الحملة الصليبية للحداثة: عشر سنوات على الحادي عشر من سبتمبر – باهمان نيروماند / ترجمة: رشيد بوطيب

الحملة الصليبية للحداثة: عشر سنوات على الحادي عشر من سبتمبر – باهمان نيروماند / ترجمة: رشيد بوطيب


مرت عشر سنوات على العمليات الإرهابية التي ضربت نيويورك وواشنطن، ومازلنا، على الرغم من ذلك، نتخبط في الظلمة. فلم تساهم الأدلة التي أضحت معروفة للجميع في إصدار حكم نهائي. إذ ما زلنا مرتبطين بمزاعم ونظريات، ترتبط لا ريب بمعرفتنا، تجاربنا، ولكن أيضا بأحكامنا المسبقة، وأحاسيسنا.

اتصلت بي زميلة لتخبرني بالحدث الجلل. فتحت التلفزيون ليسقط نظري على مشاهد مفزعة، نار مشتعلة، أناس يرمون بأجسادهم إلى الموت المحقق، والبرجان الكبيران يشبهان في انهيارهما بيتا من ورق.  كان المنظر  أشبه بكابوس لا نهاية له. صورة ستظل عالقة في ذاكرتي إلى الأبد. ليس مهما من أي بلد ينحدر الإرهابيون ومن يقف خلفهم، أو أي دين يعتنقون أو جنسية يحملون، فالمؤكد أنهم بشر من قاموا لشهور بالإعداد للعملية الإرهابية، ولشهور تحملوا ضغط حياتهم المزدوجة والخوف من انكشاف أمرهم، لكي يقوموا في يوم محدد وعند ساعة معينة، ليس فقط بقتل ألاف البشر ولكن بقتل أنفسهم أيضا. إنه أمر لا يصدق وهو يتناقض مع الطبيعة البشرية. بل إنني أتساءل لم لم يختر أحد منهم متع الحياة، والحنين إلى الحب والصداقة واللعب وتخلى عن خطة القتل واختيار الموت؟  إن مفاهيم مثل الشهادة والتطرف والأصولية لن تكفي لتفسير هذه الظاهرة. لماذا توجب وقوع ما لا يمكن تصوره؟ ماالذي يقف خلف هذا الاستخفاف المطلق بالحياة؟ الحقد والرغبة في الانتقام، حسابات سياسية،  منظمة مافيوزية تبحث عن المال والسلطة..؟

 

الشر ضد الخير؟

كانت هناك أصوات لها تأثير كبير، قدمت لنا جوابا واحدا، بعد العملية الإرهابية، على كثير من الأسئلة، جواب يتمثل في كلمة واحدة: الإسلام. السياسيون ومن نصبوا أنفسهم خبراء في شؤون الشرق الأوسط، وعلماء الإسلام الذين لا نعرف من أين خرجوا فجأة، جميعهم أرادو أن يوضحوا لنا بأنه فيما وراء حدود العالم المتحضر، يسود الظلام ويحكم الشياطين. إذ بدأ الحديث عن صراع الثقافات، الخير ضد الشر. هنا الحضارة وهناك الوحشية، هنا الحرية وهناك العبودية، هنا التقدم وهناك التخلف. ومنذ اليوم الأول تحدث الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش عن حملة صليبية ضد التوحش، مؤكدا عزمه قصف العديد من الدول. وبعد أيام قليلة صرح سيلفيو برلوسكوني خلال زيارة إلى برلين، وفي لغة واضحة، بآراء تمتلئ بها رؤوس كثيرة قائلا: “يتوجب علينا الحفاظ على سيطرتنا وأن نكون واعين بتفوق حضارتنا الغربية”، متابعا: “إن الحضارة الغربية متفوقة على الإسلام، ولهذا يتوجب نشر قيم الحضارة الغربية في العالم”. مضيفا:” سيقوم الغرب بالسيطرة على شعوب أخرى، تماما كما نجح في السيطرة على العالم الشيوعي وأجزاء من العالم الإسلامي”. إن المجتمع الغربي يتميز “بحبه للحرية وبحرية الشعوب والفرد، وهي قيم لا تنتمي البتة إلى منظومة قيم الحضارات الأخرى كالحضارة الإسلامية. إن هذه الحضارات قادرة على القيام بأفعال تبعث في نفسي الخوف”.

لست متطرفا دينيا، وأعرف حق المعرفة، أي جرائم ارتكبت وترتكب بإسم الإسلام، وتكفي الإشارة هنا إلى ما يقرب من ثلاثين سنة من حكم الجمهورية الإسلامية في إيران والآلاف من الذين أعدموا في هذا البلد باسم الله. وطبعا، يمكن لكل جرم أن يتخفى في لبوس ديني، حين يتحول الإيمان إلى أيديولوجيا ويخضع للاستغلال السياسي.  وكل دين قابل للاستغلال وليس فقط الإسلام، بل وكما يظهر التاريخ: المسيحية واليهودية أيضا. إنه أمر قد يحدث مع كل فكرة وكل طوبى تتحول إلى أيديولوجيا، ويكفي أن نسوق هنا مثالي الستالينية والقومية الاشتراكية. بل إن فكرة الديمقراطية ذاتها، وكما لمسنا ذلك في السنوات الأخيرة، يمكن استغلالها لتحقيق أهداف سياسية ولخدمة السلطة ومصالحها، وهو ما تقوم به هذه الأيديولوجيات التي تريد أن تقنعنا بأن الصراعات الحالية التي تهدد السلام العالمي، هي صراع بين ثقافات وأديان، وفي لغة أكثر دقة: بين الإسلام وبقية العالم. إن المتطرفين الشيعة والسنة هما وجهان “للتهديد التوتاليتاري نفسه” المحدق بالعالم المتحضر والحر كما قال الرئيس بوش عام 2007 في خطاب إلى الشعب الأمريكي. إنهم يريدون “قتل الأمريكيين وقتل الديمقراطيات في الشرق الأوسط”. إن الحرب ضد الإرهاب أكبر من مجرد صراع عسكري. “إنها المعركة الأيديولوجية الحاسمة في هذا القرن”.

 

الحملة الصليبية للحداثة

قدمت اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001 تبريرا للشروع في “حرب القرن”. فبعد أسابيع منها، بدأت الحرب في أفغانستان، لتعقبها حرب العراق. لقد دعمت تلك العمليات الإرهابية التغيير الإستراتيجي الذي كان قد بدأ بالفعل، من أجل تحويل الحقد  الموجه سابقا إلى الشيوعية ضد عدو جديد هو الإسلام.  لقد مثل الحادي عشر من سبتمبر لا غرو، بداية مرحلة جديدة، يمكن أن نسميها بالحملة الصليبية للحداثة، أو بالحملة الصليبية المعاصرة. وقدم الحادي عشر من سبتمبر لبعض الدوائر سببا للدخول في حرب نفسية مخيفة ضد الإسلام، وأضحى دارجا إستعمال مصطلحات ذات حمولة دينية وأخلاقية وأيديولوجية مثل “الدول المارقة”، “محور الشر”، “الإرهاب الإسلامي” و”صراع الثقافات” في الخطاب اليومي، رغم أنه لم يعمد أحدهم إلى تسمية  منظمات كالجيش الجمهوري الإيرلندي أو إيتا الباسكية أو الألوية الحمراء في إيطاليا أو الجيش الأحمر في ألمانيا بالإرهابيين المسيحيين. لكن الإرهابيين الذين ينحدرون من البلدان الإسلامية والذين لا يمثلون سوى أقلية قليلة، يقدمون ما يكفي من الأسباب، من أجل ربط الإرهاب بديانة  يدين بها أكثر من مليار شخص. وفي ظل هذه الأجواء المشحونة بالحقد، لم تحتج الحرب على أفغانستان لتبرير يذكر، خصوصا وأن نظام طالبان من كان يحكم هذا البلد، وهو نظام يقدم، وعن طيب خاطر، كل المبررات لوعاظ الحقد من أجل شرعنة حربهم  وتصويرها كحرب تحريرية. لكنه لم يكن محبذا، لا بالنسبة لقادة الحرب ولا لوسائل الإعلام حينها، الإشارة إلى أن نظام طالبان لقي دعما كبيرا في التسعينيات من الولايات المتحدة الأمرييكية ومن المملكة العربية السعودية في حربه ضد الاتحاد السوفياتي. والأمر نفسه يسري على بن لادن الذي عمل لسنوات لصالح جهاز المخابرات الأمريكية سي أي إيه. لقد مثلت حرب أفغانستان بداية محاولة التأسيس لنظام جديد في المنطقة. وبعد أقل من عام ونصف، جاء الدور على العراق، وهنا لم  يتورع من أعلن الحرب على ضرب ميثاق الأمم المتحدة بعرض الحائط، وبفضل التغطية الإعلامية المباشرة للهجوم، أحس ملايين المتفرجين كما لو أنهم يشاركون في غزو العراق. كانت مشاهد صادمة تلك التي انتشرت حول العالم. وفي حماس ومتعة صور الطيارون الأمريكيون مشاعرهم وألقوا بقنابلهم رغم معرفتهم بأن كل ضغط على الزر يعني مقتل المئات. وفي السماء مر كل شيء في نوع من الكمال التقني، في نظافة ودون أخطاء. أما ما كان يحدث على الأرض، فلا أحد يراه. النيران المشتعلة وظلال الصواريخ والقنابل منحت العملية مسحة جمالية. بل إن طيارا شبه المشهد بشجرة عيد ميلاد تشتعل بالأضواء. لقد تم اختيار هذا الوصف عن وعي. فدور الشجرة هنا أن ترمز إلى المسيحية، التي تخوض حربا ناجحة ضد الإسلام.  حرب صليبية معاصرة في بداية القرن الواحد والعشرين. لقد كان ذلك عرضا متكبرا للسلطة وإذلالا مطلقا، كما لو أن غضب الملايين  على العالم الإسلامي انفجر دفعة واحدة. هذا الحقد شعرنا به نحن  أبناء البلدان الإسلامية أيضا  في الغرب. فالمواطنون من أصول مسلمة والذين يعيشون ويعملون هنا  منذ عقود أصبح ينظر إليهم بعين الريبة، ويشك بانتمائهم إلى خلايا نائمة.  كانوا يعنون بذلك الإرهابيين والذين لم يشك أحد بأمرهم والذين كشفوا فيما بعد وجههم الحقيقي. لقد كان الهجوم على مركز التجارة العالمي والبنتاغون أشبه بزلزال، وصل مداه كل الناس في العالم، الذين اعتلى  وجوههم القلقة سؤال واحد: في أي عالم نعيش فعلا؟  لا أعني بذلك أنني نعيش في عالم منقسم على نفسه، ولكن، وعلى الأقل من ناحية اقتصادية، في عالم معولم. فبالنسبة للشركات الكبرى والمصارف وأسواق البورصات لم تعد هناك حدود قائمة منذ  فترة طويلة كما لا توجد منطقة لا تخضع لتأثيرهم، وانطلاقا من وجهة نظرها فإن كل تقسيم للعالم إلى عالم متحضر وآخر متوحش، إلى مسيحيين ومسلمين ويهود، مغالطة تاريخية. إذ يعيش الآن عدد لا يحصى من الناس خارج الأراضي الغربية طريقة الحياة نفسها التي يعيشها الأوروبي أو الأمريكي. لكن ومع ذلك فما تزال هناك داخل عالمنا الموحد اختلافات كبيرة لا يتوجب تحويل النظر عنها أو التصغير من خطرها، فحين نتذكر مثلا أنه في افريقيا يموت يوميا أكثر من العدد الذي قضى نحبه في نيويورك وواشنطن عقب العمليات الانتحارية وبالنظر إلى ملايين الأطفال والكبار الذين يعانون من الفقر والجوع والأوبئة، سيكون على المرء أن يستعد في المستقبل، إذا لم يتغير هذا الوضع، لاشتداد أوار الصراعات. فمن غير المستبعد أن تحدث عمليات إرهابية كبيرة في المستقبل، والتي لا يمكن تجنبها عبر استعمال العنف والحرب ولا عبر إشعال فتيل الحقد والاشمئزاز، بل العكس، فالحرب ضد أفغانستان والعراق، والرسوم الكاريكاتورية ومنع بناء المآذن والاعتداءات على المساجد أو التمييز العنصري، تمنح الجماعات المتطرفة والإسلاميين الراديكاليين شعبية أكبر.

 

عالم بلا عدالة

ما يحرك عالمنا في واقع الأمر ليس صراع حضارات أو أديان، بل هي الظروف التي قادت إلى أن يعيش جزء من العالم  الرفاهية ويتمتع بكل امتيازات المجتمع الحديث في حين يظل الجزء الآخر أبعد ما يكون عن تحقيق ذلك، خصوصا بعد فشل حركات التحرر الوطني التي قاومت الاستعمار في الخروج ببلدانها من ربقة التخلف. كما أن محاولة تقليد أووربا أو نهج طريق اشتراكي من أجل اللحاق بالمجتمعات الصناعية لم يصل في أغلب الأحيان إلى تحقيق هدفه المنشود. وما يمكن ملاحظته الآن في العالم الإسلامي هو جهد للخروج من التخلف التاريخي والالتقاء بإنجازات وتجارب الدول المتقدمة من أجل تحقيق التقدم. وكل من يعرف مثلا الصراع النقدي القائم بين المثقفين ورجال الدين المتنورين مع الإسلام التقليدي، يعرف عمق وصعوبة هذه السيرورة. فهنا لا أثر للمشاعر المعادية للغرب أو للمسيحية، بل فضولا علميا مدهشا ورغبة في التعلم.  وبدلا من خلق عداواة جديدة والنفخ في نار الحقد، يتوجب على الغرب أن يمد اليد إلى هذه الحركات. ولن يكون أمرا جوهريا بالنسبة للغربيين، إذا ما لاحظوا بأن هؤلاء البحاثة الشرقيين لن يتفقوا مع كل شيء يجدوه هنا في الغرب. إنهم سيتساءلون عن سبب هذه البرودة الاجتماعية وهذه العزلة التي تسود العلاقات الإنسانية كما أنهم سيطرحون من جديد السؤال عن العلاقة بين الفرد والمجتمع، وهم لن يحضروا إلى هنا بأيد فارغة فهم يملكون أيضا شيئا يقدمونه  ونفيسا يعرضونه. إن اللقاء  فرصة، فعبر الحوار والتبادل، وعبر النقد والنقد الذاتي يمكن تجفيف منابع المتطرفين على الضفتين.