الثقة: من أجل تعزيز القيم وتحقيق المكانة الاجتماعية للأفراد والجماعات – عبد الرحمن الشقير

الثقة: من أجل تعزيز القيم وتحقيق المكانة الاجتماعية للأفراد والجماعات – عبد الرحمن الشقير


المحتويات

مقدمة

أولاً: ما الثقة؟

ثانياً: مستويات الثقة

           ثقة الفرد بنفسه وتحقيق المكانة الاجتماعية

           ثقة الفرد بالآخرين وتحقيق المكانة الاجتماعية

دورة حياة الثقة

ثالثاً: قياس الثقة

رابعاً: تأثير الثقة في الأمن المجتمعي

خامساً: مظاهر الثقة في الفضاءات العامة

                 مجتمع الثقة

                 تأثير الثقة على الموارد الاقتصادية

                 تأثير الثقة في الفضاء الديني

                 تأثير الثقة في الإعلام ووسائل التواصل

خاتمة


 

 

 

 

  

مقدمة

يعاد مناقشة أخلاقيات الثقة Trust من قبل علماء الاجتماع والاقتصاد في عالم يزداد تعقيداً، وبرزت معه صناعات جديدة للغذاء والدواء والماء والتجارة الإلكترونية التي تعتمد بشكل رئيس على الثقة، مما يتطلب معه إعادة اكتشاف قيم الثقة وأخلاقياتها من أجل أن تتحقق مصالح الجميع.

الثقة منغرسة ضمن منظومة تفاعلية، وتستمد أهميتها من عمقها التاريخي، حيث كانت العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع التقليدي الذي يتسم بالبساطة والتجانس، تقوم أساساً على الثقة، وتنتهي بفقدانها، فقد كانت الثقة هي مفهوم آخر لعادات المجتمع وتقاليده وقيمه الصلبة، ويلتزم بها الأفراد والجماعات إما انسجاماً مع ثقافة المجتمع، وإما خوفاً من النفي الاجتماعي، كما أنها تمثل المادة الأساسية للتماسك الاجتماعي، وقد كان العائد منها على الفرد والمجتمع كبيراً، إذ أنها تقلل من حدة النزاع، وتمنح الإحساس بالرضا، والناس تمنح الشخص الموثوق فيه مكانة اجتماعية رفيعة، وتنظر إليه بوصفه إنسانًا نبيلًا، يغلب مصالح الآخرين والمصالح العامة على مصالحه الخاصة، وترى فيه مستشاراً أميناً على مشكلاتها. ومن هنا كان موضوع الثقة من المفاهيم الحديثة والمهمة في علم الاجتماع، وسوف تحلل هذه الورقة مفهوم الثقة ودوره في تحقيق المكانة الاجتماعية للأفراد والجماعات.

تسعى هذه الورقة إلى لفت الانتباه إلى مفهوم الثقة من منظور اجتماعي، ولماذا تزايد الاهتمام الاجتماعي والاقتصادي بالثقة مؤخراً؟ وتفكيك تجلياتها في المجتمع السعودي، ووصف التعقيدات التي مرت بها في المجتمع خلال جيلين، مع تحليل بعض مظاهر أزمة الثقة في المجتمع، وهي تؤكد على أهمية بث الثقة في المجتمع على مستويات الأفراد والجماعات، إذ إن انتشار الثقة يسهم في تحقيق التجانس الاجتماعي، ويحسن المزاج العام، ويحد من التوتر والقلق الذي أصاب المجتمعات، وصار من سمات العصر الحديث، كما أنه يخفف العبء على مؤسسات الضبط الاجتماعي كالأمن والقضاء والرقابة البلدية والتجارية والصحية والغذائية. ومن زاوية علمية فهي دعوة للباحثين لدراسة الثقة في المجتمع، فهي قابلة للقياس ولاستطلاع الرأي، إذ إن القياس الدوري للثقة واستطلاع الرأي في السلع والخدمات الحكومية والتجارية والخيرية، سوف ينتج تراثًا اجتماعيًا خصبًا، ويحسن من جودة الحياة.

  

أولاً: ما الثقة؟

الثقة هي صورة ذهنية إيجابية، وانطباعات يحملها فرد عن فرد آخر أو عن جماعة أو عن مؤسسة أو حكومة، سواء كانت هذه الصورة الذهنية صحيحة أم خاطئة. ويمكن أن أعرفها بأنها مرادفة للمصداقية. وجوهرها هو مدى أن أثق في الغير ومدى أن أكون مصدر ثقة لديهم. وقد جاء في “معجم التعريفات” للجرجاني أن: “الثقة: هي التي يعتمد عليها في الأقوال والأفعال”[1]، وهذا التعريف الذي أراه دقيقاً يؤكد على أن المسائل المحسوسة وغير الملموسة هي أساس التعاقد بين المتعاقدين كتابة أو شفوياً، كما يحمل بداخله مضامين اجتماعية على الرغم أنه جاء من معجم لغوي، وتكمن أهميته في أنه يرفع مستوى الثقة بضمانة الأفعال والأقوال، وذلك لأن من عادة كثير من الناس، وخاصة من ذوي المكانة الاجتماعية العليا، يتحدثون بما يمليه عليهم الموقف، أو بما يرغب المتلقي في سماعه، بما في ذلك من التزامات ووعود، ولو لم ينفذوا أي شيء منه. وجاء في “معجم مقاييس اللغة” لابن فارس: “وثَّقت الشيء: أحكمته”[2]. فأصل الكلمة في اللغة، كما يبدو من تعريف ابن فارس، أنها تشمل كل قول أو فعل يبعث على الاطمئنان، بضمانة أخلاقية أو بضمانة سلوكية تناسب الموقف.

ومفهوم الثقة في علم الاجتماع متنوع، ومن أبسط تعريفاته، تعريف أنتوني غدنز في كتابه “آثار الحداثة” (1991م) بأنها: “الثقة في مصداقية شخص أو نظام معين”[3]. وهذا يعني وجود الثقة بشبكة معقدة من القيم والأخلاقيات الاقتصادية والاجتماعية وعلى مستويات فردية أو مؤسسية. كما يربط كثير من العلماء بين الثقة ورأس المال الاجتماعي Social Capital، من خلال دورة حياة الثقة، إذ تبدأ بمفهوم رأس المال البشري الذي يقوم على أساس أن رأس المال أمسى يتجسد في المعارف والمهارات التي يمتلكها البشر، وليس في الأراضي والمعامل والأدوات والآلات كما هو الحال في الاقتصاد التقليدي، ويؤكد عالم الاجتماع جيمس كولمان، وهو من المنظرين الأساسيين لرأس المال الاجتماعي، أن جزءاً مهماً من رأس المال الاجتماعي موجود في شبكة العلاقات الاجتماعية ومرتبط بقدرة الناس على التواصل فيما بينهم، وهو عنده أمر حاسم وبالغ الأهمية لكل جانب من جوانب الوجود الاجتماعي، وليس للحياة الاقتصادية فقط، ولذلك تعتمد قدرة الأفراد على التواصل في مدى اشتراكهم في اتفاقهم على القيم والمعايير الأخلاقية ومقدرتها على إخضاع المنافع الشخصية الضيقة للمصالح الجماعية الأشمل، وهذه القيم المشتركة لا تتم إلا بوجود عنصر الثقة[4].

ويرى إميل دوركايم أن المجتمع ينبغي أن يدار عبر السلطة الأخلاقية    Moral Authorityبحيث تصبح فيه مصالح الفرد قادرة على التكامل في المجتمع على أسس الالتزام بالمعايير والقواعد الجمعية، ويتطلب تحقيق ذلك بعض التضحيات المتبادلة من أجل تقييد السلوك الأناني، فالنظام الأخلاقي هو أساس تماسك المجتمع، وهو الذي يجعل العيش المشترك بين الناس ممكناً[5]، ويضيف ويليامون بأن هذا التعاون الجمعي ينبغي عليه أن يشبع الدوافع الأنانية للأفراد، وإلا ستكون ممارساته غير مستقرة[6].

 

ثانياً: مستويات الثقة

أجرى آلان بيرفيت دراسة عن قيم المجتمع الرأسمالي الحديث، وخلص إلى أن أبرز سمة ينبغي أن يتسم بها المجتمع الحديث وأهمها، هي الثقة، ويقصد بها: ثقة المرء بنفسه، وثقته في الآخرين، وثقته في المؤسسات. ولا يمكن الاستغناء عن أي ركن من أركان الثقة الثلاثة، فكل واحد منها شرط ضروري لوجود الآخر، وفي حال الاستغناء عن أي ركن فإن الركنين الآخرين سيتصدعان أو ينهاران. ويمكن وصف الانشغال الحديث بصنع النظام بأنه: جهد متواصل يهدف إلى وضع الأسس التأسيسية للثقة[7].

ثقة الفرد بنفسه وتحقيق المكانة الاجتماعية

يبذل الأفراد جهوداً كبيرة للعناية بالتعليم والتدريب المستمر، والاهتمام بالمظهر الخارجي والنظافة الشخصية، والالتزام بقواعد السلوك وآدابه، وذلك من أجل تطوير تقديم ذواتهم في الحياة اليومية بالشكل الملائم الذي يخولهم أن يكونوا واثقين من أنفسهم، ومن ثم يسهل عليهم مهمة وثوق الآخرين والمؤسسات والشركات بهم.

يحدد ستيفن كوفي سمات الثقة الذاتية بأنها: قدرة الفرد على تحديد الأهداف وإنجازها، والوفاء بالتزاماته، والقدرة على بث الثقة في الآخرين، وأساس هذا كله هو المصداقية[8].

يوجد نمط من “الثقة المخادعة للذات” التي تدعي الثقة من خلال الجرأة والجسارة في الأقوال والأفعال، مما يمنحهم ثقة عالية، ويحققون مكاسب اجتماعية واقتصادية فورية، لكن ثقتهم بأنفسهم مؤقتة فسرعان ما ينكشف هؤلاء ويكون حضورهم باهتاً أمام المواقف التي تتطلب حواراً مطولاً، أو إنجازاً موثقاً.

ثقة الفرد بالآخرين وتحقيق المكانة الاجتماعية

تقوم علاقة الفرد بالآخرين، الذين يمثلون الأهل والقرابة والأصدقاء وزملاء العمل، بل والغرباء، على أسس الثقة، ومن الصعب أن تكون مكتوبة أو موثقة، ويشكك باومان في تحقيق التوازن بين الثقة والرغبة في زيادة العلاقات عبر شبكات التواصل، إذ يقول: “إن حاجتنا ورغبتنا في تكوين روابط راسخة ومحل ثقة في أزمنتنا الحديثة السائلة، أكثر من أية أزمنة أخرى، لا يصدر عنهما إلا مزيد من القلق، فنحن عاجزون عن الحد من شكوكنا، وعن منع إحساسنا بالغدر والخيانة، وعن منع خوفنا من الإحباط، فنبحث، طوعاً أو كرهاً، عن شبكات أوسع من الأصدقاء والصداقات، واقع الأمر أننا نبحث عن شبكة واسعة بما يكفي لضغطها في قائمة اتصالات الهاتف النقال… فإننا نجلب على أنفسنا مزيداً من المخاطر، ونمهد الطريق لمزيد من الخيانات”[9].

يتبع كثير من الأفراد استراتيجيات للتحايل على الثقة من أجل كسب ثقة الآخرين في جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والصحية والأمنية والعلمية، ولكل لاعب في أحد هذه المجالات استراتيجيات لبناء الثقة أو للتحقق منها في الآخرين أو لهدمها في خصومهم. على مستوى الأفراد فقد لوحظ أن كثيرًا من الناس ينتج الثقة في ذاته باستخدام تاريخ أسرته أو الثروة أو المكانة الاجتماعية أو المنصب.

ثقة الفرد بالمؤسسات وتحقيق المكانة الاجتماعية

إذا تحسن مستوى أداء المؤسسات الحكومية والشركات، وزادت الثقة الاجتماعية فيها، فإن ذلك سيحسن المزاج العام والحالة الشعورية المجتمعية، ويمكّن الأفراد من أن ينجزوا مصالحهم وهم في ثقة من عدم تعثرها، وعدم تعرض الفرد للابتزاز، وسيكون في ثقة من الغذاء الذي يشتريه والماء الذي يشربه والدواء الذي يأخذه. ومن ثم تكون الثقة عبارة عن منظومة قيمية إيجابية سائدة بين أفراد المجتمع، فتتحقق مكانة الفرد الاجتماعية من خلال الصورة الذهنية التي ستؤخذ عنه بوصفه منتمياً لمجتمع تسوده الثقة.

تقاس الثقة بأداء مؤسسات الحكومة المعنية بالرقابة على الأسواق وضبط الجودة بالصحة وبالأمن وبالقضاء وبالخدمات العامة. إذ لوحظ في السابق اهتمام مؤسسات الحكومة والشركات والأفراد بالبناءات الشكلية المتمثلة في القوانين والأنظمة واللوائح والتقاضي، وإهمال البناء الروحي لها المتمثل في الثقة التي تعزز الأنظمة، مما يمكن معها اختراقها بالتبريرات والتأويلات. وبالتالي أدى إلى نتائج عكسية غير مباشرة، وكان ثمنها مكلفاً بفقد الثقة في الفضاءات الحكومية. وقد كانت العقود الأربعة الأخيرة تسير بركود وتأجيل حل الأزمات الآنية بإطلاق وعود لا تُنفذ في أداء مؤسسات الحكومة، وانتزاع رضا المواطن بالضخ الإعلامي المضلل، وقد حدثت تحولات تقنية جعلت المواطن قادرًا على إبداء رأيه من خلال تطبيقات التواصل والتي أثبتت فعاليتها وجاذبيتها وتأثيرها بشكل أفقد الثقة في الإعلام الحكومي. كما حدث تحولات في السياسة العليا للدولة بإعلان إرادة التغيير المبني على إنجازات يمكن قياسها بمقاييس حقيقية، ومراجعة شاملة للأنظمة واللوائح وتحديثها بشكل يجعل موادها أكثر وضوحاً، من خلال رؤية 2030، ومعنى ذلك أن الجهود التي تقوم بها مؤسسات الدولة أصبحت تمارس نشاطها وفق رؤية يمكن قياسها، وليس جهودًا ذاتية. ويمكن تقديم أمثلة معاصرة ممكن أن يلحظها الإنسان العادي دون استطلاع رأي، لإيضاح الفرق بين الثقة في الحكومة من خلال إنجازات مؤسساتها التي تسير بجهود فردية أو تسير بالتضليل الإعلامي وبين التي تسير برؤية. فوزارة التجارة كانت ضمن منظومة مؤسسات الحكومة التي رفعت مستوى الثقة لدى المواطن إلى مستويات عليا، من خلال إنجازين هما: تسهيل إصدار السجلات التجارية وموافقات المؤسسات المعنية. والثاني هو: تفعيل نشاط الرقابة على السلع وعلى الأسعار بشكل مثير، وإطلاق تطبيق للبلاغات الفورية، مما أعاد ثقة المواطن في الوزارة وحد من تلاعب بعض الشركات، بل عندما أطلقت الوزارة مبادرة مداهمات المحلات التجارية والمستودعات مصحوبة برفق أمنية وتبثها عبر تطبيق سناب شات أحدثت صدمة شديدة لدى المواطن وجعلته يعيد تاريخ تعاملاته مع المحلات والمطاعم خاصة. وهذا ما يمكن تسميته “اضطراب الثقة”، وهي: فترة وجيزة يفقد فيها المواطن الثقة بالغذاء الذي تم كشف غشه (التجارة) وتتنبه الحكومة إلى مضاعفة الجهد لكسب ثقة المواطن وإبقائها على أعلى مستوى.

المثال الثاني هو ضعف أداء وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، وذلك من خلال إصدار سلسلة قرارات تمس البطالة والسعودة والفواتير المجمعة بشكل بدا منه أن المسؤولين في الوزارة يحملون أجندة تختلف عن أجندة رؤية 2030، إذ بدت القرارات السريعة فيها روح توتر وغير متسقة مع واقع السوق، ولم تتم دراسة آثارها المتوقعة التي تسببت في آثار سلبية على جميع قطاعات الدولة والمجتمع، ومنها ضعف إيرادات الدولة من ضريبة القيمة المضافة كتبعات اقتصادية لقرارات ذات أفق ضيق.

وكذلك ضعف أداء وزارة التعليم وتدني مخرجات الجامعات، وخاصة الجامعات الناشئة، وعدم تحقيق منجزات فيما يخص التعليم العام والاستثمار في الطالب يمكن قياس ثمارها من قبل الشركات التابعة للوزارة أو الحليفة، وما يلحظ من تراجع نجاحات سابقة، لم يتم مواصلة السير فيها. إضافة إلى أداء المرور، الذي اعتمد على شركات التأمين ومباشرة شركة نجم للحوادث، ولم يعن بتطوير الحركة المرورية ودراسة الزحام في الطرق واتخاذ الحلول الرشيدة في ذلك.

يتضح من ذلك أن هذه المؤسسات الحكومية أسهمت في فقدان الثقة بأدائها شعبياً، وتحتاج إلى رفع مستوى أدائها؛ ليتواكب مع تطلعات القيادة ورؤية 2030. 

 

دورة حياة الثقة

للثقة دورة حياة حددها كولمان في نموذج من أربعة عناصر، يتمثل العنصر الأول في وضع الثقة، ويقصد به أن يضع الواثق ثقته في الموثوق فيه، ويكون أمام الأخير أسلوبان للتعامل، فإما أن يحافظ على الثقة ويفي بمتطلباتها الاجتماعية، وإما ينتهك المعايير الاجتماعية المنظمة للثقة. العنصر الثاني يختص بتقييم الواثق، فإما أن يستفيد من الثقة إذا حافظ عليها الموثوق فيه، وإما أن يندم على وضع ثقته في شخص غير أهل للثقة. والعنصر الثالث: أن الواثق يضع باختياره وإرادته الموارد التي يمتلكها لدى الموثوق فيه دون ضمانات استرداد. والعنصر الرابع: هناك تباطؤ زمني بين وضع الثقة وفعل الموثوق فيه[10].

يرصد عالم الاجتماع التونسي المنصف ونَّاس في كتابه “الشخصية التونسية” ظاهرة تفكك الثقة بين الفرد التونسي والمؤسسات، مما أنتج ظاهرة انتشار الشلليلات من داخل مؤسسات التي تتبادل المنافع الخاصة فيما بينها، وتسعى للهيمنة على الموارد المادية والاجتماعية والرمزية، ومن ثم تسود قيم الواسطة والمحسوبية، وتنتشر ظاهرة اعتماد الشتيمة في مواجهة الخصم بدل المحاورة، وتفضيل أسلوب الالتفاف على المشاكل بطرق غير قانونية[11]، وتتسع الدائرة لتنشأ نتيجة لهذه الممارسات “الشخصية الزبونية”، وهي التي: تمنح الولاء للأشخاص المتنفذين، مهما كانت هويتهم، مقابل الغنيمة من صلاحياتهم[12]. والنتائج التي توصل إليها المنصف وناس عن الشخصية التونسية، يمكن أن يلحظها الشخص العادي في أي دولة تعاني من أزمة ثقة بين الأفراد ومؤسسات الدولة، ولكنها تؤكد على أن فقدان الثقة في المؤسسات يولد ما يسمى “الدوائر الجهنمية” المتمثلة في انتشار الفساد واحتكار المكانة الاجتماعية في فئة الفاسدين الذين تتعزز مكانتهم باستمرار زعزعة الثقة في المجتمع والمؤسسات العامة.

وبرصد الحالة السعودية لاحظ كثير من أفراد المجتمع العلاقة بين ارتفاع الثقة في المجتمع ومؤسسات الدولة بعدما قامت الدولة بحملة قبض واسعة على متنفذين لم يكتفوا بالسطو على المال العام، وإنما دعموا فاسدين صغارًا، وأبعدوا المخلصين والجادين؛ لأنهم عقبة في منظومة الفساد.

ثالثاً: قياس الثقة

تمتاز الثقة بأنها قابلة للقياس على جميع مستوياتها، وهي من المظاهر التي يستطيع أن يشعر بها الإنسان العادي، ولكن تكمن أهمية قياسها في رصد كمية القيم المرتبطة بها، وبنتائجها، وباتجاهاتها، وبوسائلها.

يجري المنتدى الاقتصادي العالمي دراسات سنوية لقياس ثقة الناس في الحكومات والمؤسسات والشركات العالمية والشركات المحلية الكبيرة، وكان يأتي في مقدمة من يحوز على ثقة الناس سنوياً منذ بدأ المسح “المؤسسات غير الحكومية”، وتحديداً: المؤسسات الخاصة الوطنية والدولية غير الهادفة للربح، والتي تعالج القضايا الاجتماعية مثل: الصحة وحقوق الإنسان والفقر والبيئة[13].

يعد مقياس إدلمان Edelman من أهم وأشهر المقاييس المعنية بقياس الثقة في الحكومات، إذ يقوم برصد ثقة المواطنين في المؤسسات من خلال أربعة مجالات هي: الحكومة، والمنظمات غير الحكومية، والأعمال، والإعلام. بحيث يسأل المواطنين عن مدى ثقتهم في كل مؤسسة عن طريق تقييمها من 1- 9، ورقم واحد يعني لا أثق أبداً، ورقم تسعة يعني الثقة الكاملة. ويحسب المقياس متوسط الثقة في المجالات الأربعة، ويقسم الدول من 1- 100، والدول التي تقع في المستوى من 60- 100 فهي تتمتع بثقة مواطنيها، والمستوى من 50- 59 يعد ثقة محايدة، والمستوى من 1- 49 يعد ثقة منخفضة. وقد بدأ إصدار مقياس إدلمان عام 2001م، ووصل عدد الدول التي نفذ فيها المقياس في دورة 2018م إلى 28 دولة، كانت الإمارات هي الدولة العربية الوحيدة من بينها[14].

 

 رابعاً: تأثير الثقة في الأمن المجتمعي

يحذر الخبراء ومؤسسات المجتمع المدني في العالم باستمرار من خطر مياه الشرب والأغذية والمشروبات الغازية والمنتجات الكهربائية والاستهلاكية بسبب دخول مواد خطرة أو مسرطنة عليها، مما بث الرعب المستمر وفقدان الثقة في الحياة من حولنا، وصار من المحتم تفعيل دور المؤسسات الرقابية الحكومية لأقصى درجات الضبط من أجل استعادة الثقة للمجتمع. وقد اهتم علماء الاجتماع المعاصرين بالتحولات العالمية ومظاهر العولمة وتأثيرها على زعزعة الثقة في حياة الناس، وحظيت هذه القضية باهتمام كبير، إذ سميت “عالم الفوضى”، وسماها عالم الاجتماع الألماني أولريخ بك “مجتمع المخاطر”، وسماها عالم الاجتماع البريطاني أنتوني غدنز “عالم منفلت”، كما أضاف ضرورة توفر عنصر الثقة لنظرية مجتمع المخاطر، وقال: “إننا نعيش اليوم في عالم منفلت يحفّ به المخاطر التي تحدث عنها أولريخ بك، غير أن علينا أن نضيف مفهوم “الثقة” إلى جانب المخاطر، وهي الآمال التي نعقدها على الأفراد والمؤسسات في مجتمعاتنا الحديثة، وقد أخذ عنصر الثقة هذا بالاندثار مع جملة التحولات المتسارعة في مجتمعاتنا المحلية، وتزايد مظاهر العولمة في حياتنا المعاصرة. وتعني الثقة أن نعقد الأمل على أنساق مجردة لا نعرفها معرفة وثيقة، ولكنها تؤثر تأثيراً مباشراً في حياتنا، مثل: المصانع التي تنتج غذاءنا، والأجهزة التي تقوم بتنقية المياه التي نشربها، أو البنوك التي نودع فيها أموالنا، وحيث أن الثقة والمخاطر ترتبطان ارتباطاً وثيقاً، فإن علينا أن نكنّ الثقة بمنظومة واسعة من الهيئات التي تؤثر في حياتنا لنستطيع مواجهة ما يمكن أن نصادفه من مخاطر”[15].

إن مجتمع المخاطر الذي يتحدث عنه علماء الاجتماع، جعله زيجمونت باومان من الحداثة السائلة، وأشار إلى ورقة بحثية أعدها بيير بورديو بعنوان “فقدان الاستقرار في كل مكان هذه الأيام”، وقال: “هذا العنوان يلخص كل شيء: فقدان الاستقرار، والضعف والهوان هي أبرز سمات الحياة المعاصرة وأشدها عذاباً، فالمنظرون الفرنسيون يتحدثون عن “فقدان الاستقرار”، والألمان عن “عدم الأمان” و”مجتمع المخاطر”، والإيطاليون عن “اللا يقين”، والإنجليز عن “انعدام الأمن”[16].

إن الدولة تعد ضامنة للثقة فيما يخص كل شيء يمس أمن المجتمع، من الرقابة على منتجات الشركات الغذائية والاستهلاكية، والرقابة على المواصفات والمقاييس، سواء المصنعة محلياً أو المستوردة، التي يصعب على الأفراد العاديين تمييزها، ولا يمكن التأكد من أداء الثقة في مؤسسات الدولة إلا من خلال القياس الدوري لرضا الأفراد.

 

خامساً: مظاهر الثقة في الفضاءات العامة

سوف يعتمد تحليل مظاهر الثقة في الفضاءات العامة على الملاحظة، وسوف يكون التحليل على مستوى علم الاجتماع المصغر أو الفردي (ميكروسوسيولوجي)، ولم أتعرض لتحليل البناءات (ماكروسوسيولوجي) إلا بحدود ضيقة. وسوف تحلل هذه الورقة استراتيجيات الأفراد في التعامل مع الثقة، وذلك في أربعة مجالات، هي: الثقة في التعليم، والثقة في الاقتصاد، والثقة في الفضاء الديني، والثقة في الإعلام. والرابط المشترك بين هذه المجالات هو أثر الانبهار Halo Effect الذي يتركه لدى المتلقين، وأثر الانبهار، هو مصطلح اجتماعي يقصد به الانطباع الذي يتكون لدى الأفراد العاديين في الأشخاص المتميزين، فمثلاً يرون أن كل متخصص في الاقتصادي فهو عالم بأحوال السوق الاقتصادي والأسهم والعقار، وكل رجل دين صادق يخاف الله تعالى، وكل معلم مربي مخلص، ولا يفترضون أي نقص في هؤلاء، ولا يتوقعون أي دخيل على مجالهم، وذلك كما يلي:

مجتمع الثقة

من سمات المجتمع السعودي قبل النفط، وهي السمات العامة للمجتمع التقليدي، أنه بسيط ومتجانس، والأفكار والعادات المتداولة فيه محدودة، وأنه مجتمع قادر على الضبط الاجتماعي من خلال فرض العادات والتقاليد والقيم، وغالباً يعرف أفراد المجتمع بعضهم بسبب القرابة والجيرة. وقد كان المجتمع السعودي يحمل هذه السمات بطبيعة الحال، لذلك كانت الثقة في الأجيال السابقة تشكل جوهر الحياة اليومية، وأساس التعاملات الاجتماعية والاقتصادية والدينية، فقد كانت الكلمة التي يتكلم بها الإنسان وثيقة وعقد ملزم، بوصفها اتفاق شفوي، ومن يخل بها فهو معرض للضغط عليه من الوجهاء والأقارب لتصحيح الخطأ، أو معرض لفقدان سمعته التي يعيش المرء طيلة حياته من أجل الحفاظ عليها.

دخل المجتمع في السنوات الأخيرة في “أزمة ثقة” على مستوى الأفراد والآخرين والمؤسسات، وهذه ملاحظة على مستوى العالم، ولا تحتاج إلى استطلاع رأي ليثبتها، وهي فيما يبدو مدعومة من الفاسدين الذين تكبلهم ثقافة المجتمعات المحافظة وقيمه وأخلاقياته، لذلك نتج شعور لدى الفاسدين بأن امتلاكهم للثروة أو المناصب الكبيرة، واحترامهم لثقافة المجتمع في الفضاءات العامة، مع تقديم خدمات اجتماعية وتبرعات خيرية، أساليب كافية لمنحهم ثقة مزيفة، مقابل أن يمنحهم المجتمع: التغاضي عن فسادهم، والثناء عليهم، من أجل ما يتوقعه كثير من أفراد المجتمع من مكاسب منهم. ومن هنا تكونت أزمة الثقة في المجتمع.

في المقابل، يوجد فئة مهمة من النخب الاجتماعية والاقتصادية لديها نظام أخلاقي داخلي وضمير ملتزم بمنظومة القيم النبيلة، وهذه الفئة في رأيي، تعد أعظم من فئة النخب في الأجيال السابقة، وذلك لأن الأجيال السابقة كانت تتعامل بالثقة بوصفها مصفوفة أخلاقية تسود التعامل بينهم، ومن النادر أن تتعرض الثقة بينهم للزعزعة؛ لأن الثمن سيكون مكلفاً، وهو سقوط سمعة الفرد وعدم التعامل معه، أما الآن فإن النخب الملتزمة فهي تصارع من أجل التزامها الأخلاقي في بيئة تسهِّل من مجالات الفساد وتبرره، وتعادي من يحاربه أو يتجنبه، وهم غالبًا من هذه الفئة.

 

تأثير الثقة على الموارد الاقتصادية

سألت مجموعة من رجال الأعمال كل على حدة: من الشخص الموثوق عندكم؟ وتباينت الإجابات، ولكنهم اتفقوا على أن الشخص الموثوق هو من يحفظ أسرار العمل، ومن يفي بالتزاماته، ومن يكون حاضراً إذا احتاجوا إليه أثناء العمل، ومن يتحدث وفق إمكانياته المتاحة، وليس لديه مبالغة مفرطة في وصف الواقع. وقد كتب فرانسيس فوكوياما كتاب “الثقة: الفضائل الاجتماعية ودورها في خلق الرخاء الاقتصادي”، إذ بات من المؤكد أن سمعة الدول ومؤسساتها والشركات تكمن في ثقة المواطن أو المستهلك في منتجها أو خدماتها، وقد برز مؤخراً سوق اقتصادية جديدة تعتمد على “الثقة أونلاين”، وتتمثل في التجارة الإلكترونية والبيع عبر القارات بضمانة الثقة في المستهلك، كما هو الحال مع مبيعات شركة أمازون التي اعتمدت على نظام أخلاقي مبني على الثقة في الجودة والشفافية وإتاحة فرصة إبداء الرأي والتساهل في نظام الاسترداد. فالثقة عنصر رئيس في إنجاح العقود، يقول إميل دوركايم: “ليس كل شيء في العقد يخضع للتعاقد”[17].

ويعد الاقتصاد من أهم المؤسسات التي تتطلب الثقة في جميع مراحلها وعلى كافة مستوياتها، وقوة عملات الدول أو انهيارها غالباً ما تكون مرتبطة بالثقة في اقتصاد الدولة وأداء مؤسساتها المالية.

من الملاحظ في سياسات الشركات والبنوك التي تقدم قروضًا للأفراد، أنها تتبع إجراءات تعتمد على أخذ الضمانات، مثل: الرهن العقاري واقتطاع جزء من الراتب الوظيفي، بعدما كانت تكتفي بأخذ التعهدات والكفالة، وذلك لفقدانها الثقة في قدرة الأفراد على الالتزام بالعقود، وفقدانها الثقة في فعالية الأنظمة وإجراءات التقاضي، وفي المقابل تتجه كثير من شركات الخدمات المتعثرة، مثل شركات التأمين، إلى التنقيب في مواد الاتفاقيات للبحث عن مخرج يعفيها من الالتزام القانوني، حتى لو كان فيها عدم التزام أخلاقي.

وكثير من رجال الأعمال الراسخين في التجارة يصنفون الثقة بوصفها جزءًا رئيسًا من سمعتهم وهويتهم، وهي رأس مالهم الرمزي الذي يستثمرون فيه، ويحققون من خلاله أرباحاً اقتصادية واجتماعية وإنسانية ودينية. في حين ظهر جيل من رجال الأعمال من المضاربين بالثقة، الذين يعيشون على تبرير ممارساتهم الخاطئة مستعينين بوسائل إعلام متنوعة، من أبرزها استغلال بعض المحللين الاقتصاديين لخدمة مصالح رجال الأعمال.

وقد وجدت الشركات والمؤسسات منصة جديدة للدعايات وترويج الأجندات من خلال ظاهرة يمكن أن أسميها “باعة الثقة”، ويقصد بهم في هذه الورقة: بعض الكتّاب والمحللين الاقتصاديين الذين تستعين بهم القنوات الفضائية بشكل مستمر للتعليق على الأحداث الاقتصادية اليومية، ويتوقع المشاهد العادي وجود عنصر ثقة في المحللين من خلال تخصصهم وقوة التأثير الإعلامي. ولكن لوحظ بروز مجموعة محللين يمتلكون مهارة في الظهور التلفزيوني والإبهار في استخدام مصطلحات اقتصادية والتأكيد التام على ما يتحدثون عنه، وليس بالضرورة بما يؤمنون به، مما أكسبهم ثقة الجماهير ومن ثم ازدياد أعداد متابعيهم. ومن هنا لاحظ كثير من رجال الأعمال والشركات قوة تأثير هؤلاء المحللين الاقتصاديين على توجيه الجماهير وتغيير الرأي العام، فصاروا يشترون منهم تبني آراء معينة لبثها على الرأي العام من منظور اقتصادي، بحيث يبدو كأنه رأي علمي متخصص محايد. وتكمن خطورتهم في قدرتهم على زعزعة الثقة في شركات ومؤسسات حكومية ذات أداء جيد وموثوق، وتسطيح الناس العاديين، وبث وعي مزيف يحتكر ادعاء معرفة الحقيقة في أوساط النخب الاقتصادية من الخبراء والأثرياء.

من أبرز الأحداث التي برز فيها بعض المحللين المضللين للرأي العام، أزمة سوق الأسهم 2006م[18]، وأزمة العقار 2016م[19]. وهذا يؤكد على أننا أمام ظاهرة “وعاظ الاقتصاد” الذين يلحون بالترغيب والترهيب من النتائج الاقتصادية على أموال الناس، من أجل الوصول إلى مكتسبات شخصية. ويقع الدور على الاقتصاديين المحايدين في حماية تخصصهم من هؤلاء من خلال بث الوعي ونزع الثقة من المنحازين. ويفترض في الجهات ذات العلاقة أن تتدخل بمقاضاة من يتسبب في إيهام الجماهير بخلاف الحقيقة لمصلحة شخصية.

 

تأثير الثقة في الفضاء الديني

يعد الفضاء الديني من أسرع الفضاءات منحاً للثقة وأقواها تحصيناً من النقد، وذلك لأن الإسلام أهم مصادر بث الثقة، وبسبب هيبة الدين في قلوب الناس، وعدم تجرؤ أحد للخوض فيه، وكانت الثقة في رجل الدين والقاضي والمفتي والواعظ والمتدين والزاهد من القيم الصلبة في المجتمع، وهذه سمة الأديان جميعاً؛ وذلك لأن هؤلاء قد كانوا أهلاً للثقة، إذ لا يجرؤ أحد على تسليع الدين، كما لا يجرؤ الناس على التشكيك في نوايا هؤلاء، وكان خطاب الفضاءات الدينية في السابق تميل إلى التوجس من الانفتاح على قيم الحداثة، وأكثر شكوكاً في الحياة، ومع ذلك كان يحظى بثقة عالية مكنته من الهيمنة الفكرية. ولكن في السنوات الأخيرة انخفضت الثقة في الخطاب الديني عموماً مع أنه أخذ يميل إلى تقبل الحياة والتسامح في كثير من القيم التي كانت محرمة، والسبب فيما يبدو هو عولمة وسائل الاتصال والتواصل؛ مما أتاح المجال للشخص العادي للمقارنة بين الفتاوى. كما أن دخول المال بيد العلماء والدعاة تصادم مع الصورة الذهنية المتخيلة عبر التاريخ والمرتبطة بين العلم الشرعي والزهد، بينما نجد الثقة العالية في العلماء الذين توفوا وهم غير أثرياء على الرغم من إمكانية ذلك، فقد كان رأسمالهم رمزيًا يتمثل في الزهد، مثل الشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ محمد الصالح العثيمين، والشيخ عبدالله بن جبرين. ويبدو أن السبب في هذا التباين يرجع إلى التوافق بين الزهد والحالة المادية لدى العلماء الموثوق فيهم، وعدم التوافق بين خطاب الوعظ وحياة الترف التي يعيشها الوعاظ.

كان زي الشهرة للمتدين والمتمثل في: حف الشارب وإعفاء اللحية والثوب القصير وعدم لبس العقال، تمثل رمزية كبرى للتدين الشكلاني، حيث تكثف المعنى حولها بشكل جعل منها علامة فارقة للمتدين وغير المتدين أكثر من أي شكل آخر للتدين، حتى صار شكل الشخص الملتحي وقصير الثوب يعني في المجتمع الثقة والعلم الشرعي والتورع عن الحرام ورد المظالم إلى أهلها. وقد منحهم هذا احتكار وظائف مهمة مثل: القضاء وكتابة العدل والإرشاد الأسري والجمعيات الخيرية… ولكن في السنوات الأخيرة ازدادت ظاهرة دخول المحتالين في الفضاء الديني باستخدام الدعوة والوعظ أو الفتوى أو حتى الالتزام الشكلاني لتولي مناصب مغلقة كالقضاء وكتابة العدل وإمامة المسجد وخطب الجمعة.

وبرزت أيضاً ظاهرة الالتزام الديني الشكلاني من أجل ضمانة الاستثمار العقاري والاقتصادي. وقد شهد المجتمع أكبر عمليات التعرض للنصب والاحتيال في سلسلة من المساهمات العقارية والتجارية التي انتشرت عام 2006م وما بعد، وكان أهم عوامل التسويق هو ارتباط المساهمات بأشخاص من ذوي التدين الشكلاني، مما أكسبهم الثقة المفرطة وسهل جمع مليارات الريالات في مدد وجيزة، ثم ما لبثوا حتى انفجرت بالونة الفقاعات ودخل المجتمع في شكاوى استمر بعضها أكثر من عشر سنوات.

مع استحضار مقولة عمر بن الخطاب: “من خدعنا لله انخدعنا له”، إلا أن هذه الظاهرة كانت مهيمنة على المجتمع السعودي، وقد نتفهم أنها جاءت في زمن المجتمع في مرحلته التقليدية والتجانس فيه عالٍ، ولكنها بدأت تندثر مع تعقد الحياة وتدفق الأفكار بدخول تطبيقات التواصل، إلا أنها تؤكد على أن المجتمع لا يستفيد كثيراً من خبراته، ولا يراكم معرفته اليومية، لذلك تتكرر عليه وسائل المخادعة، ويتقبلها بحسن ظن.

 

تأثير الثقة في الإعلام ووسائل التواصل

مجالات التأثير الإعلامي لمنح الثقة أو نزعها كثيرة وقديمة، ويلحظ أن كل دولة ينتشر فيها تطبيق تواصل أكثر من غيره، وأهم تطبيقات حققت الانتشار والتأثير في المجتمع السعودي هي: تويتر وانستغرام وسناب شات، وسوف يقتصر التحليل على سناب شات، وذلك لسرعة انتشاره وقوة تأثيره وتغلغله في أكثر الفئات الاجتماعية، ومن ثم فهو الأكثر منحاً للثقة، ونظراً لكثرة بروز المشاهير من طبقات مختلفة، وأكثرها طبقات اجتماعية هشة، إذ برزوا من خلال بث اليوميات للإضحاك، أو تصوير حياتهم اليومية على الهواء مباشرة، وهذا أهم عوامل جذب المشاهدات؛ لأنها تكتسب عفوية عالية، ثم سرعان ما امتلكوا ملايين المشاهدات ومئات الآلاف من المتابعين، إضافة إلى استخدام المشاهير أساساً من الرياضيين والفنانين والوعاظ. مما حوَّلهم إلى ترسانة تأثير قوية ونافذة لجماهير لم تصل إليها القنوات الفضائية، باستخدام الإعلام باستخدام السلع والخدمات وتقديم النصح من تجربة لرفع درجة الثقة، وصاروا مجال جذب للشركات المعلنة وللجمعيات ولمؤسسات الحكومة للتعريف ببرامجهم، بوصفهم منصات تأثير موثوقة، مما حدا بكثير من هؤلاء أن يجعل من نفسه ناشط اجتماعي أو مصلح للرأي العام، بسبب الشهرة والموثوقية التي نالها، وليس بسبب التأهيل العلمي والخبرات العملية والتأسيس المهني، وهي سمات منهجية لا يمتلكها كثير منهم. ومن هنا تنشأ الثقة المضللة.

تكمن أهمية جاذبية مشاهير سناب شات لدى المعلنين والمروجين للحملات التوعوية، بل والمؤسسات الحكومية، في أن هؤلاء المشاهير الأسهل انقياداً، لجهلهم بالأجندات ولعدم وجود مبادئ ثقافية أو فكرية لديهم، وأنهم أكثر تأثيراً والأسرع نفاذاً لفئات اجتماعية هامشية ومهمشة لا يصل إلى إعلان القنوات الفضائية. وبرز مؤخراً ظاهرة مشاهير سناب شات وفاشنستا من “باعة الثقة” المعلنين لأغذية ومشروبات وأدوات زينة مدعين بأنها صحية أو منتجات طبيعية مضمونة ومجربة، مما زاد من أسعارها بسبب شهرتها لا جودتها، وقد سبق أن نشر إعلان بأن نوعًا من المياه المعدنية يحتوي على مادة تشفي من السرطان، وتبين لاحقًا عدم صحة ذلك، وتم الحكم على من شارك بالإعلان عنها بغرامات مالية.

مجتمع الرداءة لا يبني الثقة: استشعرت مؤسسات الدولة الرقابية والمعنية بالضبط الاجتماعي خطورة مجتمع الرداءة، وهم مشاهير التافهين الذين يروجون لكل من يدفع لهم بأنه موثوق، وليس لديهم الحد الأدنى من التحقق، ولا من الشعور بالذنب من تضليل من يثقون فيهم، ولا يمتلكون خبرات كافية لأخلاقيات الإعلان، وبدأت تنفذ عمليات ضبط اجتماعي وملاحقة.

  

خاتمة

تعد الثقة في عالم سريع التغير وشديد التعقيد من أهم أدوات التواصل الاجتماعي، وأداة فعالة لبعث التطمينات بالشفافية. ومن المهم أن تبقى الثقة صلبة من خلال ارتباطها بمنظومة أخلاقية، ومنع ربطها بمعايير مادية بحتة. والواقع المعولم يؤكد على أن الحداثة وعصر التقنية والتواصل المفتوح، ومن ثم زيادة الشعور بالفردانية وتفكيك روابط الأسرة والجماعة، قد أضعف أدوار الدولة والمجتمع والجماعة والأسرة في دعم المنظومة الأخلاقية للثقة، مما زاد من حدة أنانية الفرد، وتوجيه أفعاله بناء على مصالحه الخاصة حتى ولو ألحق الضرر بالمصالح العامة، ولم تعد ثقة المجتمع فيه من ضمن حساباته التي يراعيها. إذ كانت الثقة مرتبطة بالسمعة والمكانة الاجتماعية، وكانت الأسرة والجماعة والقبيلة تمارس ضغوطها على الفرد لمنعه من القيام بأي فعل ممكن أن يضر سمعتهم أو يفقد الثقة فيهم، بوصفه محسوباً عليهم، بل إن جماعة الإجرام والانحراف لديها نظام أخلاقي وقوة ضغط تمنع أحد أفرادها من ممارسة أفعال تخل بتماسكها، كما أنها تعيش على السمعة المبنية على الثقة.

 

 

 


المصادر والمراجع

علي بن محمد الجرجاني، معجم التعريفات، تحقيق محمد صديق المنشاوي، القاهرة: دار الفضيلة.

أحمد بن فارس بن زكريا، أبو الحسين، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبدالسلام هارون، بيروت: دار الفكر، 1399هـ/ 1979م.

أنتوني غدنز، علم الاجتماع، ترجمة فايز الصيّاغ، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ط ١، 2005م.

جون سكوت وجوردون مارشال. موسوعة علم الاجتماع، ترجمة محمد الجوهري وآخرون، القاهرة: المركز القومي للترجمة، ط٢، 2011م.

خالد كاظم أبو دوح، رأس المال الاجتماعي، القاهرة: إيتراك للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1، 2014م.

رانيا علاء الدين فتحي السباعي، اتجاهات قياس الثقة: جدل المؤشرات والمقاييس، مجلة الديمقراطية (وكالة الأهرام)، مصر، مجلد 18 عدد 71، يوليو 2018م.

ستيفن كوفي، سرعة الثقة: الشيء الوحيد الذي يغير كل شيء، الرياض: مكتبة جرير، ط 1، 2014م.

فرنسيس فوكوياما، الثقة: الفضائل الاجتماعية ودورها في خلق الرخاء الاقتصادي، ترجمة معين الإمام ومجاب الإمام، قطر: منتدى العلاقات العربية الدولية، ط 1، 2015م.

المنصف وناس، الشخصية التونسية: محاولة في فهم الشخصية العربية، تونس: الدار المتوسطية للنشر، 2011م.

[1] علي بن محمد الجرجاني، معجم التعريفات، تحقيق محمد صديق المنشاوي، القاهرة: دار الفضيلة، ص 64

[2] أحمد بن فارس بن زكريا، أبو الحسين، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبدالسلام هارون، بيروت: دار الفكر، 1399هـ/ 1979م، ج 6 ص 85

[3] جون سكوت وجوردون مارشال. موسوعة علم الاجتماع، ترجمة محمد الجوهري وآخرون، القاهرة: المركز القومي للترجمة، ط٢، 2011م، ج 1 ص 551

[4] فرنسيس فوكوياما، الثقة: الفضائل الاجتماعية ودورها في خلق الرخاء الاقتصادي، ترجمة معين الإمام ومجاب الإمام، قطر: منتدى العلاقات العربية الدولية، ط 1، 2015م، ص 31

[5] خالد كاظم أبو دوح، رأس المال الاجتماعي، القاهرة: إيتراك للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1، 2014، ص 194

[6] خالد أبو دوح، رأس المال الاجتماعي، مرجع سابق، ص 195

[7] زيجمونت باومان، ص 236

[8] ستيفن كوفي، سرعة الثقة: الشيء الوحيد الذي يغير كل شيء، الرياض: مكتبة جرير، ط 1، 2014، ص 42

[9] زيجمونت باومان، الخوف السائل، ترجمة حجاج أبو جبر، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط 1، 2017، ص 103

[10] خالد أبو دوح، رأس المال الاجتماعي، مرجع سابق، ص 198

[11] المنصف وناس، الشخصية التونسية: محاولة في فهم الشخصية العربية، تونس: الدار المتوسطية للنشر، 2011، ص 105

[12] المنصف وناس، الشخصية التونسية، مرجع سابق، ص 127

[13] ستيفن كوفي، سرعة الثقة، مرجع سابق، ص 90

[14] رانيا علاء الدين فتحي السباعي، اتجاهات قياس الثقة: جدل المؤشرات والمقاييس، مجلة الديمقراطية (وكالة الأهرام) مصر، مجلد 18 عدد 71، يوليو 2018، ص 82

[15] أنتوني غدنز، علم الاجتماع، ترجمة فايز الصيّاغ، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ط ١، 2005م، ص 730، 731

[16] زيجمونت باومان، الحداثة السائلة، ص 231

[17] جون سكوت وجوردون مارشال. موسوعة علم الاجتماع، مرجع سابق، ج 1 ص 551

[18]

[19]

error: المحتوى محمي