الإمتلاك والوجود في الحياة اليومية – إيريك فروم / ترجمة: د. حميد لشهب

الإمتلاك والوجود في الحياة اليومية – إيريك فروم / ترجمة: د. حميد لشهب


بما أننا نعيش في مجتمع موجه نحو الإمتلاك والربح، فإننا لا نرى إلا ناذرا وجود نمط الحياة الوجودية، وترى أغلبية الناس أسلوب التملك كأسلوب طبيعي في الحياة، بل كالأسلوب الوحيد للوجود. وهذا هو السبب الذي يجعل نمط الحياة الوجودية صعب الفهم من طرف وكون الإمتلاك ما هو إلا توجها حياتيا ممكنا من بين توجات أخرى. ومع ذلك فإن كلا المفهومين متجذرين في التجربة الإنسانية ولا يمكن دراسة أحدهما بطريقة مجردة مفهومة بمعزل عن الآخر. إنهما ينعكسان في الحياة اليومية، ولهذا السبب يكون بالإمكان دراستهما بالفعل. تسهل الأمثلة البسيطة التالية المستوحاة من الحياة اليومية على القارئ فهم الإختيار بين الإمتلاك والوجود.

 

التعلم

يستمع الطلبة الموجهين توجيها امتلاكيا لمحاضرة ما، بإنصاتهم للكلمات ويدركون علاقاتها المنطقية ومعناها ويدونون ذلك ما استطاعوا بالكامل في كنانيشهم، ليحفظوا ما دونوه ويكون باستطاعتهم اجتياز امتحان ما. لكن لا يصبح المحتوى جزءا لا يتجزء من عالمهم الفكري الشخصي ولا يوسع ولا يغني هذا الأخير. إنهم يدخلون بالضغط ما يسمعونه من أفكار أو نظريات بأكملها ويحفظونه عن ظهر قلب. لكن يبقى محتوى المحاضرة والطالب غريبان عن بعضهما ويصبح الطالب مالكا ﻟﻤﺠموعة من العبارات والصيغ، توصل إليها شخص آخر إما بابتكارها وإما بنقلها عن مصادر أخرى.

ليس للطلبة ذوي التوجه الإمتلاكي إلا هدف واحد: القبض على “ما تعلموه”، إما بحفظه في ذاكرتهم أو بحراسة مسوداتهم. لا يكونون في حاجة إلى خلق أو إنتاج شيئ جديد. ذلك أن “الشخص الإمتلاكي” يشعر بالفعل بالقلق اتجاه الأفكار أو الفكر الجديد، لأن هذا الجديد يضع مجموع المعلومات التي لديه موضع تسائل. بالنسبة للإنسان الذي يكون الإمتلاك عنده الشكل الرئيسي لعلاقته بالعالم، يعتبر الفكر الذي لا يدون و يُحفظ بطريقة سهلة، منبعا للريبة، تماما ككل ما ينمو ويتطور ويتغير ويخرج عن مراقبة الطالب الموجه امتلاكيا.

أما بالنسبة للطلبة ذوي علاقة وجودية بالعالم، فإن لعملية التعلم عندهم جودة مغايرة تماما. ذلك أنهم لا يحضرون المحاضرة الأولى دون تهيأٍ، بل يفكرون في موضوع المحاضرة قبل حضورها، يهتمون بإشكاليات بعينها. يُشغلهم الموضوع ويهتمون به.

عوض استقبال الكلمات والأفكار بطريقة سلبية passiv، فإنهم يُنصِتوت ولا يكتفون بالإستماع، بل يستقبلون ويُجيبون بطريقة نشيطة ومُنتجة. ما يستمعون له يُنَشِّط عملية التفكير فيهم، وتطفو على السطح إشكاليات وأفكار وآفاق جديدة. وبهذا تكون عملية الإنصات عندهم عملية نشيطة، ذلك أن الطالب يُسجل ذهنيا ما يُقدمه الأستاذ ويصبح حيويا في إجاباته. لا يحصل على معرفة فقط، يحملها معه لمنزله يمكنه أن يحفظها على ظهر قلب. ذلك أن كل طالب يكون معنيا بالأمر ويكون بالإمكان تغييره: يصبح كل واحد بعد المحاضرة شخصا آخر. ولا يكون هذا النوع من التعلم ممكنا، إلا إذا اقترحت المحاضرة أدوات مُشجعة. ولا يمكن للمرء ذي التوجه الوجودي التفاعل مع كلام فارغ ويكون من الأفضل بالنسبة له عدم الإستماع لمثل هذا الكلام، بل التركيز على أفكاره الشخصية. وسأهتم ولو في عجالة بكلمة “الإهتمام”، التي أصبحت دون معنى بفرط استعمالها. ذلك أن معناها الأصيل مُتضمن في جذرها الأصلي: تعني كلمة “إنتير-إيسا inter-esse ” في اللاتينية “الوجود بين” أو “الوجود مع”. ويُعبر عن هذا “الإهتمام” الحيوي في الإنجليزية بكلمة ”  to list ” ( نعتها هو listy وظرفها هو listily). ولا يُستعمل تعبير “to list” اليوم إلا للإشارة إلى مكان ما عندما يقول المرء مثلا “تقترب باخرة a ship lists” ولا نجد المعنى السيكولوجي للكلمة إلا باستعمالها سلبيا كغير مبالات “listless”. ذلك أن “to list” تعني “السعي بنشاط لشيئ ما” و”الإهتمام الحقيقي بشيئ ما”. وهو نفس الجذر في كلمة ” مُتعة أو رغبة Lust”، لكن لا تعني عبارة “to list” “كون المرء مدفوعا برغبة ما”، لكنها تتضمن الإهتمام المستقل/الحر والنشيط بشيئ ما أو الرغبة فيه. كما أن “to list” هو المفهوم الأساسي للمؤلف المجهول لكتاب”غيمة الغير العارفThe Cloud of Unknowing”، الذي نُشر في منتصف القرن الرابع عشر (E. Underhill, 1956). واحتفاظ اللغة بالمعنى السلبي للكلمة فقط، شاهد على التغيير الذي حصل بين القرن الثالث عشر والقرن العشرين في الموقف الفكري/العقلي للمجتمع.

 

التذكر

يمكن للمرء أن يتذكر بطريقة امتلاكية أو بطريقة وجودية. وتختلف طريقتي التذكر هذه باختلاف نوعية الصلة التي يقوم بها. إذا تذكر المرء بطريقة امتلاكية، فإن الصلة تكون ميكانيكية بالكامل، كما هو الحال عليه عندما تتم الصلة بين كلمتين باستعمال هذه الصلة في نفس الوقت و باستمرار. أو قد يتعلق الأمر بصلة تتأسس على علاقات منطقية خالصة، كما هو الشأن في أزواج جمل متضادة ومفاهيم متقاربة أو صلة بسبب الوقت والفضاء والكبر واللون أو بسبب الإنتماء إلى منظومة فكرية معينة.

أما التذكر بطريقة وجودية فهو فعل نشيط، يستحضر به المرء الكلمات والأفكار والرؤى والصور والموسيقى في الوعي. تتم علاقات بين االواقعة التي يريد المرء تحيينها و وقائع أخرى عديدة تكون لها علاقة بالواقعة الأولى. وتتم الصلة هنا ليس بطريقة ميكانيكية أو منطقية، بل بطريقة حيوية. يتم ربط كل مفهوم بمفهوم آخر عن طريق فعل مُنتج للفكر (أو للشعور) يُستعمل عندما يبحث المرء عن الكلمة الصحيحة. وأبسط مثال على ذلك هو أنني عندما أربط كلمة “صداع” أو “أسبرين” بكلمة “صداع الرأس”، فإنني أتحرك في السكة المنطقية المعتادة. أما إذا ربطت كلمة ” “إجهاد” و “غضب” بكل “صداع الرأس”، فإنني أربط الواقعة المعنية بالأمر بالأسباب الممكنة التي أتوصل إليها، لأنني انشغلت بالظاهرة. ويعتبر هذا النوع من التذكر في حد ذاته فعلا للتفكير المنتج. وأهم مثال على هذا النوع من التذكر هو ما أطلق عليه فرويد مصطلح “تداعي الأفكار الحر”.

إن كل من لا يهمه تخزين المعلومات في المقام الأول، سيرى بأن ذاكرته، ولكي تشتغل بطريقة جيدة، تحتاج إلى الإهتمام المباشر والقوي بما تهتم به. وهكذا فإن الكثير من الناس عاشوا مثلا تجربة نسيان كلمة ما في وضع حرج ومهم بالنسبة لحياتهم، لكنهم تذكروه في لغة أجنبية أخرى. ويمكنني أن أقول من خلال تجربتي المهنية، وعلى الرغم من أنني لا أتوفر على ذاكرة خارقة للعادة، بأنني أتذكر حلم شخص ما سبق وأن حللته، سواء أتم ذلك قبل أسبوعين أو خمسة سنوات، كلما التقيت بهذا الشخص وركزت على شخصيته بالكامل. لكنني لا أتذكر هذا الحلم قبل أن ألتقي به ولو بخمس دقائق.

يتضمن التذكر في طريقة الحياة الوجودية استرجاع ما رئاه المرء أو سمعه في مرة ما. ويمكن لكل واحد فهم هذه الطريقة المنتجة للتذكر عندما يحاول مثلا استحضار وجوها أو مناظر طبيعية معينة سبق أن شاهدها. ولا يظهر هذا الوجه أو هذا المنظر الطبيعي بسرعة أمام العين الباطنية. لابد من إنتاجهما من جديد في الذاكرة وإيقاظهما للحياة. ولا يُعتبر هذا الأمر سهلا دائما. والشرط الأساسي لذلك هو أن أكون قد ركزت بما فيه الكفاية على هذا الوجه أو على هذا المنظر، لكي أتمكن من استحضارهما في ذاكرتي. وعندما تنجح هذه الطريقة من التذكر بالكامل، فإن هذا الشخص، الذي استحضرت وجهه في ذاكرتي، يكون حاضرا بكامل الحيوية ونفس الشيئ يمكن أن يقال عن المنظر الطبيعي، كما لو أن المرء يراهما أمامه.

على العكس من هذا، فإن المرء الذي يتذكر وجها أو منظرا طبيعيا بطريقة امتلاكية يشبه إلى حد كبير الطريقة التي ينظر بها إلى صورة فوتوغرافية. تمثل الصورة إذن ركيزة بالنسبة له للتعرف على إنسان أو منظر طبيعي. ويكون رد فعله بالتقريب هكذا: “نعم، إنه هو” أو “نعم، لقد كنت أنا هذا”. وبهذا تُصبح الصورة بالنسبة للكثيرين بمثابة تذكر غريب.

هناك طريقة أخرى للتذكر الغريب، تتمثل في كتابة ما أود تذكره. عندما أكتبه على الورق، فإن كل ما أحققه هو أنني أمتلك المعلومة، ولا أحاول تركيزها في ذاكرتي. ذلك أنني أكون واثقا مما أملكه، إلا إذا أضعت ما كتبته وبهذا أضيع ما كنت أريد أن أتذكره. و هنا تغادرني كفائتي التذكرية، لأن ذاكرتي أصبحت جزء خارجيا عن ذاتي في شكل شيئ مكتوب على ورقة مستقلة عني.

بالنظر إلى الحجم الهائل من المعطيات/المعلومات، التي على الإنسان المعاصر الإحتفاظ بها في ذاكرته، فإنه من المستحيل عليه ألا يلجأ بتاتا إلى أخذ نقط وإلى المراجع المساعدة. لكن الميل إلى تعويض الذاكرة يكبر بمقدار لاعقلي ظاهر بسرعة. ويمكن التأكد بنفسنا من أن كتابة ما نود تذكره يقلص من القدرة على التذكر، وعلى الرغم من ذلك قد تكون بعض الأمثلة على ذلك مهمة.

هناك مثال من الحياة اليومية، ألا وهو التبضع في أي محل تجاري: لم يعد أي بائع تقريبا يستطيع القيام بعملية حسابية ذهنية لبضاعتين أو ثلاثة، بل تقوم بذلك آلة حاسبة. وهناك مثال آخر من المدرسة: قد يلاحظ المدرسون بأن التلاميذ الذين يكتبون بالضبط ما يُملى عليهم جملة جملة، من المحتمل بكثير ألا يفهمون إلا القليل مما كتبوه ولا يتذكرون إلا القليل منه، بالمقارنة مع زملائهم الذي يعتمدون على قدراتهم لفهم ما هو جوهري على الأقل والإحتفاظ به في ذاكرتهم. ويعرف الموسيقيون بأن من يفضل عزف أية قطعة موسيقية بالإعتماد على ورقة موسيقية، يجد صعوبة كبيرة في تذكر مقاطعه الموسيقية دون هذه الورقة (إنني مدين للدكتور موشي بودمور Dr. Moshe Budmor على هذه المعلومة). ويعتبر طوسكنيني Toscanini مثالا على الموسيقي الموجه توجيها وجوديا، فقد كان له تذكر خارق للعادة.

لاحظت وأنا بالمكسيك، بأن الناس الأميين، الذين لا يحسنون الكتابة، يتمتعون بذاكرة أحسن بكثير من المواطنين الذي يحسنون القراءة والكتابة في الدول المصنعة. وهذا الأمر هو من بين الأمور التي تترك الإعتقاد بأن فن الكتابة والقراءة ليس فقط نعمة، كما يؤكد المرء على ذلك، وبالخصوص عندما يتعلق الأمر بقراءة أشياء تُضعف القدرة على القيام بتجربة ذاتية وتضعف الخيال.

 

التحدث أو المحادثة مع بعضنا البعض

يظهر الفرق بين نمطي الوجود المعنيين بالأمر هنا بجلاء في المحادثة بين الناس. لنأخذ مثالا نموذجيا في محادثة رجلين يدافع الشخص الأول على فكرة (س) و يدافع الشخص الثاني على فكرة (ي). يعرف كل واحد منهما وجهة نظر الآخر بطريقة تامة تقريبا. ويتبنى كل منهما وجهة نطره. ما يهمهما هو تقديم أحسن البراهين للدفاع عن موقفهما، يعني اختيار براهين ملائمة لذلك. لا يفكر أي منهما تغيير وجهة نظره أو ينتظر أن يقوم الطرف الآخر بذلك. إنهما يخشيان التخلي عن وجهات نظرهما، لأنهما تنتميان لما يملكانه وقد يمثل التخلي عنهما خسارة ما بالنسبة لهما.

لكن الأمر يكون على شاكلة أخرى، عندما لا تكون المحادثة مفهومة كمناظرة. من منا لم يعرف تجربة الإلتقاء بشخص معروف أو مشهور، يكون ممتازا عن طريق جودة شخصيته، أو مع شخص ينتظر منه المرء وظيفة جيدة أو حبا أو إعجابا؟ تكون الغالبية العظمى في مثل هذه المواقف متوترة وقلقة وتتهيأ بطريقة جيدة لمثل هذه المقابلات. تفكر في المواضيع التي قد تَهُمُّ هذا الآخر، تخطط مسبقا للطريقة التي ستبدأ بها حديثها معه، وهناك من يكتب كل المناقشة مسبقا، بالقدر الذي قد تَهُم المُخاطب المُنتظر. وقد يتشجع البعض في مثل هذه الأوضاع بالتركيز على كل ما يملكه: نجاحاته السابقة، وجوده الساحر (أو قدرته على ترهيب الآخرين، إذا كان هذا قد يحمل معه نجاحا في المقابلة)، و موقعه الإجتماعي، وعلاقاته، ومنظره الخارجي وملابسه. بكلمة مختصرة، يتحسس في روحه قيمته ويعتمد عليها لعرض بضاعته أمام مُحدِّثَه. إذا قام بذلك بالكثير من المهارة، فإنه سيبهر بالفعل الكثير من الناس، على الرغم من أن هذا الإنبهار ما هو في الحقيقة إلا نقص في ملكة الحكم عند الآخرين ولا يعتبر مصدره طريقة تقديم الشخص المعني بالأمر لنفسه إلا بقدر ضئيل. أما الأقل دهاءا و مهارة، فإنه لن يوقظ اهتمام الآخر بطريقة تقديم نفسه إلا قليلا، سيتخشب ويصبح غير طبيعي وممل.

في مقابل مثل هذه الشخصية، نجد شخصية أخرى لا تتهيأ ولا تنسف ذاتها من الداخل، لكن تسلك بطريقة عفوية ومُنتجة. ينسى مثل هذا الإنسان ذاته وعلمه ومكانته الإجتماعية، ولا يكون أناه حاجزا بالنسبة له، ولهذا السبب بالضبط يكون متأقلما بالكامل مع الآخر ومع أفكاره. يخلق أفكارا جديدة، لأنه لا يحاول امتلاك أي شيئ من مقابلته.

في الوقت الذي يعتمد فيه “الإنسان الإمتلاكي” على ما يملكه، فإن “الإنسان الوجودي” يعتمد على واقعة كونه يوجد وبأنه حيوي وبأن شيئا جيدا قد يقوم، عندما تكون له الشجاعة لكي لا يتحجر، بل يجيب بطريقة عفوية. يعطي الإنطباع في حديثة بأنه إنسان حيوي، لأنه لا يخنق نفسه في حديثه بما يملكه. وتكون حيويته في هذه الحالة مُعدية، ويكون بإمكان مُحدثه من خلال ذلك أن يتجاوز مركزيته الذاتية. ذلك أن التحاور يتوقف عن كونه تبادل للبضائع (معلومات، معرفة، وضع اجتماعي أو مهني) و يُصبح مناقشة، لا يلعب فيها من يكون على صواب أو على خطأ أي دور يذكر. ترقص المتناقضات مع بعضها ولا تفترق بإحساس الإنتصار أو الإنهزام، وهو أمر غير مثمر في كلتا الحالتين، لكن بفرحة عارمة للنقاش. وللتذكير فإن أهم خاصية حيوية للمحلل النفسي في العلاج التحليل نفسي هي بالضبط هذا العامل الحيوي في العلاج. فالإستفاظة في تحليل المعاني سوف لن يكون لها أي تأثير، إذا كان الجو العلاجي ثقيلا وغير حيوي ومُمل.

 

القراءة

ما ينطبق على المحادثة، ينطبق كذلك بنفس الطريقة على القراءة، التي من اللازم أن تكون على الأقل نظريا حوارا بين القارئ والكاتب. من المهم من طبيعة الحال في القراءة (تماما كما هو الأمر عليه في المحادثة) “ما” أقرأه (أو مع من أتحدث). فقراءة رواية دون أي فن كتابة، ومكتوبة بطريقة رديئة، هي شكل من أشكال حلم يقظة. ذلك أنها لا توفر أي رد فعل منتج، يُبْلَعُ النص كبرنامج تلفزي دون موضوع أو كرقائق بطاطس، يبتلعها المرء وهو يشاهد التلفزة دون أي تفكير. على العكس من هذا فإن قراءة رواية من روايات بالزاك Balzac مثلا هي قراءة مُنتجة وتتم بمشاركة وجدانية داخلية، يعني أنها تُقرأ بالطريقة الوجودية. لكن الظاهر هو أن هذا النوع من الكتب يقرأ في الغالب بطريقة استهلاكية – بنمط امتلاكي-. وبما أن حب استطلاع القارئ يُوقَظُ أثناء القراءة، فإنه يريد معرفة البقية وما إذا كان بطل القصة سيموت أم لا، وما إذا كان سيفتن فتاة الرواية أم لا. وفي هذه الحالة تكون الرواية نوعا من المقدمة تثير القارئ وتكون النهاية إما سعيدة أو شقية. وعندما يعرف النهاية فإنه يتذكر القصة بكاملها وكأنه حفظها بالكامل، لكنه لا يصل من وراء هذه القراءة إلى أية معرفة تُذكر، ولا يُعمق معرفته بالإنسان بفهمه لشخصيات الرواية، كما أنه لا يتعلم أي شيئ عن نفسه ذاتها.

ينطبق نفس التمييز على المؤلفات الفلسفية أو التاريخية. ذلك أن طريقة قراءة كتاب فلسفي أو تاريخي هي مسألة تربية. فالمدرسة تحاول تلقين المُتَمَدْرِس قدرا معينا من “امتلاك الثقافة”، وفي نهاية تعليمه يُشهد له بأنه امتلك على الأقل حدا أدنى من الثقافة. ولهذا السبب يُعلمه المرء قراءة كتاب من الكتب ليتمكن من توضيح الأفكار الرئيسية للمؤلف. وبهذه الطريقة يتعرف على أفلاطون وأرسطو وسبينوزا ولايبنتز وكنط وهيدجر وسارتر. ذلك أن مستويات التعليم المختلفة من الثانوي إلى المدارس العليا تختلف أساسا بالنظر إلى كمية مضمون التعليم، التي تطابق تقريبا كمية ما يملكه المرء ماديا، ويمكن للتلميذ استغلاله في حياته فيما بعد. والطالب المتميز، طبقا لمثل هذا النظام التعليمي، هو الذي يستطيع الإستظهار الشبه الدقيق لما قاله كل فيلسوف على حدة. إنه يشبه في هذه الحالة مرشد متحف مسكوكا كقطعة معدن. لكن ما لا يتعلمه هو ما يتجاوز امتلاك هذه المعرفة. لا يتعلم حط الفلاسفة محط تسائل والحديث معهم ليكون على بينة بأنهم يتناقضون مع أنفسهم وبأنهم يضعون إشكاليات بعينها بين قوسين ويتجنبون مواضيعا بعينها. لا يتعلم التمييز بين وجهات النظر التي أثرت في المؤلفين، التي كانت تُعتبر في زمانهم “عقلية”، وبين ما يمكنه أن يساهم به في وجهات النظر هاته. لا يُحس متى يترك المؤلف عقله يتكلم ومتى يشارك قلبه وعقله فيما يكتبه؛ لا يلاحظ ما إذا كان المؤلف أصيلا أو مراوغا وبائع فُقَّاعَات صابون.

على العكس من هذا، يمكن للقارئ ذي التوجه الوجودي أن يصل إلى قناعة كون حتى أي كتاب يحصل على أكبر قدر من الإطراء قد يكون عديم القيمة نسبيا. فقد يفهم في بعض الأحيان كتابا ما أحسن من مؤلفه، الذي يعتقد بأن كل ما يكتبه هو مهم.

 

ممارسة السلطة

هناك مثال آخر للتمييز بين نمطي الحياة الإمتلاكي والوجودي ألا وهو ممارسة السلطة. والنقطة الحاسمة في هذا الإطار هي ما إذا كان المرء سلطويا أو له السلطة. كل واحد منا تقريبا يمارس في مرحلة من مراحل حياته السلطة. فمن يربي الأطفال، يمارس، أراد أو هذا أم لا السلطة، لكي يحمي الطفل من المخاطر ويعطيه على الأقل حدا أدنى من النصائح السلوكية التي تساعده في أوضاع معينة. وتعتبر النساء في مجتمع أبيسي موضوع ممارسة السلطة. أما في المجتمعات المنظمة بيروقراطيا وطبقيا، كما هو الحال عليه بالنسبة لمجتمعنا، فإن أغلبية أعضاء هذا المجتمع تمارس السلطة، باستثناء الطبقات السفلى، التي لا تكون إلا موضوعا للسلطة.

لكي نفهم ما معنى السلطة في كلا نمطي الحياة المشار إليهما أعلاه، من اللازم ألا تفارق أعيننا واقعة كون مفهوم السلطة هذا جد شاسع وله معاني متعددة، منها ما هو “عقلاني” ومنها ما هو “لاعقلاني”. فالسلطة العقلانية تشجع نمو الإنسان الذي تُأْتَمَنُ عليه وتتأسس على الكفاءة. أما السلطة اللاعقلية فإنها تتأسس على القوة وتُستعمل لاستغلال من وُكِّلَ لها أمر السهر عليهم. وقد شرحت هذا الفرق في كتابي “الخوف من الحرية”، 1941أ.

كان ذاك الذي كانت كفاءته معترفا بها على العموم هو الذي يُمارس السلطة في المجتمعات البدائية للصيادة والملتقطة. وكانت خصوصيات هذه الكفاءة تتوقف على الظروف: ما كان يأخذ في عين الإعتبار هي التجربة في الميدان والحكمة والسخاء والمهارة والشخصية القوية والشجاعة. ولا توجد في الكثير من القبائل البدائية أية سلطة دائمة، لكن هناك سلطة لكل موقف أو ظرف، يعني أن هناك سلطات متعددة بتعدد المناسبات كالحرب والشعائر الدينية والتوسط في النزاعات. وعندما تغيب أو تقل الخاصيات التي تتأسس عليها السلطة، فإن هذه الأخيرة تنتهي. ونجد تقريبا نفس نموذج السلطة في الكثير من مجتمعات القردة، وهي سلطة لا تقوم بالضرورة على القوة البدنية، لكن على خاصيات كالتجربة و”الحكمة”. وقد برهن ج. م. ديلغادو J. M. Delgado (1967)، طبقا لتجربة قام بها على القردة، بأن سلطة القرد المُسيطر تنتهي، حتى وإن حدث ذلك مؤقتا فقط، عندما يفقد الخصوصيات التي تشكل سلطته.

إن السلطة المؤسسة على توجه وجودي لا تتأسس فقط على قدرات معينة لِتَحَمُّلِ وظائف اجتماعية محددة، لكنها تتأسس كذلك على شخصية الإنسان الذي يصل إلى مستوى عال من تحقيق الذات والإكتمال. فمثل هذا الإنسان يُشِيع السلطة دون تهديد ولا رشوة ولا إعطاء أوامر، يتعلق الأمر ببساطة بفرد متطور جدا، يُظْهِر عن طريق ما هو/ماهيته – وليس فقط من خلال ما يقوله ويفعله- ما قد يكون عليه الإنسان. وقد كان كبار معلمي الإنسانية يتمتعون بمثل هذه السلطة ونجد نماذج مثلهم، لكن بأقل كمال، عند أناس من مستويات تعليم مختلفة في ثقافات متعددة. ويدور مشكل التربية حول هذه الإشكالية: لو كان الوالدان متطوران أكثر ويرتاحان في وسط ذواتهم، فلن يكون هناك أي صراع تقريبا على ما إذا كانا سلطويين أو “اتركه يعمل laisser faire” {أي لامبالات بتربية الأطفال تقريبا = إضافة المترجم}. ذلك أن الطفل يستجيب بطواعية للتربية ذات توجه وجودي، لأنه يحتاجها؛ ويثور ضد من يحاول فرض شيئ عليه أو يُهمله، ممن يُظهر بأنه لا يقوم بما يطالب الطفل القيام به.

بظهور المجتمعات المؤسسة على نظام سُلَّم اجتماعي طبقي ومعقدة أكثر من مجتمع الإلتقاط والصيد، عُوِّضَت السلطة القائمة على الكفاءة بالسلطة القائمة على الوضع الإجتماعي. ولا يعني هذا بأن السلطة القائمة حاليا هي سلطة غير كُفأة بالضرورة، لكن هذا يعني فقط بأن الكفاءة ليست عنصرا جوهريا بالنسبة لها. فسواء تعلق الأمر بالسلطة المَلَكِيَة، التي يكون فيها يانصيب الجينات البيولوجية حاسما في مقابل الكفاءة، أو بمجرم عديم الضمير يُصبح سلطة عن طريق الغدر والقتل، أو تعلق الأمر، كما يحدث غالبا في الديمقراطية الحالية، بسلطات تُنتخب لمظهرها الرقيق أو للمال الذي تنفقه على الحملة الإنتخابية؛ فإن لا علاقة تقريبا للكفاءة بالسلطة. وفي الحالات التي تقوم فيها سلطة على أساس كفاءات معينة، تظهر مشاكل جدية كثيرة. قد يكون قائد كفئا في ميدان ما وغير كفئ في ميدان آخر، كأن يكون مثلا رئيس دولة كفأ في الحرب، لكنه يخفق في السلم. وقد يكون سياسيا ما في بداية مشواره صادقا و شجاعا، لكنه يفقد في ممارسته للسلطة هاتين الخاصيتين. فقد يكون سبب هذا هو تقدمه في السن أو عائق جسدي ما. في نهاية المطاف فقد كان من السهل بكثير على أعضاء قبيلة بداية صغيرة الحكم على سلوك شخصية سلطة بالمقارنة مع ملايين الناس في نظامنا الحالي، ذلك أنهم لا يُكَوِّنُونَ صورة عن مُنتخبيهم إلا من خلال التلاعب بالمعلومات عنه و تدليس الحقائق على شخصيته، و هي صورة يُصممها عنه المتخصصون في العلاقات العامة.

كيفما كانت أسباب خُسران الخاصيات التي تمنح الكفاءة، فإن عملية استيلاب/تغريب السلطة تتم في الغالب في المجتمعات الكبيرة المنظمة طبقيا. ذلك أن الكفاءة الفعلية أو الخيالية تُلْصَقُ بالبذلة أو باللقب المهني لشخص ما. فإذا كان شخص ما يرتدي بذلة معينة أو يحمل لقبا ما، فإن هذه الرموز الخارجية تُعوض الكفاءة الفعلية والجودة التي تتأسس عليها. فالملك، لنطبق هذا اللقب كرمز لهذا النوع من السلطة كمثال، قد يكون غبيا وسفاحا وشريرا، يعني غير مناسب تماما ليكون سلطة، لكنه يكون ممتلكا لها. فطالما كان له هذا اللقب، كلما افترض المرء بأنه يمتلك الخاصيات التي تمنح له الكفاءات الضرورية لهذه السلطة. وحتى وإن كان القيصر عاريا، فإن المرء يعتقد بأنه لابس لملابسه.

لا يحدث اعتبار البشر البذلة والألقاب كتعويض للكفاءات حدوثا ذاتيا تلقائيا. ذلك أن أصحاب السلطة وكل الذين يستغلونها يُقنعون الناس بهذا الوهم ويقتلون ملكة التفكير الواقعي فيهم. فكل إنسان يفكر يعرف حق المعرفة طُرق عمل الدعاية، وهي طُرُق تُقتل بها قدرة الحكم النقدي في البشر وتهدِّأ عقولهم لبعض الوقت إلى أن يخضعون للكليشيهيات، التي تُسَفِّهَهُم، لأنها تجعل منهم تابعين وتسرق منهم القدرة على الثقة بعيونهم وبملكة حكمهم. وهذا الوهم الذي يؤمنون به هو الذي يعمي عيونهم لرؤية الواقع كما هو.

 

المعرفة

يعبر الفرق بين نمط الحياة الإمتلاكي ونظيره الوجودي عن نفسه في ميدان المعرفة في عبارات من قبيل “لي معرفة” و”أنا أعرف”. حيازة المعرفة من طرف الإنسان الإمتلاكي يعني اقتناء المعرفة (المعلومة) والمحافظة عليها في حوزة ممتلكاته؛ وهي عند الإنسان الموجه وجوديا “أنا أعرف” وظيفية و جزء من عملية التفكير المُنتجة.

يمكننا أن نعمق فهمنا لخصوصية المعرفة عند الإنسان الذي يعيش حياته بطريقة وجودية، عندما نستحضر في أذهاننا ما كان مفكرون مثل بودا والأنبياء والمسيح والمايستر إيكهارت وسيغموند فرويد وكارل ماركس يدافعون عنه. ذلك أن المعرفة تبدأ في نظرهم بالتعرف على الخداع عن طريق وعي ما يُسمى بالفهم البشري، ليس فقط في معنى كون الصورة التي نحملها عن الواقع الفيزيائي لا تطابق “الواقع الفعلي”، لكن بالخصوص في معنى كون أغلبية الناس تكون نصف نائمة و نصف حالمة ولا تفقه بأن أغلبية ما تعتقد بأنه صحيح وبديهي ما هو إلا وهم، يحصل عن طريق التأثير الإيحائي للمحيط الإجتماعي، حيث تعيش. انطلاقا من هذا، فإن المعرفة تبدأ بهدم الأوهام والخداع. إنها تعني المرور من القشرة الخارجية للولوج إلى الجذور، وبالتالي إلى الأسباب، والنظر للواقع مُجردا من كل صباغاته. لا تعني المعرفة امتلاك الحقيقة، لكن الولوج إلى مستوى أعمق من السطح ومحاولة الإقتراب ما أمكن عن طريق النقد والفعل إلى الحقيقة.

تتضمن الكلمة العبرية “يادوا jadoa ” خاصية الولوج الخَلاَّق، وتعني المعرفة والحب في معنى الولوج الجنسي الذكوري. فبوذا المستيقظ كان يأمر الناس بأن يستيقظوا ويتحرروا من الأوهام القائلة بأن امتلاك الأشياء يقود إلى السعادة. وقد كان الأنبياء يدعون البشر لكي يستيقظوا ويعرفوا بأن أوثانهم ليست إلا نتاجا لأيديهم وبأنها أوهام. وقد قال المسيح: “إن الحقيقة ستحرركم” (يوحنا 8، 32). و عبر المايستر إيكهارت عن تصوره للمعرفة مرات عديدة، كعندما قال عن معرفة الله: “إن المعرفة لا تضيف و لو فكرة واحدة، بل إنها تعوضها و تنفصل وتتقدم وتَمُس الله، كما هو عاريا، وتفهمه في كيانه” J. Quint, 1977, S. 238))؛ ( كان تعبير “العِري” و”عاري” من التعابير المفضلة عند المايستر إيكهارت ومعاصريه ومُؤَلِّف كتاب “غيمة عدم المعرفة”). أما بالنسبة لماركس، فإن: “المطالبة بالتخلي عن أوهام الوضع الشخصي، هي المطالبة بالتخلي عن وضع يحتاج إلى الأوهام” (Karl Marx, 1971, S. 208). ويتأسس مصطلح فرويد “معرفة الذات” على تصور ضرورة هدم الأوهام (“عقلنة”)، لوعي الواقع اللاواعي.

ما كان يهم هؤلاء المفكرين هو خلاص البشر، فقد وضعوا كلهم المخططات الفكرية المعترف بها اجتماعيا محط تسائل. لم يكن هدف المعرفة عندهم هو يقين “الحقيقة المطلقة”، التي يؤمن بها المرء بطريقة أكيدة، لكن تنفيذ العقل الإنساني الصحيح. ذلك أن عدم المعرفة بالنسبة لهولاء العارفين هي كذلك جيدة كالمعرفة، لأنهما جزئين لا يتجزءان لعملية المعرفة، حتى وإن كان هناك فرق بين هذا النوع من عدم المعرفة وجهل التفكير. إن أسمى هدف للنمط الوجودي في الحياة هو المعرفة العميقة، لكنه يكون في النمط الإمتلاكي في الحياة هو المزيد من المعرفة.

يحاول نظامنا التعليمي عموما تجهيز الناس بالمعرفة كَمُلْك، و وفقا لذلك كملكية واحترام اجتماعي، قد يكون يستفيدون منه في حياتهم فيما بعد. فالحد الأدنى من المعرفة التي يحصلون عليها، هي كمية المعلومات التي يحتاجونها ليشتغلون {المقصود هنا كآلة، إضافة المترجم}. إضافة إلى هذا يتسلم كل واحد طردا كبيرا أو صغيرا من “المعرفة الفاخرة Luxuswissen” ليرفع من الشعور بالقيمة الذاتية، وبالتالي من وضعه الإجتماعي المُفترض. إن المدارس هي مصانع، تُصنع فيها طرود المعرفة، على الرغم من أن المرء يدعي بأن الهدف هو إيصال التلاميذ ليحتكوا بأسمى خاصيات العقل البشري. وتعرف الكثير من الكليات تغذية هذا الوهم بطريقة رائعة. ذلك أنها تقترح في مقرراتها مواد ضخمة للغاية كالفلسفة والفن الهنديين والوجودية والسريالية إلخ، يمكن لكل طالب أن يختار منها ما يُعجبه، لكي لا يُضَيِّق المرء على عفويته وحريته ولا يفرض ا عليه التركيز على موضوع ما، ولا قراءة كتاب إلى آخره (انظر النقد الراديكالي للنظام المدرسي الذي قدمه إيفان إيليتش Ivan Illich عام 1970)”.

 

الإيمان

قد يكون لمفهوم الإيمان في الميدان الديني والسياسي والشخصي معنيين مختلفين تماما، حسب استعماله في المعنى الإمتلاكي أو الوجودي.

يعني الإيمان في نمط الحياة الإمتلاكي، امتلاك أجوبة لا يكون للمرء أي برهان عقلي عليها. ويتكون هذا البرهان من تعابير أُعطيت له من طرف آخرين، تُقبل لأن المرء يكون خاضعا لهؤلاء الآخرين –يتعلق الأمر عادة ببيروقراطية معينة-. يمنح مثل هذا الإيمان الشعور باليقين بسبب السلطة الفعلية للبيروقراطية (أو حتى السلطة المُتخيلة). وهو إلى هذا ورقة الدخول، يشتريها المرء لينتمي لمجموعة بشرية معينة، وتعفيه من مهمة صعبة أخرى تتمثل في التفكير بنفسه وأخذ قرارات. وبهذا يصبح المرء من beati possidentes، أي مالكي الإيمان الصحيح السعداء. ويدعي هذا النوع من الإيمان في آخر المطاف بأنه يُعلن عن معرفة غير قابلة للإهتزاز، يقينة، لأنه يظهر بأن سلطة أولائك الذين يعلنون عن هذا الإيمان ويحمونه قوية ولا تقبل الإهتزاز.  من منا لا يريد اليقين، إذا لم يكن يتطلب أكثر من التخلي عن الإستقلال الذاتي؟

إن الله، الذي يعتبر في الأصل رمزا لأسمى قيمة، والذي يمكن أن نقوم بترجربة ذاتية معه في داخلنا، يُصبح في نمط حياة امتلاكي أيقونة/صنما. ويعني هذا في معنى الأنبياء شيئا صُنع من طرف البشر، يعكس الإنسان عليه قوته الذاتية وبهذا يصبح ضعيفا في ذاته. إنه يخضع إذن إلى ما خلقه هو بنفسه ويقوم بتجربة ذاته من خلال هذا الخضوع في شكل مُستلب. يمكنني أن أمتلك الأيقونة، لأنها شيئا ما، لكن هي التي تمتلكني بسبب خضوعي لها.

طالما أن الله قد أصبح  أيقونة، فإن لا علاقة هناك لخصوصياته المُفترضة بالتجربة الشخصية للمرء، كما هو الأمر بالنسبة للأنسقة السياسية المُستلبة. قد تُعبد الأيقونة كإلاه رحيم، لكن المرء يُمارس كل قسوة باسمه، كما هو الأمر في الإعتقاد الغريب في التضامن بين البشر، وهو اعتقاد لا يضع الأفعال اللإنسانية للبشر موضع تسائل. يُعتبر الإيمان في نمط الحياة الإمتلاكي العُكَّاز لكل الذين يبحثون عن اليقين ويرغبون في العثور على معنى ما للحياة، دون أن تكون لهم شجاعة البحث عن هذا العُكّاز باستقلال.

يعتبر الإيمان ظاهرة مغايرة تماما في نمط الحياة الوجودي. أيستطيع الإنسان أن يعيش دون إيمان؟ ألا يؤمن الرضيع بثذي أمه؟ ألا نعتقد كلنا بالناس الآخرين وفي من نحب وفي أنفسنا ذاتها؟ أيمكن أن نعيش دون الإعتقاد في صلاحية القيم لحياتنا؟ يصبح الإنسان دون إيمان غير مثمر بالفعل، دون أمل و قلق في وجوده الداخلي العميق.

لا يعتبر الإيمان في نمط الحياة الوجودي اعتقاد في أفكار معينة في المقام الأول، على الرغم من أن الأمر قد يكون هكذا؛ لكنه تَوَجُّه داخلي. إنه موقف وتصور. من الأحسن القول: إن المرء في الإيمان عوض القول أن للمرء إيمان ما. تميز علوم الدين بين الإيمان الإعتقادي fides quae creditur والإيمان الذي يعتقد fides qua creditur. ويعكس هذا الأمر التمييز بين الإيمان كمضمون والإيمان كفعل. يمكن للمرء أن يعتقد في نفسه وفي الآخرين. يمكن للإنسان المتدين أن يعتقد في الله. ذلك أن إله التوراة هو قبل كل شيئ نفي للأصنام وللألهة التي يمكن للمرء أن يمتلكها. فمفهوم الله، الذي فُكِّر فيه كتشبيه بملك شرقي، تعالى بنفسه منذ البداية. لا يحق تسميته ولا رسمه. وفي التطور اللاحق لليهودية وللمسيحية حاول المرء تحقيق تخليص الله من اعتباره تمثالا، يعني القضاء على خطر جعله تمثالا، ببناء مسلمة مفادها عدم السماح بقول أي شيئ عن صفاته. وهناك محاولة راديكالية في التصوف المسيحي، مثلها Areopagia Pseudo-Dionysios وأخرون مثل مؤلف كتاب “غيمة عدم المعرفة” الغير المعروف والمايستر إيكهارت، الذين نجد عندهم بأن الرغبة في تطهير مفهوم الله من كل تشبيه، قادهم لاعتباره (لاشيئا)، وكانت النتيجة هي تصورات عبر عنها في Veden وفي الأفلاطونية المحدثة. ويكون هذا النوع من الإيمان مضمونا عن طريق التجربة الداخلية للذات الشخصية بذاتها للصفات الإلهية، وهو بهذا عملية مستدامة ونشيطة للإبداع الذاتي، أو كما قال المايستر إيكهارت: يولد المسيح أزليا فينا.

حتى اعتقادي في ذاتي وفي الناس الآخرين وفي الإنسانية وفي قُدرات الإنسان ليصبح إنسانا حقيقيا تتضمن اليقين. لكنه يقين يتأسس على تجربتي الشخصية وليس على أساس خضوعي لسلطة ما، تفرض علي اعتقادا معينا. إنها يقين حقيقة، لا يمكن البرهنة عليه عن طريق دليل عقلي ضروري واضح، لكنني أكون مقنتعا به بسبب دليل تجربتي الذاتية. يسمى الإيمان في العبرية إيمونا Emuna، ويعني “يقين”، وتعني كلمة آمين “يقينيا”. عندما أكون متيقنا من أصالة إنسان ما، فلا يمكنني أن “أبرهن” على هذه الأخيرة إلى آخر يوم في حياته، وإذا أخذنا الأمر بصرامة من وجهة نظر وضعية، فإن هذا لا يعني بأنه قد يحتفظ بهذه الأصالة إلى أن يموت، فقد يفقدها لو أنه عاش أطول. ذلك أن يقيني ينبني على معرفتي الأساسية بالآخر وعلى كوني أحب ذاتي وأعيش أصالتي. وتعتمد مثل هذه المعرفة على ما إذا كان الإنسان قادرا على التخلص من أناه وما إذا كان بإمكانه أن يرى الآخر في وجوده هكذا So-sein والتعرف على بنية قواه الداخلية، وما إذا كان بإمكان المرء أن يرى هذا الآخر في فردانيته وفي نفس الوقت كجزء من الإنسانية كلها. وبهذا يعرف المرء ما يعمله وما لا يمكن أن يعمله ولن يعمله. ولا أعني بهذا من طبيعة الحال أنه بإمكان المرء التنبأ بمجموع سلوكه المستقبلي، لكن هناك خطوط أساسية في سلوكه تتجدر في خصائص طبعه، كالأصالة مثلا  الوعي بالمسؤولية. وتتأسس هذه الثقة على وقائع، وبهذا تكون عقلية، لكن لا يمكن الكشف عن هذه الوقائع بمناهج السيكولوجية الوضعية المعهودة و”البرهنة” عليها. فأنا الوحيد الذي يمكنني “تسجيلها” بقوة حيويتي الذاتية.

 

الحب

للحب كذلك معنيين يتوقفان على ما إذا كان المرء يتحدث على نمط الحياة الإمتلاكي أو نظيره الوجودي.

أيمكن للمرء أن يمتلك حبا؟ إذا كان ذلك ممكنا، فسيكون الحب شيئا، مادة، يعني شيئا يمكن للمرء امتلاكه. والحقيقة هو أنه لا يوجد شيئ اسمه “الحب”. إن “الحب” هو تجريد، قد يكون إِلَهَة أو وجودا غريبا، على الرغم من أن لا أحد سبق له أن رأى هذه الإلهة. في الحقيقة لا يوجد إلا فعل الحب. فالحب هو أن يكون المرء حيويا/نشيطا بطريقة مُنتجة. ويتضمن اعتناء المرء بشخص (أو شيئ ما)، معرفته، الإستجابة له، تقويته، الإبتهاج لرؤيته، أكان هذا الشيئ إنسانا أو شجرة أو لوحة أو فكرة. ويعني هذا إيقاظه للحياة والرفع من حيويته. إنه عملية ديناميكية تجدد المرء وتنميه باستمرار.

إذا عِيشَ الحب بطريقة امتلاكية فإنه يعني تقليص الموضوع الذي “يُحبه” المرء وسجنه أو مراقبته. ومثل هذا الحب يشنق، يُشَلِّل، يخْنِق، يقتل عوض أن ينشط ويُحيي. وما يمكن اعتباره حبا في هذا الإطار، ما هو في غالب الأحيان إلا استغلال للكلمة لإخفاء كون المرء لا يُحب في الحقيقة. هناك سؤال مفتوح يتمثل في كَمْ عدد الوالدين الذين يحبون أطفالهم بالفعل؟ فالأخبار عن التعامل الوحشي مع الأطفال لبعض الوالدين، سواء أكان في شكل تعذيب جسدي أو ضغط نفسي وعدم رعايتهم أو اعتبارهم مُلْكا خالصا لهما أو تشغيل مُحرك السادية اتجاههم، هذا التعامل الذي كثر في القرنيين الماضيين، يُفزع إلى درجة أن المرء يتسائل ما إذا كان الوالدان اللذان يحبان أطفالهما بالفعل لا يشكلان إلا حالات استثنائية، مقارنة بالآخرين.

ينطبق نفس الشيئ على الزواج: سواء أكان الزواج مبنيا على الحب أو كما كان معمولا به في الزواج التقليدي، أي مبني على اتفاقيات وتقاليد اجتماعية. ذلك أن الزوجين اللذين يحب بعضهما الآخر بالفعل قد أصبحا استثناء. فالنفعية الإجتماعية والإقتصادية والخوف والكراهية والتبعية المتبادلة والتقاليد والإعتناء بالأطفال، تُعاش بوعي كـ “حب”، إلى أن تصل اللحظة التي ينتبه فيها طرف أو الطرفين معا بأنهما لم يتحابا أبدا. ويمكن أن نسجل في هذا الإطار نوعا من التطور حاليا: أصبح الناس أكثر وضوحا وأكثر واقعية من قبل، ولم يعد الكثيرون يخلطون بين الإنجذاب نحو الآخر رغبة في الجنس وبين الحب، كما أنهم لا يعتبرون علاقة العمل في فريق واحد حبا. ونتيجة هذا الموقف الجديد هو ارتفاع نسبة الصدق بين الطرفين وارتفاع تغيير الشريك بعد مدة معينة. لكن لم يقد هذا الأمر إلى التقاء أناس يتحابون، فالشركاء في العلاقة الغرامية الجديدة لا يتحابون أكثر من نظرائهم القدامى.

إن التحول الذي يقع ابتداء من “الشعور بحب” شخص آخر إلى وهم “امتلاك” الحب قد يمكن تتبع دقائق أموره بمساعدة قصص الأزواج الذين يتحابون. وقد أشرت في كتابي: “فن الحب”، الصادر عام 1956، بأن تعبير “السقوط في الحب falling in love” هو تناقض في حد ذاته. بما أن الحب هو نشاط حيوي مُنْتِج، فلا يمكن للمرء إلا أن يقف في الحب أو المشي فيه، لكن لا يمكنه “السقوط” فيه، لأن ذلك يعني سلبية ما. ففي زمن الدعاية والإشهار، لا يكون الواحد متأكدا من الآخر، ذلك أن المحبين يبحثون عن ربح الآخر. إنهم حيويين، جذابين، مهمين وجميلين، ذلك أن الحيوية تُجَمِّل الوجه دائما. لا يمتلك الواحد الآخر بعد، ولهذا السبب يستعمل كل واحد كل طاقته لكي يكون، يعني للعطاء وللتنشيط.

في غالب الأحيان يتغير الوضع كليا بعد الزواج. ذلك أن عقد الزواج يعطي الحق لكليهما في ملكية جسد الآخر وعواطفه. لم يعد من الضروري محاولة امتلاك الآخر، لأن الحب أصبح شيئا في ملك المرء. يتهاون الإثنين في جهديهما لكي يبقيا أهلين بالحب وإيقاظ الحب في الآخر. يصبحان مملان ويضمحل جمالهما. يخيب أملهما في بعضهما البعض ويصبحان دون عون ولا حول. أيصبحان مغايران تماما لما كانا عليه في السابق؟ أقاما بخطأ منذ البداية؟ عادة ما يبحثان عن أسباب هذا التغير في الآخر ويشعران بأن الآخر خانهما. ما لا يفهمانه هو أنهما لم يعودا ما كانا عليه عندما تحابا وبأن خطأ الإعتقاد في امتلاك الحب يقودهما إلى الكف عن الحب. يقبلان الوضع القائم وعوض أن يحب الواحد الآخر، يمتلكان معا ما لهما: المال، الوضع الإجتماعي، منزل، الأطفال. ذلك أن الزواج الذي بدأ بالحب يتحول عند البعض إلى شراكة في ملكية، إلى شركة يتحد فيها أنانين: “العائلة”. وهناك حالات يحن فيها الشريكان إلى مشاعرهما السابقة ويدخل واحد منهما في وهم إمكانية تحقيق شريك جديد لحنينه هذا. لا يعتقدان في شيئ أكثر من الرغبة في الحب. لكن الحب هو بمثابة تمثال بالنسبة لهم، إلهة يريدون الخضوع لها، وليس تعبيرا عن كيانهما. من طبيعة الحال يخفقان من جديد، لأن “الحب هو ابن الحرية” (كما يقول المرء في قصيدة فرنسية قديمة)، ويغوص عابدي إلهة الحب في آخر المطاف في سلبية، إلى درجة أن الملل يطغى عليهم ويفقدون ما كان يجذبهم إلى الآخر.

لا يستبعد هذا واقعة كون الزواج قد يكون الطريق الأنسب لشخصيين يتحابان. ذلك أن المشكل لا يكمن في الزواج كزواج، لكن في بُنية الطبع الموجة امتلاكيا عند كليهما، وفي آخر المطاف في المجتمع الذي يعيشان فيه. ذلك أن المدافعين عن الأشكال الجديدة للحياة معا كالزواج الجماعي وتبادل الشريك وممارسة الجنس جماعيا، يحاولون في نظري تجنب الصعوبات التي لهم في الحب فقط، بمحاولة القضاء على الملل بمثيرات جديدة وبرفع عدد الشركاء في علاقة جنسية ما، عوض حب شخص واحد فقط (انظر في هذا الإطار التمييز بين المؤثر “البسيط” و نظيره “المنشط/الحيوي” في الجزء العاشر لكتابي: “تحليل النزعة التدميرية” الصادر عام 1973).

 

يتبع

error: المحتوى محمي