البيروقراطية والكاريزما: فلسفة تاريخية – ماكس فيبر / ترجمة: سيرين الحاج حسين

البيروقراطية والكاريزما: فلسفة تاريخية – ماكس فيبر / ترجمة: سيرين الحاج حسين


“من ماكس فيبر” هو اسم مجموعة مقالات لماكس فيبر، ترجمها رايت ميلز وهانز غيرث من الألمانية للإنجليزية، ثم قاما بجمعها في كتاب. قبل سرد هذه المقالات كتب غيرث وميلز مقدمة طويلة تشمل فصل في “الاتّجاهات الفكرية Intellectual Orientations” لماكس فيبر؛ وترتيب هذه الاتّجاهات كما تطرقها لها كان كالتالي:

  • Marx and Weber – ماركس وفيبر

  • Bureaucracy and Charisma: a Philosophy of History – البيروقراطية والكاريزما : فلسفة تاريخية

  • Methods of Social Science – مناهج العلوم الاجتماعية

  • The Sociology of Ideas and Interests – علم اجتماع الأفكار والاهتمامات

  • Social Structures and Types of Capitalism – البناءات الاجتماعية وأنواع الرأسمالية

  • Conditions of Freedom and the Image of Man – ظروف الحرية وصورة المرء

أنوي أن أُترجم منها دوريًّا، وأبدأ اليوم في ترجمة المبحث الثاني:

Bureaucracy and Charisma: A Philosophy of History

البيروقراطية والكاريزما : فلسفة تاريخية

ملاحظة: أطلق ميلز وغيرث على هذا الباب مسمى “البيروقراطية والكاريزما”؛ لكنني أجد محور الموضوع هنا هو الكاريزما لا البيروقراطية. ولم يتم الإشارة للبيروقراطية إلا بلمحات خاطفة.

مبدأ العقلانية هو أكثر عنصر شائع من عناصر فلسفة ماكس فيبر التاريخية. كان قيام وسقوط المؤسسات الاجتماعية، وصعود وانحدار الطبقات والأحزاب والحكام، قد سبب انجرافًا شديدًا نحو العقلانية العلمانية. عند التفكير في تغيير الاتجاهات والتفكير الذي تحدثه هذه العملية؛ فضّل فيبر أن يقتبس عبارة فريدريك سكيلر “التخلُّص من الوهم”. ومن ثم فإن مدى واتجاه العقلانية يُنظر له بسلبية من ناحية درجة إزالته للعناصر الساحرة (أو العاطفية) من الفكر، أو بإيجابية من حيث اكتساب الأفكار تماسك منهجي واتّساق طبيعي.

إيجاد الدوافع لتفسير الكون بهذا الشمول الواسع، وبهذه المعاني، يُنسب لمجموعات من المفكرين، الأنبياء، المعلمين، الحكماء والفلاسفة، القضاة والفنانين، العلماء والباحثين التجريبيين. العقلانية لها جوانب مختلفة اجتماعيا وتاريخيًا؛ وبالتالي تتوصّل تعريفاتها لعدة معاني مختلفة. في هذا المجال أسهم ماكس فيبر مساهمة بارعة قادت لإيجاد ما يُسمّى بـ “علم اجتماع المعرفة”.

نظرة فيبر تجاه “التخلُّص من الوهم” تُجسّد عنصرًا أساسيًا من الليبرالية ومن فلسفة التنوير التي فسّرت تاريخ الإنسان كعملية نحو كمال أخلاقي “تسامي”، أو نحو العقلانية التكنولوجية. ومع هذا فإن نفوره المشكك تجاه أي عنصر فلسفي في العلوم التجريبية منع أي بناء واضح للزمن التاريخي من منظور التطور الدائري. حتى الآن؛ استمرار تطور الثقافة الأوربية يُعرف بأنه تطور إما على هيئة حركات دائرية أو موجّهة بشكل لا غموض فيه؛ يمكن اعتبار أن هذه التنمية أو العملية من التطور واردة بشكل ضمني في فكرة فيبر عن الاتجاه البيروقراطي.

استعار فيبر مفهوم “الكاريزما” من رودولف سوم؛ المؤرخ والقاضي التابع لكنيسة ستراسبورغ. كاريزما، تعني حرفيا هدية أو نعمة، استعملها فيبر ليميّز القادة الذين نصبوا أنفسهم لهذا الدور، وهو أن يتبعهم الآخرون الذين هم في محنة أو بحاجة لاتباع قائد، لإيمانهم بأن القائد مُتأهل لمهمة القيادة بشكل غير طبيعي اختصوا به (وليس صفة تكتسب). دعاة الأديان المختلفة، والأنبياء، والأبطال السياسيين هم نموذج أساسي للقائد الكاريزمي. المعجزات، الاكتشافات، المآثر البطولية والنجاح المحيّر منقطع النظير هي سمات أو مؤشرات للشخصية الكاريزمية.

مع أن فيبر على دراية بحقيقة أن الديناميكا الاجتماعية ناتجة عن العديد من القوات والعوامل الاجتماعية؛ لكنه يؤكد بشكل خاص على دور ظهور الشخصيات الكاريزمانية كعامل أساسي للتغير الاجتماعي. طابع حركات الشخصيات الكاريزمية حماسي، مما يفسح المجال، أو يهيئ في بعض الظروف، للتآخي والشعور بالمسؤولية الاجتماعية والانتماء. وبناء على هذا؛ يُعتبر الأبطال الكاريزميون والأنبياء شخصيات أحدثت تغييرًا حقيقيًا في التاريخ.

البيروقراطية وأنظمة أخرى؛ خصوصًا النظام الأُسري؛ هي جزء أساسي من الحياة اليومية؛ الكاريزما تخالف كل الإجراءات المؤسسية، سواء الناتجة عن عادات أو أنظمة عقلانية. هذا ينطبق على النظام الاقتصادي: ويبر يميز الفاتحين (في المعارك التاريخية) واللصوص كشخصيات كاريزمية. مفهوم الكاريزمية خالي من أي تقييمات حين يكون بطريقة فنية بحتة. ستيفن جورج  بالإضافة إلى جيرميا، نابليون وعيسى عليه السلام، كل هؤلاء يتميزون بالقيادة الكاريزمية، لذلك يملكون صفة مشتركة وهي كون الناس تطيعهم أو تتبعهم لإيمانهم بأنها شخصيات استثنائية.

الحالة الكاريزمية الحقيقية مباشرة ومتداخلة بين الأشخاص. وبالمقابل في الحياة اليومية للمؤسسات التي تكون القيادة فيها ذات طبيعة عفوية، للمرء أن يميز بسهولة التراث الليبرالي الذي واجه دائمًا انقسامات مشابهة: الكتلة مقابل الشخصية، الروتين مقابل الإبداع، اتفاقيات الأشخاص العاديين مقابل الحرية الداخلية للشخصيات الرائدة والاستثنائية، القواعد التنظيمية بمقابل العفوية،  الكدح والملل للوجود العادي بمقابل الرحلة الخيالية في حياة العبقري. بجانب إسمانية منهجه؛ تعريف فيبر للكاريزمية هو فلسفة تاريخية مستمرة، شكلت تأثيرًا هامًا –بالإضافة إلى كتاب كارليل حول الأبطال واتّباعهم – على الكتابة التاريخية في العهد التاسع عشر. في مثل هذا التركيز، تخليد ذكرى أحدهم صار مصدر قوة أو عامل قوة أساسي عبر التاريخ.

مفهوم فيبر عن القائد الكاريزمي مرتبط بمفهوم “العبقري” كما لو أنه موجود منذ عهد النهضة للقواد الفنيين والثقافيين. ضمن السياق الأخلاقي للتاريخ، و.ه. ليكي W. E. H. Lecky  وسّع المفهوم بطريقة يمكن تطبيقها على الذين يقودون أو يحددون السلوك البشري أكثر ممن أن يكون محصور على الرموز من المبدعين. فلم يعد التركيز فقط على المفكرين في هذا بل على القدوات ككل؛ كما توضح القطعة التالية.

يظهر من وقت لآخر أشخاص يعطون الواقع الأخلاقي الذي يعيشونه نفس الاهتمام الذي يعطيه العباقرة تجاه الواقع الفكري والعلمي في وقتهم. هم توقّعوا المعايير الأخلاقية لأوقات مستقبلية، مثلُا ينشرون مفاهيم كالفضيلة الخالصة (الفضيلة المُنزّهة كهدف في ذاتها غير ربح الشخص وصورته)، والعمل الخيري والإيثار، وهذه المفاهيم التي يبدو أنها لم تكن تنتمي لأجواء الأوقات التي عاشوا فيها. غرسوا الشعور بهذه الواجبات واقترحوا الدوافع للفعل الذي يبدو لأغلب الناس كفعل خيالي، اشتعل الحماس في معاصريهم، تشكلت مجموعات من الأتباع، وتحرر الكثيرون من أٌطر الوضع الثقافي الذي كانوا يعاصرونه. مع هذا؛ الآثار الكاملة لهذه الحركات كانت عابرة. أول شعلة حماس انطفأت مع الظروف المحيطة التي تصاعدت هيمنتها؛ الإيمان بعد أن كان نقيا أصبح ماديا؛ مُشوّبًا بمفاهيم مشوهة غريبة عن طبيعته.. حتى أوشكت معالمه الأولى على الاختفاء.  التعاليم الأخلاقية التي لا تتناسب مع ذلك الوقت كانت غير فعالة حتى تظهر حضارة جديدة؛ أو في أفضل الأحوال كانت تحاول هذه التعاليم شق طريقها بضعف وبصوت خافت بين ركام من العقائد والمبادئ، وبالتالي سرعت –ببعض المقاييس- وصول الحالة الاجتماعية التي كانت تتطلبها.

يبدو أن ليكي كان مهتمًا بالعبقري كشخص غير عادي كان يتجاوز قيود الحياة اليومية؛ وبهذا تنذر رؤيته بواحدة من أهم نظريات فيبر: روتينية الكاريزما. ومثل ليكي؛ يرى فيبر الحالة الكاريزمية الحقيقية تمهّد طريقًا للعادات الوليدة؛ التي تنشأ من حالات غير عادية من الحماس والتفاني. بعد أن أٌعطيت العادات والعقائد القديمة طابعًا من الديموقراطية؛ تعرضت لبعض التعديلات الفكرية لتتناسب مع حاجات تلك الفئة التي تصبح الناقل الرئيسي لرسالة القائد. إن لم تُنقل هذه الأفكار بهذه الطريقة -بغض النظر عن جدارتها الجوهرية- إما ستفشل الرسالة من التأثير على الحياة اليومية أو أن هؤلاء الذين سيتأثرون بها سيبقون منغلقون بطريقة حياة خاصة وغرباء على بُنية المجتمع الأصلي الذين ينتمون له. ديانات الهند –بحسب فيبر- كانت غالبًا ما تنتهي كعقائد لـ(أرستقراطيو الخلاص).

التركيز على “سيادة الرجل الكاريزمي” لا يقلل من آليات الأنظمة؛ بل على العكس من ذلك؛ عن طريق تتبع روتينية الكاريزما استطاع فيبر أن يجعل للروتين المُنظَّم وزنًا أثقل -مع أنه يؤكد على حتمية اجتماعية من خلال روتينية الكاريزما-. سيطرته على هذه المشكلة تظهر سعيه المستمر للحفاظ على التعددية السببية وتحقيق التوازن للنظام الاقتصادي.

بشكل عام؛ تفسير فيبر للدينامية التاريخية من منظور الكاريزما والروتينية هي محاولة لطرح مجموعة نتائج غير متوقعة. كاريزما الساعة الأولى (شعلة الحماس) قد تُحرِّض أتباع المقاتل أو النبي أو البطل أيّا كان للتخلي عن المنفعة في سبيل قيم سامية؛ لكن خلال عملية روتينية الكاريزما (جعل الكاريزما روتين) مع الوقت تعتبر المصالح المادية أو المنافع المادية المتزايدة لأتباع هذا القائد عامل مُقنِع لهم.

قد تصبح إحدى الحركات الكاريزماتية روتينية كجزء من النظام التقليدي أو البيروقراطي. الطريق الذي ستأخذه لا يعتمد  بصورة أساسية على النوايا الذاتية لأتباع القائد بل على الإيطار التنظيمي للحركة، وتحديدًا على النظام الاقتصادي. روتينية الكاريزما تتطابق مع التكيف مع الأوضاع الاقتصادية التي تؤثر بصورة مستمرًا على روتين الحياة العملية اليومية. الاقتصاد هنا إذًا يقود ولا يُقاد. كما في هذا السياق تحديدًا دور القيادة يُعطى للاقتصاد؛ أيضًا في عمل فيبر الهام “المجتمع والاقتصاد” أوصى بتقدير التأثير الكبير للقواعد الاقتصادية.

العنصر الفلسفي في محاولة فيبر لتفسير التاريخ هو هذا التناقض في موازنة الحركات الكاريزمية (القواد والأفكار) مع روتينية عقلانية (ثبات العادات والمنافع). عفوية وحرية الرجل تقع في جانب الحماس البطولي؛ ومع هذا هناك تركيز ارستقراطي على النخب (الموهوبين). هذا التركيز مرتبط بصورة قوية مع نظرة فيبر للديموقراطية المعاصرة.

يرى فيبر مع هذا مفهوم “الشخصية” كمفهوم مظلوم يشير للمركز العميق والغير عقلاني للإبداع؛ المركز الذي تتوقف عنده التساؤلات التحليلية. ويحارب هذا العنصر الرومانسي الشاعري لاسميته المفاهيمية وآفاقه البراغماتية المعارضة لجميع أدوات عملية التحليل. وحدة التحليل الأقوى بالنسبة له هي الدوافع المفهومة للفرد الواحد. مفاهيمه أدوات تحليلية يعيد بها تشكيل طرق مختلفة. مفاهيمه ليست تصنيفات وصفية يمكن أن يحاول الإنسان تذوُّق لونها وإدراك الصورة السطحية لروح “تلك الأوقات –التي جاءت بها-“. مفاهيمه ليست مفاهيم تفكر في جواهر الرجال العظماء والعصور التي جاؤوا بها. في الواقع؛ بالرغم من تركيز فيبر على الكاريزما؛ هو لم يركز على الشخصيات العظيمة تاريخيًا. مثلًا: نابليون، كرومويل، كالفين، واشينغتون ولينكون يظهرون بنصوصه بصورة عابرة. هو يحاول فهم الخالد من أعمالهم حسب تصنيفها واستمراريتها في التاريخ؛ ليس يوليوس قيصر بل القيصرية، ليس كالفين بل الكالفينية هو ما يهتم به فيبر. لفهم هذا؛ يجب أن نفهم أولًا أدواته المفاهيمية: النموذج المُشيًّد/المركب، (وهو يشبه النموذج المثالي غير أنه لا يحتوي صفات خيالية)، سلسلة التايبولوجي (في علم تصنيف الأنماط) والمنهج المقارن.

 


Gerth, H.H. ed., 1946. From Max Weber: Essays in Sociology. Translated, Edited, and with an Introd. by HH Gerth and C. Wright Mills. New York, Oxford University Press

error: المحتوى محمي