لم عليك التحدث بأكثر من لغة؟ – بين فاتشيني / ترجمة: أنفال العويشز

لم عليك التحدث بأكثر من لغة؟ – بين فاتشيني / ترجمة: أنفال العويشز

Ben-Faccini

بين فاتشيني، كاتب وروائي، قام بالمساعدة في حملة (حياتي قصة) لمنظة اليونسكو بين عامي 2008-2010، والتي تهدف لنشر الوعي بالاطفال المشردين، كما قام بتحرير كتاب الغرباء عام 2013، ويضم مجموعة قصصية لعدة كتاب ايطالين.

 في عالم يتحدث فقط بالانجليزية، سنتكلم عن الأمور البسيطة لا أكثر، ولهذا أود لأطفالي أن يتحدثوا بلغتين

نسخة PDF 


كان جل ما كنت أخشاه أثناء نشأتي في براري الريف الفرنسي، جنوب وادي اللوار هو أن تخاطبني والدتي الإنجليزية بصوت عالي،  لم أخجل كثيرا من زيها المختلف، فقد كانت تزهو بقبعاتها القشية و فساتين الشيفون بينما كانت باقي الامهات يتجمعن عند بوابة المدرسة بمريلات المطبخ الممسوحة ببقع الطين أوالنبيذ أوالطماطم حسب الموسم، ولكني كنت أجفل عندما تنطق بالانجليزية خارج المنزل، كنت أمر بحقول العنب في طريق عودتي من المدرسة وأرتعب لسماع صوت والدتي الحاد، والذي يتهيأ لي تردد صداه على الصخور حتى بعد أن يبتعد رفقائي عن مرمى السمع.

حققت اتزانا لغويا في طفولتي بافتعال عدة حواجز فالانجليزية كانت في البيت، والفرنسية للمدرسة وكل شي خارج البيت -باستثناء المحادثات الفردية مع أخي- والإيطالية كانت متعلقة بوالدي، وحصرتها بزيارتي المنتظمة لإيطاليا وللأغاني النابولية الحماسية والتي تهز نوافذ السيارة.

كانت هذه الحواجز ضرورية لحاجتي إلى الظهور كمتحدث أصلي حسب المكان، فعند زيارتي لأخوالي في انجلترا كنت أخفي فرنسيتي، وفي إيطاليا اقتصرت على المواضيع التي اتقنها حتى لا تفلت مني مدّة انجليزية أو فرنسية وتفضحني كهجين مزيف، حافظت على هويتي بقناع ذي ثلاث أوجه.

 

وعندما أصبحت أبا، كنت اعتقد أني عندما اخاطب ابنائي -مواليد لندن- بالفرنسية منذ ولادتهم فسيصبحوا ثنائيي اللغة طبيعيا، وهذا مالم يحصل، ولم ينفع ضبط اللغة في مشغل الدي في دي للفرنسية، ولا حتى قراءة نسخي الفرنسية القديمة من مجلات استريكس و تنتن المصورة قبل النوم، دائما ما تمنيت الكلام مع اطفالي بالفرنسية، وتخيلت بأني مع مساعدة من ابناء عمومتي، سأورث الايطالية لأبنائي طبيعيا مع الانجليزية والفرنسية وهكذا سينشأون ثلاثي اللغة كما نشأت.

كان ادخال الفرنسية لعائلتي أمرا شديد الصعوبة، فكان وقت الأكل يتأخر أحيانا بسبب نقاش من طرف واحد لاثبات لغتي الفرنسية مقابل انجليزية باقي أفراد العائلة، وأحس ابنائي بأنهم في اختبار، وحتى مع فهمهم المتنامي للفرنسية فإنهم يجدون أي عذر للتأخر عن المشي بجانبي عند الذهاب للمدرسة حتى لا يسمعني أحد، ويضعون اصابعهم في اذانهم عن تشغيل سي دي نيكولاس الصغير في السيارة، ويتملصون من الحديث مع الأقارب والأصدقاء بالفرنسية بهز اكتافهم بطريقة انجليزية تصاحبها أحيانا همهمة بلكنة باريسية، وقد يخرسون تماما عن التحدث و يتحول الحوار إلى لغة الإشارة.

هل سيختلف الوضع لو التحق أطفالي بمدرسة فرنسية أو عشنا في دولة تتحدث الفرنسية؟ الاجابة ليست قاطعة، يجب أن ينصهر المنزل والبيئة والثقافة والممارسة المستمرة والدراسة والدافعية في معمعمة لغوية ولوقت كافي لتثبت اللغة جذورها. فمثلا جدة زوجتي الانجليزية نشأت في الصين وتحدثت باللغة الصينية حتى سن الثالثة عشر عندها عادت لانجلترا وفقدت لغتها الصينية بالكامل.

لم ينشأ أطفالي كنشأتي بين عدة لغات أتأثر بها يوميا، وعلي تقبل الحقيقة وهي أني لا يمكنني صنع الظروف المواتية للمزيج اللغوي الطبيعي والذي يجعل منك متحدثا فطريا بعدة لغات، وبدأت أقلق من أن أطفالي لن يتقنوا أي لغة سوى الانجليزية.

فقد صقلت شخصيتي منذ أيام المدرسة مرورا بالجامعة وبعدها أثناء سفري وعملي مع أحدى وكالات الأمم المتحدة، والفضل يعود للغات المختلفة التي اتقنها والتي مهدت لي غمار الطريق، وكان لنضالي في للتنكر بصفتي متحدث أصلي أثناء طفولتي ثماره بلا شك، فمعرفتي لعدة لغات جعلني أتقبل التنوع، ونمى حسي بالعالم، وفتح لي أبواب ثقافات متعددة، وصرت أتفهم ثراث الشعوب واتواصل معها بعمق ومتعة أكبر، وأخاف أن ينمو أطفالي بدون هذه النعمة العظيمة، فيسيرون في هذه الحياة على غير هدى، وينقطعون عن ارثهم ويفوتهم مايمكن لهذا العالم أن يمنحهم.

اقترح أحد أصدقائي وهو ايطالي مقيم في لندن بعد مشاهدته لمعاناتي مع أطفالي أن اتخلى عن محاولاتي لتعليم اطفالي لغة ثانية، فالانجليزية كما اشار تتمتع بمكانة قوية في أنحاء العالم، فما الجدوى من تعليم طفل انجليزي لغة أخرى بينما يتحدث ما يقرب من مليوني شخص الانجليزية؟ وهي كذلك لغة التفاهم بين رجال الأعمال سواء كانوا روس أو بيرويين أو مصريين، وهي اللغة التي يستخدمها أغلب السياح، والتي يدرسها الأطفال في المدراس في كل أنحاء المعمورة.

في العطلات التي نقضيها في الخارج، كانت الانجليزية فعلا مفتاح أطفالي السحري مع كل الشعوب، في اسبانيا وتركيا واليونان وسويسرا يخاطبنا اصحاب المحلات و موظفي الفنادق بالانجليزية، حتى قبل أن يسألوا من أين نحن.

كما تحتاج مقدارا -ولو ضئيلا- من الاتقان للغة الانجليزية من أجل الحصول على قبول في الجامعات على مستوى العالم، بالنسبة للعديد من الناس يكون هذا المقدار بالإضافة إلى لغتهم الأم وأحيانا لغة غيرها أو أكثر، فما شأن من تكون لغته الأم الانجليزية ولا يعرف سواها؟ فحقيقة أن عدد المتحدثين بالانجليزية كلغة ثانية يفوق عدد متحدثيها الأصليين يزعزع من مكانة الانجليزية بشدة، و اقتراح صديقي الأيطالي تعليم ابنائي الانجليزية وحسب قد يجلب مشاكل عديدة لمستقبلهم.

تبلغ احادية اللغة في مناطق كثيرة من الولايات المتحدة واستراليا وبريطانيا نسبة كبيرة، حيث تقل دراسة اللغات الاجنبية في المدارس والجامعات عند المقارنة مع المعدل العالمي، في حين تشكل ثنائية وتعدد اللغات صفة طبيعية للحياة اليومية في معظم الدول، عملت مع الكثير من المعلمين في المغرب الذين كانوا ينتقلون بسهولة من الحديث بالهجة العامية للعربية الفصحى ثم إلى أحد اللغات البربرية ثم للفرنسية، وفي الهند وحدها توجد 461 لغة حسب موقع ايثنولوج (Ethnologue)، وفي بابوا غينيا الجديدة 836 لغة، وفي الكاميرون 280 لغة، وتتم دراسة الانجليزية مبكرا مع اللغة الأم في الدول الاسكندنافية وهولندا بلا نقاش، وفي لبنان يمزج الناس بين العربية والانجليزية والفرنسية في كلامهم طوال الوقت.

كان اتقان لغة أخرى في حقبة من الزمن في بريطانيا خلال السبعينيات -حين لم يكن محبّذا للأطفال فعل ذلك- يعتبر تشويشا للنمو العقلي واللغوي، ولدي العديد من الأصدقاء من أصول مختلطة فقدوا فرصة التحدث بلغتين بسبب هذه العقلية، بينما في الوقت الحالي ينصح بالعكس تماما، حيث تظهر الدراسات التي يجريها قسم اللغويات النظرية والتطبيقية في جامعة كامبريج تفوق الأطفال ثنائيي اللغة على نظرائهم أحاديي اللغة في المواقف الاجتماعية والمرونة العقلية ووعيهم بالبناء اللغوي، وعزز هذه النتيجة أيضا البحث الذي اجراه عالمتا النفس ايلين بياليستوك و ميشيل مارتن ري في جامعة يورك، فقد قاموا بدراسة في عام 2004 على الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة، واظهرت النتائج تفوق ثنائيي اللغة في المهام التي تتطلب مهارات بصرية ولغوية.

وفي دراسة أخرى عام 2007، اجرت بياليستوك مع مجموعة باحثين بحثًا حول تأثير الثنائية اللغوية في 400 مصاب بالزهايمر، لوحظ أن ثنائيي اللغة كانوا أكثر قدرة على التعايش والسيطرة على أعراض المرض من احاديي اللغة.

قام فريق الباحثين باختبار 648 شخصا في دراسة اجريت عام 2013 من قبل مجموعة من الباحثين من جامعتي حيدرأباد و ادنبرة ركزت على المصابين بالزهامير من المقيمين في مدينة حيدر أباد المتعددة لغويا، منهم 391 شخصا يتحث لغتين، دلت النتائج على أن أعراض  الخرف تتأخر لدى الأشخاص ثنائيي اللغة بمعدل اربع سنوات ونصف عن احاديي اللغة، وكانت تشير إلى أن النشاط الذهني النابع من التحدث بأكثر من لغة يلعب دورا في حماية القدرات العقلية.

لاحظت بواسطة خبرتي أن تعلم لغة أخرى يبذر حب الإستطلاع ويفتح المجال لحب التعلم بشكل عام، ويتطور لحب بالمعرفة ينمو معك مدى الحياة، نشأتي أثناء طفولتي في منطقة ريفية ساعدني على قضاء ساعات طويلة منحنيا وسط الأعشاب العالية اتأمل الحشرات وأحلل الكلمات بمختلف اللغات، اصنفها وارتبها واستعرض معانيها ومفرداتها وبدائها، واتذكر بدقة محاولاتي لحل معضلة والدي وهي أنه لايوجد مقابل في الانجليزية يعبر بشكل كامل عن العبارة الفرنسية ( tant pis)، والتي يمكن ترجمتها لـ”مع الأسف” أو “لا بأس” أو “لا عليك” ولكنها لا توفي المعنى حقه، وبالطبع لاتساعد لغة الجسد الانجليزية المرافقة في نقل المعنى كاملا.

هذه التمارين اللغوية كانت فعالة جدا عندما عملت في اليابان لعدة أشهر وحاولت دراسة أساسيات لغة جديدة وغريبة، وسهلت علي أيضا دراستي للغة العربية، والتي لاتزال معرفتي فيها قليلة جدا ولكن ساعدني اعتيادي على التكيف والعمل مع الكلمات الجديدة، لم أدرس أبدا الأفعال المساعدة، أو توافق الصفة مع الأسم، أو صيغة الشرط في مدرستي الريفية في فرنسا، ولكني استوعبت كل هذه المفاهيم بالفطرة، وأرى ذلك يتكرر مع اللغات الأخرى.

يحكي كبار السن في الاسكندرية في أول القرن العشرين عن كيف كانوا يتنقلون في  الحديث بين العربية والفرنسية والانجليزية والايطالية واليونانية حسب الشخص الذي يخاطبونه، وكان هذا التنوع اللغوي عامودا لحياة الكثير من الاشخاص ذوي الثقافات المتعددة.

كانت تُنشر سبع صحف باللغة اليديشية وصحف أخرى بالايطالية والسويدية والألمانية في نيويورك خلال القرن التاسع عشر، وككل مناطق امريكا كانت نيويورك مدينة غنية بالاختلافات اللغوية حتى انصهرت جميعها تدريجا للغة قومية واحدة، وفي المجتمعات الحديثة من جاكرتا مرورا بجوهانسبرغ وحتى لوس انجلوس تعتمد الحياة على لغات مختلفة، ويوضح مسح لغوي للتغريدات الصادرة من نيويورك ولندن التنوع اللغوي فيهما، فخلف هذا السطر الواحد تظهر حشود الاعلانات التجارية والمهاجرين والسياح في مزيج متنوع من اللغات.

أحدى زميلاتي وهي سورية تجيد التحدث بخمس لغات: العربية والانجليزية والفرنسية واليونانية والأسبانية، محافظة على التراث الشامي المتعدد اللغات، تقول بأنها تستخدم الانجليزية للعمل، والفرنسية مع الأصدقاء والحوارات السياسية، والأسبانية عند الاستماع للموسيقى والاسترخاء، والعربية في البيت مع العائلة وكذلك للشتائم، واليونانية اثناء العطلات، بالنسبة لها دائما ما تبدل بين اللغات بكل مرونة، ويمكنها تطعيم ثقافات هذه اللغات جميعها مع بعض.

لكل لغة منظور معين للحياة، فعندما توفي نيلسون مانديلا، كثر الكلام عن (اوبنتو) وهي كلمة بلغة نغوني بونتو يمكن تفسيرها تقريبا لمعنى الانسانية المشتركة أو الأخوة بين البشر، بالطبع تعني أكثر من هذا لمن يفهم هذه اللغة، فعندما تتحدث عدة لغات تتوسع مداركك ولا تحتاج لترجمة قاصرة، تعلم لغة أخرى هي السبيل الوحيد للإحاطة بكل هذه المعاني.

ويشاع أيضا إن التحدث بلغة أخرى لايوسع المدارك ويعرفك بالثقافات وحسب بل ينمي ملكة ذهنية خاصة حسب كل لغة، فمن المشهور أن الألمانية تهيئ الشخص لفهم الموسيقى، ولغة الماندرين الصينية تشكل العقل لاستيعاب للرياضيات، والفرنسية أوالايطالية لغات الحب والشعر، والانجليزية لغة عملية تناسب الأعمال، وغيرها مما تشتهر به اللغات الأخرى. ويروى بأن الامبراطور الروماني تشارلز الخامس كان يخاطب الآلهة بالاسبانية، والنساء بالايطالية، والرجال بالفرنسية، وحصانه بالألمانية، بالطبع ستتفهم زميلتي السورية وستقول بأن عدم التقيد بلغة واحدة سيمنحك مفهوما جديدا للغة فالحرية عالمية.

عصفت اللغة بولائي أيام الطفولة، كنت أحاول البحث عن هويتي ولا أجدها مما شكل صراعا داخليا، وسيفهم ما أتحدث عنه أي شخص كاتالوني أوباسكي أوكردي، عندما لا تطابق اللغة التي تتحدثها في المنزل مع اللغة الرسمية يصبح الذهاب للمدرسة أمرا عسيرا، عانى البربر في شمال افريقيا والسكان الاصليين لأمريكا من هذه المحاباة، يزخر تاريخ الشعوب بأمثلة كثيرة على الصراع اللغوي، كمنع اللغة الفرنسية في لويزيانا اثناء السبعينيات والثمانينات، وقمع اللغة البريتانية في فرنسا بعد الحرب العالمية الأولى، والتضييق على اللغة الويلزية في القرن التاسع عشر، والكبح المستمر للغات السكان الأصليين في استراليا.

العلاقة بين اللغة والثقافة والهوية تجعل التنوع اللغوي في العالم أمرا أساسيا، تقدر اليونسكو بأن نصف لغات العالم والبالغ عددها 6000 لغة قد تنقرض بنهاية القرن، كل لغة وبالذات لغات السكان الأصليين في المناطق المستعمرة تحمل كنوزا لم تكتشف من المعرفة، وعندما يتوقف الناس عن التحدث بلغة ما فإن علوما ثمينة في الطب والزراعة والطبيعة سرعان ما تندثر و تندثر معها طرق مختلفة للنظر للحياة، ويرفع مشروع هانز روزينق للغات المهددة بالانقراض بدعم من قسم الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن شعارا مخيفا وهو: (كل كلمة مفقودة تعني فقدان عالم آخر).

و يجري العمل في اليونسكو على بحث بعنوان “اللغات المهددة بالإنقراض كأداة لدراسة وحفظ التنوع الحيوي ” ويشير البحث إلى دراسة لقبائل الامويشا في أعالي الأمازون والتي تربط بشكل مباشر بين قلة عدد المتحدثين الأصليين وقلة تنوع المحصول الزراعي المحلي. ونشرت دراسات من جامعة ولاية بنسلفانيا وجامعة اوكسفود عام 2012 في اعقاب مؤتمر الأكاديمة القومية للعلوم، أكدت على الارتباط بين الانخفاض المتسارع في أصناف النباتات والحيوانات وتوقع الإنقراض في لغات العالم، واكثرالمناطق المتضررة من نقصان التنوع الحيوي هي المناطق التي تموت فيها اللغات، فأكثر من 4800 لغة في العالم تتركز في المناطق المزدهرة بالتنوع الحيوي العالي.

دائما ما تنقسم اللغات وتتفرع، ولكن التناقص الحالي السريع للغات أمر يدعو للقلق، ولا يمكننا القاء كل اللوم على الانجليزية وانتشارها المستمر، بل إن العولمة التي جلبت معها الانجليزية ترمي بالثقافات المحلية والتنوع اللغوي عرض الحائط، خلف سيطرة اللغة الانجليزية تنطوي مخاطر عديدة لخصوصيات وطقوس ثقافة الأقليات والتي قد تندثر، واللغة المرتبطة بهذا الخطر هي الانجليزية المبسطة العالمية سريعة الانتشار، فالعولمة واللغة الانجليزية مرتبطتان بعلاقة تكافلية.

لافتات الفنادق ذات الترجمة الظريفة، والتي يتندر بها المتحدثين بالانجليزية عندما يصادفونها في سفرهم مثل “في حال الحريق الرجاء إثارة كل النزلاء” أو “لا تنجبوا الأطفال في بركة السباحة” تحمل دلالات ليست بتلك الطرافة، فاللغة الانجليزية اللهجينة لا تستعصي على متحديثها الأصليين وحسب، بل إنها تتشكل كدخان عشوائي ملوث بالمصطلحات الغريبة بلا إسم أوهوية حقيقية. فتاريخ الانجليزية العريق قد انجب لنا وبلا قصد هذا المنشق النشط العصي على التقويم، والذي يفسد بلاغة الغة التي انجبته وأي لغة أخرى يلقاها في طريقه، وكما تنشر ايكيا الأثاث نفسه في كل أنحاء العالم، فهذه الانجليزية الهجينة يساندها انتشار التكنولوجيا في كل مكان تزيل التفرد وتزرع التماثل.

قبل بضع سنوات قام جين باول نيريري -وهو مدير تسويق تنفيذي في شركة أي بي أم- بتبسيط الانجليزية لأسهل حد لغير المتحدثين بها وسماها “قلوبش”. قلوبش ليست كاللغات المصطنعة الأخرى كالاسبرانتو، فهي تعتبر أداة عملية أكثر من كونها لغة جديدة، فهي تستمد مفرداتها من مخزون ضيق ولكنه يستخدم دائما بين المتحدثين الغير أصليين للغة، وقد يكون مستقبل الأنجليزية كلغة عالمية كقلوبش بالضبط، نسخة هجين مبسطة وسهلة الاستخدام لاتجد فيها أي موسيقى.

وعلى الضد تماما، فإن نمو الأنجليزية العالمية المبسطة قد يدفع باللغات الأخرى للبروز على السطح، مما يبشر بعودة ثنائية وتعددية اللغات، أو يجلب على الأقل التنوع لدراسة اللغات من جديد، وبعكس الحاصل من التعثر التقني في الترجمة الفورية فإن ما سيأتي من بعد برنامج “بابل فيش” قد يفتح الباب على مصراعيه للغات العالم، فمثلا لدينا “ان تي تي دوكومو” وهو برنامج ياباني لادارة الاتصالات، يقوم بتطوير نظارات ترجمة فورية لتكون جاهزة للعمل في اولمبياد طوكيو 2020، وستمكن المتحدثين بلغتين مختلفتين من التفاهم وجها لوجه، ان وجود برامج كهذه تمكن اللغات المختلفة من التعايش جنبا إلى جنب في رحب جديد أوسع، وتعطينا الفرصة لرؤية العالم من زوايا مختلفة.

لا أنكر فائدة التحدث بالانجليزية أو دورها في عالمنا المترابط، ولكن هيمنتها لا تلغي حاجة ابنائي لتعلم لغات أخرى، بل على العكس فانتشار الانجليزية في العالم يعني أن متحدثيها الأصليين سيقابلون أجانب كثر، وإن لم أتصرف بحكمة فلن يكون لأطفالي أي ميزة مقارنة ببلايين الأطفال الأخرين الذين يتقنون الانجليزية بالإضافة للغاتهم الأصلية وأكثر.

وضعت أمامي هدفا وسأنجزه مهما كانت العقبات وهو تعليم ابنائي اللغة الفرنسية حتى لو لمستوى التحدث فقط دون الكتابة أو القراءة. وحدث مؤخرا موقف أعطاني بعض الأمل، فقد كنا في سوق في أقصى شرق لندن وسمعنا صيحات حماسية بالفرنسية واذا ببعض الفتية يلعبون كرة القدم في ملعب، توقفنا لمشاهدتهم وكان أبائهم يشاهدون من الرصيف المقابل، كان الفتية وآبائهم من عدة دول افريقية فرانكفونية، كساحل العاج والكونغو وغينيا، وبعدما بدأ ابني بمتابعة مجريات لعبهم قاموا بدعوته للعب، واثناء ركلاتهم للكرة هنا وهناك سمعت ابني يتحدث الفرنسية، ليست مرة واحدة بل عدة مرات.

نما لدى ابنائي اهتمام بافريقيا لعدة أيام بعد هذا الموقف. بحثنا في الانترنت عن صور لبنين وبوركينا فاسو والكونغو الجمهورية والديموقراطية ومدغشقر ومالي والسنغال وتونغو والغابون، وهذه بعض من الدول الفرانكفورية العديدة في افريقيا، ورأيت أبنائي وقد تتفتحت أمامهم آفاق جديدة لأول مرة وتريهم الفرص الهائلة في التواصل والتعرف على الآخرين، والفضل يعود لهذه اللغة التي اخاطبهم بها، فقد اتاحت لهم القاء نظرة من زاوية مختلفة على هذا العالم الفسيح.

هذا التلاقح الذي لا يمكن حسبانه مهدد بطغيان العولمة والصراعات في أنحاء العالم، موت لغة هو عرض واحد للأمراض العديدة التي تفتك بكوكبنا من الناحية البيئية أو الثقافية أو الاقتصادية، فالكلمات المنسية هي أشجار ساقطة، وفقدان لغة هو أرض قاحلة أخرى، ومن المحزن رؤية جذور الماضي العريق وفروع المستقبل اليانعة يتم تقطيعها اربا اربا.

تروي حكاية في الانجيل قصة سقوط برج بابل وتفرق الناس لألسنة مختلفة جعل من الصعب التواصل بينهم، ومع ذلك فلا يبدو أن الانجليزية المبسطة سترجع الناس للكلام بلغة واحدة، وحتى تاريخ الحروب الأهلية في الدول ذات اللغة الواحدة تظهر عكس هذا، واليوم حيث يحارب الاختلاف من كل الجهات ويقل عدد الطلاب الدارسين للغات الأجنبية في الدول الناطقة بالانجليزية، فإن كل ما اود ايصاله للعالم عندما اكافح لتعليم ابنائي لغة أخرى هو أن التنوع و التعدد هو أمر ضروري في الحياة.

 

 

 


المقال الأصل: Speaking in tongues: In a world that converses only in English, we’ll talk only of banal things: that’s why I want my children to be bilingual

error: المحتوى محمي