التملك والكينونة – إريك فروم / ترجمة: محمد سبيلا

التملك والكينونة – إريك فروم / ترجمة: محمد سبيلا

مجلة الجابري – العدد الثالث


 

إن الاختيار بين التملك والكينونة، من حيث هما مدلولان متعارضان، لايثير لدى الحس المشترك أي انتباه. ويبدو أن التملك وظيفة عادية لحياتنا، فمن أجل أن يحيا المرء، عليه أن يتملك بعض الأشياء. ومن ناحية أخرى، يجب علينا تملك بعض الأشياء بغية الحصول على لذة من هـذا التملك. في حضارة يعتبر هدفها الأسمى التملك ـ والتملك أكثر فأكثر ـ وحيث يمكن فيها أن نقول عن فرد من الأفراد بأنه “يساوي مليون دولار”، فكيف يمكن أن يكون هناك اختيار بين التملك والكينونة” ؟ وبالعكس فإنه يبدو أن التملك هو جوهر الكيـنونة ؛ والذي لا يملك شيئـا لا يساوي شيئا.

ومع ذلك فإن معلمي الحياة الكبار قد جعلوا من الثنائية “التملك أو الكينونة” الموضوع الرئيسي لمذاهبهم. يعلمنا بوذا أن علينا ـ من أجل أن نقدر على التوصل إلى مستوى رفيع في التطور الإنساني ـ ألا نترك شهوة التملك تستولي علينا. يقول المسيح : “من يود إنقاذ حياته سيفقدها، لكن الذي سيفقدها بسبـبي سينقذها.”

وقد كان إيكهارت Eckhartيعلم الناس بأن الطريق الوحيد للتوصل إلى الثراء والقوة الروحيين هو ألا يملك المرء شيئا وأن يجعل ذاته مفتوحة و “فارغة”. وقد علم ماركس بأن الرفاه رذيلة مثله في ذلك مثل الفقر، وأن علينا أن نجعل هدفنا هو أن نكون أحسن لا أن نمتلك أكثـر. (أنا أشير هنا إلى ماركس الحقيقي ذي النـزعة الإنسانية الجذرية لا إلى الصورة التي تقدمها الشيوعية السوفياتية للجماهير).
لقد تأثرت غاية التأثر، لعدة سنوات، بهذا التمييز وحاولت أن أبحث عن أساسه التجريبي في دراسة عينية للأفراد والمجموعات من خلال منهج التحليل النفسي. وما اكتشفته قادني إلى الاستنتاج بأن هذا التمييز، مثلـه في ذلك التمييز بين حب الحياة وحب ما هو ميت، يمثل المشكل الأساسي في الوجود ؛ وبأن المعطيات الانتروبولوجية والتحليلية التجريبية تـميل إلى إبراز أن التملك والكينونة نمطان أساسيان للتجربة بحيث أن القوى المناظـرة لكل منهما تـحدد طباع الأفراد ومختلف نماذج الطباع الاجتماعية.

أمثلة مستقاة من تعبيرات شعرية مختلفة :
سأقترح، كمدخل لفهم الفرق بين نمط التملك ونمط الكينونة في الوجود، قصيدتين وضعتا حول موضوع مماثل يوردها المرحوم د. ت. سوزوكي في “محاضرات حول الزين (Zen) البوذي”. إحداهما من شعر الهايكو كتبها شاعر ياباني هو باشو (1644 ـ 1694) ؛ والأخرى لشاعر انجليزي من القرن التاسع عشر هو تينيسون. كل من الشاعر يحكي تجربة مماثلة : رد فعله تجاه زهرة صادفها خلال نزهته يقول تينيسون :

أيتها الوردة، في الجدار المتصدع،
اقتطفتك ، منتزعة من الشقوق،
واحتفظت بك في بيتي، كاملة، بكل الجذور،
أيتها الوردة الصغيرة، لكن ليتني أفهم،
ما أنت في كليتك، بما في ذلك الجذور،
لأعرف ما الله وما الإنسان.
وترجمة قصيدة باشو هي تقريبا : أمعن النظر مليا وحين
أشاهد “النوزونا” تتفتح
قرب السياج !

إن الفرق صارخ. إن رد فعل تينيسون أمام الوردة هو الرغبة في تملكها. إنه يقتطفها بجذورها. وفي الوقت الذي ينتهي فيه إلى تأمل فكري حول الوظيفة الممكنة للوردة مما يمكّنه من أن يفهم بعمق طبيعة الله والإنسان فإن الوردة يكون قد قتلها نوع الاهتمام المنصب عليها. يمكن أن نقارن تينيسون ، كما يتبدى لنا في قصيدته، بالعلماء الغربيين الذين يبحثون عن الحقيقة بتشريح الحياة.

أما رد فعل باشو (Basho) أمام الوردة فهو مختلف تماما، فهو لا يود اقتطافها، ولا حتى لمسها. بل يكتفي مبتهجا “بإمعان النظر فيها مليا”، ليشاهدها. وهاهو تعليق سوزوكي :

“من المرجح أن باشو كان يتنـزه في إحدى الطرق في البادية حين لمح شيئا كان من الممكن ألا يلتفت إليه أحد، على حافة السياج. فاقترب منه وأخذ ينظر إليه ، واكتشف أن الأمر لا يتعلق إلا بنبتة بريـة، غير ذات دلالة، وربما كانت مهملة من طرف المارة. تحدثنا القصيدة عن واقعة جد عادية، وذلك دون أن تعبر لنا عن أي إحساس شعري على وجه الخصـوص إلا في المقطعين الأخيرين اللذين يقرآن باليابانية على شكل Kana وهي لفظة ترتبط في الغالب باسم أو نعت أو ظرف وتعبر عن نوع من الشعور بالإعجاب أو التقدير أو الإلمام أو الفرح، ويمكن أن يكون مقابلا لنقطة التعجب في بعض اللغات الغربية. والبيت الأخير، الوارد في قصيدة الهايكو، التي هي أمامنا، ينتهي بـهذه العلامة.

يبدو أن تينيسون يرغب في تملك الوردة ليستطيع أن يفهم الإنسان والطبيعة، وبامتلاكها وحيازتـها، فإنه يحطمها. أما باشو فيريد أن يشاهـد الوردة لا مجرد مشاهدة بل ليتحد بـها مع إبقائها حية. والفرق بين Tennyson و Basho تعبر عنه قصيدة غوته التالية تعبيرا جيدا :

كشف
كنت أتـنـزه في الغابة
وحيدا،
دون أن أتابع شيئا
بالفكر.
ولمحت بغتة في الظل
وردة صغيرة مستقيمة القوام،
لامعة كالنجوم
شبيهة بعينين جميلتين.
داهمتني رغبة في اقتطافها
لكنها قالت لي برفق :
أ فمن أجل أن تصيبني بالذبول
تود تكسيري ؟
أخرجتها من باطن الأرض
بكل جذورها،
وحملتها إلى الحديقة
في البيت الجميل.
أعدت استنباتها
في ركن هادئ ؛
وهي الآن، ما تفتأ تتمدد
وتزدهر.

لقد انجذب غوته، وهو يتنـزه بدون هدف محدد، إلى الوردة الصغيرة ومن خلالها إلى ألوانها المثيرة . ونحن نرى أن لديه نفس الدافع الذي لاحظناه لدى تينيسون : وهو أن يقتطف الوردة. لكنه على النقيض منه شعر أنه بذلك سيقتلها. فالوردة، بالنسبة لغوته، إنـها من الحياة بحيث تتحدث إليه لتنبهه ؛ وهو يحل المشكل باتخاذ موقف مخالـف لموقف تينيسون وباشو : فهو يأخذ الوردة “بكل جذورها” ويعيد استنباتها لئلا تنتهي حياتـها. وهكذا فإن غوته يقع في الوسط بين تينيسون وباشو : فقوة الحياة بالنسبة له أشد من قوة حب الاستطلاع الفكري. ومن نافلة القول إن غوته يعبر في هذه القصيدة الجميلة عن مفهومه لغزو الطبيعة.

إن علاقة تينيسون بالوردة تقوم على نمط تملكي ـ لا التملك المادي بل تملك المعرفة. وعلاقة باشو وغوته بالوردة قائمة على نمط الكينونة. وأقصد “بالكينونة” نمط الوجود الذي لا يكون لدينا فيه أي شيء، ولا نرغب فيه أن يكون لدينا أي شيء، لكننا نكون فيه سعداء، ونستخـدم فيه ملكاتنا بصورة منتجة، وحيث نشكل مع العالم كيانا “واحدا”.

وقد عبر غوته ـ وهو أكبر محبي الحياة، وأحد ألذ أعداء فصل الإنسان عن البيئة الطبيعية، وأحد أعداء المكننة ـ عن التعارض بين الكينونة والتملك في العديد من القصائد. وكتابه فاوست عبارة عن وصـف مأسوي للصراع بين الكينونة والتملك (الذي يمثله ميفيستو)، في حين أن القصيدة التالية تعبر عن “الكينونة” تعبيرا بسيطا.

ملكية
أعرف أني لا أملك شيئا
سوى الفكر
الذي سينبثق، حرا، في نفسي ؛
وكل اللحظات الملائمة
التي يمكّنني فيها إله طيب
من أن استمتع بأعماقي.

إن الفرق بين الكينونة والتملك ليس بالضرورة الفرق القائم بين الشرق والغرب. بل إن الفرق يتعلق بمجتمع متمركز حول الأفراد، ومجتمع متمركز حول الأشياء. فالتوجه نحو “التملك” سمة تميز المجتمع الصناعي الغربي حيث أصبحت الرغبة المهووسة في المال، والشهرة، والقوة هي الموضوع المسيطر على الحياة. إن المجتمعات الأقل استلابا (مثل المجتمع الوسطوي، وهنود الزوني (Zuni)، والمجتمعات القبلية في إفريقيا التي لم تستول عليها بعد أفكار “التقدم” المعاصر) شعراءها الخاصين من فصيلة باشو. ولاشك أنه سيكون لليابانيين، بعد بضع أجيال من التصنيع، شعراء من نوع تينيسون. وهذا لا يعني أن الإنسان الغربي غير قادر على فهم الأنظمة الشرقية، مثل بوذية الزين (Zen) (كما اعتقد ذلك يونج)، بل يعني أن الإنسان المعاصر لا يستطيع فهم روح مجتمع ليس متمركزا على الملكية والشهوة . وفعلا، فإن كتابات السيد إيكهارت (وهي أعسر على الفهم من كتابات باشو أو الزين) وكتابات بودا ليسا إلا لهجتين ضمن نفس اللغة.

 

تغيرات في اللهجة

لقد حصل تغير واضح في مضمون التملك والكينونة وهو تغير يشهد عليه الاستعمال المتزايد للأسماء والتناقص المستمر في استخدام الأفعال، منذ بضع قرون، في اللغات الغربية.

إن الاسم الموصوف هو الدلالة المضبوطة على شيء من الأشياء. أستطيع أن أقول بأن لدي أشياء : مثلا طاولة، دار، كتاب، سيارة. والفعل هو الدلالة المضبوطة على نشاط، أو عملية مثل أنا موجود، أنا أحب، أنا أرغب، أنا أكره… إلخ. ومع ذلك فإن هناك ميلا إلى التعبير عن بعض الأنشطة من خلال ألفاظ التملك والعندية ؛ وبعبارة أخرى، فإن هناك مـيلا إلى استعمال الاسم محل الفعل. لكن التعبير عن حركة أو نشـاط من خلال التملك خطأ لغوي لأن العمليات والأنشطة لا يمكن تملكها ، بـل لا يمكن سوى التعبير عنها.

 

ملاحظات قديمة : دومارى (Du Marais) ـ ماركس

إن النتائج الضارة لهذا الخلط كانت بيّنة منذ القرن الثامن عشر. وقد عبر دومارى عن هذا المشكل تعبيرا دقيقا في مؤلفه المنشور بعد موتـه: المبادئ الحقيقية للنحو (1769) حيث قال : “في المثال التالي : لدي ساعة، يمكن أن نفهم كلمة لدي بالمعنى الحرفي ؛ أما في المثال : “لديّ فكرة فكلمـة لديّ مستعملة هنا على سبيل التقليد فقط. إنـها تعبير مستعار. فمعنى “لدي فكرة” هو “أنا أفكر” أو “أتصور بهذا الشكل أو ذاك”، ومعنى : “لدي رغبة” هو “أنا أرغب”، ومعنى “لدي إرادة” هو “أنا أريد”… إلخ (الإبراز من طرفنا. وأنا مدين بهذه العودة إلى دي ماري لتشومسكي).

بعد مضي قرن على ملاحظة دي ماري لظاهرة استبدال الأفعال بأسماء، انشغل ماركس وانجلس بنفس المشكل، وبصورة جذرية في “العائلة المقدسة” ضمن نقدهما لـ “النقد النقدي” لباور توجد مقالة حول الحب، مقالة موجزة لكنها مهمة، يرد فيها هذا التأكيد لباور : “الحب سيدة شرسة تشتهي ككل السيدات تملك كلية الكائن الإنساني والتي لا يمكن إشباعها إلا عندما يضحي من أجلها لا بالنفس بل بالجسم أيضا. إن عبادة هذه السيـدة السامية مكون من الآلام، وقمة هذه العبادة هي التضحية بالـذات أي الانتحار”.

يجيب ماركس وانجلس : “يحول باور الحب إلى “سيدة سامية” وإلى سيدة شرسة” عندما يجعل من الإنسان المحب، أو من حب الإنسان، إنسانا يحب ؛ فهو بذلك يجعل من الحب كائنا منفصلا عن الإنسان، أي كيانا مستقلا”. يشير ماركس وانجلس هنا إلى العامل الحاسم لاستعمال الإسم محل الفعل. الإنسان الذي يحب يصبح إنسان الحب. والحب يصبح سيدة ساميـة، صنما يسقط عليه الإنسان تجربته في الحب. يتوقف الإنسان، خلال عملية الاستلاب هاته، عن اختبار الحب لئلا يبقى إلا في اتصال مع قدرته على الحب عن طريق خضوعه لسيدة الحب السامية. لم يعد الإنسـان شخصا قادرا على الإحساس وحل محله كائن مستلب معجب بصنم، وهو يشعر بأنه ضائع بمجرد أن ينقطع اتصاله مع الصنم.

 

الاستعمال المعاصر

لقد تزايد الميل نحو إحلال أسماء محل أفعال، منذ مائتي عام التي انصرمت على دى ماري، تزايدا حسب مقادير لم تكن متوقعة أبدا. ولدينا مثال نموذجي، رغم مبالغته الطفيفة، عن لغة اليوم : لنفترض بأن شخصا يطلب مساعدة محلّل نفسي يبدأ الحديث هكذا : “دكتور، لدي مشكل؛ لدي عسر نوم ؛ ورغم أن لدي منـزلا جميلا، وأطفالا رائعين وزواجا سعيدا، فإن لدي هموما”. منذ بضع عشرات من السنين ربما كان الزبون يقول، عوض “لدي مشكلة”، جملة كهاته : “أنا مضطرب”، وبدل “لدي عسر نوم” يقول : “لا أستطيع أن أنام”، وبدل : “لدي زواج سعيد” يقول : “أنـا سعيد في البيت”.

إن أسلوب الخطاب المعاصر يسجل ارتفاع درجة الاستلاب التي تسود اليوم، فعندما أقول “لدي مشكلة” بدل “أنا مضطرب”، فأنا أقصي التجربة الذاتية : فالذات الفاعلة في التجربة قـد تـّم استبدالها بـهو التملك. لقد حولت شعوري إلى شيء أملكه : وهو المشكل. لكن “مشكل” عبارة عن مدلول مجرد يعبر عن مختلف أشكال الصعوبات. لا يمكنني أن أتملك مشكلا، لأن الأمر هنا لا يتعلق بموضوع يمكن أن يمتلك. بل إن المشكل يمكن أن يمتلكني. وهذا يعني أني قد تحولت أنا نفسي إلى “مشكل” وإني الآن مملوك من طرف شيء خلقته. إن هذه الطريقة في التعبير تعكس استلابا مخفيا، لا شعوريا.

بالطبع، يمكنني أن أؤكد بأن عسر النوم عرض جسمي، مثلما تكون الحنجرة أو الضرس مؤلمين، وسيكون من المشروع إذن أن أقول بأن لدي عسر نوم، مثلما أقول بأن لدي حنجرة مريضة. إلا أن هناك فرقا. فألم الحنجرة أو الأضراس إحساس جسمي يمكن أن يكون شديدا إلى هذه الدرجة أو تلك، لكنه لا يحتوي إلا على حالة نفسية ضعيفة. يمكن أن يكون لدي ألم في الحنجرة، لأن لي حنجرة ؛ أو إن لدي ألما في الأضراس لأن لي أضراسا. أما عسر النوم، على النقيض من ذلك، فليس إحساسا فيزيائيا بـل حالة نفسية تعني أني لا أستطيع أن أنام. وعندما أقول : “لدي عسر نوم” بدل “أنا لا أستطيع أن أنام” فأنا أخون رغبتي في إبعاد تجربة الاكتئاب، والتوتر العصبي، التي تعوقني عن النوم، وأعامل الظاهرة الذهنية كما لو كانت عرضا جسميا.

مثال آخر : عندما أقول : “لدي حب كبير لك” فهذا التعبير فارغ من الدلالة. إذ ليس الحب موضوعا يمكن أن نتملكه، بل هو عمليـة، نشاط داخلي أنا هو ذاته الفاعلة. يمكن أن أحب، يمكن أن أكون محبّا، لكن ليس لدي شيء. وفي الواقع فكلما امتلكت أقل، كلما استطعت أن أحب.

 

 

أصناف الألفاظ

لقد أصبح العيش بدون امتلاك أمرا مستحيلا عمليا. فلم سيكون التملك مشكلة إذن ؟. إن التاريخ اللغوي لتعبيرات “الملكية” يظهر أن اللفظ فعلا مشكلة. وأولئك الذين يظنون أن التملك هو إحدى المقولات الطبيعيـة للوجود الإنساني سيفاجئون إذا علموا بأن العديد من اللغات لا تعرف كلمة مناظرة لكلمة “تملك”. فالعبرية، مثلا ، تعبر عن “لدي” بشكـل غير مباشر (= هذا الشيء لي). وفعلا، فاللغات التي تعبر عن الملكية بـهذا الشكل لا بكلمة “لدي” هي الأكثر عددا. ومن المفيد أن نشير إلى أن التعبير : “إنه لي” قد أخلى المكان، عبر تطور العديد من اللغات، للتعبير “لدي”، لكن التطور لم يسر في الاتجاه المعاكس أبدا، كما أشار إلى ذلك إميل بنفينيست(2) (E. Benveniste). وهذه الواقعة تظهر بأن الكلمة المناظرة لكلمة تملك تتطور في علاقة مع تطور الملكية الخاصة في حين أنها غائبة في المجتمعات التي تسودها ملكية وظيفية، أي ملكية من أجل الاستعمال. وتستطيع الدراسات اللسانية الاجتماعية المعمقة أن تظهر مـدى صحة هذه الفرضية.

وإذا كان لفظ تملك لفظا بسيطا نسبيا فإن لفظ كينونة أكثر تعقدا وصعوبة. فهو مستخدم بطرق متعددة : 1) كرابطة كما في قولي : “أنا (أكون) كبير”، “أنا (أكون) أبيض”، “أنا (أكون) فقير” أي كمؤشر نحـوي للهوية.(ليس في العديد من اللغات كلمة مقابلة لكلمة “كينونة” في هذا المعنى، فالإسبانية تقيم تمييزا بين الصفات الدائمة، Ser، التي تتعلق بماهية الذات الفاعلة، والصفات العرضية التي هي مستقلة عن الماهية) ؛ 2) في صيغة فعل سلبي ـ أنا نهزوم مثلا تعني أني موضوع نشاط شخص آخر وليست الذات الفاعلة لنشاطي الخاص، كما هو الأمر في : “أنا أضرب” 3) ترد لتعني فعل “وُجد” ؛ وكما أظهر ذلك بنفينست فإن استعمال كلمة كينونة للتعبـير عن الوجود يختلف عن الكينونة كرابطة تحقق نوعـا من الهويـة : “فالكلمتان قد تواجدتا ويمكن أن تستمرا في التواجد، رغم أنـهما مختلفتان تماما”.

إن دراسة بنفينيست تسلط ضوءا جديدا على مدلول “كينونة” من حيث هو فعل لا من حيث هو رابط. يعبر عن فعل الكينونة في اللغات الهـند وأوروبية بواسطة الجذر ES الذي يدل على “امتلاك الوجود”، “الذي يمكـن أن نعثر عليه في الواقع”. والوجود والواقع معرفان على أنـهما “مـا هو حقيقي وقائم وصادق”. (في السنسكريتية لفظ Sant الدال على “موجود” يعني “حسن حقيقة” أو “حقيقي” ؛ ولفظ التفضيل Sattama يعني “الأحسن”). إن صيغة “الكينونة” في جذره الاشتقاقي، أكثر من مجرد مدلول للهوية بين الفاعل والصفة وأكثر من مجرد لفظ وصفي لظاهرة من الظواهر. إنه يشير إلى واقع وجود ما هو كائن (سواء كان حيا أو غير حي) ؛ إنه أساس صدق وحقيقة هذا الواقع . إن قولنا بأن هذا الشخص أو هذا الشيء كائن يتعلق بجوهر الشخص أو الشيء لا بمظهره.

تنتهي بنا هذه اللمحة الأولية عن دلالة التملك والكينونة كأفعال لغوية إلى الخلاصات التالية :

1 ـ حين نستعمل فعلـي الكينونة والتملك، فإننا لا نتأدى إلى بعض الصفات المتميزة لذات ما كما في قولنا : “لدي سيارة”، “أنا أبيض” أو “أنـا سعيد”. بل نضع أنفسنا ضمن نمطين أساسين للوجود، ضمـن نموذجين مختلفين في التوجه نحو الذات ونحو العالم، أي ضمن بنيتين متمايزتين يحدد وجودُهما مجموع فكر ومشاعر وأفعال الفرد.

2 ـ علاقتي بالعالم، في النمط التملكي للوجود، قائمة على أساس الامتلاك والملكية : حيث أود أن أجعل كل الأشياء وكل الناس (بما فيهم انا ذاتي) ملكيتي.

3 ـ يتعين علينا أن نعـيّن ، في النمط الكينوني للوجود، شكلين للكينونة. أحدهما يتعارض مع التملك، كما في المثال الذي أورده دي ماري، وهو يعبر عن علاقة حية وصادقة مع العالم. والشكـل الثاني لفعل الكينونة يتعـارض مع فعل ظهر ويتعلق بالطبيعة الحقيقة، وبالواقع الحقيقـي لشخص أو لشيء لا بالمظاهر الخادعة كما يظهر ذلك الأصل الاشتقاقي لفعل الكينونة (بنفنيست) ·

 

 


* هذه ترجمة القسم الأول من كتاب إريك فروم : Etre et avoir

error: المحتوى محمي