الاستبدال الكبير: نظريّة حقيقيّة أم أوهام عنصريّة ؟ – فريدريك جوينوت / ترجمة: أسماء بن حسن

الاستبدال الكبير: نظريّة حقيقيّة أم أوهام عنصريّة ؟ – فريدريك جوينوت / ترجمة: أسماء بن حسن


ليلة تنفيذه للهجوم الإرهابي الذي استهدف مسجدين بكرايست تشرش نيوزيلندا مسفرا عن وفاة 49 مسلما في الخامس عشر من مارس المنقضي، نشر منفذ المجزرة برينتون تارنت بيانا مطولا من 74 صفحة تحت عنوان “الاستبدال الكبير”. ولئن لم يشر النص صراحة إلى رينو كامو Renaud Camus، فإن الكاتب الفرنسي القريب مع الجبهة الوطنية هو من طوّر هذا المفهوم مستعينا بأفكار العديد من المؤلفين الآخرين، بما في ذلك الكاتب والسياسي القومي المتطرف موريس باريس(أحد الآباء الفكريين للقومية الفرنسية).

يقدم هذا المقال قراءة لنص رينود كامو مرفقة بتعليقات عدد من الديموغرافيين والمؤرخين والتي نُشرت في صحيفة Le Monde Idées في فبراير 2014، في خضم حملة ترويجية تبنتها نخب اليمين المتطرف لنظرية الاستبدال الكبير في فرنسا.

“إن الاستبدال الكبير هو أخطر صدمة مر بها وطننا منذ بداية تاريخه ،إن حقق هذا الإحلال الغفير أهدافه ووقع فعلا استبدال شعبنا وحضارتنا فإن التاريخ القادم لن يكون حتما تاريخنا نحن.” بهذه المصطلحات المثيرة للقلق، أطلق الكاتب رينو كامو في سبتمبر 2013 مانفيستو تحت عنوان:” لا لتغيير الشعب والحضارة “.

تصاعدت في السنوات الأخيرة، شعبية نظرية “الاستبدال الكبير” للشعب الفرنسي “الأصلي” بشعوب أخرى ، قادمة أساسا من المغرب وأفريقيا، في أوساط اليمين المتطرف وحتى اليمين المحافظ. هذا الصدى يستحق الاهتمام لأن هذه النظرية تنطوي على مخاوف عميقة وخطابات راديكالية. فهي تلقى رواجا عند مجموعات الهويّة، وتستمّد منها الجبهة الوطنية خطابها، ويدعمها عالم التدوين اليميني المتطرف، في حين تقوم مجلات مثل Valeurs actuellesl و Causeur بنقلها. فيما لا يتوانى مثقفون وصحفيون على غرار إريك زيمور عن انتقاد ما يسمونه حالة  إحلال ’’للهوية الفرنسية’’. شأنه في ذلك شأن آلان فينكلكروت، الذي لا ينتمي إلى أقصى اليمين ولكنه يبدي تعاطفا مع Renaud Camus في كتابه “الهوية الحزينة” (2013) ” L’identité malheureuse”، حيث يقوم بعقد مقارنة جريئة بين أطروحات كامو والعقد الاجتماعي وفقًا لتوماس هوبز.

أما بالنسبة لتشارلز بيجبديرCharles Beigbeder، السكرتير الوطني السابق لحزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية ، فيربط الاستبدال الكبير بقلق الهوية المتجسد مثلا في حركة “لا مانيف بور توس  la manif pour tous” (التظاهر للجميع) المناهضة لقانون “الزواج للجميع”، الذي يبيح زواج المثليين. موضحا في مجلة Causeur لشهر أغسطس 2013 : “ولدت هذه التعبئة [ضد زواج المثليين] من الوعي بالحاجة الملحة للحفاظ على هويتنا الحضارية. (…) في الخلفية، لا يمكننا أن نكون غير مدركين لـ “الاستبدال الكبير” الذي وضعه كامو، والذي يرى أن الثقافة الغربية تختفي لصالح “ثقافات المنشأ” للسكان غير الأصليين”.

 

 أجيال أخرى جديدة مسلمة !

في كتابه الذي نشره في 2013 تحت عنوان ’’تغيير الشعب’’، قام رينو كامو بتفصيل “نظرية الاستبدال” مبديا حنينا كبيرًا للماضي، مقابل خيبة أمل واضحة مما أحدثته العولمة، معتبرا أن من أسماهم “أسياد التجارة الدولية” و “فرسان الصناعة المعولمة” حوّلوا كل فرنسي إلى “رمز مشوه يمكن تبديله، يفتقد لحس الانتماء  “. لقد تحول كل فرنسي، حسب قوله، إلى “رجل قابل للاستبدال جُرّد من كل الخصوصية القومية والإثنية والثقافية”.

وفقًا لرينود كامو، فإن هذه النظرة “الاقتصادوية الخالصة” التي نقلها رؤوس الأموال الفرنسيون والسياسيون اللاواعيين، جعلتنا نفقد الإحساس بالوطن: لقد دمرت ذاكرتنا التاريخية والأدبية، وأدت الى  أنبتات ثقافي عظيم”. إن هذا “التبلد” العام هو الذي سمح ب “استعمار استيطاني” حقيقي للبلاد بسبب الهجرة المغاربية والإفريقية على حّد وصفه. في نهاية نصّه، يقول رينو كامو “إن نسبة السكان الأصليين في فرنسا لا تزال مرتفعة للغاية بين كبار السن، لكنها تنخفض بشكل كبير مع انخفاض المستوى العمري. ان المنحى السائد يشير الى أن الرضع هم من العرب أو السود ، وهم ويا للسعادة!  مسلمون…أطفال مسلمون؟ “

 

ماذا تخبرنا الدراسات الديمغرافية؟

يعتبر كامو أنّ الشعب الفرنسي لا يستطيع التعايش مع الشعوب غير الأصلية وغير الأوروبية دون أن يفقد هويّته. مؤكدا أن الولايات المتحدة ، بلد “بوتقة الانصهار”، تشهد هي أيضا حالة من الإستبدال الكبرى كما هو الحال في فرنسا: “أصبح أحفاد بناة الأمة الأمريكية الآن أقلية ” على حد تعبيره.

لكن دراسات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية  تقول شيئًا مغايرا تمامًا عن كتب رينو كامو. نُشر في أكتوبر 2012 تقرير، ” المهاجرون وأحفاد المهاجرين في فرنسا”  حيث يمثل 5.3 مليون شخص “المولودين في الخارج في بلد أجنبي”، أي 8 ٪ من السكان. من بينهم أولئك الذين ساهموا  في إعادة بناء فرنسا ما بعد الحرب. في حين قدم 1.8 مليون شخص من الاتحاد الأوروبي. تبقّى 3.5 مليون شخص ، 3.3 مليون منهم من المغرب العربي وأفريقيا جنوب الصحراء وآسيا. يثير هؤلاء المهاجرون القادمون من الجنوب  خوف منظري “الاستبدال الكبير” مع أنهم لا يمثلون في الحقيقة سوى 5٪ من سكان فرنسا. منطقيا من الصعب الحديث، كما يفعل رينو كامو، عن “الاستعمار المضاد” من قبل الأجانب غير الأوروبيين – ناهيك على أن الاستعمار الفرنسي للمغرب الكبير كان أكثر وحشية ودموية.

أما إذا قمنا بتوسيع الدائرة ليشمل مفهوم “المهاجر” جميع المنحدرين من عائلات مهاجرة – على الرغم من أنهم جميعًا مولودون في فرنسا – فنجد المجموع 6.7 مليون حيث ينحدر 3.1 مليون من المهاجرين من البلدان المغاربية الناطقة بالفرنسية وإفريقيا وآسيا – أقل من 5 ٪ من السكان الفرنسيين، الذين يقدر عددهم بـ 65 مليون. وهو رقم كبير لا يمكن لنسبة ضئيلة أن تحل محله؟

ولكن وعلى الرغم من هذه الإحصاءات، لا يهدأ المدافعون عن نظرية “الاستبدال الكبير”. نص آخر نجده رائجا في مدونات وخطاب اليمين بعنوان  “استبدال كبير من قبل أ+ ب”، ويقصد ب أ+ب المهاجرين من المغرب العربي وأفريقيا جنوب الصحراء وآسيا وأحفادهم، أي أكثر من 6 ملايين شخص مع”3 إلى 4 ملايين” شخص  ينتمون إلى الجيل الثالث من المهاجرين، دون تحديد مصدر هذه المعلومات طبعا. أخيرًا ، يضيف إليهم عشوائيا، الفرنسيين والأجانب الذين يعتبرهم “الأجانب غير أوروبيين”: 800000 من الغجر، و 500000 من الحركيين ، 800000 من جزر الأنتيل ، وما بين 400000 و 800000 “مهاجرين غير شرعيين”، 80،000 “مهاجر غير قانوني” و 160،000 إلى 195،000 يحصلون على الجنسية الفرنسية سنويًا … نحن هنا ، وفقًا لهذا النص ، إزاء 12 إلى 14 مليون “من غير البيض” –  أي حوالي 20٪ من السكان.

ينتهي هذا النص بإسقاط مفزع: حيث يدعي :  “بما أننا نعرف أن نسبة الوفاة لدى البيض  مرتفعة و معدل التكاثر منخفض  لدى”الفرنسيين الأصليين” مقارنة بارتفاع نسبة  الخصوبة “الأفرو مغاربية”، ولا داعي “أن  نكون متشائمين حتى نرى بوضوح حالة من الاستبدال الكبير للسكان الأصليين”.

 

من هو ” الفرنسي الأصلي”؟

معظم الأرقام الواردة في هذا النص خيالية تمامًا. لا يقترب عدد السكان الغجر من مليون نسمة: يقدر بنحو 20.000 حسب وزراة الإسكان. لا يوجد ما بين 160000 إلى 195000 من الحاصلين على الجنسية: كان هناك 94000 في عام 2010، و 66000 في عام 2011 و 46000 في عام 2012، أي أقل بنحو النصف. أما بالنسبة للمهاجرين السريين فمن الواضح أنه من الصعب جدًا تحديد عددهم.

ولكن بقطع النظر عن الأرقام ، فإن النهج الفكري لأنصار “الاستبدال الكبير” هو الذي يمثل مشكلة. بالنسبة إلى Pascale Breuil ، رئيس وحدة الدراسات السكانية والاجتماعية التابعة للمعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية، فإن ثنائية ” الأجانب” مقابل ” الأصليين” – “البيض” مقابل للآخرين – صعبة: “النصف من بين أبناء وأحفاد المهاجرين ينحدرون من زواج مختلط أي  ليس لديهم سوى والد واحد مهاجر”. وعندما يصبحون آباء وأمهات فإنهم يتحدثون الفرنسية مع أطفالهم بنسبة تصل إلى 99 ٪ ، كما أن 64 ٪ منهم يعيشون في مع زوج/زوجة غير مهاجر/ة أو منحدر/ة من عائلة مهاجرة. كيفية يمكن إذن تحديد من هم السكان “الأصليون”؟ وكيف يمكن اعتبار المنحدرين من هذه الزيجات المختلطة، الذين غالباً ما يكونون متزوجين من أوروبيين ويتحدثون الفرنسية “أجانب”؟

تتساءل باسكال برويل أيضا عن فكرة “الاستبدال” ذاتها. أي “إلى أي زمن يجب أن نعود لنعتبر المهاجرين جزءا من الشعب الفرنسي؟ هل يجب أن نتجاهل هجرة العمالة التي يعود تاريخها إلى أواخر القرن التاسع عشر، مع وصول العديد من الإيطاليين و البلجيكيين و السويسريين والألمان ؟ أ و تلك الهجرات القادمة من جنوب أوروبا وإفريقيا منذ بداية القرن العشرين، دون أن ننسى الأشخاص المجنسين واللاجئين؟ وبالتالي يبدو من الصعب للغاية تحديد من هو من أصل فرنسي. لطالما تحدث مؤرخو الهجرة مثل باتريك ويل وجيرار نويريل، عن “بوتقة انصهار فرنسية”: منذ نهاية القرن التاسع عشر اختلطت موجات الهجرة المختلفة مع السكان الفرنسيين. حتى عندما تم نبذهم لأول مرة، على أساس “جهلهم أو خرافاتهم” – على غرار الإيطاليون أو البرتغاليون – أو دينهم : اتهم البولنديون بأنهم “متعصبون”.

يلاحظ فرانسوا هيران، مدير الأبحاث في المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية (INED)، عند قراءة نص “الاستبدال الكبير أ+ب”، أن هدف المحررين هو “تحويل الأصول الوطنية لبيانات عرقية ” بغرض استهداف غير البيض”. أما بالنسبة  لأفكار رينو كامو، فقد وصفها ب ’’المغالطة”: يذكر فرانسوا هيران أن نمو السكان الفرنسيين منذ الحرب (20 مليون نسمة) ليس بالضرورة نتيجة لحركة الهجرة  بشكل كامل. حيث لعبت “طفرة المواليد بعد الحرب، مع 2.6 إلى 3 أطفال لكل امرأة، دورا مهما سيتواصل على المدى البعيد. إضافة إلى الزيادة في متوسط العمر، مما يجعل الأجيال تعيش أكثر. ثم الهجرة التي، دعونا لا ننسى ،تشمل الأوروبيين أيضا. “

                                            

 موقع يميني

“الأبيض” النقي؟

يرى أستاذ الديموغرافيا هيرفي لوبراس، مؤلف كتاب “شيطان الأصول” ( 1998)  أن “الاستبدال العظيم” هو “مهزلة كئيبة” تتواصل منذ عقود. يتذكر أنه في 26 أكتوبر 1985، كانت صورة مريم العذراء ترتدي الحجاب تتصدر الصفحة الأولى لمجلة  “Le Figaro” تحت عنوان: “هل سنظل فرنسيين بعد 30 عامًا؟ “. لقد مرت أكثر من ثلاثين سنة ! ويضيف: “الحديث عن مهاجرين من الجيل الثاني أو الثالث”، هو تناقض في المصطلحات. إنهم لم يهاجروا بعد، إنهم فرنسيون. من الغريب أن يتم تصنيفهم كمواطنين “طابور خامس”، أو النظر اليهم كأعداء داخليين.”

إن اعتبار أبناء وأحفاد المهاجرين المنحدرين من زواج مختلط  من “غير الأوروبيين ومن غير المواطنين” يميط اللثام عن”نظرية عنصرية”. “يعتقد مؤلفو هذا النص أنه إذا كان لدى شخص أصل عربي، فإنها يظل كذلك. كان هذا هو مبدأ “قاعدة القطرة الواحدة” الأمريكية خلال فترة الفصل العنصري التي تقول إن قطرة واحدة من «الدم الزنجي» تجعل الشخص أسودًا بحكم القانون . ينطبق هذا أيضا على اليهود أثناء الاحتلال. دعنا لا ننسى أنه في الولايات المتحدة يعتبر العرب “بيضا! “

ويضيف أن التحليل الذي مفاده أن “البيض” أصبحوا الآن أقلية في الولايات المتحدة، والذي مهد لظهور نظرية  “الاستبدال العظيم” في فرنسا يبدو معيبا: “الإحصائيات الأمريكية تستند إلى أطفال الأمهات البيض فقط “. إذا اعتبرنا  أبيضا كل طفل له والد أبيض، نصل إلى 81٪ من البيض الأمريكيين. يختتم هيرفي لو براس حديثه:” إن تمازج الأجناس ينمو في كل مكان في العالم ، إنه أفضل رد على التصنيفات العنصرية. “

“الغزو الأسود”

كيف تفاعل مؤرخو الهجرة مع نظرية “الاستبدال الكبير”؟ بالنسبة إلى جيرار نويريل Gérard Noiriel، مؤلف كتاب Le Creuset français (Seuil ، 1988) البوتقة الفرنسية ، فإن هذه النصوص المثيرة للجدل التي تنبأ بتدمير “العرق” والحضارة” الفرنسية كانت موجودة منذ نهاية القرن التاسع عشر. قبل الحرب في فرنسا كما في ألمانيا ، ادّعى القوميون الذين قادوا أوروبا إلى الكارثة أن اليهود والأرمن و “المشرقيين” يهددون وحدة الوطن. بعد الحرب، أصبح المغاربيون هم من يشكلون تهديدا. يقول جيرار نويريل: “منذ الستينات، حلت الحجج الثقافية والدينية محل الحجج البيولوجية، لكن خطاب التراجع الوطني لا يزال قائما رغم أن هذه التنبؤات الكارثية لم تصدق في أي بلد من بلدان الهجرة.”

من جانبه ، يجادل نيكولاس بانسل Nicolas Bancel، مؤلف مشارك في كتاب ’’الجمهورية الاستعمارية/الكولونيالية”

( “The Colonial Republic Hachette ” Pluriel “، 2006) ، بأن” نظرية “الاستبدال العظيم” تعكس قلقا ما لأنها تفترض مسبقًا أن يشكل السكان البيض “القاعدة البيولوجية” لفرنسا، وأن هذه القاعدة في طريقها للتلف أو حتى التدمير. هذا النوع من القلق ليس وليد اليوم بل بدأ مع الاستعمار وأولى الموجات الكبيرة للهجرة، حيث تولد شعور “بالإغراق”. يحيلنا هذا إلى أعمال دانريت Danrit (الغزو الأسود ، نشر عام 1895 ، ثم الغزو الأصفر، في 1905) ، والحملات الصحفية المناهضة للهجرة في التسعينيات، وخلال الأزمة الاقتصادية الكبرى في ثلاثينيات القرن الماضي ، التي تستهدف شمال إفريقيا بشكل خاص. “

لقد تم استخدام فكرة “الغزو” في أواخر السبعينيات من قبل حزب الجبهة الوطنية، مما جعلها واحدة من عقائده التي تبنتها بشكل أو بآخر بعض النخب السياسية اليمينية ولازالت إلى اليوم لم تفقد جاذبيتها خاصة في سياق الأزمة الاجتماعية والسياسية الحالية. بل ان بعض المثقفين في الساحة الفكرية  يتحدثون صراحة عن الإغراق البيولوجي (Renaud Camus) أو الثقافي (آلان فينكلكروت Finkielkraut). اننا ازاء تمثل مخيف يقتضي تنقية المجتمع من العناصر”الغريبة أو الهجينة” ، والتي يُفترض أنها أصل الانحلال البيولوجي والثقافي للأمة الفرنسية. “

“أحياء للمهاجرين”

يشير أستاذ الديموغرافيا الاجتماعية ، باتريك سيمون، الذي درس تاريخ “حي المهاجرين” الشهير Belleville في باريس، إلى أن  فرنسا عرفت دائمًا جيوب ومناطق للهجرة: “صحيح أن المدينة شهدت استبدال المهاجرين تدريجياً بالفرنسيين ، كما في مدن مثل باريس ومارسيليا الشمالية وروباي و ليون وليل. ولكن الحديث عن “استبدال عظيم” ينطوي على نوع من المؤامرة. في الواقع ، تم التخلي عن هذه الأحياء في البداية لأنها كانت سيئة فجاء المهاجرون الذين جذبتهم الإيجارات المنخفضة ثم فتحوا الشركات، ومحلات البقالة والمطاعم ، وأصبح وجودهم أكثر وضوحا. “

أول من قطن مدينة بلفيل belleville كان اليهود والعرب والأرمن واليونانيين والفرنسيون من الطبقة الفقيرة الذين أصبحوا أقلية: “لم نعد نشعر وكأننا في مدينتنا”، “لقد وقع غزونا”. ويضيف باتريك سيمون: “لقد أُجبروا على العيش معًا في بلفيل ،كان هناك بطبيعة الحال توتر وهدوء ، ثم أصبح الحي متعدد الأعراق وقبلة الشباب الفرنسي الفقير. “

يعود تواجد مناطق للمهاجرين في فرنسا إلى 150 عاما : الإيطاليون في الجنوب، والبولنديين في الشمال، والعرب في إيل دو فرانس و الجنوب ، والصينيون في باريس. “تتبع هذه الحركات السكانية الأولى قانون سوق العقارات. هذا بديهي في التاريخ الحضري: “فقط سياسة طموحة للمدينة في الأحياء العشوائية ستشعر السكان بالأمان في ظل الاستغلال السياسي لهذه الأحياء الذي يبقى أمرا خطيرا. كما “تكرس نظرية الاستبدال النظر للفرنسيين من أصول مهاجرة  كغزاة. هذا يعني أنه أينما كانوا، حتى عندما يكونون أقلية ، فإنهم يمثلون خطراً محتملاً. لذلك تقع على عاتق السياسيين مسؤولية أن يقولوا إنهم فرنسيون وأن يسمحوا لهم بالاندماج. “

في غياب مثل هذه السياسة، هناك خطر من تحول بعض جيوب الهجرة إلى “أقاليم مفقودة في الجمهورية”، الى مناطق حضرية ممزقة بالصراعات، تزدهر فيها الإسلاموية الطائفية كما كشف في عام 2002 كتاب – لم يلقَ تقديرا كبيرا لوقت طويل – لمجموعة من الأساتذة اليساريين  في سين سانت دينيس Seine Saint-Denis .

 

“تصور معرب للتطهير العرقي والثقافي”

مقابلة مع نيكولاس بانسل ، مؤرخ للحقبة الاستعمارية، كما شارك في تأليف كتاب الجمهورية المستعمرة (2006).

 

ما هو رد فعلك كمؤرخ حيال نظرية “الاستبدال الكبير” للشعب الفرنسي عن طريق الهجرة؟

تسلط هذه النظريّة الضوء على بعض الافتراضات المتداولة لليمين المتطرف في تعريفه لـ “السكان غير الأصليين”. أولاً، “أحفاد المهاجرين” هم فرنسيون، بحكم ولادتهم فوق التراب الفرنسي. إن اعتبار هؤلاء السكان أجانب يمثل إقرارا بوجود أصل بيولوجي واحد يحدّد  الانتماء إلى الشعب الفرنسي من عدمه، مع تجاهل كل عمليات التنشئة الاجتماعية التي  انصهرت ضمن بوتقة فرنسية واحدة. تُظهر دراسات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية INSEE أيضًا أن أحفاد المهاجرين يقتربون من مستويات الرواتب والعمالة والدراسة لبقية السكان مقارنة بوالديهم. لكن بالنسبة لمنظري “البديل العظيم”، فإنهم (أحفاد المهاجرين) سيبقون، جيلا بعد جيل غرباء عن هذه الأمة فقط  بسبب أصلهم البيولوجي رغم محاولات الانصهار والاندماج. يجب أن لا ننسى أيضًا أن حصة الأجانب في فرنسا تمثل (11٪) أي المعدل تقريبا مقارنة ب​​دول الاتحاد الأوروبي.

 

هل يمكن أن نتحدث عن قاعدة بيولوجية نقية في فرنسا؟

 

تفترض نظرية الاستبدال الكبير، المثيرة للقلق في الحقيقة، أن مجموعة من السكان البيض تشكل “قاعدة بيولوجية” لفرنسا ، وأن هذه القاعدة في طريقها للتلف أو التدمير. ومع ذلك ، وكما توضح جميع الدراسات الديموغرافية ، فإن البنية التاريخية للسكان الفرنسيين كانت، منذ القرن الثامن عشر تتميز بالاختلاط والتمازج، بما في ذلك مع السكان غير الأوروبيين الذين شكلوا غالبية تدفقات الهجرة منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، مما أثار “مخاوف أنثروبولوجية” استغلها اليمين المتطرف بذكاء.

 

هذا القلق إذن ليس وليد اليوم…

تعود فكرة الشعور بالغزو أو “الإغراق” الى نهاية القرن التاسع عشر. مع الانفتاح الاستعماري وأولى موجات الهجرة، تولد شعور بالإغراق. نحيل هنا إلى أعمال الكابتن دانريت (الغزو الأسود ، التي نُشرت في عام 1895 ، ثم الغزو الأصفر ، في عام 1905). كانت هناك حملات صحفية مناهضة للمهاجرين في تسعينيات القرن التاسع عشر، وخلال الأزمة الاقتصادية الكبيرة في الثلاثينيات ، والتي استهدفت بشكل خاص شمال إفريقيا. لقد تم استخدام فكرة “الغزو” في أواخر السبعينيات من قبل حزب الجبهة الوطنية، مما جعلها واحدة من عقائده التي تبنتها بشكل أو بآخر بعض النخب السياسية اليمينية ولازالت إلى اليوم لم تفقد جاذبيتها خاصة في سياق الأزمة الاجتماعية والسياسية الراهنة. بل ان بعض المثقفين في الساحة الفكرية  يتحدثون صراحة عن الإغراق البيولوجي (Renaud Camus) أو الثقافي (آلان فينكلكروت Finkielkraut). اننا إزاء تمثل مخيف يقتضي تنقية المجتمع من العناصر”الغريبة أو الهجينة” ، والتي يُفترض أنها أصل الانحلال البيولوجي والثقافي للأمة الفرنسية. “

المصدر

error: