البوتينية الأبدية: لم يكن ماركس ماركسياً .. وهكذا بوتين ليس بوتيناً – فلاديسلاف سوركوف / ترجمة : رنا الشهري

البوتينية الأبدية: لم يكن ماركس ماركسياً .. وهكذا بوتين ليس بوتيناً – فلاديسلاف سوركوف / ترجمة : رنا الشهري


يُعرف فلاديسلاف سوركوف ككبير إيديولوجيي الكرملين، ويرجع ذلك جزئيًا إلى قوة أفكاره الفادحة، وثقافته العالية، كما أنه يتمتع بالسلطة في روسيا بغض النظر عن المكان الذي يشغله حاليًا.

يتفوق سوركوف في الفنون الخاصة بالعلاقات العامة والدعاية والإعلام الانتخابي، (وهو ما يدينه في هذا المقال عبر نسبتها لمفاهيم الاحتيال في الديمقراطيات الحديثة). ظهر هذا المقال قبل عدة أسابيع فقط، وباللغة الروسية في موسكو، كأنما سركوف لم يكن حريصاً على أن يصل للعالم الغربي، لكن أعقبته ضجة خارج حدود روسيا بالفعل، وفي العالم الغربي تحديدا.

لم يعد سوركوف في دائرة الضوء اليوم ولا يعمل في الكرملين الآن، لكنه أحيانًا ما يُسقط بعض الصواعق الكتابية من حين لآخر، وما يقوله دائمًا يكون مثيرًا للاهتمام وعميقًا في الغالب.

وهو في هذا المقال، يجادل بأن النظام الذي تطور في روسيا خلال السنوات الـ 18 عاماً الماضية دائم للغاية، ويمكن أن يستمر لقرون عدة، وبأنه أكثر صدقًا ويعمل بشكل أفضل بكثير من ديمقراطيات “التهريج” في الغرب.

“يبدو فقط أن لدينا خيارًا” .. تبدو هذه الكلمات مذهلة في عمق معانيها وجرأتها، وقد قيلت منذ عقد ونصف، واليوم نُسيت ولا يتم اقتباسها حتى. ولكن طبقًا لقوانين علم النفس فإن ما ننساه يؤثر علينا بشكل أكبر بكثير مما نتذكره. وهذه الكلمات، التي تم اقتباسها خارج السياق الذي قيلت فيه لأول مرة، أصبحت هي النتيجة البديهية الأولى للدولة الروسية الجديدة التي بُنيت عليها جميع النظريات والممارسات في السياسة المعاصرة.

إن وهم امتلاك الخيار، يعد أكثر الأوهام أهمية، وهو الحيلة التي يقوم عليها أسلوب الحياة الغربي بشكل عام، والديمقراطية الغربية على وجه الخصوص، والتي تشبثت منذ فترة طويلة أكثر فأكثر بحيلة “تأثير بارنوم” عوضاً عن أفكار الفيلسوف كليسثنيس. عندما رفضنا نحن الروس هذا الوهم لصالح الواقعية القديمة؛ أدى ذلك إلى قيام مجتمعنا باختبار نسخته الخاصة والسيادية من التطور الديمقراطي، ومن ثم فقد فقدنا الاهتمام الكامل بأي مناقشات حول كيف ينبغي أن تكون الديمقراطية الخاصة بنا، وما إذا كان ينبغي أن نتعاطاها أصلاً من حيث المبدأ.

هذا فتح الطريق أمامنا نحو التطور الحر للدولة، التطور الذي لا توجهه مخلوقات الكِمِّير الخيالية، بل يأتي وفقاً لمنطق الأحداث التاريخية، وبواسطة “فن الممكن”.

التفكك المحال وغير الطبيعي والتاريخي لروسيا تم إيقافه بشكل قاطع الآن وإن كان متأخراً. فبعد أن انهارت روسيا من مستوى الاتحاد السوفييتي إلى مستوى الاتحاد الروسي، توقفت الآن عن الانهيار، وبدأت بالتعافي، وعادت إلى حالتها الطبيعية والوحيدة والممكنة: وهي مجموعة كبيرة ومتنامية من الدول التي تجمعها حدود مساحات شاسعة من الأراضي.

إنه ليس بالدور المتواضع هذا الذي منحه تاريخ العالم لبلدنا، وهو بالتالي دور لا يسمح لنا بالخروج من المسرح العالمي أو التزام الصمت وسط المجتمع الدولي؛ هو أيضاً دور لا يعدُنا بالراحة، ويحدد سلفاً الطابع الصعب لطريقة حكمنا.

وهكذا، تستمر الدولة الروسية الآن كنوع جديد من شكل الدولتية لم يكن موجودًا من قبل، فقد أخذت شكلها هذا في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وحتى الآن لم يتم دراستها إلا بشكل ضئيل، إنما تفردها وقابليتها للحياة من جديد أصبح واضحاً للجميع الآن.

الامتحانات المُرهقة التي اجتازتها والتي تمر بها اليوم تشهد بأن هذا النموذج السياسي والذي تم التوصل إليه بشكل طبيعي يمنح وسيلة فاعلة للنجاة ولإرتقاء لأمة الروسية، ليس فقط للسنوات القادمة، ولكن على مدى عقود آتية، بل وعلى الأرجح طوال القرن القادم.

وعلى نفس هذا النهج، عرف التاريخ الروسي حتى الآن أربعة نماذج رئيسية للحُكم، والتي يمكن تسميتها مؤقتًا بأسماء مبدعيها: حكومة إيفان الثالث (الإمارة العظمى / مملكة موسكو وكافة روسيا، القرن الخامس عشر والسابع عشر)، ثم حكومة بطرس الأكبر (الإمبراطورية الروسية، القرن الثامن عشر-التاسع عشر) ؛ ثم حكومة لينين (اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، القرن العشرين) ؛ ومن ثم حكومة بوتين (الاتحاد الروسي، القرن الحادي والعشرون). كلها نشأت على يد أشخاص كانوا يمتلكون “قوة الإرادة على المدى الطويل” بحسب تعريف ليف غوميليوف، هذه الآلات السياسية واسعة النطاق التي حكمت كانت قادرة على إصلاح نفسها، وتكيفت مع الظروف على طول الخط، وصعدت بروسيا في العالم بشكل لا هوادة فيه.

إن آلة بوتين السياسية ممتدة النطاق أخذت تتسارع اليوم، وتستعد لعمل طويل وصعب ومثير للاهتمام، وستحتفظ بكامل صلاحيتها مستقبلاً، ولسنوات أخرى مقبلة من الآن ستظل روسيا هي (حكومة بوتينية)، تماماً كما لا تزال فرنسا المعاصرة تطلق على نفسها اسم جمهورية ديغول الخامسة، وتركيا (رغم أنها تُحكم الآن من قبل المناهضين للفكر الكمالي “مصطفى كمال أتاتورك” فهي لا تزال تعتمد على إيديولوجية “السهام الستة” لأتاتورك، بينما الولايات المتحدة مازالت تستدعي صور وقيم “الآباء المؤسسين” نصف الأسطوريين.

المطلوب الآن هو شرح وتوصيف ماهو نظام البوتينية في الحكم، وماهي مجموعة الأفكار والأبعاد الكاملة للبوتينية كأيديولوجية للمستقبل – وتحديدًا المستقبل-، لأن بوتين ،الرئيس الحالي لروسيا، لا يمكن اعتباره بوتينياً، فعلى سبيل المثال، كارل ماركس لم يكن ماركسيًا، ولا يمكننا أن نكون متأكدين من كونه كان سيوافق على أن يصبح ماركسياً لو اكتشف ما يعنيه هذا المصطلح اليوم، لكننا بحاجة إلى هذه المقاربة في الشرح من أجل كل شخص ليس ببوتين؛ لكنه يود أن يصبح مثله، وأن تكون لدينا إمكانية تطبيق أساليبه وطرقه في الأزمنة القادمة.

هذا الوصف لا ينبغي أن يكون على شكل بروباغندا غرضها الصراع بين ما نملكه نحن مقابل ما يملكه الآخرون، بل بلغة يمكن اعتبارها هرطقة معتدلة من قبل كل من الروس ومن يقف ضد الروس.

يمكن قبول مثل هذه اللغة لدى جمهور عريض من الناس، وهذا بالضبط ما نحتاج إليه، لأن النظام السياسي الذي تم تطويره في روسيا لا يمكن القول بكونه يصلح فقط لخدمة الاحتياجات المحلية المستقبلية، بل أيضا لديه الفرص ليتم تصديره للخارج، فالطلب عليه وعلى تفاصيل محددة منه موجود بالفعل، ويتم الآن دراسة تجربته بل واعتمادها جزئياً، ويجري تقليده من قبل كل من المجموعات الحاكمة والمعارضة في العديد من البلدان.

يتهم السياسيون في الغرب روسيا بالتدخل في الانتخابات والاستفتاءات في جميع أنحاء العالم، لكن في الواقع، فالوضع أكثر خطورة من ذلك: إن روسيا تتدخل في أدمغتهم، وهم حتى اللحظة لا يعرفون ماذا يجدر بهم فعله بوعيهم المتبدل هذا.

فبعد التسعينيات الكارثية، وبمجرد أن ابتعدت روسيا عن جميع الإيديولوجيات المستعارة من هنا وهناك، بدأت في توليد أفكارها الخاصة، وفي شن هجوم مضاد على الغرب. ومنذ ذلك الحين ظل الخبراء الأوروبيون والأميركيون يخفقون في توقعاتهم أكثر وأكثر. هم مندهشون ومتضايقون من الاختيارات غير المتوقَّعة للناخبين. وبالكثير من الارتباك عملوا على دق ناقوس الخطر حول بزوغ “الشعبوية” ،يمكنهم تسميتها بذلك إن خانتهم الكلمات.

في هذه الأثناء، مصالح الغرب من السهل فهمها اليوم وفقاً للخوارزمية السياسية الروسية: “الروس لا أنبياء على أرضهم، ولكن كل ما يحدث للغرب اليوم تنبأت به من روسيا منذ زمن بعيد”.

عندما وقع الجميع في حب مصطلح العولمة، وعملوا ضجيجاً حول مفهوم العالم المسطح الذي سيصبح بلا حدود، وقتها، ذكّرتهم موسكو بشكل واضح بأن مفاهيم السيادة والمصالح الوطنية مهمة للغاية، وفي ذلك الحين اتهمنا العديد من الناس بالتمسك “الساذج” بهذه المفاهيم العتيقة، والتي انتهى عمرها كطراز تجاوزه الزمن. علمونا أنه من غير المجدي التمسك بقيم القرن التاسع عشر، وبأن علينا أن نخطو بشجاعة نحو مفاهيم القرن الحادي والعشرين، حيث من المفترض اختفاء مفاهيم  الدول ذات السيادة أو الدول القومية. ومع ذلك، فإن القرن الحادي والعشرون يتحول إلى الطريقة التي تمسكنا بها. هاهو البريكست في بريطانيا، وماهو مفهوم “جعل الأمة الأميركية عظيمة مجددا” في الولايات المتحدة، وهاهي دعوات رفض دخول المهاجرين في كل أوروبا. وكل هذه ليست سوى القليل من قائمة مطولة من مظاهر رفض العولمة، والمطالبة باستعادة مفاهيم السيادة والقومية.

عندما أشاد الجميع بشبكة الإنترنت كفضاء من الحرية اللامحدودة لا يمكن انتهاكه، حيث يُسمح للجميع فيه بأن يكونوا أي أحد، والكل متساوٍ، لكن روسيا تساءلت بواقعية:”من نحن الآن على شبكة الإنترنت؟ عناكب أم ذباب؟. والآن فإن الجميع، بما في ذلك أكثر البيروقراطيات المحبة للحرية في العالم، مشغولون بمحاولة تقييد شبكة الإنترنت، بل واتهام الفيس بوك باستيعاب المتطرفين الأجانب ومنحهم الحرية. لقد تم انتهاك هذا الفضاء الافتراضي الحر الذي تم التبشير به كنموذج للجنة المُهداة لنا على الأرض، حيث تم تطويقه من قبل الشرطة الإلكترونية ومجرمي الإنترنت، وجيوش الإنترنت والجواسيس الإلكترونيين، والإرهابيين، والمخترقين السيبرانيين.

عندما لم يتسابق أي أحد آخر على الهيمنة الدولية، كان الحلم الأميركي الكبير بالهيمنة على العالم يقترب من التحقُّق فعلاً، وقد هلوس العديد من الناس بمصطلح نهاية التاريخ برفقة التعليق الأخير من فيلم “الناس صامتون”، ولكن خلال ذلك الصمت، جاء خطاب بوتين في ميونيخ. في ذلك الوقت بدا الخطاب خارجاً عن المألوف، لكن اليوم يبدو كل شيء فيه يثبت نفسه: لا يوجد أحد سعيد بأميركا، بمن فيهم الأميركيون أنفسهم.

فيما بعد بدأ الإعلام الأميركي يعمم مصطلح “ديرين ديفليت”، وهو مصطلح سياسي تركي سابق لم يكن شائعاً، وتمت ترجمته إلى الإنجليزية باسم “الدولة العميقة”، ثم التقطتها وسائل الإعلام الروسية.

يشير المصطلح إلى تنظيم شبكي قاسي وغير ديمقراطي على الإطلاق لهياكل استبدادية حقيقية مخبأة وراء مؤسسات ديمقراطية مبهرجة. هذه الآلية، التي تمارس سلطتها من خلال أعمال العنف والرشوة والتلاعب، تظل مخبأة عميقاً تحت سطح مجتمع مدني منافق وبسيط في التفكير، وتتلاعب به عن طريق رشوة أو قمع كل من يتهمها.

لكن بعد أن اكتشف الأميركيون في وسطهم “حالة عميقة” غير سارة، لم يكونوا متفاجئين بشكل خاص، لأنهم طالما شكّوا في وجودها بينهم أصلاً، فإذا كانت هناك “شبكة عميقة” و “شبكة سوداء”، فلماذا لا تكون هناك “دولة عميقة” أو حتى “دولة مظلمة”؟.

من أعماق وغموض هذه القوة غير المُشاهدة وغير المُعلن عنها، يطفو على السطح سراب الديمقراطية اللامع المصمم خصيصا للاستهلاك الضخم والذي يعرض للشعب وهم الاختيار، ووهم الشعور بالحرية، وأوهام تفوق الدولة والمواطن، وما إلى ذلك.

إن عدم الثقة والحسد اللذان تقوم عليهما الديمقراطية كمصادر أولية لزيادة الفاعلية الاجتماعية يؤديان حتمًا إلى زيادة حدة النقد، ورفع مستوى القلق بين المواطنين. لقد شكل الكارهون والمتصيدون والذباب الإلكتروني الغاضب الذين انضموا إليهم مؤخرا أغلبية زاعقة، أزاحت الأصوات الوسطية التي كانت تهيمن على الصورة، بل وكانت في وقت من الأوقات تحدد اتجاهات الرأي العام المختلفة.

لا أحد اليوم يصدّق النوايا الحسنة للسياسيين الشعبويين، بل يُنظر إليهم بحسد ويتم اعتبارهم فاسدين، متلونين، أو ببساطة أوغاد. المسلسلات السياسية الشعبوية مثل “The Boss” أو “The House of Cards” كلها ترسم صورة قاتمة للإستبلشمنت الأميركي يومًا بعد آخر.

الأوغاد في الديمقراطية الغربية لا ينبغي السماح لهم بالذهاب لأبعد مما وصلوا إليه، لسبب بسيط وهو كونهم أوغاداً، ولكن إن كان كل من يحيط بك “بافتراض هذا الوضع” هم مجموعة من الأوغاد أصلاً؛ عندها يكون المرء مجبر على استغلال هؤلاء الأوغاد لكبح الأوغاد الآخرين، تماماً مثلما تستعمل وتداً كي تحرر بواسطته الوتد الآخر، استعمل الوغد للتخلص من وغدٍ آخر. هناك خيارات واسعة من الأوغاد، وهناك قواعد غامضة مصممة لجعل نتائج معاركهم متعادلة تقريبا، هذه هي الطريقة التي يسير عليها نظام الفائدة في المصارف -حالة توازن ديناميكية من الحقارة-، أي توازن في الجشع، وتناغم في الخداع. ولكن إن نسي أحدهم بأن هذه مجرد لعبة، وبدأ في التصرف بشكل غير منسجم مع هذا النظام، فإن الدولة العميقة دائمة اليقظة ستسارع إلى الإنقاذ، وتقوم يدٌ خفيّة ما بسحب هذا المارق الذي نسي إلى أعماق كالحة السواد.

لا يوجد شيء بالتحديد مخيف في هذا التصور الذي ذكرته أعلاه عن أساليب الديمقراطية الغربية، وكل ماعليك فعله هو تغيير طريقة تفكيرك تجاهها، ولن تبدو مخيفة بعد ذلك. لكنها تُحدث شعوراً بالغصة، ويبدأ حينها المواطن الغربي بتدوير رأسه بحثاً عن نماذج حُكم أخرى هنا وهناك وطرق أخرى للعيش، وهنا …… يرى روسيا.

نظامنا السياسي بشكل عام، مثله مثل كل شيء آخر يخصنا، ليس أفضل حالاً من سواه، ولكنه أكثر صدقا. وعلى الرغم من أن عبارة “أكثر صدقاً” ليست مرادفاً لكلمة “أفضل” بالنسبة للجميع، فإن الصدق له سحره الخاص.

لا ينقسم نظام حكمنا إلى دولة عميقة وأخرى خارجية مرئية، بل هي كبناء كامل، يتم تقديمه بكافة أجزاءه وتجلياته، ويعرض علناً أكثر الهياكل وحشية في الإطار السلطوي كجزء من هذه البنية، دون أي زخرفة أو رتوش.

لا تجتهد البيروقراطية، حتى عندما تحاول القيام بشيء ما على نحو مخادع، في أن تقوم بتغطية مسالكها، وكأنها تفترض بأن “الجميع يمكنه استيعاب كل شيء على أي حال”.

إن التوتر الداخلي الروسي الكبير الناتج عن الحاجة إلى السيطرة على مناطق جغرافية مترامية وضخمة، وبالمشاركة التنافسية المتواصلة في النضال الجيوسياسي، يمنح مهام الجيش والشرطة الحكومية أهميتها وحسمها، وتماشياً مع السائد فهي ليست مهمات مخفية، بل العكس هو الصحيح، هي مهمات واضحة.

رجال الأعمال الذين يعتبرون المهام العسكرية أقل منزلةً من تلك المهام التجارية، لم يحكموا روسيا (تقريباً لم يحكموها على الإطلاق ؛ باستثناء بضعة أشهر فقط في عام 1917، وبضع سنوات في التسعينيات)، ولا حتى الليبراليين (رفقاء رحلات رجال الأعمال) الذين تتكئ مبادئهم على رفض أي شيء لا يشبه الدولة البوليسية. وبالتالي، فلم يتواجد أحداً في السلطة لدينا يحجب الحقيقة بالأوهام، ويقوم بخجل بالتشويش عليها وبدفعها نحو الخلف وإخفاء صلاحيات السلطة كي تصبح سلاحًا للدفاع والهجوم.

لا توجد دولة عميقة في روسيا -فكلها معروضة-، ولكن هناك أمة عميقة.

على سطحها اللامع، يتألق النخبة الذين شرعوا من قرن لآخر، إحقاقاً للحق، في تضمين الشعب في مختلف المشاريع. شمل هذا مؤتمرات الأحزاب، والحروب، الانتخابات، والتجارب الاقتصادية. شاركت الأمة العميقة في مختلف هذه المشاريع، ولكنها تبقى إلى حد ما منعزلة، ولا تظهر على السطح، بل تقود طبقتها هي، وتعيش حياة مختلفة في الأسفل بعيدا هناك في الأعماق.

ثمة حياتان لهذه الأمة، واحدة على السطح، والأخرى في الأعماق، وفي بعض الأحيان تسيران في اتجاهات متعاكسة، لكنهما لا تتلاقيان أبدا.

الأمة العميقة دائماً ما تكون على درجة عالية من الحذر، لا يمكن الوصول إليها من أجل عمل الاستطلاعات الاجتماعية، أو التحريضات المهددة، أو أي شكل آخر من أشكال التأثير المباشر عليها. إن استيعاب سكان الأمة وماهم عليه فعلا وما يفكرون به وما يريدونه عادة ما يأتي بشكل مباغت، وبعد فوات الأوان، ولن يصل إلى أيدي أولئك الذين بإمكانهم عمل أي شيء حيال ذلك.

يندر أن تقع على عالم اجتماع يجازف بتحديد ما إذا كانت الأمة العميقة هذه تعادل كل السكان أم أنها جزء منه؟، وإذا كانت تشكل جزءاً منه، فأي جزء بالضبط؟.

في أزمنة مضت، قرروا بأنها طبقة القنانة، أو البروليتاريا، أو الأعضاء غير الحزبيين، أو عشاق موسيقى الجاز، أو موظفو الحكومة. لقد جدّ الناس في البحث عنها وحاولوا اكتشافها. وصفوها مرة بأنها منفذة لإرادة الله، أو قد تكون العكس، وفي بعض الأحيان قرروا بأنها أمة خيالية وغير موجودة في الواقع، وشرعوا في إصلاحات عجولة دون الانتباه لها، ولكنها سرعان ما ضربت جباههم وأجبرتهم على التسليم بوجودها والقول بأن “شيئًا ما موجود بالفعل”.

ولأكثر من مرة كانت قد تقهقرت الأمة العميقة بالفعل تحت ضغط الغزاة المحليين أو الأجانب، لكنها في كل مرة تعود.

وبكتلتها الضخمة، تمتلك الأمة العميقة قوة لا يمكن التغلب عليها، من الجاذبية الثقافية التي توحد الأمة وتدفع النخبة إلى أرضها الأم فيما لو قررت أن تضع البلاد موضع الخطر على الصعيد العالمي.

الأمة، أيا كان معناها، هي السابقة للدولة، تحدد مسبقاً شكلها، وتحدّ من خيالات المنظّرين، وترغم الممارسين على القيام بمهمات معينة، إنها عامل جذب قوي، وجميع المسارات السياسية دون استثناء تؤدي إليها. في روسيا، يمكن للمرء أن ينطلق من أي موقف – المحافظ ، والاشتراكي ، والليبرالي – لكن سوف ينتهي بك الأمر غالباً نحو هذا المسار، نحو الأمة.

القدرة على سماع الأمة وفهمها، والاطلاع على كل شيء من خلالها، ومعرفة عمقها التام، والتصرف وفقًا لذلك، إنها الفضيلة الفريدة والمفصلية لحكومة بوتين. حكومة تلائم احتياجات الشعب، وتتبع طريقته، وهذا يعني أنها لا تخضع لعبء التراجعات المضادة للتاريخ، وهذا ما يجعلها فاعلة وطويلة الأمد.

في ظل هذا النظام الجديد، تخضع جميع المؤسسات لهذه المهمة الرئيسية: التواصل القائم على الثقة، والتفاعل بين رئيس الدولة والمواطنين. كل فروع الحكومة تجتمع في شخص الرئيس، وتعتبر هذه الصيغة قيّمة للغاية، ليس في حد ذاتها، ولكن في كونها توفر التواصل المباشر معه. وفي الناحية المقابلة، ناحية النخب والمؤسسات الرسمية، توفر هذا الصيغة التواصل غير الرسمي معهم. وعندما يتسبب الغباء أو التخلف أو الفساد بالتدخل في ميزة التواصل مع الأمة هذه، عندها يتم اتخاذ التدابير الفاعلة السريعة لاستعادة التمكُّن من سماعهم.

المؤسسات السياسية متعددة الطبقات التي استوردتها روسيا من الغرب يُنظر إليها أحيانًا باعتبارها نوعاً ما مجرد طقوس، وقد وُضعت كي تبدو روسيا مثلها “مثل أي بلد آخر”، بحيث لا تلفت خصوصيتنا الثقافية السياسية انتباه جيراننا من حولنا، فلا تثير سخطهم ضدنا أو تخيفهم. لكننا نضع تلك المؤسسات في نظامنا مثل “بدلة يوم الأحد”، نرتديها عند زيارة الآخرين فقط، بينما في المنزل فنحن نرتدي مانرتديه في المنزل عادة.

جوهرياً، فإن المجتمع الروسي يثق برئيسه، سواء كان لهذه الثقة علاقة بالاعتزاز بأصحاب المناصب، أو الرغبة في الوصول إلى الحقيقة، أو أي شيء آخر، من الصعب الحسم، ولكنها الحقيقة، وهي بالمناسبة ليست بالجديدة.

الجديد فقط هو أن الحكومة لا تتجاهل مثل هذه الحقيقة، بل تأخذها بعين الاعتبار، وتستغلها كنقطة انطلاق لمهماتها.

سيكون من المبالغة تسطيح هذا الأمر بالقول أنه “الإيمان بالقيصر الصالح” الذي غالباً ما يُستشهد به. إن الأمة العميقة ليست ساذجة، وبالتأكيد فهي لا تعتبر الانطباع الرقيق والصالح سمة إيجابية في القيصر. بل إن الأقرب إلى الصواب هو أنها تتوقع من القائد أن يماثل فكرة أينشتاين عن الإله: “عبقري ولكنه ليس بخبيث”.

يبدأ النموذج المعاصر للدولة الروسية بالثقة، ويعتمد على الثقة. هذا هو الفرق الرئيسي بينه وبين النموذج الغربي الذي يزرع عدم الثقة والنقد، وهذا أيضا هو مصدر قوة روسيا.

سوف يكون لدولتنا الجديدة تاريخ طويل ومجيد في هذا القرن الجديد. بلادنا لن تُكسر، بل سوف تحسن التصرف بتلقائية، ستفوز وتستعيد مواقع القوة في أعلى قمة النضال الجيوسياسي. وعاجلاً أم آجلاً، سيضطر الجميع إلى التصالح مع هذا الوضع- بمن فيهن كل أولئك الذين يطالبون روسيا الآن “بتغيير سلوكها”، وكأن لديهم خياراً في هذا!

المصدر

error: