التزاوج والسلوك الجنسي عند البشر والحيوانات – ديفيد ليندن / ترجمة: خالد البدراني

التزاوج والسلوك الجنسي عند البشر والحيوانات – ديفيد ليندن / ترجمة: خالد البدراني

ما الذي تفكر فيه قطتك المدللة حينما تشاهدك وأنت تمارس الجنس؟ حتى لو كنت تقليديًا في ممارستك للجنس، كما هي العادة في الثقافة السائدة، فإن قطتك ستظل تعتقد أنك غريب الأطوار في تلك اللحظة؛ وهي محقة في هذا. فالذي يثير اشمئزازها هو انخراطك في عملية التزاوج في وقت ليس هو وقت الخصوبة الذي تعرفه. ولا يمكنها تصور أنك تمارس التزاوج مع شريك جنسي واحد فقط، خلال فترة تبويض معينة. وستستغرب قطتك أيضًا من ذلك الأمر المتعلق بالخصوصية؛ فالجميع يعلم أنه يجب عليك ممارسة الجنس على الملأ، حيث تشاهدك القطط الأخرى، وتشاركك إذا تطلب الأمر. كما ستتساءل القطة ماذا لو ولد طفل من هذه العلاقة؟ لماذا يتسكع هذا الرجل هنا طول الوقت؟ ويساعد في جلب الحاجيات للمنزل، هذا الواهن الضعيف! أما هذا الطفل المثير للشفقة، ستتساءل القطة مرة أخرى: كيف بلغ عمره خمس سنوات ولا يقدر على الاعتناء بنفسه حتى اللحظة؟

عندما تحدثت عن السلوك البشري المتعلق بتعاطي المخدرات، أو تناول الطعام، أشرت إلى أننا نحن البشر نشابه جميع الثدييات الأخرى في هذا الجانب. وفي حين أننا نمتلك “قشرة حديثة” Neocortex أكبر من تلك الموجودة في أدمغة القرود والفئران، حيث يمنحنا هذا مزيدًا من القدرة على مجابهة اللاوعي، وتحكمًا أكثر في الإدراك؛ أما في أعماقنا، تبقى استجابتنا للطعام والأدوية ذات التأثير النفسي هي نفسها الموجودة لدى أقربائنا البعيدين من الثدييات. ولا ينطبق هذا الشيء تمامًا حين نتحدث عن نظام التزاوج لدى البشر. فالبشر، كما تعلم قطتك، متطرفون قليلًا في هذه النقطة.

تقوم الأنثى، في معظم الثدييات، بالإعلان عن خصوبتها بأشكال عديدة وإشارات واضحة، منها: الإيماءات الجنسية الفريدة، أو بإصدار الأصوات، أو الروائح، أو انتفاخ بعض أعضائها، وهلم جرا. ولا يقترب الذكور والإناث عادةً من بعضهم البعض لممارسة الجنس خارج أوقات التزاوج المعروفة. أما الإناث من البشر، على النقيض مما سبق، لديهن عملية إباضة مخفية، ولا توجد علامات واضحة تبين دورة الإباضة لديهن. بل الحقيقة هي أن الإناث يتدربن بأنفسهن على تحديد وكشف دورة الإباضة في أجسادهن، فلا توجد هناك أي معرفة غريزية تدل على وقت الإباضة لدى البشر. ونتيجة لذلك، تعد ممارسة الجنس لدى البشر عملية ترويحية “من أجل المتعة”، وليست محددة بوقت الإباضة. بل تستمر حتى في الحالات التي يستحيل فيها تلقيح الحيوان المنوي لبويضة الأنثى، منها: خلال الحمل، أو بعد بلوغ سن اليأس. أما السبب الآخر الذي ترى القطة أننا منحرفون في سلوكنا الجنسي لأجله، هو تلك العلاقة المرتبطة باختيارنا لأزواجنا. حيث تعتبر أكثر من تسعين بالمئة من أنواع الثدييات منحلة للغاية، ويرتبط الذكور والإناث منها بشركاء جنسيين عدة (في نفس اليوم أحيانًا). أما البشر فيميلون إلى الارتباط بشريك واحد فقط، أو على الأقل يرتبطون بشريك واحد خلال فترة معينة. وبعبارة أخرى، معظم النساء يرتبطن بشريك جنسي واحد فقط خلال دورة إباضة معينة. ونتيجة لذلك، يمتلك البشر معرفة دقيقة للغاية بالأبوة، على العكس من الثدييات الأخرى. فقد بينت الدراسات الجينية التي تمت على البشر حول العالم أن 90% من الأطفال يكونون أبناءً للزوج، أو للشريك الجنسي للأم على المدى الطويل. ولا تختلف هذه النسبة باختلاف المكان، سواء تمت الدراسة في بكين، أو في شيكاغو، أو كانت قرية صغيرة في بابو نيو غينيا؛ فالنسبة دائمًا تكون نفسها (90%). وأخيرًا، وهذه النقطة الأهم ربما، أنه في جميع أنواع الثدييات تقريبًا لا توجد رابطة زوجية مستمرة بين الذكر والأنثى بعد فترة التزاوج، ولهذا لا يمتلك الذكر أي دور في تربية الأولاد. بل الحقيقة أن العديد من الذكور يهجرون القطيع بعد موسم التزاوج. وإذا بقي أحد منهم في القطيع، فأنه من غير الوارد أن يستطيع التعرف على ذريته. وتختلف هذه القضية في البشر تمامًا، فاستمرار الرابطة الزوجية أمر شائع، ويشارك الرجل في تربية أولاده ورعايتهم، حتى وإن لم يشارك في الرعاية المباشرة لهم. وقد حدثت بعض التغيرات في الآونة الأخيرة، عبر الأعراف والاتفاقيات الدولية، والتطور التكنولوجي، التي مكنت الأمهات العازبات من أن تكون تجربتهن في تبني الأولاد قابلة للإمكان. ومع ذلك تبقى هذه ظاهرة نادرة الوجود حول العالم، ففي النظر إلى التاريخ التطوري نرى أن ظهور هذه التجارب بدأ منذ زمن قريب جدًا. وبينما يمتلك البشر مزيجًا فريدًا من السلوكيات الجنسية؛ هناك سلوكيات منها نتشارك فيها مع بعض الكائنات الأخرى. حيث تعرف قرود البونوبو والدلافين، على سبيل المثال، بممارستها للجنس على سبيل الترويح، الذي لا يرتبط بتوقيت معين بدورة الإباضة. أما قرود الجيبون، وفئران الحقل، والبطريق القطبي الضخم؛ جميع هذه الكائنات تمتلك نظام زواج أحادي، حيث يساعد الذكور منها في توفير الرعاية للصغار. ومع ذلك، يعتبر الانسان هو الكائن الوحيد الذي يمتلك جميع سلوكيات التزاوج النادرة هذه.

لماذا إذًا انتهى بنا الحال، نحن البشر، على هذا النحو؟ أقوى النظريات في هذا الجانب تقول أن نظام تزاوج البشر تشكل على هذا النحو بسبب تلك الحقيقة القائلة أننا نمتلك أطول مرحلة طفولة من بين جميع الكائنات، لا يستطيع فيها الصغار الاعتماد على أنفسهم. وحدث هذا بسبب كبر حجم الدماغ البشري لدى البالغين حين مقارنته بحجم حوض الأم. حيث يبلغ حجم الدماغ لدى البالغين من البشر 1200 سنتيمترًا مكعبًا؛ لن يستطيع حجم كهذا العبور ببساطة عبر قناة الولادة. وكما تعرف النساء، أن دماغ حديثي الولادة -الذي يبلغ حجمه 400 سنتيمتر مكعب، وهو تقريبًا كحجم الدماغ لدى قرود الشمبانزي البالغة- بالكاد يمر عبر قناة الولادة، ويظهر ذلك جليًا في ظاهرة وفاة الأمهات عند الولادة، وهي مشكلة فريدة تحدث للبشر. أما الطفل حديث الولادة (بحجم دماغه الذي يبلغ 400 سنتيمتر مكعب) ستحدث تغيرات كبيرة لاحقًا في نمو دماغه؛ على وتيرة سريعة جدًا حتى عمر الخامسة، ثم يتباطأ نمو الدماغ حتى يبلغ الإنسان العشرين من عمره، وهو العمر الذي يصبح فيه دماغ البشر تام النمو. وفي هذه الفترة التي ينمو فيها حجم الدماغ بعد الولادة، يمر الأطفال بمراحل عديدة حتى وصولهم إلى تمام النمو السلوكي والمعرفي. وهكذا في الوقت الذي تستطيع فيه قرود الأورانج أوتان (إنسان الغابة) أو إناث الحيتان الرمادية من الاهتمام بصغارهن ورعايتهم بنجاح، دون الحاجة إلى وجود الأب؛ فإن الأمهات العازبات من البشر في المجتمعات التقليدية في وضع لا يحسدن عليه، بسبب أن صغارهن سيبقون لفترة طويلة عاجزين عن رعاية أنفسهم. وإذًا فإن سبب هذا الأمر هو توفير الرعاية للأطفال من البشر وأدمغتهم التي تنمو ببطء، ويشرح هذا سبب وجود نظام التزاوج غير الاعتيادي عند الإنسان؛ مع جميع ملامحه الاستثنائية، من عملية الإباضة المخفية، وممارسة الحنس للترويح والمتعة، والزواج من شريك واحد (خلال دورة إباضة معينة)، ومشاركة الأب في رعاية الصغار.

لقد تحدثنا حتى هذه اللحظة وركزنا على الملامح العامة للسلوك الجنسي في الثقافة الإنسانية السائدة، ذلك النوع الذي تميل لصالحه الأديان؛ من الاحتفاظ بشريك واحد، والعلاقة المغايرة للجنس (بين الذكر والأنثى)، والمنجبة للصغار. ومع ذلك فإنه من الجدير ذكره أن هناك أنواعًا شائعة من السلوكيات الجنسية، ولكنها أقل قبولا بطبيعة الحال، التي يتشارك البشر فيها مع أنواع أخرى من الكائنات. فالاستمناء، على سبيل المثال، هو عادة شائعة الممارسة بين عدد من أنواع الثدييات، منها الخيول، والقرود، والدلافين، والكلاب، والماعز، والفيلة. ويمارسها كل من الإناث والذكور، وقد اخترعت الحيوانات طرقًا مبتكرة في ممارستها؛ تمامًا كالبشر. فذكور العديد من الكائنات، منها الكلاب، والماعز، والقرود، والخنزير الغيني، تقوم بامتصاص ذاتي autofellatio لعضوها الذكري في أفواهها، أحيانًا حتى قذف السائل المنوي. كما أن هناك بعض الحالات المسجلة عن ظاهرة لعق الإناث من الرئيسيات -من الثدييات- لأعضائهن التناسلية autocunnilingus (لعق ذاتي). وقد لوحظت إحدى الإناث من قرود الشمبانزي المحبوسة في أحد الحدائق، أنها تقوم بتوجيه الماء المنبعث من خرطوم المياه إلى بظرها. ولوحظت الإناث من قرود الأورانج أوتان (إنسان الغابة) هي الأخرى وهي تستخدم قضبانًا إصطناعية صنعتها من أوراق الأشجار وأغصانها. وفي أحد الحالات، شوهدت أنثى من حيوان النيص (الشيهم) وهي تباعد بين أرجلها لتضع عصا ثم تمشي عليها، مسببة إحتكاك تلك العصا باتجاه أعضائها التناسلية. أما النوع الأكثر ابتكارًا من أشكال الاستمناء لدى الحيوانات، هو ذلك الذي تمارسه بعض ذكور الدلافين، حيث لوحظت وهي تلف ثعبانًا حيًا ملتويًا من ثعابين البحر حول قضيبها.

ويذكر بروس باقماهل في كتابه: (الوفرة الحيوية: المثلية الجنسية والاختلاف الطبيعي بين الحيوانات) Biological Exuberance: Animal Homosexuality and Natural Diversity– وبروس هو أستاذ في جامعة ولاية ويسكونسن- قائلًا: أن السلوك المثلي الجنسي قد تم اكتشافه في أكثر من 500 نوع من الكائنات الحية، ومن المرجح أن العدد الفعلي يبلغ أكثر من ذلك بكثير. ويشمل هذا السلوك المثلي الجنسي عند الذكور والإناث على حد سواء؛ على أنه ملاحظ بكثرة لدى الذكور. وتتمثل السلوكيات المثلية عند الحيوانات بجميع الأشكال التي يمكن لعقلك تخيلها، وتلك التي لم تسمع بها من قبل. وهناك العديد من الحالات المسجلة عن الجنس الفموي – بين الذكور مع بعضهم البعض، والإناث مع بعضهن البعض- في العديد من الكائنات الحية، منها: الضباع، وقرود البونبو؛ كما أن الإناث منها تحك أعضائها التناسلية بين بعضها. أما فيما يتعلق بالجنس الشرجي بين الذكور وبعضهم، فقد لوحظت بين الأغنام، والزراف، والثور الأمريكي؛ وذكور الدلافين التي تخترق فتحاتها التناسلية بين بعضها. وفي حالة نادرة، شوهدت ذكور دلافين نهر الأمازون وهي تقوم بإدخال أعضائها الذكرية في فتحات التنفس الموجودة في أعلى أجسام الدلافين الأخرى؛ وهذا مثال وحيد من نوعه على ما يعرف بالجنس الأنفي. ويمكن وصف، معظم وليس كل، السلوكيات الجنسية المثلية الملاحظة بين الحيوانات على أنها: ثنائية الجنس (مزدوجة الاتصال بالجنسين). ويحدث الاتصال المغاير للجنس (مع الجنس الآخر) لدى العديد من الكائنات خلال مرحلة خصوبة الأنثى فقط، أما السلوكيات المثلية الجنسية فهي شائعة في الأوقات الأخرى. وفي بعض الحيوانات، مثل قرود البونبو، يبدو أن السلوك المثلي لديها –بالإضافة إلى المتعة الجنسية- يجعلها تتم مهامها الاجتماعية في القطيع، عبر التخفيف من حدة التوتر وتعزيز الرابطة بين أفراد القطيع، على حساب تثبيط سلوكها العدواني. وهناك بعض الأمثلة القليلة في الوقت الحالي على السلوك المثلي الجنسي التام بين الحيوانات؛ الممتد طوال فترة حياتها؛ يحدث هذا السلوك غالبًا بين الذكور المحبوسة في الأقفاص مع بعضها. كما لوحظ أيضًا، في العديد من حدائق الحيوان حول العالم، أن الذكور من أنواع متعددة من البطاريق تشكل رابطة مثلية دائمة مع شريك واحد فقط. حيث يقوم الذكران ببناء الأعشاش مع بعضهما، ويستخدمان الصخور كبديل لوجود البيض. وفي أحد الحالات المسجلة التي حظيت بتغطية إعلامية كبيرة، قدمت إلى زوج من ذكور البطاريق شريطية الدقن، في حديقة حيوان سنترال بارك في نيويورك؛ قدمت إليهما بيضة مخصبة وقاما بتفقيسها بنجاح. وفي مثال آخر، هناك بعض الذكور من الأكباش المدجنة التي تتودد وتمتطي الذكور الأخرى حصرًا، رغم وجود الإناث القابلة للإخصاب في القطيع.

ولا يمكننا إنهاء الحديث عن السلوك الجنسي لدى الحيوانات بدون ذكر بعض الظواهر الغريبة جدًا. منها ممارسة الجنس التي تحدث بين نوعين مختلفين من الكائنات الواقعة في الحبس، مع أمثلة قليلة من هذا السلوك تمت مشاهدتها بين الحيوانات في البرية. فعلى سبيل المثال، لوحظ الذكور من أيل الموظ وهي تمارس التزاوج مع إناث الخيول. كما تزاوج نوعان من الأسود والنمور في أحد حدائق الحيوان في سيبيريا، لكن هذا التزاوج أنتج نسلًا عقيمًا. كما استخدم التحليل الجيني لتحديد نسل الأنواع الهجينة من الكائنات في البرية، حيث وجدت أدلة على تزاوج حدث بين الدببة الرمادية والدببة القطبية.

——–

يمتلك المتحف الطبيعي في نوتردام (هولندا) واجهة زجاجية كالمرآة تغطي كامل المبنى، تصطدم فيها الطيور بين الحين والآخر. شاهد الأستاذ كيس مولكر أحد هذه الاصطدامات المميتة في نافذة مكتبه، ذات يوم من أيام يونيو عام 1995م؛ حين اصطدم بالزجاج أحد ذكور البط البري (بط البركة) ومات على الفور. وحينما اقترب مولكر من النافذة ليشاهد الأمر، وجد أن ذكرًا آخر من البط البري قد وصل إلى الذكر الميت، وشرع باغتصاب جيفته بشكل مستمر لمدة بلغت 75 دقيقة. وعندما بدأ مولكر بكتابة ما شاهده لإرساله إلى أحد المجلات العلمية، اكتشف أن هذا السلوك الغريب “مجامعة جيفة البط البري الميت” قد تم اكتشافها من قبل، ولوحظت ممارستها على جيف الذكور والإناث منه على حد سواء.

كيف ينبغي لنا إذا التفكير في هذا السلوك المحير؟ فالتفسير الأضعف والأضيق أفقًا لهذه الظاهرة يقول أن العديد من ذكور الحيوانات هم انتهازيون جنسيون، وسوف يحاولون الاتصال جنسيًا مع أي نوع من الكائنات، حية كانت أم ميتة. من الممكن حدوث هذا، كبعض البشر وبعض الحيوانات الذين يستأثرون بممارسة الجنس مع الجثث ومع الكائنات الأخرى؛ ولكن لا توجد أي أدلة تدعم هذا التفسير. أما استنتاجنا في ضوء جميع ما سبق من النتائج سيكون غير متوقع قليلًأ. فليست هذه السلوكيات المحرمة والغريبة هي التي تجعل البشر متفردين جنسيًأ، فهذه الأشياء بطبيعة الحال موجودة بشكل واضح لدى الثدييات الأخرى. بل سلوكنا التزاوجي، الأكثر اعتياديةً، والمتعارف عليه اجتماعيًأ، هو الذي يعتبر شاذًا حين مقارنته بالكائنات الأخرى.

 

*ترجمة لمقدمة الفصل الرابع من كتاب (بوصلة المتعة) لديفيد ليندن / يصدر قريبًا عن دار جداول