الحب والخوف والربيع العربي – جوزيف مسعد / ترجمة: محمد الدخاخني

الحب والخوف والربيع العربي – جوزيف مسعد / ترجمة: محمد الدخاخني

جوزيف مسعد

د. جوزيف مسعد

  (بَبْلِك كلتشر Public Culture: نشرت في كانون ثاني/يناير ٢٠١٤) – مراجعة الترجمة: جوزيف مسعد، ومحمد أيوب


    خرج المتظاهرون التونسيون بلا خوف في ١٤ كانون ثاني/يناير ٢٠١٢ في الذكرى السنوية الأولى لإسقاط الديكتاتور التونسي زين العابدين بن علي رافعين لافتات تطالب بـ “الشغل والحرية والكرامة الوطنية” و”الشغل حق” – المطالب الثورية التي لم تُلبَّى، على الرغم من مرور عام علىالثورة، حيث واصلت القوات الأمنية السابقة لبن علي مهاجمة وقمع الاحتجاجات الثورية، حتّى بعد انتخاب حكومة جديدة لإدارة البلاد في تشرين أول/أكتوبر ٢٠١١ (العربي، ٢٠١٢). وقد تظاهر، بالفعل، الآلاف من التونسيين العاطلين عن العمل في نفس اليوم جنوب البلاد، وألقوا بالزجاجات الحارقة على الشرطة، التي أطلقت الأعيرة النارية في الهواء واستخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين. وقد قام المتظاهرون بالدعوة إلى “ثورة جديدة” (القدس العربي، ٢٠١٢). وكان المتظاهرون التونسيون قد عبروا عن فقدان حبهم لنظام ما بعد بن علي في مناسبات عديدة سابقة، إذ لم يطرأ أي تغير أساسي في واقعهم المعيشي منذ إسقاطه. وقد تكرر المشهد مرة أخرى في الذكرى السنوية الثانية لاندلاع الثورة، في ١٧ كانون أول/ديسمبر ٢٠١٢، مع حقبة القادة الجدد المنتخبين في البلاد، عندما رُشق بالطماطم/البندورة والحجارة كلٌّ من الرئيس المنصف المرزوقي ورئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر، وطردوا من تجمع حاشد في سيدي بوزيد، وهي المدينة التي كانت قد أشعلت فتيل الثورة قبل ذلك بسنتين.

أما في الجارة مصر، فقد اختار الجيش المصري خلال الأيام الأخيرة للانتفاضة في شباط/فبراير ٢٠١١ عدم سحق التمرُّد المضاد لمبارك بشكل علني، بينما كان يشارك بنشاط في قمع المتظاهرين بشكل خفي (هيل ومنصور، ٢٠١٣). وقد أمطره المتظاهرون المصريون بزخات من الحب، امتنانًا لموقفه “الحيادي”، واعتلوا الدبابات والمدرعات المحيطة بميدان التحرير بلا خوفٍ أو وجلٍ تضامنًا مع الجيش وتحدٍّ لدكتاتورية حسني مبارك. وهي ذات المدرعات التي ستستخدم بعد ثمانية أشهر، في تشرين أول/أكتوبر، في عمليات سحق مدنيين مصريين فيما بات يُعرف بمذبحة ماسبيرو، في حين كان التلفزيون الحكومي يشن حملة إعلامية طائفية ضد المسيحيين المصريين. وبعدها بشهر، في تشرين ثاني/نوفمبر ٢٠١١، وأثناء ارتكابه مجزرة ضد مدنيين طالبوا بإنهاء الحكم العسكري، شرع الجيش المصري باستخدام نوع جديد فتاك من الغاز المسيل للدموع ضد الحشود، أدى إلى التسبب بحالات من فقدان الوعي وبنوبات تشنجية صرعية عند بعض المصابين مما اقتضى نقلهم إلى المستشفيات لتلقي العلاج  (بومونت ودوموكوس، ٢٠١١). وأخذ المتظاهرون المصريون (المعروفون بهتافهم الحازم الشهير”الشعب يريد إسقاط النظام”، وهو الهتاف الذي بات شعاراً شاركهم فيه الملايين من المتظاهرين العرب في مختلف أنحاء العالم العربي)، يهتفون، بلا خوف منغير آبهين بالأساليب الجديدة للجيش، يهتفون: “الشعب يريد الغاز القديم”. ولا يكشف استخدام هذه الدعابة اللاذعة وأمثالها في خضم مأساة قتل الجيش لعشرات المتظاهرين عن إصرار المحتجين المصريين على إسقاط النظام العسكري في مرحلة ما بعد مبارك (والذي كانوا يسخرون منه) فحسب-لكنه يكشف كذلك عن فقدانهم الخوف من حكامهم الجدد.

سوف يتكرر المشهد ذاته عند قصر الاتحادية، في كانون أول/ديسمبر ٢٠١٢، حين احتج المتظاهرون على الرئيس المنتخب حديثًا محمد مرسي، عقب إعلانه الدستوري الذي ركّز السلطة بين يديه، مطالبين بعزله، ومشتبكين مع المتظاهرين المؤيدين له، الأمر الذي أسفر عن سقوط سبعة قتلى مدنيين من كلا الطرفين (كيركْباتريك، 2012). وقد استمرَّت المواجهات مع النظام الجديد دون انقطاع، بدءًا من المعارضة الليبرالية لجبهة الإنقاذ، مرورًا بالثوار الشباب الليبراليين والراديكاليين، وصولا إلى الرموز والعناصر المتنفذة للنظام القديم. وانضم ائتلاف واسع من الناصريين واليساريين والليبراليين والسلفيين في تحالف خطر مع البرجوازية المباركية والجيش لإسقاط الرئيس مرسي المنتخب ديمقراطيًا في ٣ تموز/يوليو ٢٠١٣، وهي الخطوة التي قلبت المكاسب الثورية وأعادت بنية السلطة المباركية مع الاحتفاظ بمستوى عال من التعبئة الجماهيرية (مسعد، ٢٠١٣). يبدو، في واقع الأمر، أن المكسب الأكثر جوهرية، الذي استطاع المتظاهرون العرب تحقيقه في السنوات الثلاث السابقة عبر العالم العربي، وخلال ما أطلق عليه الغرب إسم “الربيع العربي”، هو القضاء على عامل الخوف.

كيف تحكم؟

كانت نصيحة نيكولا مكيافيللي الشهيرة (1994: 51-52)، إلى الأمير، بخصوص ما إذا كان ينبغي على الحاكم أن يكون محبوبًا أم مُهابًا، بمثابة خلاصة سياسية للفلسفة البراغماتية، بأن الحُكَّام يودّون لو “يكونون الاثنين معًا. ولكن نظرًا لصعوبة تحقيق الأمرين في الوقت نفسه… فإنه إذا كان لا بدّ لهم التخلي عن أحدهما، فالأكثر أمانًا هو أن يكونوا مُهابين على أن يكونوا محبوبين”. أما بخصوص الحكام الأوتوقراطيين والديمقراطيين، فإن جزءًا من الحكم الحديث يتبنى هذه النصيحة كملاذ أخير لهم (أي الحكام)، وإن كانوا مطالبين في الوقت نفسه بالتأسيس لآليات يستطيعون من خلالها ضمان بقائهم محبوبين أيضًا. وسوف يدرك كارل ماركس مقدرة وفعالية هذه الآليات التي تهدف إلى إنتاج “الحب” والطاعة غير القسرية اللازمة لنظام الحكم باعتبارها “الأيديولوجيا”.

في ظل الرأسمالية، لا يمكن النظر إلى أنظمة الحكم الأوتوقراطية والديمقراطية المعاصرة على أنها أنظمة متباينة، أو متضادّة، كما يفعل معظم المحللين السياسيين، بل علينا أن نتعامل معها كما رآها المنظِّر السياسي الإيطالي أنطونيو غرامشي، الذي كان قارئًا فطنًا لمكيافيللي، على أنها على اختلافها ليست سوى نظام واحد، تتمايز فيما بينها بكمية الهيمنة والقهر التي يوظفها كل واحد منها لفرض السيطرة وتحقيق القبول الشعبي، اللذين يدعوهما مكيافيللي بالحب والخوف من الحاكم: ويُشار غالباً إلى النظام الذي يغلّب أساليب الهيمنة على أساليب القهر باعتباره نظامًا “ديمقراطيًا”، في حين يوصف النظام الذي يغلّب الأساليب القهرية على تلك القائمة على الهيمنة بالنظام “الأوتوقراطي”. مع أن كليهما مصمَّم لإنتاج القابلية لحب الحاكم والخوف منه، فالهدف المنشود دائمًا وأبداً هو تأكيد السيطرة من خلال ضمان الاستقرار، لكنهما يقومان بتحقيق ذلك بدرجات متفاوتة. والاستقرار هو ذاته كناية عن تحقيق التوازن السليم بين درجات الحب والخوف الشعبيين الضروريين للحاكم للبقاء في السلطة.

لقد عرّف غرامشي الهيمنة (1987أ: 12)، على أنها الأسس الثقافية (الأفكار)، والمؤسسية (العلاقات الاجتماعية)، والمعطيات الأخلاقية (الدين والخُلُق) للمجتمع، أو، بخلاصة مكثفة، ما يُشار إليه غالبًا باسم “الثقافة” الحاكمة. إن دور بُنى الهيمنة في الحكم هو إنتاج الشعور السياسي بالحب. وسوف يدعو الفيلسوف الفرنسي لوي ألتوسير تلك البنى بـ “أجهزة الدولة الأيديولوجية”، وسوف يطلق على الآليات القهرية “أجهزة الدولة القمعية”. منذ الحرب العالمية الثانية، قام البراغماتيون الناطقون بالإنكليزية  بتسمية تلك الفعالية استراتيجيات “العصا والجزرة”. إلا إنني أجد أن الخلاصة المكيافيللية المتمثلة بالحب والخوف هي الإطار الأكثر ملاءمة لتحليل الانتفاضات الجارية في العالم العربي اليوم.

بحسب غرامشي، حين لا تكون الهيمنة كافية لضمان رضوخ الشعب للسيطرة في ما يطلق عليها أنظمة حكم “ديمقراطية”، أو حين تفشل هذه الأنظمة في مهمتها المتمثلة في إنتاج القبول (أي القابلية لحب الحاكم والخوف منه) ما يؤدي إلى بروز “أزمة في السلطة”، فإنها تقوم فورًا بزيادة حجم القهر لكي تحافظ على استمرارية السيطرة–وهي في ذلك تلتزم بتطبيق نصيحة مكيافيللي بأن “الأكثر أمانًا هو أن تُهاب من أن تُحب”. وما فتئت هذه الاستراتيجية تستخدم في القرنين العشرين والواحد والعشرين في الأنظمة “الأوتوقراطية” و”الديمقراطية” على السواء. وقد استخدمتها الولايات المتحدة بصورة متواترة على مدى عقود من الزمن منذ الحرب العالمية الأولى، وبلغت ذروتها مع صدور قانون باتريوت آكت**، ومعتقل خليج غوانتنامو، ومسألة التسليم***، والتعذيب، والاغتيال، وغيرها من الإجراءات القمعية المتنوعة التي تستهدف المواطنين وغير المواطنين، منذ عام ٢٠٠١. وجاء الالتزام بتطبيق هذه النصيحة في عصر الانتفاضات العربية، في البحرين والسعودية وسوريا واليمن، بنتائج مختلطة. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فقد تطابقت معادلة الحب/الخوف بثنائية أخرى تملي بحيثياتها على السياسة الخارجية الأمريكية، ألا وهي التناوب بين المدرسة السلوكية ومدرسة “الاختيار العقلاني” – أي المناوبة بين الرغبة في وضع حدود معينة للأنظمة الحليفة والعميلة، من خلال حزمة من الحوافز والعقوبات، والرغبة في تغيير سلوكها بحيث تكون “مثلنا” و”ليست مثلنا” في الوقت نفسه. حيث توجِّه هذه القسمة سياسات الولايات المتحدة المتعلقة بمكافحة التمرد والدبلوماسية وتهيكل شتات الكثير من الفصام الذي يدعى نظرية التحديث.

وقد يستخدم النظام المتمتع بالحب (أو ما يشار إليه أحيانًا بالحائز على “الشرعية”) في بعض الحالات قهراً أكثر قد يؤدي إلى تهديد استقراره، كما قد ينتج عنه مزيد من التعبئة الجماهيرية ضده بدلًا من التسريح المرغوب فيه (وهي الحالة التي يخسر فيها النظام حب وخوف شعبه على السواء)، ومن أجل استعادة الاستقرار يُنصح في هذه الحالة أحيانًا باستخدام قهر أقل وهيمنة أكثر تحت مسمى “اللبرلة”. وقد اتخذت كل من المغرب، والأردن، وسلطنة عُمان، في العالم العربي اليوم، على مضض، هذا المسار. أما الحكام العسكريون في مصر ما بعد مبارك فقد كانوا أكثر ابتكارًا – حيث استخدموا قهراً أكثر تجاه تلك القطاعات السكانية التي لم تعد تحبهم أو تهابهم، وهيمنة أكثر تجاه تلك القطاعات السكانية التي لا تزال تحبهم وجاهزة لطاعتهم دونما قهر (اشتملت أساليب الهيمنة هذه على مجالس استشارية، وتعيين ممثلين لهذه الفئة كوزراء في حكومات انتقالية، وانتخابات برلمانية ورئاسية). بيد أنه كان عليهم في النهاية، حين فشل ذلك كله، وتحت ضغط الولايات المتحدة، الاستسلام لحكم الهيمنة، وعقد الانتخابات الحرة نسبيًا، التي جلبت مرسي والجناح النيوليبرالي للإخوان المسلمين إلى السلطة، وقبول قرار مرسي لاحقًا بإعادة ترتيب قيادة الجيش. ولكن عندما فشلت حكومة مرسي في توطيد الهيمنة على أجهزة الدولة، أو المجتمع عمومًا، حثّت تظاهرات شعبية عارمة القيادة الجديدة للجيش على الإطاحة بها وبه، وإعادة هيمنة الجيش، وهو ما حدث على أكمل وجه في تموز/يوليو ٢٠١٣.

ويطرح غرامشي في هذا الصدد استراتيجية مكملة، حددها بالاحتيال والفساد. فهو يخبرنا بأن “ما يقف بين القبول والإكراه هو الاحتيال/الفساد (وتلك خاصية بعض الحالات، التي يكون من الصعب فيها ممارسة الهيمنة لوظيفتها، وعندما يكون في استخدام القوة مخاطرة كبيرة جدًا). ويتمثل ذلك باستجلاب إحباط وعجز الخصم (أو الخصوم) عن طريق شراء قادته – إما سرًا أو في حالات الخطر الداهم علانية – من أجل زرع الفوضى والبلبلة في صفوف هذا الخصم” (غرامشي 1987س: 80ن). ويبدو الفساد هنا بمثابة استراتيجية تكميلية للهيمنة والقهر، وليس عاملا مستقلا عنهما.

لا توجِّه معادلة الحكم هذه السياسة المحلية للولايات المتحدة فحسب، وإنما توجِّه أيضًا سياستها الإمبريالية، منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك بتمحيضها المشورة لوكلائها الأوروبيين والعالمثالثيين بشأن كيفية ضمانهم لسيطرة مستدامة. إلا أنه خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ونتيجة الانتفاضات التي عمّت أرجاء العالم العربي، فقد عمدت الولايات المتحدة والنخب المسيطرة في العالم العربي إلى إعادة تقويم معادلة الهيمنة/القهر. حيث أضحت الأهداف الاستراتيجية الجديدة لكليهما تتمثل بتحديد توازن جديد للهيمنة والقهر، يضمن استمرار السيطرة السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، للولايات المتحدة، في المنطقة، ويحافظ على استمرار حكم النُخَب العربية المتربحة من هذه التدابير والملتزمة بها.

إذاً، لم تعد المداولات الجارية اليوم بين صُنّاع السياسات في الولايات المتحدة وعملائهم العرب، تتمحور حول حدود “الديمقراطية”، أو “الأتوقراطية”، التي يجب أن تحظى بها الشعوب العربية، بل حول المزيج الأنسب من الهيمنة والقهر (والفساد المكمِّل لهما) الضرورييّن لإنتاج التوازن السليم بين الحب والخوف الذي يضمن استقرار ترتيبات الهيمنة ذاتها التي تحكم المنطقة منذ بداية الحكم الإمبريالي للولايات المتحدة. فهدف الولايات المتحدة من هذه الاستراتيجية القديمة/الجديدة هو ضمان عدم تحوّل الربيع العربي إلى شتاء أمريكي، بل وديمومة ازدهار النيوليبرالية الأحدث المفروضة من قِبل الولايات المتحدة أينما حلّت.

النيوليبرالية أو فقدان الحب

لطالما شعرتْ الولايات المتحدة بوصفها المُهيمن الإمبريالي بخيبة أمل. فبالرغم من الجرعات الكبيرة من عقاقير الهيمنة والإجراءات القهرية التي وصفتهما للعالم العربي ، فضلا عن وجبات الفساد الدسمة التي قدمتها لتكميلهما، فلم يعبِّر معظم العرب عن الكثير من الحب نحوها (دون إغفال مشاعر الوله والحب للولايات المتحدة التي تكنها الأقلية الصغيرة من العرب المستفيدين من هذا النظام الإمبريالي). وقد أنتج هذا الإدراك من جانب الأمريكيين، منذ ١١ أيلول/سبتمبر، السؤال المعاد دوما والذي لا تكف وسائل الإعلام والنُخبة الأمريكية عن طرحه، وهو: “لماذا يكرهوننا؟”.

وقد انبرى برنارد لويس (2001) ، ولعله الأكثر كرهاً من بين جميع الأكاديميين (البريطانيين) الأمريكيين للشعوب العربية، للإجابة بدهاء وميكافيللية تصحيحية:

“يتساءل الناس: لماذا يكرهوننا؟ وهذا السؤال الخطأ. إنهم يكرهوننا منذ فترة طويلة. يمكننا القول بأنهم يكرهوننا منذ قرون، وإنه من الطبيعي جدًا أن يقوموا بذلك… أعني، لا يمكنك أن تكون غنيًا وقويًا وناجحًا، ومحبوبًا من قِبَلِ غير الأغنياء وغير الأقوياء وغير الناجحين. ومن ثمَّ فإن الكراهية هنا ستكون أمرًا بديهيًا تقريبًا. أما السؤال الذي يجب أن نطرحه، فهو لماذا لا يهابوننا ولا يحترموننا؟”

و”الاحترام” هنا هو باعتقادي إعادة صياغة تكريرية لعامل “الخوف”. أمّا ضمير الغائب “هُم” في تلك الأسئلة، فلا يشير إلى الأنظمة العربية الحاكمة والنُخَب العربية التي تخدم مصالح الولايات المتحدة وتُكِن لها الكثير من الحب على ذلك، لكنه يشير إلى غالبية العرب الذين تضرروا من السيطرة الأمريكية على بلدانهم.

إن ما يؤكد عليه لويس هنا هو حاجة الولايات المتحدة إلى التخلُّص من أساليبها السابقة في الهيمنة، المصمَّمة لإنتاج الحب العربي لأمريكا، نتيجة عدم نجاحها البديهيّ في تحفيز مثل هذا الحب في أي وقت مضى، والاستعاضة عنها بالأساليب القهرية، على وجه الحصر، التي تضمن خوف العرب من أمريكا. إذ يُشير لويس بأن على الولايات المتحدة أن تضحي برغبتها النرجسية لأن تكون محبوبة من قِبَل ضحاياها لكي تواصل سيطرتها عليهم. وهو يتّبع في ذلك القول الإسرائيلي المأثور بأن اللغة الوحيدة التي يفهمها العرب هي لغة القوة.

هل يعني هذا أن الحب والخوف لم يعودا مكمِّلَين لبعضهما البعض، في إحداث سيطرة فعلية، وأنهما قد صارا، على العكس من ذلك، أضدادًا؟ وما هو بالضبط التوازن الكميّ، بين الحب والخوف، الذي يقترحه هذا النوع من الحجج؟

لم يكن تقييم لويس، عندما أدلى بهذه المقولة التصحيحية قبل اندلاع الانتفاضات العربية، بعيدًا عن الهدف، على الرغم من أنه قد اضطر إلى إعادة النظر في نصيحته في ضوء الأحداث الأخيرة. فقد قضت السنوات الثلاث الماضية من الانتفاضات العربية، فعليًا، على عامل الخوف على المستوى الشعبي بشكل أكبر بكثير مما ظهر سابقًا، وأعادت توجيه الحب من الاتجاه العمودي (أو الرأسي) إلى الاتجاه الأفقي. وقد حدد سيغموند فرويد هذين النوعين من الحب بوصفهما ضروريين لكافة المجموعات – محبّة القائد والمحبّة بين أفراد الجموع. كما يؤكد فرويد (1955:100) بأنه بالفعل”يمكن لكراهية [أو ما يطلق عليه الحب “السلبي”] شخص أو مؤسسة معينة، أن تلعب نفس الدور التوحيدي بالضبط”.

عندما انتفى الخوف وشرع الناس بمواجهة الأجهزة القمعية لأنظمتهم الأوتوقراطية، نمت مشاعر المحبّة فيما بينهم، متخطية الحدود الفاصلة بين الطبقات (من الفقراء جدًا وصولا إلى شرائح الطبقة الوسطى العليا)، فقد وحَّدهم القهر ذاته الذي يتعرضون له من قِبل نفس النظام (وهذا بالضبط هو ما يعبر عنه تعبير الحب “الأفقي”) . وكانت المطالب الشعبية في تونس ومصر وفي مختلف أرجاء العالم العربي تتمثل بإسقاط النظام الحاكم من أجل استبداله بنظام آخر يتيح التمثيل والمساءلة والعدالة الاجتماعية، ولم تكن المطالب بالضرورة من أجل ما تصفه الحكومات ووسائل الإعلام الغربية بـ “الديمقراطية”، التي تعني بنظرهم تغييرًا رسميًا للحرس، أو ما يعرف بنظام تناوب حكام النُخبة عبر انتخابات طقوسية دورية و”حرة” وآليات تصويت متاحة “للجميع” يمكن التلاعب بها بسهولة عن طريق الاحتيال والفساد عندما تفشل هيمنتها. ومثل هذه الآليات هي جزء مما وصفه ماركس (1984: 91) بـ “علة التقزيم البرلمانية”، التي لم تضمن سوى قدر قليل من الرضا بشأن المطالب الثلاثة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة ذاتها، وهو ما تؤيده الاحتجاجات الجماهيرية الدورية، التي كان آخرها حركة “احتلوا وول ستريت” في الولايات المتحدة، والتي ألهمتها الانتفاضات العربية، إضافة إلى حركات متنوعة في اليونان وإسبانيا، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وأماكن أخرى في أوروبا “الديمقراطية”.

تُعَدُّ هذه المعادلة، التي تقرّ بالحاجة إلى الديمقراطية “السياسية” بينما تُرسى الأوتوقراطية الاقتصادية أمرًا حاسمًا بالنسبة للمشروع الأمريكي النيوليبرالي. حيث تُفرض مأسسة النيوليبرالية عبر التشريعات الاقتصادية المحلية، التي تمليها الولايات المتحدة، عن طريق صندوق النقد الدولي والبنك الدولى، على دول العالم الثالث وعلى بعض الدول الأوروبية أيضًا. ويقترن ذلك مع انتشار المنظمات غير الحكومية الممولة من الغرب والتي تروِّج لترتيبات نيوليبرالية بما يخصّ الفرص الاجتماعية والاقتصادية تحمي وتكرِّس حقوق الملكية وتنفي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتقوم بتسويق نفسها باعتبارها “المجتمع المدني” المحلي في الوقت الذي تقوم بإحلال نفسها محله ومكان وظيفة الدولة الساعية لإحلال الرفاه الاجتماعي. وتعمل هذه البنية المؤسساتية كعماد رئيس للـ “التقزيم البرلماني”.

كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون قد قلصوا من مقدرة هذه الأنظمة على التماس الحب بنجاح من شعوبهم بعد فرض الاقتصاديات النيوليبرالية، خلال العقدين الماضيين، وما جرى من عمليات تفكيك لدولة الرفاه ومعها معظم البرامج الاجتماعية نتيجة ذلك في شتى أنحاء العالم العربي. وقد قامت المنظمات غير الحكومية الجديدة، المدعومة من الغرب، إلى جانب المنظمات غير الحكومية الإسلاموية المحلية، المسؤولتان في الوقت الحاضر عن برامج النيوليبرالية “الاجتماعية”، التي حلت محل برامج الدولة، بتقويض معادلة مكيافيللي في الحكم بشكل كبير (تشتمل البرامج الاجتماعية، التي تتبناها المنظمات غير الحكومية المدعومة من الغرب، على تقديم القروض التجارية شديدة الصغر، لا سيما تلك المخصصة للنساء). وهذا هو ما غيّر في معادل الحب والخوف لدى الشعوب العربية تجاه أنظمتها، وأدّى إلى اندلاع الانتفاضات. ومما أثار قلق السلطات هو أن قدرًا كبيرًا من الحب الأفقي ذهب في اتجاه الأجنحة النيوليبرالية والوسطية للإسلاميين، التي توزع منظماتهما غير الحكومية خدمات اجتماعية رئيسة.

وكان هذا الترتيب النيوليبرالي، في واقع الأمر، هو ما حول الحب العمودي أو الرأسي (أي حب الحاكم) إلى الحب الأفقي، بما يتضمن ائتلافات طبقية واسعة. وفي حين أن معظم النُخَب العربية تعتمد على فساد الدولة للإثراء، خلقت نيولبرلة السوق طبقة من النُخَب العربية التي تجني المال عن طريق ميادين ناشئة وجديدة في التجارة المالية والمصرفية. وقد أسهم ذلك في تقويض الحب العمودي عند شريحة من تلك الطبقات النيوليبرالية الجديدة تجاه حكامهم، مما أسهم في قدر لا بأس به من الحب الأفقي الذي تشكل في ميدان التحرير وشارع الحبيب بورقيبة بين محدثي الثراء والطبقات المتوسطة.

تكمن مشكلة فقدان النظام للحب من قِبَل شعبه في تحوّل معظم هذا الحب من الاتجاه العمودي إلى الأفقي الذي يشمل بدوره غالبية المواطنين الذين يتوحَّدون كضحايا لهذا النظام، وهو ما أدركه نظام مبارك بسرعة أثناء قمعه للمحتجين في كانون ثاني/يناير وشباط/فبراير من عام ٢٠١١. فعندما شعر زملاء مبارك من العسكر بالهلع من فقدان الحب العمودي وأدركوا ضرورة استعادته بسرعة قبل أن يتحول إلى حبٍّ أفقيٍّ حصريٍّ يُعبِّيء فعلًا ثوريًا لا يمكن السيطرة عليه، قاموا بالتشاور مع البيت الأبيض لعزل مبارك واستعادة الحب العمودي فور عزله.

ولما كانت إجراءات الهيمنة غير كافية لضمان محبّة كل الشعب، وفشل الحكام الجدد لمصر بالوفاء بالمطالب الشعبية الثلاثة، تنامت الحاجة إلى مزيد من القهر. ونظرًا لخوف الحكام العسكريين الجدد ما بعد مبارك من فقدان الحب العمودي المسترد حديثًا لدى قطاع من الشعب، فقد أصبح شغلهم الشاغل هو عرقلة الحب الأفقي عن طريق حملات نزع الشرعية عمن يتم قمعهم، وتقديمهم لا على كونهم ثواراً (كان الحكام العسكريون قد قدموا تنازلات لهم عبر سبل الهيمنة – تدابير لانتخابات مثيرة للريبة وأحكام قضائية بحل البرلمان المنتخب ومحاكمات صورية، وحد أدنى من التمثيل مع بعض المساءلة، أو على الأقل التظاهر أن المساءلة ممكنة)، بل بعَدِّهم “أعداء للثورة” و”عملاء للأجنبي”. وكان الهدف من ذلك تخويف معظم الناس من هؤلاء الثوار (الذين بات الجنرالات يصفونهم بأعداء الثورة) أكثر من خوفهم من النظام العسكري، وأن يحبهم الناس أقل مما يحبون النظام العسكري، الذي قدّم نفسه كحارس للثورة وليس كحارس لنظام مبارك، كما زعم المحتجون. يتحرَّك الخوف هنا باتجاه آخر. أراد النظام أن يخاف الناس من أعدائه في سبيل استعادته الحب والخوف الشعبيين نحوه وللقضاء على مظاهر الحب الأفقي المهدِدة له، بما يقوض التضامن الطبقي المتشكل حديثًا. وهو ما سيتكرر مرة أخرى بعد الانقلاب المدعوم شعبيًا ضدّ الرئيس مرسي، وسوف يُتَهم أنصاره بأنهم “خائنين” لمصر، بل بأنهم لم يكونوا مصريين أصلًا، من خلال ادعاءات تقول إنهم في الحقيقة فلسطينيون وسوريون، فضلًا عن كونهم “خلايا حمساوية”. وبهذا استعاد الجيش بسرعة، من خلال مساعدة وسائل الإعلام المملوكة للبرجوازية المباركية، هيمنته الخاصّة عن طريق تأجيج النزعة الوطنية إلى مستويات فاشية بنجاح. وبالعودة إلى ماركس، يتضح أنه إذا كانت محبة الجيش عقب الإطاحة بمبارك مأساة، فإن تكرارها عقب الإطاحة بمرسي هو بمثابة مهزلة مُطلقة.

بات من الواضح لكافة المعنيين، منذ أن بدأت الانتفاضات في كانون أول/ديسمبر ٢٠١٠، وعندما حققت تقدمًا في أوائل ٢٠١١، أنه إذا لم ينخفض قمع النظام بشكل كبير (تونس)، أو يحافظ على نفس مستوياته (عُمان، والأردن، والمغرب، والجزائر، والسعودية، والكويت، وفي مصر قبل انقلاب تموز/يوليو ٢٠١٣)، أو يزداد بضراوة (اليمن، والبحرين، وليبيا، وسوريا، وانقلاب تموز/يوليو ٢٠١٣ في مصر)، في حين يتظاهر بالتفاوض على زيادة في المساءلة والتمثيل (لكن ليس العدالة الاجتماعية)، فإن النظام سيسقط حتما. كما تثبت حقيقة أنه تم التفكير في هذه الاستراتيجيات المختلفة والمناقضة لبعضها البعض على أن استخدامها نتج عن أنظمة سياسية معينة لمعالجة وضع معين، لا على كونها ترياقًا يستخدم في جميع حالات فقدان شرعية الأنظمة السياسية القائمة.

لقد استخلص ورثة بن علي ومبارك الدروس بسرعة، وإن بنتائج متفاوتة – الأكثر نجاحًا في تونس، وفي مصر ما قبل انقلاب تموز/يوليو ٢٠١٣، من ناحية الزيادة في مستوى المساءلة والتمثيل ولكن ليس في موضوع العدالة الاجتماعية. أما بالنسبة للآخرين في المنطقة، فكان الدرس الذي اتبع بسرعة هو درس البحرين، — والسعودية، واليمن، وليبيا، وسوريا. وباستثناء المملكة العربية السعودية التي أعادت الاستقرار بشكل جزئي حتى الآن (دون التمكن بشكل كامل من القضاء على الانتفاضة)، ومؤخرًا، اليمن، حيث قام النظام الأمني الجديد بإجهاض الثورة باسم مهام عسكرية مشتركة مع القوات الأمريكية لقصف المعاقل المزعومة لتنظيم القاعدة، لم تنجح البحرين وسوريا في إعادة الاستقرار حتى الآن، في حين جُلِبَت قوات منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بناء على طلب من فرنسا، لقلب نظام الحكم في ليبيا بعد الإقرار بأن الانتفاضة الصغيرة المحلية في بنغازي لن تكون قادرة على القيام بذلك من تلقاء نفسها (القدس العربي، 2013).

كان أحد أكثر النتائج الفعالة والمستدامة لبنية القهر والهيمنة القديمة والمستمرة في العالم العربي هو في الواقع الحب والخوف كضرب من الموافقة – حُب الحكام، خصوصًا حيثما مؤسست عبادة الشخص، والتي مؤسست في كل مكان تقريبًا (الأردن، وليبيا، وسوريا، واليمن، والبحرين، ومصر، وعُمان، والمغرب، وتونس، والسودان، والسعودية، والكويت، والإمارات، وقطر، ولبنان –لجميع زعماء الطوائف اللبنانية– وعراق ما بعد الاحتلال الأمريكي)، وكذلك الاستعداد لتقديم الطاعة لهم بين قطاعات كبيرة من الشعب إلى جانب خوف الناس من أن يكونوا معارضين (معارضة النظام نفسه، أو الدعوة إلى المساءلة والتمثيل والعدالة الاجتماعية، أو الدعوة إلى الضمانات الدستورية لحقوق وواجبات المواطنين). وعلى ما يبدو سطحيا، فقد سكن الحب والخوف هذا قلوب الكثير من النساء والرجال العرب على مدى عقود لكن دون أن يمنع قطاعات كبيرة من الناس من خدمة الأنظمة والمشاركة في مؤسسات الهيمنة التابعة لها، أو من الوقوف في وجه الأجهزة القهرية للدولة، متحَدّين القمع والفساد ومطالبين بمزيد من المساءلة والتمثيل والعدالة الاجتماعية.

في ظل الوضع الراهن، تهدد الخسائر الهائلة في الحب والخوف، التي منيت بها كثير من الأنظمة العربية، النظام القائم، ليس فقط في العالم العربي بل في العالم أجمع، كما يشهد على ذلك التأثير الذي أحدثته هذه الانتفاضات على الصعيد العالمي، ليس أقله في الولايات المتحدة نفسها، حيث بدأ هذا التهديد مع الاحتجاجات الحاشدة في ولاية ويسكونسن في شباط/فبراير ٢٠١١، ومن ثم امتد لحركة “احتلوا وول ستريت”، منذ أيلول/سبتمبر من العام نفسه، على الرغم من أنهما قد فقدا الزخم بسرعة نتيجة التطبيق المكثف لأدوات الهيمنة والقهر.

 

فصول الحرب الباردة

لم تكن تسمية الانتفاضات العربية من قبل الحكومات ووسائل الإعلام الغربية بـ “الربيع العربي” – يقال إن أول من صاغ التعبير كانت مجلة <<فورين بوليسي>> الأمريكية (كيتنغ، 2011) – مجرّد خيار عشوائي أو فصلي، وإنما استراتيجية أمريكية للسيطرة على أهداف هذه الانتفاضات ومراميها. فقد سبق أن شهدت المنطقة عدة انتفاضات في العقود القليلة الماضية في العالم العربي، وفي مقدمتها الانتفاضة المصرية في كانون ثاني/يناير ١٩٧٧، ضد سياسات السادات التقشفية وما واكبها من رفع الأسعار، والتي نعتها الأخير بـ “انتفاضة الحرامية” أي اللصوص، ونعتها الغرب بـ “أعمال شغب الخبز”؛ كذلك الانتفاضة السودانية ضد الرئيس جعفر النميري المدعوم أمريكيًا في عام ١٩٨٥؛ والانتفاضتان الفلسطينيتان في ١٩٨٧-١٩٩٣، و٢٠٠٠-٢٠٠٤، ضد الاحتلال العسكري الإسرائيلي – ومع ذلك لم تستحق أي منها لقب “الربيع”. كانت السابقة العربية الوحيدة هي ما دعي في ٢٠٠٠-٢٠٠١ بـ “ربيع دمشق” والذي لم يكن يشير إلى انتفاضة شعبية، وإنما إلى نقاشات تجري في الصالونات الثقافية بين مثقفين سوريين ليبراليين من خلفيات سياسية متفاوتة تدعو إلى تحرير النظام السياسي عقب وفاة حافظ الأسد في حزيران/يونيو ٢٠٠٠ (ولم تثمر المحاولة الهشَّة التي وصفت تظاهرات حركة ١٤ آذار، المدعومة سعوديًا، في ٢٠٠٥ بـ “ربيع بيروت”).

في حين يعود الاستخدام الأول لمصطلح “الربيع” إلى مصطلح “ربيع الأمم” إشارة إلى الثورات الأوروبية في عام ١٨٤٨، فإن لمصطلح “الربيع” كإشارة لأنظمة دكتاتورية تقوم بلبرلة نظامها تاريخا أمريكيا إبان الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي. وقد استخدم بشكل أبرز لوصف سلسلة من الإصلاحات التي اتُخِذت في الفترة من ١٩٦٦ إلى ١٩٦٨ في تشيكوسلوفاكيا التي ألغاها في وقت لاحق الغزو السوفييتي للبلاد في آب/أغسطس ١٩٦٨. وكان “ربيع براغ”، ويقال أن أول من صاغ اسمه كانت أيضا مجلة <<فورين أفيرز>> الأمريكية في كانون ثاني/يناير ١٩٦٩ (شب، 1969)، قد تكشف في نهاية المطاف بأنه لصالح الطبقات المهنية والإدارية والتكنوقراطية (بمن فيهم مديرو المصانع وبيروقارطيو الدولة) التي انبثقت عن النظام الشيوعي التشيكوسلوفاكي بعد الحرب العالمية الثانية، على حساب الطبقة العاملة التي عارضت هذا الربيع بالمطلق منذ لحظة اعتماد هذه الاصلاحات الاقتصادية. كان معدل النمو الحقيقي لأجور العمال التشيكوسلوفاكيين هو أبطأ معدل في جميع أنحاء أوروبا الاشتراكية والرأسمالية على حد سواء في الفترة من ١٩٦١ إلى ١٩٦٦. ولم يكن هذا هو واقع الحال بالنسبة إلى الموظفين الفنيين والإداريين الذين ارتفعت أجورهم في الفترة نفسها بنسبة ٤٢ في المئة أكثر من أجور العمال (كودرنا وكاستل 1969: 27). لم يكن ما سمي بـ “ربيع براغ” في معظمه سوى عملية للبرلة الاقتصاد، وهو على وجه التحديد ما دعا الغرب للدفاع عنه ومواصلة استخدامه أيديولوجيًا حتى الآن باعتباره الربيع السياسي التدشيني الذي سعى إلى خدمة المصالح الغربية في فترة الحرب الباردة. وعلى هذا النحو، فقد كان المأمول بأن يكون ربيعًا أمريكيًا أكثر منه تشيكوسلوفاكيًا.

كان ربيع براغ، علاوة على ذلك، عملية قامت من أعلى إلى أسفل، إذ بدأ من داخل النظام نفسه وقاده أعضاء وقادة الحزب الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا، وأبرزهم الكسندر دوبتشيك، ولم يصل بالضرورة إلى الأسفل إلا إلى الطبقات الإدارية والمهنية والمثقفين، لكن ليس لغالبية الشعب. كان ربيع براغ محاولة لتغيير طبيعة نظام الحكم المُهيمن من نظام “الديمقراطية الشعبية” الذي اعتنى بمسائل الحقوق الاقتصادية والعدالة الاجتماعية على حساب الحقوق المدنية الليبرالية إلى “ديمقراطية” على النمط الغربي الليبرالي تعتني بالأشكال الليبرالية من الحقوق المدنية على حساب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وكان نظام اللبرلة هذا يغير ائتلافاته الطبقية عبر إعادة ترتيب نسبة الحب والخوف بحسب الطبقة.

لقد أحدثت هذه الخطوة التحويلية أزمة في الشرعية، أو على نحو أدق فشلًا في الهيمنة. حيث عارض العمال والاتحادات التشيكوسلوفاكية، الذين انخفض حبهم للنظام بشكل كبير نتيجة لهذه الإجراءات، بشدة الإصلاحات الليبرالية التي أطاحت تدريجيًا بحقوق العمال من خلال تنظيم الإضرابات والتباطؤ في الإنتاج والاحتجاجات منذ عام ١٩٦٦، في حين سيدافع دوبتشيك وحلفاؤه من الاقتصاديين الليبراليين، في وقت لاحق، عن الفرق في الأجور، وتحرير الاقتصاد، كوسيلة مثلى لمحاربة ما أسموه بـ “Mediocracy”, أي المستويات المتوسطة والرديئة من الكفاءات والإنتاج (غولان: 1971). وفي سياق الهجوم الأيديولوجي على العمال والفقراء والاحتفاء بالطبقة الإدارية ومفهومها الليبرالي عن الحقوق المدنية، فقد تم استيراد برامج تلفزيونية أمريكية وبثها على التلفزة التشيكوسلوفاكية. وبينما تمثل ”ربيع براغ” على مستوى الداخل التشيكوسلوفاكي بنصرة النزعة القومية الانفصالية السلوفاكية، فقد تمثل في السياسة الخارجية بالتقرب من دول حلف شمالي الاطلسي، ولا سيما ألمانيا الغربية، وقد أخذت تشيكوسلوفاكيا تنأى بنفسها عن صراعات العالم الثالث وبتقليص مساعداتها لمصر بعد حرب ١٩٦٧ مباشرة ولنيجيريا في أثناء حرب بيافرا، وواكب ذلك نشر مقالات متعاطفة مع الصهاينة ظهرت على نحو مطرد في الصحافة التشيكوسلوفاكية (وكان الصحافي الإصلاحي ميروسلاف غالوسكا الذي أصبح وزيرا للإعلام والثقافة تحت حكم دوبتشيك قد اقترح استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل)، وهي تطورات أثلجت صدر إسرائيل ومؤيديها في ذلك الوقت (زيمانسكي 1983: 139-46).

 وخلاصة القول إنه على خلاف “ربيع براغ”، فإن الشعوب العربية انتفضت احتجاجا على النيوليبرالية التي زادت من إفقار الطبقات الفقيرة والمتوسطة وبددت الشبكة الاجتماعية التي حمت بعضها في العقود السابقة، وعلى الرقابة والسيطرة على وسائل الإعلام، وعلى التحالفات مع إسرائيل من قبل الأنظمة التي لا تحظى بشعبية، وكذلك على رعاية الولايات المتحدة لهذه الأنظمة القمعية وتدريبها لأجهزتها الأمنية في معظم الدول العربية، وعلى انعدام التضامن الرسمي مع النضال الفلسطيني، فضلا عن غياب أي مساءلة ديمقراطية للأنظمة وانعدام التمثيل الديمقراطي للشعب. وعلاوة على ذلك رأت الشعوب العربية أن انتفاضاتها أعادت تواصلها القومي مع بعضها البعض وأنهت الانعزالية الوطنية الخاصة بكل بلد التي مأسسها الطغاة والتي أدت إلى فصل العرب بعضهم عن بعض في نضالهم لتحقيق الديمقراطية “الشعبية” و”الليبرالية”.

وعلى خلاف الانتفاضات العربية، فإن “ربيع براغ” كان عملية تدرجت من “أعلى إلى أسفل” ولم يكن ثورة شعبية، وكان له أجندة مناقضة تماما، أي إزالة الشبكة الاجتماعية التي تحمي العمال والفقراء، والحد من الحماية المؤسسية للعمال، وإنشاء تحالفات مع الغرب، وتشجيع الوطنية المحلية المعارضة للفيدرالية القومية، ورفض التضامن مع النضالات الشعبية، وتحرير وسائل الإعلام، والفنون، والتعبير العلني لتسهيل دخول النفوذ الغربي إلى البلاد، ولإنهاء الترويج لحقوق الطبقة العاملة، وأخيرا وليس آخرا، لإثراء وإغداق الامتيازات على طبقة تكنوقراطية جديدة تسود على المجتمع. باختصار، لقد سعى “ربيع براغ” إلى استبدال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالحقوق “المدنية”، كما أدرك أنه سيفقد حب العمال، بينما كان يعول على خوفهم، الذي، على نقيض من توقعاته، قلّ بدلًا من أن يزداد.

صحيح أن “ربيع براغ” سعى لهذه التغييرات تحت عنوان تحرير السياسة القومية من قبضة المستبدين من العناصر المحافظة في الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي والهيمنة السوفييتية التي لم تكن تحظى بشعبية على أمل استبدال ما أصر السوفييت على اعتباره “حقوق الإنسان” بما يسميه الغرب “حقوق الإنسان”، ولكنه قام بذلك لغرض أن تصبح تشيكوسلوفاكيا جزءا من الهيمنة الغربية ولصالح طبقة التكنوقراط التشيكوسلافاكية الجديدة، بما في ذلك طبقة من المثقفين دون المستوى المتوسط من عيار الكاتب المسرحي فاتسلاف هافل. إنها هذه الطبقة الجديدة من “محدودي القدرات” التي سعى ربيع براغ إلى تسيدها، والتي أمل أن يضمن حبها للنظام بقائه.

وقد قام السوفييت، الذين دعموا دوبتشيك النيوليبرالي طوال هذه العملية ضد أنطونين نوفوتني “المحافظ” والذي قام دوبتشيك بخلعه عن الحكم بدعم سوفييتي في كانون ثاني/يناير ١٩٦٨ (كان بريجنيف قد زار براغ في الواقع في كانون أول/ديسمبر ١٩٦٧ بناء على دعوة من نوفوتني ولكن الأمر انتهى بانحيازه إلى دوبيتشيك داعما خلع نوفوتني)، باجتياح تشيكوسلوفاكيا في آب/أغسطس تخوفا من خروج الأخيرة من حلف وارسو وانضمامها لحلف شمال الأطلسي، الأمر الذي كان سيشكل خطرا كبيرا على أمن الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية (دعونا نضع في اعتبارنا أن السوفييت لم يغزوا يوغوسلافيا أو ألبانيا أو رومانيا عندما سعت كل منها لانهاء الهيمنة السوفييتية في بلادها، حيث أن أيا منها لم تسع للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي). وهكذا أعاد الغزو السوفييتي النظام المهيمن السابق للحكم وتوازن الحب والخوف الخاص به وتحالفاته الطبقية بدلًا من التحالفات الليبرالية الجديدة التي كان قد أيدها السوفييت في البداية.

كون ذلك كان جزءا من لغة الحرب الباردة القديمة، فإنه لا يعني أنه منبت الصلة عن الدعاية الغربية الحالية عمّا يجري في العالم العربي اليوم، ولا سيما أن ربيع براغ سيُنظر إليه في وقت لاحق على أنه مقدمة لثورات ١٩٨٩ التي أنهت النظام السوفييتي برمته، واستعاضت عنه بالنيوليبرالية في جميع أنحاء القارة، وكسابقة لما يسمى بالربيع العربي. وهو النموذج النيوليبرالي ذاته الذي أصر عليه الغرب وقبل به المؤتمر الوطني الإفريقي للحفاظ على الفصل العنصري الاقتصادي في جنوب إفريقيا كشرط للسماح بإنهاء الفصل العنصري السياسي في عام ١٩٩٤ (كلاين: 2008)[1].

لقد غدا الصراع السوفييتي/ الأميريكي حول تعريف “حقوق الإنسان” الآن من مخلفات الحرب الباردة نظرا لانتصار الولايات المتحدة فيها، ولكن من الضروري أن نستعرضه بإيجاز. ففي حين أصرت الولايات المتحدة على أن الحق في العمل، وفي الرعاية الصحية المجانية أو بأسعار مخفضة في متناول الجميع، وفي التعليم المجاني، وفي توفير رياض الأطفال المجانية، وفي الإسكان (والتي منحها النظام السوفييتي في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية للمواطنين كحقوق مادية ملموسة وليس فقط كمجرد حقوق رسمية أو حبر على ورق) ليست حقوقا للإنسان على الإطلاق، أصر السوفييت، وفقا للتقاليد الاشتراكية، بأنها كانت أساسية لحياة الإنسان وكرامته، وبأن التعديد الغربي للحق في حرية التعبير، وفي الانتماء والارتباط الحر، وفي حرية الحركة، وحرية تكوين الأحزاب السياسية، وما إلى ذلك، هي حقوق “سياسية” و “مدنية” وليست حقوق “إنسان”، وفي الواقع فإن هذه الحقوق في الغرب، على أية حال، ليست سوى حقوق رسمية وغير ملموسة ولا مادية إلا لدى الطبقات العليا في المجتمع والتي تمتلك وسائل الإعلام أو إمكانات الوصول إليها والتي تموّل الحملات الانتخابية، وما إلى ذلك. وعلاوة على ذلك، حاجج السوفييت أنه من الضروري أن يكون للإنسان “حقوق إنسان” من أجل أن يكون قادرا على ممارسة حقوقه المدنية والسياسية بطريقة ملموسة ومادية وأن منح هذه الحقوق المدنية والسياسية رسميا في نفس الوقت الذي لا تُمنح فيه حقوق إنسان مادية وملموسة يجرد الإنسان من أي حقوق على الإطلاق(زيمانسكي: 1984)[2]. وربما الأكثر أهمية في هذا الصدد هو أن تعريف الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية لمفهوم حقوق الإنسان لم يشمل في الخمسينيات والستينيات حقوق الأمريكيين من أصل إفريقي في التصويت، أو في تلقي نفس الخدمات الاجتماعية كالبيض، أو ألا تواجه التمييز العنصري المؤسسي والرسمي، والتي يشار إليها في مجملها في لغة الولايات المتحدة باعتبارها مجرد “حقوق مدنية”. وقد قوبل إصرار مالكوم إكس (هاريس: 2008) على أنه ينبغي على الأمم المتحدة أن تفرض العقوبات على الولايات المتحدة لانتهاكاتها لحقوق الإنسان للمواطنين الأمريكيين من أصل أفريقي بالازدراء ما أدى في وقت لاحق إلى احتفاء وتقدير رسمي له أقل بكثير مما حازه مارتن لوثر كينغ، الذي كان في نهاية المطاف راضيا على قصر نضال السود في الولايات المتحدة على مفهوم “الحقوق المدنية”.

كان الشكل السوفييتي من “الديمقراطية الشعبية” مرتكزًا على هيمنة هذا النظام الحقوقي وما نتج عنه من فوائد موضوعية هائلة وقيود صارمة طبقت على جميع المواطنين السوفييت، على النقيض من النظام الأمريكي “للديمقراطية” الليبرالية، التي ترتكز على نظامها الخاص من الحقوق الذي يمنح فوائد مادية هائلة لأجزاء صغيرة من المواطنين في حين يفرض قيودًا واسعة النطاق على أجزاء كبيرة منهم. لم يحتج النظام السوفييتي ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى اللجوء إلى أدوات قهرية كبيرة في الفترات التي لا يبدو فيها أن نظامه كان كلي الهيمنة؛ في الواقع، لم يكن هناك في ذروة قمع بريجينيف، خلال الستينيات والسبعينيات في بلد فيه نحو ٢٦٠ مليون شخص، أكثر من خمسمائة سجين سياسي في البلاد. ووفقًا لتعداد منظمة العفو الدولية الصادر في عام ١٩٨٠، لم يسجن السوفييت أكثر من أربعمائة شخص بتهم الانشقاق السياسي بين عامي ١٩٧٦ و١٩٨٠ (نيويورك تايمز: 1980). كانت تعتمد أمريكا ما بعد الحرب العالمية الثانية، في المقابل، خاصة منذ أواخر الأربعينيات، على أدوات قهرية أكبر حين ضعفت هيمنة نظامها، كما يتضح من القمع المكارِثي وقمع الاحتجاجات المناهضة للحرب، والحقوق المدنية، في الفترة من الخمسينيات إلى عام ١٩٧٥، وكان لديها المئات من السجناء السياسيين (تحت ذرائع قانونية مختلفة استخدمت لملاحقة الناشطين) الذين يصعب إحصاؤهم بسبب توجيه اتهامات جنائية لهم لسجنهم[3]. وسيتم تعزيز إعادة تأكيد النظام القهري الأمريكي من خلال نظام عدالة جنائية معرقن وقمعي منذ الثمانينيات وبعد أيلول/ سبتمبر ٢٠١١، مع تشريع باتريوت آكت، والتدابير القمعية ذات الصلة (الكسندر: 2012)[4].

احتياجات ومطالب ورغبات

مع تآكل نمط الهيمنة السوفييتي المتمثِّل بـ “الديمقراطية الشعبية”، في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات نتيجة تزايد اعتداءات الولايات المتحدة على الاتحاد السوفييتي أثناء الحرب الباردة، أمل معظم مواطني الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية في القضاء على أنظمة “الديمقراطية الشعبية” للأحزاب الشيوعية الحاكمة واكتساب النمط الغربي من الحقوق السياسية والمدنية، لكنهم أرادوا اكتسابها ليس بديلا عن حقوق الإنسان التي ضمنها لهم النظام السوفييتي بل مضافة لها. ولكنهم، في نهاية الأمر، فقدوا كل ما لديهم من حقوق إنسان قائمة ولم يحصلوا إلا على القليل جدا من الحقوق السياسية والمدنية الغربية، وحتى القليل من الحقوق التي اكتسبوها كانت حقوقا شكلية أكثر منها حقوقا مادية وملموسة وخضعت لتقلبات السلطة المالية والطبقية للنيوليبرالية (كلاين: 2008).

يذكرنا ذلك  بمطالب الشعوب العربية خلال الانتفاضات الجارية. ففي ضوء تقلص الخدمات الحكومية منذ أواخر الثمانينيات، نتيجة للأجندة النيوليبرالية الإمبريالية الأمريكية، فقد المواطنون العرب الذين يعيشون في غالبية الدول العربية التي كانت توزّع حصصًا كبيرة من الخدمات الاجتماعية قبل النظام النيوليبرالي نصيبهم من تلك الحصص. ونتيجة حرمانهم من نمطي حقوق الإنسان، السوفييتي والأمريكي، أو نمطي “الديمقراطية الشعبية” و”الديمقراطية الليبرالية”، يطالب غالبية هؤلاء المنتفضين في العالم العربي بالنمطين على حد سواء. وكانت الانتفاضات قد شملت ائتلافًا من الجماعات العلمانية والدينية والطبقات الاجتماعية التي ترفع مطالب منفصلة ومتصلة.

دعونا هنا نبدأ بالانتفاضات المضادة للأنظمة العربية التي ترعاها الولايات المتحدة. فقد طالب غالبية الشعبين التونسي والمصري وكذلك البحريني واليمني، وحتى الأردني، ليس فقط بحقوق سياسية ومدنية ولكن أيضًا بحقوق اقتصادية؛ وبالتالي شملت مطالبهم الحقوق الإنسانية التي كان يضمنها فيما سبق الاتحاد السوفييتي (ما تدعوه منظمات “حقوق الإنسان” الغربية بـ “الحقوق الاقتصادية والاجتماعية”) وما يدعوه الغرب بـ “حقوق الإنسان”.

كانت الاتحادات العمالية والطلاب والمعلمون والمجموعات النسائية والمجموعات الشبابية والفلاحون وفقراء الريف والأعضاء المهنيين من الطبقة الوسطى المدينية والعمال والمفقّرون والعاطلون جزءًا من هذه الانتفاضات. وفي حين حاولت الولايات المتحدة ووسائل الإعلام الغربية إسباغ سمة البطولة على عناصر الطبقة المتوسطة المهنية والإدارية والطبقة العليا التي تدعم الاقتصاد النيوليبرالي (بما في ذلك، في حالة مصر، الملياردير نجيب ساويرس، والمدير التنفيذي في شركة غوغل وائل غنيم)، فإنها قد أولت القليل من الاهتمام للإضرابات واسعة النطاق والتباطؤ والتوقف عن العمل والمسيرات والتجمعات والمواجهات مع الشرطة وجنود الجيش من قِبل العمال والمعلمين والفلاحين والفقراء العاطلين في جميع أنحاء البلدان الخمسة.

تشكلت الانتفاضات في مصر وجميع أنحاء العالم العربي من ائتلافات طبقية واسعة، ذات مطالب متباينة: ففي حين طالب المهنيون من الطبقة الوسطى العليا والمديرون التنفيذيون بالحقوق على النمط الغربي لتعزيز مصالحهم الطبقية، فقد كانت مطالب الطبقات الدنيا والعمال والمعلمون والفلاحون والطبقات المدينية والريفية الفقيرة بالحقوق على النمطين السوفييتي والغربي على حد سواء. وفي مصر، وبعد سقوط مبارك، انضمت شرائح الطبقة الغنية والوسطى العليا التي انخرطت في الانتفاضة بسرعة إلى الجيش بمناشدة العمال والفقراء إلى وقف جميع الإضرابات وممارسات وقف العمل والتظاهرات الحاشدة “المعطِلة” للاقتصاد (وقام ساويرس بمناشدات عامة بشكل بارز ومستمر لتلبية هذا الغرض وقد رفض الانضمام إلى تظاهرات ميدان التحرير)، ولم تؤيد هذه الشرائح المطلب الأساسي للفقراء المتعلق بالحد الأدنى للأجور، ويُعدّ هذا الأخير مطلبًا رئيسًا تمت معارضته بشدة من قِبل طبقة رجال الأعمال المصريين (بما فيها الإسلاميون والعلمانيون)، التي دعمت مبارك وتظاهرت بدعم المنتفضين بعد الإطاحة به. ومع عودة البورجوازية المباركية إلى السلطة بعد الإطاحة بمرسي، قام ساويرس ورجال الأعمال المباركيين الآخرين بتجديد مناشدتهم. وبدلًا من الإبقاء على التعبئة الشعبية والتظاهر ضد النظام العسكري الجديد الذي أطاح بمرسي، أعلن ساويرس أنه “ينبغي علينا العودة إلى عملنا وبناء بلدنا” (بلير: 2013).

ليس الحب الأفقي بين الشعب، إذن، شأنًا غير معقد، فغالبًا ما يستحيل إلى خوف عمودي مرة أخرى، يتمثل في خوف الأغنياء من أن ثورة ديمقراطية “شعبية” تعني المزيد من التنازلات للفقراء والطبقة الوسطى الدنيا والفلاحين والعمال، وخوف الفقراء من أن نظامًا ديمقراطيًا “ليبراليًا” يعني المزيد من الامتيازات للأغنياء والطبقة الوسطى العليا ستخرجهم من المعادلة طراً. وهذا هو التقسيم الطبقي الذي تستغله حكومات ما بعد الانتفاضة في مصر وتونس من أجل إعادة مأسسة الخوف العمودي من الحاكم.

في ضوء إدراك النظام السعودي أن التحالفات الطبقية الداعمة للانتفاضات عابرة للطوائف، سعى السعوديون إلى تقويض الانتفاضات من خلال إذكاء الانقسامات الطائفية بين المسلمين السُنة والشيعة في المملكة العربية السعودية والبحرين وسوريا والعراق ولبنان، وفي مصر بين المسلمين والمسيحيين وحتى بين المصريين “الحقيقيين” المناوئين لمرسي والمصريين “الخائنين” الموالين له. وفي حين بدأت مجموعات سُنية في المنفى في الدعوة لتظاهرات حاشدة في المملكة العربية السعودية يوم 11 آذار/مارس ٢٠١١، بما في ذلك <<الحركة الإسلامية للإصلاح>> السنية الانتماء في الجزيرة العربية و<<حزب الأمّة>> السُني، وهي الدعوة التي تم تأييدها في وقت لاحق من قِبل مجموعات شيعية دعت الناس للانضمام إلى التظاهرات، اتهمت الحكومة ووسائل الإعلام السعودية الشيعة السعوديين بالوقوف وراء هذه الدعوة، وشرعت الحكومة في حملة مضادة للشيعة لكسر أي تحالف بين الطوائف ضد الديكتاتورية، وهو أمر كان يتم في الوقت نفسه، بمساعدة من محطات تلفزيونية أثناء تغطيتها للانتفاضة الجارية في البحرين كقناة <<العربية>> وقناة <<الجزيرة>>، (الرشيد 2011: 517). وستذهب الحملات الطائفية الضخمة الممولة سعوديًا من خلال وسائل الإعلام المملوكة للسعودية ووسائل الإعلام المملوكة لقطر إلى مستويات طائفية قياسية في السنوات الثلاث المقبلة، بريادة محطة تلفزيون فضائية <<العربية>> المملوكة للعائلة المالكة السعودية والتي لحقت بها قناة <<الجزيرة>> المملوكة للعائلة الحاكمة القطرية. وفي مصر، ستطلق حملة هائلة ضد الفلسطينيين من قِبل وسائل الإعلام الخاصّة، التي يمتلكها رجال الأعمال الداعمين لمبارك والمدعومين من قِبل السعودية والإمارات، لنزع الشرعية عن أعضاء جماعة الإخوان المسلمين المدعومين بدورهم من قِبل قطر باعتبارهم مصريين “غير حقيقيين”، بسبب “تحالفهم” المزعوم مع حماس، الذين زُعم أن الأخوان قد نقلوا إليهم الموارد المصرية (مسعد 2012أ: 2013). كانت هذه المحاولات ناجحة جزئيًا في إحداث الانشقاقات في مصر والبحرين والسعودية ولكنها لم تتمكن من استعادة عامل الخوف (في حالة سوريا، لم تكن الحملات القطرية السعودية لنشر الكراهية الطائفية تهدف إلى إضعاف انتفاضة ديمقراطية ضد نظام ديكتاتوري، وإنما لتعزيزها بوصفها انتفاضة طائفية سُنية ضد “نظام علوي”، وهو ما أدى حتى الآن إلى مذابح مروعة بحق الأقليات الدينية من قِبل الائتلاف المناوئ للنظام المسَيطر عليه سنياً).

تُعَدّ المطالب الاقتصادية مصدر قلق كبير بالنسبة إلى الولايات المتحدة. ففي حين قد تضطر الولايات المتحدة والأنظمة العميلة لها إلى إقامة إجراءات تمثيلية للشعب ومحاسبة المسؤولين، وهي إجراءات يمكن التلاعب بها، كما هو الحال في الغرب نفسه، لضمان بقاء النخبة والطبقات المهنية والإدارية الجديدة دائمًا في مواقع السلطة، وهو ما لا ينطبق على أجندة العدالة الاجتماعية التي تتطلب إعادة توزيع فعلي للثروة المادية وهو ما لا يمكن التلاعب به بسهولة. وفي حين أبدت قيادة الإسلاميين والليبراليين العلمانيين التي حققت انتصارات انتخابية في مصر وتونس (وقد تم إبعاد هؤلاء عن السلطة عبر حملة القمع الناجحة في البحرين وتلك الجارية في اليمن وسوريا في الوقت الراهن) استعدادها لإسقاط أجندة الحقوق الاقتصادية، فما تناقشه الولايات المتحدة وفلول النظام في تونس ومصر في هذه اللحظة هو مقدار التمثيل والمساءلة الذي يجب أن يحظى به النظام الجديد لاستعادة الحب العمودي وما إذا كان منح تدابير معينة من التمثيل والمساءلة يمكن أن يتمخض عنها مطالب للمواطنين العاديين والقواعد الانتخابية لا يمكن التنبؤ بها في المستقبل بشأن الحقوق الاقتصادية، مما قد يعزز التهديدات لمصالح الولايات المتحدة ونظامها المحلي وحلفاءها الطبقيين. ويمثل القلق الأخير أهمية بالغة في غياب عامل الخوف، وهو السبب في استمرار استخدام التدابير القهرية في تونس ومصر لضمان إعادة إرساء الخوف، وإن كانت الإسلاموية النيوليبرالية التي سيطرت على أنظمة ما بعد الانتفاضة في كلا البلدين قد ضاعفت من جهودها لضمان استمرار الحب: فمن جهة، أشرف الإسلاميون على بنية دولة نيوليبرالية كانت قد قلصت خدمات الدولة قبل وصولهم إلى السلطة، ومن جهة أخرى، قاموا بفصل أنفسهم عن المنظمات غير الحكومية الإسلامية التابعة لهم والتي استمرت في توزيع الخدمات الاجتماعية.

أما في حالة البحرين، فقد قامت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر بعملية حسابية خلصت إلى أن فقدان الحب والاحتفاظ بالخوف هو أفضل ضمانة للنظام، وبناءً عليه قرروا التضحية بالحب طراً. وفي اليمن، على الرغم من وجود بعض الاختلافات بين السعوديين والقطريين والأمريكيين، فإنهم قاموا لاحقا بدعم التضحية بحب النظام لصالح الخوف منه على اعتبار أن ذلك هو أفضل مسار للعمل على بقائه في السلطة (حتى لو كان قد ضُحي بالرئيس علي عبد الله صالح نفسه في كانون ثاني/يناير ٢٠١٢، بعد أن مُنِح الحصانة الكاملة عن جرائمه). ومن هذا المنطلق أيد السفير الأمريكي في اليمن، جيرالد فايرستين، الحاكم الجديد غير المتوج للبلاد، قتل المتظاهرين اليمنيين المدنيين العزل الثلاثة عشر الذين كانوا في مسيرة من تعز إلى صنعاء في كانون أول /ديسمبر ٢٠١١. وفي الواقع، كان فايرستين قد أدرك الآثار المترتبة على الولايات المتحدة عينها في هكذا حالة عندما ورد أنه أعلن: “إذا قرر ألفا شخص السير إلى البيت الأبيض، فإننا لن نعتبر ذلك عملية سلمية، ولن نسمح به” (رويترز: 2011).

وفي تلك البلدان التي لم تكن أنظمتها عميلة بالكامل للأمريكيين، كان الوضع مختلفًا بشكل ملحوظ. ففي ليبيا وسوريا، احتفظ النظامان الديكتاتوريان اللذان خدما مصالح الولايات المتحدة بإخلاص لفترة طويلة (حيث أُخضِع معمر القذافي لنفوذ الإمبريالية الأمريكية في العقد الأخير من حكمه)، بقدر من الاستقلال في السياسة الداخلية والخارجية الذي لم يُرضي الولايات المتحدة. وبالتالي، على النقيض من الوضع في بقية العالم العربي حيث انتقلت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون الغربيون بسرعة من رعاية الحكام المستبدين الذين سقطوا إلى رعاية أعداء الثورة، لاستعادة من سقط من الحكام أو في سبيل نظام مماثل يحل بدًلا عنهم، اختاروا دعم الانتفاضتين في ليبيا وسوريا ومساعدتهما على وجه السرعة لضمان النتيجة التي تخدم مصالحهم (تأمين النفط بالنسبة إلى فرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة، في حين تأمل الولايات المتحدة في نقل مقر قيادتها العسكرية لإفريقيا <<أفريكوم>> من شتوتغارت إلى ليبيا عندما ينجلي الغبار) (مسعد: 2011ب). وبينما كان الاستحواذ على الأمور في ليبيا سريعًا وسلساً، فقد واجه عدة عقبات في سوريا بسبب اختلاف طبيعة النظام والمعارضة.

وبأخذ خلاصة هذه التطورات، نجد ما يلي: في ليبيا، يمتلك الغرب الآن اليد العليا في القرار جنبًا إلى جنب مع حلفاء صغار في المجلس الوطني الانتقالي الليبي حيث سيحددون معا أي مزيج من القهر والهيمنة والفساد سيُشكِل النظام المقبل، وما إذا كان من شأن الاستقرار أن يعود إلى البلاد أم لا. وفي مصر وتونس، يتعامل الغرب مع جميع الأطراف الرئيسة على أمل إنجاز الأهداف ذاتها -التحالف مع الجيش، ثم التخلي عن الجيش جزئيًا لصالح الجناح النيوليبرالي للإسلاميين، وتمويل المنظمات غير الحكومية العلمانية الليبرالية، والمطالبة بالعفو عن مبارك (بينما يتم تجاهل فقراء الريف والمدن والفلاحين والطبقات العاملة)، و من ثم التخلي عن الإسلامي مرسي لصالح حكم عسكري تحت ستار مدني في الوقت الذي يطالب فيه بالعفو عن مرسي. وفي البحرين والمملكة العربية السعودية واليمن، اختارت الولايات المتحدة والأنظمة الحاكمة وضع استراتيجية لإثارة مزيد من الخوف والفساد والتضحية بالحب من خلال الدعم الكامل لقمع الديكتاتوريات هناك، بينما قد نُصِح في الأردن والمغرب والجزائر وسلطنة عمان باستراتيجية من الحب والخوف والفساد (بما في ذلك قمع الشرطة للتظاهرات، وتوزيع المنح الاقتصادية، وقدرًا من اللبرلة السياسية أو الترويج لأحد أشكالها على نحو جيد، والمزيد من الانتخابات البرلمانية الفاسدة). كما أصبح الوضع العراقي أكثر اضطرابًا نتيجة تزايد العنف الناتج عن الفتنة الطائفية وانسحاب الولايات المتحدة مرغمة بعد أن قامت بتدمير البلد وتعميق الانقسامات الطائفية والعرقية العراقية ومأسسة الفساد المستشري. وعلى الرغم من ذلك، فقد أخفقت الولايات المتحدة في إنجاز مهمتها المرسومة مما يجعل خطواتها القادمة غير واضحة المعالم.

أدان أغلب الإسلاميين العرب تاريخيًا القومية العربية العلمانية لتحالفها مع الدول الأوروبية غير المسلمة لإنهاء الحكم العثماني الإسلامي خلال الحرب العالمية الأولى، باعتبارها الخطيئة الأصلية التي أسفرت عن الحكم الاستعماري الأوروبي للعالم العربي الشرقي بدلًا من تحرير العرب. بينما يقوم اليوم النيوليبراليون الإسلاميون والعلمانيون في ليبيا وسوريا ورجال الدين الرسميون الإسلاميون في قطر والمملكة العربية السعودية وكذلك حكام البلدين والمثقفون العلمانيون والإسلاميون الليبراليون والنيوليبراليون الذين يعملون في امبراطوريات الإعلام القطري والسعودي النيوليبرالي بالمناداة بالتدخل العسكري الأمريكي الأوروبي في العالم العربي تحت لواء إنهاء الدكتاتورية المحلية. وبالاطمئنان إلى سابقة حكم الزعماء الإسلاميين الأتراك، المطواعون والمتعاونون بشكل كامل بتحقيق رغبات  حلف شمال الأطلسي والنيوليبرالية الاقتصادية في المنطقة بشكل عام، لم تَعد الولايات المتحدة وأوروبا الغربية تنظر إلى الزعماء الإسلاميين العرب بالضرورة باعتبارهم متعصبين خطيرين كما كانوا قد صوروهم منذ عقود. هذا إلى جانب التطمينات التي قدمها القادة الإسلاميون النيوليبراليون في تونس ومصر إلى الولايات المتحدة بأنهم، أولًا، ليسوا بالضرورة أعداءً لإسرائيل (وإن كانوا ليسوا أصدقاءً لها أيضًا) ولن يقوموا بإلغاء اتفاقية كامب ديفيد (طالما لم تخفِّض الولايات المتحدة المساعدات المقدمة لمصر) وبأنهم، ثانيًا، يرحبون بالسياسات الاقتصادية النيوليبرالية كما فعلت الأنظمة التي أطيح بها – ولكن خلافًا للنظام السابق الذي كان مقيدًا بحدود العائلة والأصدقاء فإنهم يأملون في إرباح طبقة كومبرادورية أكبر من رجال الأعمال من الإسلاميين والعلمانيين على حد سواء، كانت قد ظلت بعيدة عن الفوائد المالية الأكبر للنيوليبرالية –وهو ما جعل منهم شريكًا مستساغًا وعمليًا للغرب في تحقيق استراتيجية حكم الحب/الخوف المتوخاة.[5] أثبت هذا الترتيب، مع ذلك، عدم استقراره. فقد أعادت الإطاحة بمرسي في تموز/يوليو ٢٠١٣ سلطة البورجوازية المباركية والجيش حيث أعيد تنظيم الحب والخوف مرة أخرى – حب الجيش والخوف من الإخوان المسلمين (مسعد: 2013).

إن الترتيب الجديد للحكم الذي تأمل الولايات المتحدة في رعايته في تلك البلدان العربية التي أطاحت انتفاضاتها بنجاح بالطغاة المدعومين من قِبل الولايات المتحدة هو ذلك الذي يمكن أن يُعيد من جديد الحب والخوف العموديين نحو الحكام والخضوع لهيمنة الولايات المتحدة. بما أن رجال الأعمال الإسلاميين هم الذين يديرون الأحزاب الإسلامية اليمينية ويدعمون النيوليبرالية (وهي سياسة غير مدعومة بالضرورة من قِبل قواعدهم) فهذا يجعل التحالف فيما بينهم وبين النيوليبراليين العلمانيين والولايات المتحدة تحالفا متناغمًا تماما، على الرغم من أن مقاومة طبقة رجال أعمال مبارك لا تزال مكثفة ضد الترتيب الجديد على تقاسم المصالح التجارية مع رجال أعمال إسلاميين (وهذا هو السبب في أن هذه الأخيرة قد عززت وذكت ووجَّهت جزءًا كبيرًا من معارضة رئاسة مرسي، التي أدت إلى الإطاحة به، على الرغم من التسويات والتنازلات التي قدمها لهم). وقد قامت قطر، زعيمة هذا الجهد وبطل النيوليبرالية الأكثر توسعية التي تديرها الأحزاب الإسلامية، بتعزيز واستغلال بعض الانتفاضات ووضع انتفاضات أخرى في القائمة السوداء منذ البداية، على أمل إقامة هذا النظام النيوليبرالي الجديد. ولقد كان تنازل أمير قطر عن السلطة لابنه في حزيران/يونيو ٢٠١٣ والاستقالة المتزامنة لوزير الخارجية القطري، الذي كان الراعي الرئيس لصعود الإخوان المسلمين إلى السلطة في عدد من الدول العربية، إيذانًا بنهاية الدعم المتردد من قِبل الولايات المتحدة للمشروع القطري وتجديدا لدعمها السابق للمشروع السعودي.

 

معادلة الحب / الخوف

لكن ما هو الحب بالضبط، أي حب الشعب للحاكم؟ دعونا ننتقل إلى هذا السؤال لفترة وجيزة، لأن جزءًا كبيرًا من استراتيجية الولايات المتحدة يتوقف عليه. في نظريات التحليل النفسي للحب، يُنظر إليه على أنه مرتبط بالحاجة والمطالبة والرغبة. “إذا كان الحب هو إعطاء المرء ما لا يملكه”، كما يقول المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان (1977: 255)، إذن فعلى مستوى الحاجة، يكون إشباع الحاجة هو الشرط الأول للحب. وستحب الشعوب حكامها إذا قام الأخيرون بتلبية احتياجاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية أو إذا قاموا بإقناعها عن طريق الخداع بأنهم يقومون بذلك فعلا. ويُعدّ مثل هذا الإشباع أمرًا محددًا ومعينًا -زيادة في الدخل والقدرة الشرائية، وتوفير مساكن لائقة بأسعار معقولة، والحصول على الرعاية الصحية والتعليم والتمثيل السياسي العادل، ومحاسبة شفافة للحكام من قِبل الشعب، والأمن من القمع والمضايقات التعسفية للشرطة، إلخ.

وعلى صعيد المطالب، يطالب الناس الحكام بأن يكونوا في صف واحد مع الشعب، للتعبير عن همومهم واحتياجاتهم، وللعمل من أجل مصالحهم وتحسين حياتهم، أو باختصار، يطالَبون بشيء أعم من إرضاء حاجة معينة. وفي الواقع، إنهم يطالبون بشيء غير محدد، بأن يكون الحكام انعكاسًا، ومثيلًا للشعب بشكل عام، وبأن يكون الحكام شيئًا أكثر من أنفسهم. وأخيرًا، تقوم الرغبة، والتي تشبه المطالبة من حيث إنها تتجاوز خدمات أو أشياء معينة، على سمات خاصّة يجب على الحاكم أن يُعتَقد أنه يمتلكها، وهي سمات فريدة من نوعها بالنسبة إليهم، ولا يمكن لأي حاكم آخر أن يمتلكها أو أن يُعتَقد أنه يمتلكها، وأن الحكام سيعطوا الشعب ما لا يمتلكه الحكام أصلًا والذي في نهاية المطاف لا يمكن أن يعطوه ولكنهم يريدون أن يعطوه مع ذلك –أو باختصار، أن يحب الحكام الشعب. إذا فشل الحكام في هذه الشروط الثلاث، وقد فشل الطغاة العرب في هذا فشلًا ذريعًا، فلا يستطيع الناس أن يقدموا لهم ما لا يمتلكونه.

قبل اندلاع الانتفاضات، كانت لإسرائيل ومصر والمملكة العربية السعودية الهيمنة الإقليمية تحت وصاية الولايات المتحدة: إسرائيل لجيشها شديد القسوة والقوة القمعية، والمملكة العربية السعودية لقوتها المالية المهولة التي، ضمن أمور أخرى، تمول سلطتها الدينية والسياسية في العالم الإسلامي، ومصر لدورها التاريخي والعسكري والفكري والثقافي في جميع أنحاء المنطقة. وحتى يبقى نظام الدول العربية على قيد الحياة، كان من الواضح أن السعوديين والمصريين هم الجهات الفاعلة الرئيسة. إذا وقعوا، فإن النظام كله سيسقط من بعدهم. وفي حين أن هذا صحيح، فإن المشكلة بقيت متوقفة على التسلسل الزمني. إذا سقطت السعودية أولًا، فإنه لن يقدر أحد على إنقاذ نظام الدول العربية وستسقط جميع الأنظمة في إثر بعضها مثل الدومينو. وإذا سقطت مصر أولًا، فإن السعوديين سيمولون الثورة المضادة ويقومون بتحصين الأنظمة القائمة بكل قوتهم.

ونظرًا لميزان القوى هذا، فإذا كانت هناك حركة ثورية متماسكة في العالم العربي اليوم، فإن البند الأول في أجندتها سيكون إسقاط النظام السعودي، وإذا تعذَّر ذلك، فإن كل عمل ثوري سيكون عرضة للخطر. ولا يختلف هذا عن فشل تجربة “الاشتراكية في بلد واحد” في أعقاب انتصار الثورة الروسية في عام ١٩١٧. فستبقى الثورة في بلد أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة في العالم العربي قابلة للانتكاس حتى، أوعلى شرط، أن يتم إسقاط النظام السعودي. وهذا هو السبب في أن التحصينات الإمبريالية في الخليج هي الأقوى. فكما هو معروف ليس الخليج مستودع نفط فقط، وهو ما دفع بالسيطرة الإمبريالية على المنطقة دائمًا ومنَعَ إقامة أشكال “شعبية” أو “ليبرالية” من “الديمقراطية”، ولكنه يحتوي أيضًا على أقوى نظام يضمن استمرار النهب الإمبريالي والاستبداد في جميع أنحاء المنطقة (والإثنان، بالطبع، مرتبطان مباشرة). ولقد كانت الحروب والتهديدات بالحرب على إيران الثورية في العقود الثلاثة الماضية جزءا من هذه التحصينات.

تمثلت أطروحة الولايات المتحدة والسعودية دائمًا في أن المال يشتري الحب، وهي الأطروحة التي كثيرًا ما كانت فعالة -في الواقع، فقد أنفق السعوديون ٣٧ مليار دولار على شكل نقدي وخدماتي على الشعب السعودي في عام ٢٠١١ وحده لمنع حدوث انتفاضة شعبية (الغارديان 2011). لكن المشكلة هي أنه لا يوجد من المال ما يكفي للنهب من قِبل الولايات المتحدة والأسرة السعودية المالكة، وفي الوقت نفسه لإعادة توزيع الثروة في جميع أنحاء المنطقة لتلبية الاحتياجات والمطالب والرغبات. وهو ما أصبح أكثر وضوحًا بعد الأزمة الاقتصادية في عام ٢٠٠٨ في الولايات المتحدة وتداعياتها العالمية. وإنه في ضوء هذه التطورات الاقتصادية وأزمة رأس المال التمويلي لم تعد الولايات المتحدة قادرة على تعديل استراتيجياتها بشكل فعال فيما يتعلق بالقهر/الموافقة/الفساد (أو الخوف/الحب/الجشع) على الصعيد العالمي. وبالنظر إلى هذه القيود المالية، يصبح الخوف، كما اعترف برنارد لويس، مرة أخرى الاستراتيجية الوحيدة المتبقية لإجهاض الانتفاضات، التي تصورها لغة الإمبريالية الأمريكية على أنها بمثابة تعبير عن “كراهية” أمريكا، وإعادة الوضع السابق كما كان. وفي الواقع، هذا هو منطق النهب الذي أسفر عن تقديم العائلات الخليجية الحاكمة لطلبات تصل قيمتها إلى ١٢٣ مليار دولار للتسلح من مصانع الأسلحة الأمريكية حتى منذ ما قبل اندلاع الانتفاضات من أجل مساعدة الاقتصاد الأمريكي كي يخرج من أزمته (خلف ودروموند: 2010).

إن المشكلة، مع ذلك، تتمثل بفقدان الخوف من جانب الجماهير العربية خلال السنوات الثلاث الماضية. لقد عانى الشعب البحريني من القمع الشديد والتعذيب خلال هذه الفترة، ولكنه مع ذلك ما زال يرفض وقف مقاومته، التي لا تزال قائمة على قدم وساق بشكل يومي، كما هو الحال مع الشعبين اليمني والسوري، الذين أظهرا شجاعة لا تضاهى، كما هو الحال عند البحرينيين، في مواجهة نظاميهما القمعيين على مدى السنوات الثلاث الماضية. ومع ذلك، ففي حالة الانتفاضة السورية، التي ابتليت بعدد الضحايا الأكبر من بين جميع الانتفاضات، أصبحت غالبية قيادة الانتفاضة بسرعة مرهونة بالكامل للسعوديين والقطريين والأتراك والأوروبيين والأمريكيين (مسعد 2011أ، 2011سي، 2012بي). وينطبق هذا أيضًا على الصراعات الجارية في تونس ومصر، وحتى في ليبيا التي يسيطر عليها حلف شمال الأطلسي وقطر.

ماذا على الحكام أن يفعلوا، بعد ذلك، إذا لم يتمكنوا من استيفاء الشروط ليكونوا محبوبين وإذا لم تعد شعوبهم تخاف منهم؟ تتنوع استراتيجية الولايات المتحدة قصيرة المدى. إذ يستند الخداع المستمر في تونس ومصر، وحتى في ليبيا، على توفير الوهم والوعود بالتمثيل “العام لجميع المواطنين” والمساءلة (اللذان، إن أنجزا بالفعل، لن تكون لهما فائدة إلا للطبقات الإدارية والمهنية)، ولكن ليس العدالة الاجتماعية (التي يطالب غالبية الشعب بها)، من أجل استعادة الحب العمودي. وفي غضون ذلك، سيتم نشر القدرة القهرية للدولة في الدفاع عن هذه المكاسب الوهمية والمبنينة طبقيًا لاستعادة الخوف على نطاق واسع. وبحلول الوقت، حين سيصدق هؤلاء (من الطبقات الوسطى، من غير المديرين أو المسؤولين التنفيذيين) الذين يُخدعون بأن مطالبهم المتعلقة بالتمثيل والمساءلة قد تم الوفاء بها، سيكون قد تم استعادة عامل الخوف والحب العمودي للحفاظ على الأنظمة الجديدة وراعيها الإمبريالي.

لكن استعادة حب الشعب والخوف نحو الحكام لن يكون سهلًا كما أدرك الحكام القدامى والجدد في البحرين والأردن وعمان والمملكة العربية السعودية وسوريا والمغرب وتونس واليمن ومصر وليبيا. فلا تزال المخاطر أكبر بالنسبة إلى الأنظمة وراعيها الإمبريالي منها بالنسبة إلى الشعوب المضطَهدة في المنطقة. لقد فشلت حتى الآن تنازلات أمريكا التي كانت تهدف إلى خلق “ربيع عربي” من رحم الانتفاضات العربية. وتعود الأزمة التي يواجهها البيت الأبيض في الواقع إلى فشل الاستراتيجيات الأمريكية للهيمنة والقهر في وقت واحد في إنتاج الحب والخوف نحو أمريكا في العالم العربي.[6] وهذا هو الاستنتاج الذي أدى إلى فهم أن ما تكشف في العالم العربي خلال السنوات الثلاث الأخيرة هو في الواقع شتاء أمريكي أكثر منه ربيع عربي. إذ يبدو أنه لم يعد لدى غالبية العرب المنتفضين إلا القليل من الخوف في قلوبهم. وتشتمل أهدافهم الثورية على إقامة أنظمة جديدة يحبونها ولا يخافون منها. وفي المقابل، يبدو أن الخوف قد ملأ قلوب الحكام العرب وراعيهم الإمبريالي والطبقات التي تخدمهم وتستفيد منهم. يتضح من هذا أن برنارد لويس لم يقدم نصائح جيدة للولايات المتحدة. فإن حثه الولايات المتحدة على استخدام المزيد من القمع لاستعادة الخوف الذي بثته في قلوب الشعوب العربية لم يعد يصلح كصيغة سحرية لضمان المصالح الإمريكية.

كان محمد علي، حاكم مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر، قد أمر مترجمًا بالتوقف عن ترجمته الجارية أنذاك لكتاب <<الأمير>> لمكيافيللي، معلنًا أن الكتاب لا يتضمن شيئًا لم يكن يعرفه مسبقا (ريد 1990: 28) -فكان على النسخة العربية من الكتاب أن تنتظر حتى عام ١٩١٢، عندما قام محمد لطفي جمعة بترجمته ونشره (ريد 2002: 171). ربما يكون موقف محمد علي هو نفس موقف العديد من الحكام الحاليين في العالم العربي وراعيهم الأمريكي. فكما تخدم كتابات مكيافيللي، بحسب الفيلسوف الإيطالي بينيديتو كروتش، “الرجعيين والديمقراطيين على حد سواء، كالمبارزة الماهرة التي تخدم كلًا من الشرفاء وقطاع الطرق، للدفاع عن النفس والقتل”، فقد قام الشعب العربي بتبني النصيحة الهامة التي قدمها ماكيافيللي للأمير (غرامشي 1987ب: 135).

لقد أعاد الشعب العربي في واقع الأمر كتابة النصيحة المكيافيللية لحكامه وحوّلها إلى واقع لم يعرفه حكامه من قبل بالتأكيد: تحب الشعوب أن تكون محبوبة ومهابة من قِبل حكامها، ولكن نظرًا لصعوبة تحقيق الأمرين معاً، فإن الأكثر أمانًا بكثير أن يكونوا مهابين من أن يكونوا محبوبين من قِبل حُكّامهم إذا ما كان عليهم الاختيار بين الأمرين.

¨ ألقِيت النسخة المبكرة من هذه المقالة كمحاضرة، في جامعة تورونتو، في كندا، في ١ آذار/مارس ٢٠١٢، وكخطاب افتتاحي في مؤتمر حول الربيع العربي عُقِد في معهد كلينتون للدراسات الأمريكية، التابع لكلية جامعة دبلن، في آيرلندة، في ١٥ نيسان/أبريل ٢٠١٢. أتقدم بالشكر من المراجعين لدورية ببلك كلتشر، ومن طلال أسد، ونيفيل هود، ومارك مايكل، وليشا روزنتال، وفايز سمارة، وميسون سكرية، لقراءة النسخة المبكرة من هذه الدراسة والتعليق عليها.


 الهوامش:

* أحد مترجمي موقع راقب، المصدر الأول لما يُنشر في مراكز الأبحاث والمجلات والصحف الأمريكية والأوروبية عن العالم العربي وأحداثه وقضاياه وشخصياته

** قانون لمكافحة الإرهاب تم إقراره، في الولايات المتحدة، في ٢٦ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٠١، إثر هجمات ١١ أيلول/سبتمبر، ومعناه “توحيد وتعزيز أمريكا من خلال توفير الأدوات الملائمة المطلوبة لاعتراض وعرقلة الإرهاب”، وبموجبه رفِعت العوائق القانونية حول مراقبة المحادثات الهاتفية، والملفات الطبية، والرسائل الإلكترونية، والصفقات البنكية، وتفتيش البيوت في غياب أصحابها. وهي إجراءات تم الاعتراف فيما بعد بعدم دستوريتها (المترجم).

*** تسليم إرهابيين دوليين، أو مشتبه فيهم، بصورة سرية، إلى بلد ما، حيث يتم التحقيق معهم خارج معايير المعاملة الإنسانية للسجناء (المترجم).

[1] تقدم كلاين 2008 تحليلًا مفصَّلًا لصفقة جنوب إفريقيا، ولتأسيس النظم الاقتصادية النيوليبرالية، في روسيا، وأوروبا الشرقية، بعد عام 1989.

[2] يظل زيمانسكي 1984 الكتاب الأفضل من حيث المعلومات، والأكثر بلاغة، حول هذا الموضوع.

[3] للمقارنات، انظر زيمانسكي 1984: 152-203.

[4] تناقش الكسندر 2012 بالتفصيل عرقنة نظام العدالة الجنائية، في الولايات المتحدة، منذ السبعينيات.

[5] حاولت حكومة مرسي، في الواقع، المستحيل من أجل طمأنة طبقة رجال أعمال مبارك بأنها لن تحاكمهم بتهمة الفساد وأن قادة الأعمال المحسوبين على الأخوان لا يسعون إلا للدخول في شراكة معهم في عملية نهب البلاد. لكن رجال أعمال مبارك هم من أصروا، على الرغم من قبولهم بكل التنازلات المقدَّمة من قِبل جماعة الإخوان المسلمين، على إسقاط حكومتهم وعلى رفضهم مشاركة الإخوان في نهب البلاد، كما شنّوا حملة إعلامية كبيرة في القنوات الفضائية والصحف لنشر إشاعات وأكاذيب لتعبئة الشعب ضدَّ النظام النيوليبرالي للإخوان من أجل استعادة الوضع السابق. وقد نجحوا في نهاية المطاف بالفعل في إسقاط مرسي في ٣ تموز/ يوليو ٢٠١٣. أنظر سلسلة المقالات التحقيقية التي كتبتها أميمة كامل أثناء حكم الأخوان، وهي كاتبة عمود ومراسلة اقتصادية في صحيفة الشروق (تنشر مقالاتها يوم الأحد من كل أسبوع)، عن تفاصيل السياسات النيوليبرالية لحكومة الإخوان المسلمين في مصر والتنازلات التي قدموها لطبقة رجال أعمال مبارك.

[6] تمظهر اختفاء الخوف من الولايات المتحدة واحتقارها في المنطقة على نحو رمزي حينما قام طيار مصري على متن رحلة جوية منتظمة من القاهرة إلى الأقصر في ٣٠ أيار/ مايو ٢٠١٢، برفض فتح أبواب طائرته للسماح لسفيرة الولايات المتحدة لدى مصر، آن باترسون، بالصعود بعد أن وصلت للرحلة في وقت متأخر. وقد غادرت الطائرة من دونها، وهو إجراء كان لا يمكن تصوره قبل بضعة أشهر، حين كانت تُقدَّم فروض الطاعة الكاملة (الراكوبة: 2012).

———————-

المراجع

الكسندر، ميشيل. 2012. نظام جيم كرو العنصري الجديد: الاحتجاز الجماعي في عصر عمى الألوان. نيويورك: نيو برس.

ألتوسير، لويس. 1971. “الإيديولوجيا وأجهزة الدولة الإيديولوجية (ملاحظات باتجاه تحقيق)”. في: لينين والفلسفة ومقالات أخرى، ترجمة بن بروستر، 127-86. نيويورك: منثلي ريفيو برس.

القدس العربي. 2012. “مواجهات في جنوب تونس بين الشرطة وعاطلين يريدون ثورة جديدة”، 7. 15 يناير/كانون الثاتي.

——–، 2013. “برلسكوني: ما حدث في ليبيا لم يكن ثورة بل تدخلًا أيَّدته فرنسا”، 1. 11 يناير/كانون الثاني.

الراكوبة. 2012. “قائد طائرة مصرية يرفض انتظار سفيرة أمريكا بالقاهرة ويقلع بدونها”، 2 يونيو/حزيران.

بومونت، بيتر، وجون دوموكوس. 2011. “الجيش المصري يستخدم غازًا مسيلًا للدموع أشد فتكًا في مواجهة محتجي ميدان التحرير”. الغارديان، 23 نوفمبر/تشرين الثاني.

بلير، إدموند. 2013. “العائلة المليارديرية المصرية، ساويرس، تستثمر على نحو غير مسبوق”. رويترز، 15 يوليو/تموز.

فرويد، سيغموند. 1955. “سيكولوجيا الجموع وتحليل الأنا” (1921). في: الطبعة المعتمدة للأعمال السيكولوجية الكاملة لفرويد، تحرير وترجمة جيمس ستراتشي، 18: 69-143. لندن: هوغارث.

غاليا غولان. 1971. حركة الإصلاح التشيكوسلوفاكية: الشيوعية في أزمة، 1962-1968. كامبريدج: كامبريدج يونفيرستي برس.

غرامشي، أنطونيو. 1987أ. “المثقفون”. في: مختارات من كراسات السجن، تحرير وترجمة كوينتين هور وجيفري نويل سميث، 3/23. نيويورك: انترناشونال.

——–. 1987ب. “الأمير الحديث”. في: غرامشي، مختارات من كراسات السجن، 123-205.

——–. 1987ج. “ملاحظات على التاريخ الإيطالي”. في: غرامشي، مختارات من كراسات السجن، 44-120.

الغارديان. 2011. “اضطراب الشرق الأوسط: ملكا السعودية والبحرين يتقدمان بامتيازات”. 23 فبراير/شباط.

هاريس، روبرت ل (المتأخر). 2008. “مالكوم أكس: حقوق الإنسان والأمم المتحدة”. في: مالكوم أكس: دليل تاريخي، تحرير جيمس ل. كونيرز (المتأخر) وأندرو ب. سمولوود، 125-30. دورهام، ان سي: كارولينا أكاديميك برس.

هيل، ايفان، ومحمد منصور. 2013. “تقرير: الجيش المصري شارك في التعذيب والقتل خلال الثورة”. الغارديان، 10 أبريل/نيسان.

كيتنغ، جوشوا. 2011. “مَن أوَّل من استخدم مصطلح الربيع العربي؟” باسبورت (مدوَّنة)، فورين بوليسي، 4 نوفمبر/تشرين الثاني.

خلف، رولا، وجيمس دروموند. 2010. “دول الخليج تشتري أسلحة أمريكية بـ 123 مليار دولار”. فايننشال تايمز، 20 سبتمبر/أيلول.

كيركباتريك، ديفيد. 2012. “الدم يسفك جراء الاشتباك بين مؤيدي الرئيس المصري والمناوئين له في القاهرة”. نيويورك تايمز، 5 ديسمبر/كانون الأول.

كلاين، نعومي. 2008. عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث. نيويورك: بيكدور.

كودرنا، أوغسطين، وليديا كاسل. 1969. “تمايز في الأرباح”. ايسترن يوروبيان ايكونوميكس 7، رقم. 4: 25-37.

لاكان، جاك. 1977. كتابات: مجموعة مختارة. ترجمة آلان شيريدان. نيويورك: نورتون.

العربي، كوثر. 2012. “آلاف التونسيين يحتفلون بالثورة”. فرانس برس، 14 يناير/كانون الثاني.

لويس، برنارد. 2001. مقابلة أجراها معه بريان لامب، بوكنوتس، سي-سبان، 30 ديسمبر/كانون الأول.

مكيافيلي، نيقولا. 1994. الأمير. في: كتابات سياسية مختارة، تحرير وترجمة ديفيد ووتون، 5-80. انديانابوليس: هاكيت.

ماركس، كارل. 1984. الثامن عشر من برومير لويس بونابرت. نيويورك: انترناشونال.

مسعد، جوزيف. 2011أ. “الثورات العربية –بين  الماضي والحاضر”. الجزيرة، 18 نوفمبر/تشرين الثاني.

——–. 2011ب. “يعيش المجلس المصري الأعلى للقوات المسلحة”. الجزيرة، 28 يوليو/تموز.

——–. 2011ج. “الصراع على دمشق”. الجزيرة، 15 نوفمبر/تشرين الثاني.

——–. 2012ب. “الإمبريالية والاستبداد والديمقراطية في سوريا”. الجزيرة، 6 فبراير/شباط.

——–. 2013. “الصراع على مصر”. كاونتربانش، 12 يوليو/تموز.

نيويورك تايمز. 1980. “جماعة حقوقية تقول إن السوفيت قد اعتقلوا أربعمئة معارض وفق سوء استغلال للطب النفسي” 29 أبريل/نيسان.

الرشيد، مضاوي. 2011. “الطائفية باعتبارها ثورة مضادة: الاستجابات السعودية للربيع العربي”. ستاديز ان اثنيسيتي اند ناشونالزم 11، رقم. 3: 513-26.

ريد، دونالد مالكولم. 1990. جامعة القاهرة وتشكل مصر الحديثة. كامبريدج: كامبريدج يونفرستي برس.

——–. 2002. فراعنة مَن؟ علم الآثار والمتاحف والهوية الوطنية المصرية من نابليون إلى الحرب العالمية الأولى. بيركلي: كاليفورنيا يونفرستي برس.

رويترز. 2011. “معارك الشارع تضرب اليمن”، 27 ديسمبر/كانون الأول.

شب، أناتول. 1969. “دروس تشيكوسلوفاكيا”. فورين أفيرز 47، رقم. 2: 266-80.

زيمانسكي، ألبرت. 1983. هل يحلِّق العلم الاحمر؟ الاقتصاد السياسي للاتحاد السوفياتي. لندن: زيد.

——–. 1984. حقوق الإنسان في الاتحاد السوفييتي [بما في ذلك مقارنات مع الولايات المتحدة الأمريكية]. لندن: زيد.

 

 

 

error: المحتوى محمي