التبرير: إدارة المواقف لحماية المكانة الاجتماعية – عبد الرحمن الشقير

التبرير: إدارة المواقف لحماية المكانة الاجتماعية – عبد الرحمن الشقير


يدرس تراث علم الاجتماع التبرير Justification في سياقات الحياة اليومية، مثل: استخدام اللغة، وفي قواعد السلوك وآدابه، وفي الأخلاق. ويعد مفهوم التبرير من أحدث المفاهيم الاجتماعية والفلسفية التي طرحتها مدرسة فرانكفورت النقدية (معهد العلوم الاجتماعية سابقاً)، من خلال جهود الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني المعاصر راينر فورست Rainer Forst (ولد عام 1964)، وقد ربطه بالتبريرات السياسية.

ولم يحظ موضوع التبرير بما يستحقه من الدراسات الاجتماعية، على الرغم من أنه يخفي في كثير من المواقف أوجاعًا اجتماعية، ويغطي حجم تألم الفرد من الموقف المبرر له، ووضعه في بعض الحالات أسيرًا للصورة المثالية للثقافة والعادات والقيم التي نسجها المجتمع، أو يعيد نسج جزء منها باستمرار مصحوبة بتبريرات مستمرة، ومن منظور آخر فالتبرير يزيل كثيرًا من الاحتقان الاجتماعي ويصحح اللبس الذي يقع مرارًا في المواقف العابرة، ولكنه قد يأزمها في حال غاب التبرير، ومن هنا يعد مفهوم التبرير مدخلاً مهماً وجديداً لفهم الآخرين، وفهم الإنسان لذاته. وما بين استخدام التبرير لإخفاء المواجع وتلطيف المواقف، قد يستخدم التبرير بشكل مبالغ فيه، ومن ثم يكون مصحوباً بالكذب من أجل إدارة المواقف الاجتماعية بطرق أنانية.

تسعى هذه الورقة للفت الانتباه لأهمية مفهوم التبرير في الفضاءات السياسية والاجتماعية، بوصفه ظاهرة اجتماعية، وليست مشاعر ذاتية، فالإنسان تبريري بطبعه مثلما هو مدني بطبعه، إذ إن التبريرات إنما هي استراتيجيات للكسب وتجنب الخسائر وتقع ضمن منظومة أخلاقية في السياسية والاقتصاد والقانون والمكانة الاجتماعية.

 

تعريف المفهوم ومقاربة اجتماعية

التبريرات هي عبارة عن أقوال أو محررات مكتوبة أو إيماءات جسدية أو أفعال تخضع لاستراتيجيات الأشخاص المتفاعلين في موقف معين من أجل حماية المكانة الاجتماعية أو المحافظة على سلامة قواعد السلوك وآدابه. والتبرير لغوياً مرادف للتسويغ، وقد أجاز مجمع اللغة العربية استخدام هذه اللفظة، إذ ورد في “المعجم الوسيط”: “برَّر عمله: زكّاه، وذكر من الأسباب ما يبيحه، مُحْدَثة”[1]. ويدرس التبرير فلسفياً من جانب علاقته بالأخلاق وبالحق، جاء في “المعجم الفلسفي” لجميل صليبا: “الغرض من التبرير إيقاع التعليق والارتباط بين الواقع والحق، أي ذكر الأسباب التي تبيح الشيء وتجوّزه وتسوّغه من الناحيتين المنطقية والأخلاقية. ولذلك قيل: إن التبرير هو ما يبين به المرء وجهة نظره في تصرفٍ أو رأيٍ معترض عليه”[2]. وهذا التعريف يؤكد على خطورة فصل التبرير عن الأخلاق والحق.

تعد التبريرات نابعة من الصورة المثالية التي رسمها المجتمع والمتجسدة في الذهنية الشعبية، ويتم تداولها بين أفراد المجتمع ومحاولات تقريبها بشكل يومي ولحظي مستمر، باستخدام التبريرات. إذ إن وتيرة التبرير زادت بشكل كبير، ودخلت في جميع عناصر الحياة الحديثة والمعقدة التي فككت التجانس الاجتماعي، فصار الفرد يبرر ثقافته وسلوكه وذوقه وهواياته وأسلوب حياته وعلاقاته ودخله المادي…، وإذا عجز عن التبرير أو تنبه إلى أن تقييم المجتمع لتبريراته غير مقبول، فإنه يستخدم استراتيجية التبرير لذاته بأنه حر في فعله، وليس لأحد عليه سلطان، وأنه يقوم بما يؤمن به ولو أغضب المجتمع.

ويحدد مارفين سكوت أربعة أشكال من التبريرات هي:

  • استدعاء الحوادث المشابهة، ويقصد به التبرير بقوة قاهرة تسببت في الإخلال بالالتزام، كوقوع حادث سير والزحام.

  • اللجوء إلى التبريرات البيولوجية، كالمرض والإرهاق.

  • التنصل من الفعل، من خلال استخدام الفرد تبريرات عقلانية ومنطقية كالإنكار بالمعرفة أو الادعاء بأنه مسلوب الإرادة يمكن أن تعفيه من الالتزام أو العقوبة.

  • اللجوء إلى كبش الفداء[3]، ويقصد به التضحية بالشخص غير المهم في المجموعة لحماية من هم أهم منه.

 

دورة حياة التبريرات

تخضع التبريرات إلى دورة حياة اجتماعية مكتملة، إذ تبدأ التبريرات من الفرد ويسمى الفاعل الاجتماعي، حيث يقع منه خطأ مقصود أو غير مقصود، وبذلك يكون في موقف اجتماعي يمسّ مكانته الاجتماعية وسمعته، ثم يحدد الإدراك العقلي عنده حجم الموقف ومدى أهمية الآخرين، الذين يعدون فاعلين اجتماعيين، ومن هنا عليه أن يتبع استراتيجيات لضمان قبول تبريره، وغالباً ما يبرر بلغة كلام لطيف ويستدعي معه ذكريات أو تاريخ أو علاقات أو مواقف تعزز تبريره، أو يبرر لغة الجسد بالتواضع أو الرضوخ أو الإيماءة، بحسب ما يحتمله الموقف، أو يتجاهل الموقف على أمل أن يتم إصلاحه ذاتياً مع مرور الوقت. وإذا انتهى الفرد من عرض تبريره، فإنه يخضع للتقييم من قبل الآخرين، فإما أن يقبلونه أو يرفضونه كلياً أو جزئياً، أما إذا كانت التبريرات غير منطقية أو تحمل في مضامينها تضليلًا مقصودًا، فإن الفرد سيكون محل اتهام مما يراكم عليه المسؤوليات. وفي ضوء هذا التقييم تتحدد العلاقة الجديدة بين المتفاعلين الأفراد، فقد يكون الثمن نسيان الموقف أو استعادته عند تكراره، لارتباطه المباشر بتحديد مكانة الفرد في المجتمع، نظراً لأن الآخرين سوف ينشرون خبر الخطأ وسوء التبرير في حال فشل الفرد في احتواء الموقف وإعطاء عناية قصوى لتبرير موقفه.

 

مستويات التبرير

تظهر مكانة الإنسان وتتحدد طبقته الاجتماعية من خلال اللغة التي يستخدمها في تبريراته في الحياة اليومية، إذ كلما زاد إدراكه بواقعه وزاد مخزونه اللغوي وتمتع بخيال اجتماعي كبير يمكنه من ضمان كسب المواقف، فإنه يستخدم عبارات تليق بالأشخاص المخاطبين المبرر لهم، وتمنحهم حقهم من التقدير، الذي سوف يعد رأس مالاً لغوياً يمكن استثماره. في حين من يستخدم تبريرات متناقضة أو هشة وبلغة سطحية، فإنه معرض لخسران الموقف الاجتماعي، ومهدد بمراكمة التبريرات التي توقعه في مشكلات اجتماعية.

وللتبرير مستويات اجتماعية، تقع في عمق حياتنا اليومية، ولها صلة مباشرة بمكانة الفرد والجماعة الاجتماعية والاقتصادية، من حيث قدرته على التأثير في الآخرين لتغيير مواقفهم أو لاحتوائهم، ومدى استيعابه للموقف الاجتماعي، ويبنى عليها كثير من قواعد السلوك وآدابه، كما يترتب عليها التزامات إذا كانت تبريرات لقضايا جنائية. وسوف تحلل هذه الورقة ثلاثة مستويات للتبرير، هي: التبرير على مستوى الأفراد، وعلى مستوى المؤسسات، وعلى مستوى الجماعة. وذلك كما يلي:

أولاً: تبريرات الفرد من أجل الدفاع عن مكانته

يلجأ الفرد إلى اتباع استراتيجيات التبرير عندما يخطئ خطأ مقصودًا

أو غير مقصود، أو عندما يساء فهمه، أو عندما يحاول الإنكار، وقد يتبرع لتبرير أفعال آخرين يهمه الإبقاء على سلامة مكانتهم وحفظ سمعتهم من الخدش. ويتخذ التبرير شكلين هما: اللفظ المنطوق، أو الفعل من خلال ممارسات مقصودة وموجهة أو إيماءة، وقد يجد الفرد نفسه مضطراً لاتخاذ أي منهما، حتى ولو لم يطلب منه التبرير، إذا توقع أن مكانته سوف تتضرر في حال صمته، أو حماية لسمعته أو هرباً من إلحاق العقوبة عليه، وقد درس علماء الاجتماع تبريرات الأفراد في سياقات قواعد السلوك، كما يلي:

  • معجم الدوافع

استخدم رايت ميلز مصطلح “معجم الدوافع” Vocabularies of Motives ليشير إلى اللغة التي يصف بها الناس دوافعهم وتبريراتهم لأفعالهم، ويهدف ميلز إلى دراسة استخدام الناس للغة بقصد وصف دوافعهم وتبريراتهم، والبحث في الأساليب التي يتحدث بها الناس عن دوافعهم في سياق اجتماعي معين، والنقطة المهمة في تحليل مفهوم الدوافع أن ميلز لم ينطلق من سيكولوجية الدوافع، ولم يهتم بالدوافع والإشباعات لسيجموند فرويد، إذ يرى ميلز أن الحديث عن الدوافع عادة ما يكون جزءاً من إيديولوجية أعم، بحيث تصبح الدوافع أكثر قبولاً في سياقات بعينها مقارنة بسياقات أخرى، فالدوافع والتبريرات نسبية، ويضرب ميلز مثالاً باللص الذي تختلف تبريراته بحسب المتلقي، فهو يبرر سرقاته بدوافع مختلفة عند تفسير سلوكه، سواء أمام أصدقائه اللصوص، أو لأسرته، أو في المحكمة، فالسياقات والآخرون المهمون بالنسبة للشخص يحدثون تحولاً فيما يقال في تبرير الدوافع[4].

بموجب مفهوم ميلز للتبريرات، فإن معجم الدوافع أو التبريرات تعد عنده ظاهرة اجتماعية، وليست نفسية، بوصفها تبريرات مبنية على التفاعل الاجتماعي بحسب الحقل الذي صيغت فيه، ومن ثم فهي تخضع لاستراتيجيات الفرد المبرر للموقف بحسب المتلقين، ولا تخضع بالضرورة لقيم الصدق أو المجاملة، لأنه يبنى عليها تحولات اجتماعية واقتصادية وأمنية في الواقع تمس مصالح الفرد ومكانته. ويمثل معجم الدوافع الصفة الدائمة للتبريرات وهي العلاقة بين متغيرين يكون بينهما ارتباط شرطي في الغالب، مثل: كلما طُلقت المتزوجة برر أهلها سبب طلاقها، وقد تبرر المطلقة طلاقها بإقامة “حفلة طلاق”، وهذا تبرير بالفعل يقصد به إظهار الدفاع عن الذات والاحتجاج على النظرة الشعبية التي تنتقص من مكانة المطلقة. ومن تتبع مظاهر التبريرات الدائمة في عادات المجتمع، تبين أن المواقف تبرر من أجل حماية المكانة الاجتماعية.

  • الرتق

يقصد بالرتق: إغلاق الموقف الاجتماعي العابر باستخدام التبرير، وهو يمثل الصفة الدائمة للتبريرات التي تمارس بشكل طبيعي لتجاوز المواقف العارضة، مثل التبرير لعدم الرد على اتصال، أو عدم إعطاء شخص ما يستحقه من التقدير بسبب جهله به أو عدم رؤيته، أو التبرير للتأخر عن موعد…، وقد فكك إرفنج جوفمان، وهو من أبرز العلماء المعنيين بتفكيك الحياة اليومية، جانبًا من التبريرات في سياق قواعد السلوك وآدابه، وسماها الرتق repair، وذلك لأن النشاط الرتقي يضطلع بوظيفة تغيير المعنى الذي يمكن إسناده لعمل، وتحويل ما قد يمكن اعتباره إهانة إلى ما يمكن أن يعد مقبولاً، ويرى جوفمان أن أكثر صيغ نشاط الرتق هي التبريرات والاعتذارات والرجاء، إذ يقول: “عندما يكون شخصان احدهما بجانب الآخر، فإنه تطرأ أحداث عديدة غير متوقعة يخشى أن تلقي عليهما أضواء غير ملائمة، فالفرد ينتبه إلى أنه سلك أو سوف يسلك سلوكاً يبعث على الظن أنه اعتدى على ضروب حرم فرد آخر ومشمولاته، أو انتبه إلى أنه سيتسبب في حصول انطباع رديء حول شخصه، أو ينتبه إلى الأمرين، وفي مثل هذه الظروف يقوم عامة بنشاط رتقي بقصد أن يعيد فرض تعريفه بذاته يرضيه”[5].

يقع تفكيك جوفمان في سياق التبرير من أجل إغلاق الموقف الاجتماعي العابر، ويتضمن: إهانة، فرتق، فقبول الرتق، ويضرب مثالاً بشخص داس على قدم آخر (إهانة)، فاعتذر (رتق)، فجاء الرد: لا داعي للاعتذار (قبول الرتق)، والرتق يشير إلى مجموعة الإجراءات المتوفرة لإصلاح الخطأ ورتق الانتهاكات والمنغصات التي يتعرض لها التفاعل في مختلف مستويات تنظيمه[6]. وتحت هذا الرتق البسيط يمكن أن يأخذ الموقف أشكالاً معقدة في حال لم يرتق المخطئ خطأه المهين، أو اعتذر بأسلوب لا يليق، أو في حال لم يتقبل الشخص المهان العذر، أو انتقم بكلمات أو إيماءة أو نظرة تحقيرية للمخطئ.

  • الملطف

تقع التبريرات في سياق قواعد السلوك وآدابه أيضاً ولكن بقصد الإبقاء على تلطيف الموقف وليس رتقه، وأنه مهمة الأطراف الفاعلين في الموقف، وليس مهمة المخطئ وحده، إذ تدرسها معاجم نقد الخطاب بنظرية الملطّف Adoucisseur، وتسمى عند الفيلسوف ريبو بمنطق العواطف. ويقصد بها الإبقاء على حد أدنى من الانسجام بين المتحاورين، وأن يبذلوا جهداً لتلطيف كل ما يذهب بماء الوجه، مما يحملون على ارتكابه تجاه الفاعلين الاجتماعيين، كالأوامر والانتقادات والدحض والتعزير[7].

  • التبرير المضلل

تعتمد استراتيجيات الفرد في التبرير على الأنانية وما يمكن أن يستفيد منه وليس على ما يحمله من قيم، وهذه سمة عامة للمدنية، وبالتالي فهو يستخدم التبرير المضلل الذي لا يكذب فيه ولكنه لا يقول الحقيقة، وحتى نتصور حجم تناقض استراتيجيات الفرد في استخدام التبرير، في الحياة اليومية، وأنه يقدم تبريرات منطقية لآخرين في حين أنه عندما يبحث في محركات البحث مثل قوقل، فإنه يكون في غاية الصراحة؛ لأنه لا أحد يقيمه أو يراقبه، وقد ظهر مؤخراً أساليب بحثية تكشف عن حقيقة ما يؤمن به الفرد وما يخادع فيه الآخرين لتبرير فعله، ففي كتاب everybody Lies: What the Internet Can We Really Are “الكل يكذب: ماذا يخبرنا الإنترنت عن حقيقتنا” (2018) لمؤلفه سيث ستيفنس دافيدوفتيز، حلل أساليب الناس في البحث عن ما يرغبون بمحرك البحث قوقل، من خلال بيانات ضخمة تصل إلى ثمانية تريلون جيجا، ومن ضمن نتائجه التي توصل لها، أن الناس في جميع تخصصاتها ومختلف الفئات العمرية من كل أنحاء العالم، تقدم تبريرات منطقية لرغباتها، لكن حقيقتها تظهر من خلال ما تبحث عنه في قوقل، وليس ما تقوله للآخرين.

   ثانياً: التبرير المؤسسي من أجل العدالة

تتحقق العدالة، وتشرعن برامج مؤسسات الدولة شعبياً من خلال تبريرات القرارات والسياسات، وقد ارتبط مفهوم التبرير حديثاً في سياق العدالة السياسية براينر فورست من خلال كتابه “الحق في التبرير” (2012)، وكتابه “العدالة، الديموقراطية والحق في التبرير” (2014)، وقد تركز تحليل فورست للتبرير على استخدام التبرير من أجل العدالة السياسية والمساواة على أسس أخلاقية، وتقع نظريته عن التبرير في إطار نقدي لعالم يشهد تفلتاً أخلاقياً من خلال العنصرية والإقصاء والاحتقار. أشار في كتابه “التبرير والنقد: نحو نظرية نقدية للسياسة” Justification and Critique: Towards a Critical” “Theory of Politics  (2011)، تقوم النظرية النقدية لدى فورست على نقد سلطة المعيار الاجتماعي، أي نقد العلاقات السلطوية. فعندما ينخرط الشعب في صراعات ضد اللاعدالة، فإنه في هذه الحالة يصارع أشكالا من السيطرة عليه. ويعد التبرير السياسي هنا، بؤرة مركزية لبناء هذا الرهان. فالشخص الذي يطالب بالتبرير، هو ذلك الشخص الذي يقع خارج التوزيع والإنتاج، كما أنه عرضة لممارسات احتقارية تخدش كرامته.

ومن ثم، فالجهات المسؤولة عن هذا الفعل، أكانت سلطات سياسية أو اجتماعية، يجب أن تقدم تبريرات عن ممارسات اقترفتها وخلفت آثارا مادية ونفسية على ضحايا سُلبوا من حقهم في الكلام والفعل، كما تعرضوا للإهانة وعدم الاحترام[8].

فهو يرى أن مطالبات الجماعة أو المجتمع إنما هي مطالبات لتبرير السياسات، وأن التبرير المؤسسي يمنح الاعتراف السياسي والاجتماعي، وذلك لأنها متعلقة بتحديد أدوار الفاعلين السياسيين والاجتماعيين وبالمسؤولية الأخلاقية.

ثالثاً: تبرير الجماعة للأفراد

لم يتحدث علماء الاجتماع عن تبريرات المجتمع كما يبدو، وذلك لأنهم درسوا ظاهرة التبرير في سياق التفاعلية الرمزية بحيث يكون التحليل على مستوى وحدة الفرد، في حين تعيش المجتمعات العربية على وحدة الجماعة، المتمثلة في الأسرة والقرابة والقبيلة بوصفها رأس مال رمزي ينبغي حمايته، بحسب كل مجتمع، ومن ثم فإن مكانة الفرد العربي وسمعته جزء لا يتجزأ من مكانة أسرته وقبيلته وقرابته، فيكون تبرير ما يصدر منهم مرتبطًا بمكانته وحماية لمصالحه. ويقصد بالمجتمع أي جماعة تنتمي لعصبية، سواء كانت قبلية أو دينية أو رياضية. وتتجلى مظاهر التبرير في المجتمع السعودي، بوصفه نموذجاً للمجتمع العربي، في البيانات التي تصدرها الأسر لتبرير سلوك أحد أفرادها أو للتنصل منه، وقد انتشر هذا النمط في الأسر التي يكون من أفرادها شخص انضم إلى جماعات دينية متشددة، وقام بعمل عدائي ضد مؤسسات الدولة.

وينتشر تبرير الجماهير للأفراد المشاهير الذين يملكون شعبوية في المجتمع، وغالباً ما يكون هؤلاء الأفراد شخصيات مرموقة إعلامياً وشعبياً، وأكثر المجالات التي تظهر فيها تبريرات الجماهير للأفراد هي الشهرة الدينية. فالجماهير عاطفية بطبعها، ويصعب عليها إدانة رموزها أو رؤيتهم في موقف خاطئ، لذلك تلجأ إلى الإنكار بالتبرير، أو استدعاء مواقف خاطئة مشابهة لإظهار أن الموقف طبيعي أو منتشر، ويبدو أن سبب تبرير الجماعات المتدينة لرموزها لأنهم يحملون عنهم أوزارهم، أو يقعون تحت طائلة المقولة الشعبية: “خل بينك وبين النار مطوع”، وهي مقولة تبريرية لها ما يماثلها في بعض العقائد كالمسيحية التي يتحمل فيها رجل الدين خطيئة أتباعه بعقيدة (الخلاص)، فيدافعون عنه ويبررون أخطاءه.

 

ختاماً

ظهر من عرض مفهوم التبرير في أدبيات علم الاجتماعي أن الفرد والمؤسسات والجماعات يستخدمون التبرير، بشقيه السلبي والإيجابي، من أجل حماية مكانتهم الاجتماعية، ومن أجل الاحتفاظ بتجانس المواقف، ومن اجل تقديم تطمينات بأن قراراتهم وافعالهم كانت في سياقات غير عدوانية ولا مصادمة لقيم المجتمع.

يمكن القول بأن التبرير يمثل الآن عصب الحياة اليومية للأفراد والمؤسسات، فهو يقع في صميم عمل مؤسسات الضبط الاجتماعي مثل: القضاء والمحاماة والنيابة العامة وأمن الدولة والشرط، وفي المؤسسات الاقتصادية والخدمية، وتكاد تكون جميع العمليات التفاعلية وما تنتج عنه من مكاسب وخسائر مبنية على التبريرات. ومن ثم فهذه الورقة دعوة للاهتمام بمفهوم التبريرات، والتعرف على تأثيرها في المجتمع، والعائد الأخلاقي منها، والتحولات الثقافية التي طرأت عليها، واستشراف مستقبلها.

 

 

 


المراجع

إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط، القاهرة: مجمع اللغة العربية.

باتريك شارودو ودومينيك منغنو (إشراف)، معجم تحليل الخطاب، ترجمة عبدالقادر المهيري وحمادي صمّود، تونس: دار سيناترا- المركز الوطني للترجمة، 2008.

     جميل صليبا، المعجم الفلسفي، بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1982.

   جون سكوت وجوردون مارشال. موسوعة علم الاجتماع، ترجمة محمد الجوهري وآخرون، القاهرة: المركز القومي للترجمة، ط٢، 2011م.

   خالد كاظم أبو دوح، التبريرات: استخدامات اللغة في إعادة بناء   التفاعلات الاجتماعية، منشور بمجلة حكمة الإلكترونية بتاريخ 3/ 9/ 2017، على الرابط: http://hekmah.org

عزيز الهلالي، من الاعتراف إلى التبرير حوار نقدي بين نانسي فريزر وأكسيل هونت وراينر فورست، مجلة الأزمنة الحديثة- المغرب، عدد 14، 2017.

[1] إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط، القاهرة: مجمع اللغة العربية، ص 48

[2] جميل صليبا، المعجم الفلسفي، بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1982، ج 1 ص 237

[3] خالد كاظم أبو دوح، التبريرات: استخدامات اللغة في إعادة بناء التفاعلات الاجتماعية، منشور بمجلة حكمة الإلكترونية بتاريخ 3/ 9/ 2017، على الرابط: http://hekmah.org

[4] جون سكوت وجوردون مارشال. موسوعة علم الاجتماع، ترجمة محمد الجوهري وآخرون، القاهرة: المركز القومي للترجمة، ط٢، 2011م. ج 3 ص 196

[5] باتريك شارودو ودومينيك منغنو (إشراف)، معجم تحليل الخطاب، ترجمة عبدالقادر المهيري وحمادي صمّود، تونس: دار سيناترا- المركز الوطني للترجمة، 2008، ص 486

[6] باتريك شارودو ودومينيك منغنو (إشراف)، معجم تحليل الخطاب، مرجع سابق، ص 487

[7] باتريك شارودو ودومينيك منغنو (إشراف)، معجم تحليل الخطاب، مرجع سابق، ص 30

[8] عزيز الهلالي، من الاعتراف إلى التبرير… حوار نقدي بين نانسي فريزر وأكسيل هونت وراينر فورست، مجلة الأزمنة الحديثة- المغرب، عدد 14، 2017، ص 51

error: المحتوى محمي