم, كما يقوم الحاكم بتعيين المفسدين وغير الأكفاء مراكزاً هامة في الدولة, واستغلال الحاكم لأعطيات الجند وصرفها في شهواته, وإهمال المصالح العامة للدولة.

عمر الدولة:

قد سبق وأشرت إلى أن ابن خلدون يشبه الدولة بالكائن العضوي, إذ أن الكائن العضوي له عمر محدد والدولة كذلك, فيعتقد ابن خلدون أن أي دولة عمرها مائة وعشرون سنة, المكونة من ثلاث أجيال  وعمر كل جيل هو أربعين سنة, وقد يزيد العمر الطبيعي أو قد ينقص وذلك في صورة نادرة أو أوضاع غريبة من الفلك, إذا أن مستنده إلى ذلك أمور عدة منها نظرية الأعمار نسبة إلى علم الفلك الذي يحدد العمر الطبيعي للشخص بالتالي يقيس عليه عمر الدولة, أيضاً أستشهد برأي المنجمين الذين قالوا أن عمر الشخص يتراوح ما بين الخمسين إلى المئة والعشرين سنة, ويقرر أن أعمار أهل الملة الإسلامية تتراوح بيني الستين والسبعين سنة إلا أن الغريب لم يشير بذلك إلى نص شرعي يدعم قوله, بل أنه أستدل من قول الله تعالى: ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً)(الأحقاف: 15) أن سن النضوج والكمال في النمو أربعين سنة بالنسبة للإنسان, كذلك بالنسبة للجيل من الأشخاص, ومن قول الله تعالى: ]قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ[ (المائدة: 26) أستنتج من قصة تيه بني إسرائيل في سينا أربعين سنة دلالة على حقيقة انتهاء جيل وظهور جيل آخر. إلا أن تحديد عمر الدولة عند ابن خلدون لم يكن تحديداً مطلقاً, بل هو تحديداً نسبياً قياساً على أعمار ثلاث أجيال من الأشخاص.

 

وظائف الدولة عند ابن خلدون:

درس ابن خلدون نمطين من الوظائف: النمط الخلافي, والنمط السلطاني, مستقلاً كل منها عن الآخر, رغم اعتقاده بتداخلهما منذ انقلاب الخلافة إلى الملك السياسي, ويشير إلى أن النمط الخلافي لم يعد يمارس في عهده, وأن جميع السلطات هيمنت عليها السلطة التنفيذية في النظام الوضعي.

النمط الأول: الوظائف الخلافية

قد صنف ابن خلدون الوظائف في الدولة الخلافية إلى خمسة وظائف هي:

الأولى: وظيفة إمامة الصلاة, وقد اعتبرها ابن خلدون أسمى الوظائف.

الثانية: وظيفة الفتيا, ويقصد بها بيان الأحكام الشرعية في المسائل والأمور الحياتية

الثالثة: وظيفة القضاء, عرف ابن خلدون القضاء بأنه “الفصل بين الناس في الخصومات, حسماً للتداعي, وقطعاً للتنازع, إلا أنه بالأحكام الشرعية, المأخوذة من الكتاب والسنة”(مرجع سابق: 390), ومن الوظائف المرتبطة بالقضاء (المظالم, الشرطة, العدالة).

الرابعة: وظيفة الحسبة, ويقصد بها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله.

الخامسة: وظيفة الجهاد, الجدير بالذكر هنا أن ابن خلدون يرى بطلان هذه الوظيفة لاندثار نظام الخلافة, لذلك قد اعتبر الجهاد حرباً دفاعية, وقد قسم الحروب إلى أربعة أصناف أولها: حروب القبائل المتناظرة, ثانيها: عدوان الأمم الوحشية على بعضها, ثالثها: الجهاد, رابعها: الحروب الأهلية.

 

النمط الثاني: الوظائف السلطانية

تعبر هذه الوظائف عن نظام الملك السياسي الوضعي, وقد قُسمت إلى وظائف جوهرية, وأخرى ثانوية, وكلاهما في رأيه يمثلان السلطة التنفيذية المركزية.

الصنف الأول: الوظائف الجوهرية

تعتبر وظائف أساسية وجوهرية لأنها تعبر عن مفهوم الدولة وحقيقتها, صنفها ابن خلدون إلى خمسة أصناف هي: (الوزارة, الحجابة وهو لقب يطلق على من يحجب السلطان عن العامة, المالية أو ما يطلق عليها الوظيفة الاقتصادية, والكتابة وهم كُتاب مهرة يقومون بكتابة السجلات وتحرير الرسائل والخطابات, والجيش)

أعتقد أن كتاب نظرية الدولة في الفكر الخلدوني يميزه عند الانتهاء من سرد نقطة معينة بإسهاب كما يراها ابن خلدون, يضع الكاتب تعقيب خاص بوجهة نظره؛ مما جعل القارئ التمييز بين ما هو خاص بالفكر الخلدوني وما هو خاص بوجهة نظر الكاتب, أيضاً التسلسل المنطقي الخاص بوجهة نظر ابن خلدون عن الدولة انطلاقاً بمفهومها إلى الاضمحلال, وصولاً إلى الوظائف التي تكون عليها الدولة.

المراجع:

  • سعد الله, علي (2003) نظرية الدولة في الفكر الخلدوني. عمان: دار مجدلاوي.
  • ابن خلدون (1981) مقدمة تاريخ ابن خلدون. بيروت: دار الفكر.
  • شعبان, جمال واخرون(2010) فكر ابن خلدون الحداثة والحضارة والهيمنة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

 

error: المحتوى محمي