التناظر الفائق للطبيعة .. دين الفيزيائيين الغير معلن – يوسف البناي

التناظر الفائق للطبيعة .. دين الفيزيائيين الغير معلن – يوسف البناي


    التناظر Symmetry هو دين الفيزيائيين الغير معلن. اذا كنت تفكر بوضع نظرية في فيزياء الجسيمات أو علم الكونيات، فربما سيكون أول سؤال يتم طرحه عليك من قبل المنظرين هو؛ هل نظريتك متناظرة أم مرتدة؟ فكرة التناظر بسيطة الفهم، تخيل بأنه لدي كرة تنس لونها بالكامل أصفر ومستديرة بشكل مثالي بدون تعرجات. الآن اغمض عينيك، وسأقوم أنا بلف الكرة ٣٦٠ درجة، اذا فتحت عينيك لن تعرف اذا ما لففت أنا الكرة أم لا. التناظر في كرة التنس ليس فقط ب ٣٦٠ درجة، فبأي شكل ألف الكرة، لن تعرف أنت أنني قمت بلفها أم لا. لذلك نقول، الكرة متناظرة حول نفسها تماما. لكن هذا الشيئ لا يحدث مع آيفون مثلا، فلو لففته ستعرف أنت مباشرة أنه استدار، لأن الآيفون غير متناظر مثل كرة التنس. في الفيزياء نعبر عن هذا التناظر بلغة الرياضيات، وتحديدا بما يسمى “نظرية المجموعة group theory” وهي ليست لغة سهلة أبدا.

    التناظر الفائق Supersymmetry في الفيزياء يعني أن معادلات الطاقه = معادلات المادة. أي معاملة المادة بنفس معاملة الطاقة. دعنا نصعد خطوة خطوة. ان أصغر وحدات المادة والتي لا يمكن أن تتجزأ الى ما هو أصغر منها توصف بما يسمى النموذج المعياري للجسيمات. لدينا ٦ لبتونات، ٦ كواركات، ٤ جسيمات للقوى “وهذه ليست مادة بل قوى” أشهرها الفوتونات أو الضوء الذي يصيب عينيك الآن. هناك أربع قوى في الطبيعة ( الجاذبية، الكهرومغناطيسيه، النوويه القوية، النووية الضعيفة) كل واحد من هذه القوى يقابله جسيم قياسي (غرافيتون، فوتون، غلون، جسيمات W) على التوالي. اذا هذه الجسيمات ( ٦ لبتونات Leptons، ٦ كواركات Quarks ، ٤ جسيمات حوامل قوى Forces، بالاضافه لجسيم هيغز Higgs boson المسؤول عن  اعطاء هذه الجسيمات كتلها) تشكل كل ما تراه في هذه الدنيا من أصدقاء وأعداء وأحباب، و وجبات سريعه… الى المجرات والنجوم والكواكب وكل ما يخطر في ذهنك. الشكل التالي يوضحها لك:

الآن التناظر الفائق يقول لك بأن هذه العائلة من الجسيمات لهم أبناء عم!! كل جسيم في الصورة السابقة له نظير فائق، نظير الالكترون الفائق يسمى الكترونيو، للفوتون نظير فائق يسمى فوتونيو، هيغزينيو…الخ (الشكل أدناه). لكن لماذا يفترض الفيزيائيون هذا التناظر الفائق؟ من أين ظهر أبناء العم هؤلاء ليشاركوننا في حلالنا؟ السبب هو التناظر “دين الفيزيائين غير المعلن”. فكما قلت أعلاه التناظر الفائق يعني معاملة المادة والطاقة على مستوى واحد. اذا كانت الطبيعه فعلا تمتلك خاصية التناظر تلك، فيمكننا فك شفرات الطبيعة الواحدة بعد الآخرى.

كما قلت في الفقرة الأولى، التناظر هو أنك اذا غيرت أو أدرت شيئ ما، فإن الناتج النهائي يكون كما هو بدون أي تغيير. دعنا نطبق هذا على مثال بسيط جدا: 3+4=7، الآن اذا بادلنا 3  و 4 سنحصل على نفس الناتج  7، أي 4+3=7. اذا هنا لدينا تناظر حول تبديل عناصر عملية الجمع. في فيزياء الجسيمات يتم التعامل مع معادلات معقدة جدا، لكنها بالنهاية متناظرة. دعنا نكتب المعادلة التي تعبر عن المادة والطاقة في فيزياء الجسيمات ب”الكلمات طبعا، وإلا ستكرهني مع هذه المقاله”:

المعادلة = الطاقة + المادة

للأسف الشديد، اذا استخدمنا النموذةج المعياري لفيزياء الجسيمات، فان هذه المعادلة غير متناظرة. أي أن:

المعادلة = المادة + الطاقة

لا تتوافق مع المعادلة الأولى. أي “الطاقة + المادة” لا تساوي “المادة + الطاقة” وكأن 3+4 لا يساوي 4+3!! ما العمل اذا؟ حتى تحصل على تناظر في معادلة “المادة + الطاقة” عليك أن تضيف لنا جسيمات “مادة اضافية” و حوامل قوى “قوى اضافية” لتحصل على التناظر المنشود! هذه المادة والطاقة الاضافيتين هم أبناء العم في الصورة السابقة الذين يريدون مشاركتنا في حلالنا! لكن مشاركتهم شريفه، فالهدف منهم جعل معادلات المادة و الطاقة متناظرة تماما. الآن مع المادة والطاقة الجديدتين يكون لدينا:

        المعادلة = الطاقة + المادة + مادة اضافية + طاقة اضافية = المادة + الطاقة  + مادة اضافية + طاقة اضافية

غير في الترتيب كيفما شئت، الناتج النهائي متساوي مهما تلاعبت بالمعادلة. اذن حصلنا على التناظر المنشود. ولك الحق لأن تسأل لماذا كل هذا الحرص على جعل المعادلة متناظرة؟ ليس هناك سبب لجعل الطبيعه متناظرة؟ فلتكن بدون تناظر. واقول لك؛ معك حق تماما. لكن هذا التعديل “أي جعل المعادلات متناظرة” يحل عدة مشاكل لا يستطيع النموذة المعياري حلها. أبرزها:

١- لماذا يمتلك بوزون هيغز هذه الكتلة بالتحديد؟

٢- توحيد قوى الطبيعه الأربع بدون التناظر الفائق يبدوا عشوائيا.

٣- قد تكون جسيمات التناظر الفائق “أبناء العم” هي الجسيمات التي تشكل المادة المظلمة (انظر مقالنا في المادة المظلمة في نفس المدونه).

٤- لماذا قوة الجاذبية ضعيفة بالمقارنه مع القوى الأخرى؟

   من المهم أن نذكر هنا أن التناظر الفائق ليس نظرية بل مبدأ. لكن هل يجعل كل هذا الجمال النظري من التناظر الفائق حقيقة؟ الجواب لا. الجمال في صالونات النساء وليس في الفيزياء. ان لم توافق النظرية التجربة فغير النظرية. في الواقع فشل مصادم الهادرونات LHC في ملاحظة أي من جسيمات أبناء العمومه عند طاقات اجتازت 10 تيرا الكترون فولت في السنوات الثلاثة السابقة. هذا العام (مايو 2015) نقف على مفترق طرق، سيتم رفع طاقة المصادم الى 13 تيرا. وان لم يجدوا شيئ، فما لنا الا القول ” رحم الله التناظر الفائق وطيب ثراه” وستموت نظرية الأوتار مع التناظر الفائق مباشرة. أما في حالة تم ايجاد أبناء العمومه أو ما شابه، فستكون حكايات النظرية والتجربة في تاريخ الفيزياء حكاية تحكى وتحكى لكل الأجيال القادمة في كفاح وتعاون الفيزيائيين النظريين والتجريبين لحل أعمق وأعمق ألغاز الطبيعه.

 

error: المحتوى محمي