الإسلام والعلمانية والدولة الحديثة مقابلة مع طلال أسد بمناسبة صدور كتابه: تكوُّن أو ظهور العلماني

الإسلام والعلمانية والدولة الحديثة مقابلة مع طلال أسد بمناسبة صدور كتابه: تكوُّن أو ظهور العلماني


السؤال الأول: ذكرتَ في مقالتك: (الدين، والدولة الوطنية، والعلمانية) أنّ مصطلح”الدين” غالباً ماجرى استعماله بطرائق غير تاريخية؛ فلماذا ما عاد ممكناً لمفرد الدين أو مصطلحه أن يتضمن كل الأبعاد- التطبيقات، وطريقة الحياة وما تعلق بذلك على وجهٍما؟ ولماذا جرت الصيرورة إلى فهم المصطلح بهذه الطريقة، وهل هذا هو الذي يسوِّغ لك التأكيد على خيارٍ بديل للمفهوم والمصطلح؟

الجواب: أود أن أقول: إنّ هناك نوعاً من سوء الفهم الهين هنا؛ فأنا لستُ مهتماً بإعطاء تعريف آخر للدين، لستُ مهتماً بأن يكونَ لدينا تعريف أكثر شمولاً أو أكثر حركية..الخ. إنما أرغب في التأكيد على حقيقةٍ هي أنّ الدين مبدئياً كان يُعرَّفُ دائماً في سياقاتٍ اجتماعيةٍ وتاريخية، وأنّ للناس دائماً أسبابهم الخاصّة لتعريف الدين بهذه الطريقة أو تلك. فالدين مرتبطٌ بأشكال مختلفة من التجربة، وبمؤسَّسات متنوّعة، وحركات متنوعة، وحِجاجات وما شابه ذلك. وهذا الذي أردْتُ الإشارة إليه. وبكلماتٍ أُخرى، فليس التعريف النظري للدين هو ما أهتمُّ به. والذين يستعملون تعريفات نظرية للدين يتجاهلون مسألةً مهمةً جداً: أنّ الدين واقعةٌ اجتماعيةٌ وتاريخية، ولها جوانب قانونية، ووجوه محلية وسياسية واقتصادية..الخ. ولذا فإنّ ما ينبغي النظر فيه-بكلماتٍ أُخرى- هي الطرائق، عندما تتغير الظروف التي يحاول الناس دائماً من خلالها -على أي حالةٍ كانوا- أن يجمعوا العناصـر التي يحسبون أنها تدخل أو ينبغي أن تدخل في تعريف الدين. يستعمل الناس إذن مفاهيم معينة للدين في الحياة الاجتماعية. وقد كان ذلك حقاً هو مركز اهتمامي؛ لقد كان همي في “أنساب الدين” أن أتتبع كيف جرت الصيرورة من الناحية التاريخية إلى تركيب مفهوم الدين. وما كان من همي أن أستظهر تعريفاً شاملاً يتضمن كل الديانات، ويمكن أن يصحَّ على كل مجتمع. هذا ما كنتُ أحاولُ أن أقوله.

 

السؤال الثاني: لقد قيل غالباً: إنّ عمليات التحديث ستؤدي إلى تراجع الدين إلى المجال الخاصّ والشخصي. بحيث إنه في كل موطنٍ يظهر فيه الدين في المجال العام، فذلك يعني نقصاً في التحديث أو فشل الحداثة. أو أنّ دثائر وبقايا التقليد (الديني) تقف حائلاً دون الانتصار المحقَّق للحداثة. كيف تجيبُ على ذلك؟

الإجابة: نعم، هذه هي النظرية بالتأكيد؛ إنما وبالطبع -ولزمنٍ طويل- كان هناك من أدرك أنّ التاريخ ما سار على هذا النحو؛ فالحقيقة أنه ما كان واضحاً أنّ “تراجع الدين” ما كان شيئاً هيناً حتى منذ مطالع القرن التاسع عشر. والطريقة التي فكر فيها الناس بالعلمنة -يعني الفصل بين الدولة والدين- جرى تبنّيها بأشكالٍ متعددةٍ في دولٍ مختلفة. فدعْنا نتفكّر في أمثلةٍ ثلاثةٍ من الدول في الغرب تُعدّ ليبراليةً وديمقراطيةً وعلمانية: فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة. إنّ الذي نجده في فرنسا- من الناحية الشكلية على الأقلّ- هو دولةٌ علمانيةٌ ومجتمعٌ علماني. أمّا في بريطانيا فنجد ديانةً سائدةً ومجتمعاً جِدَّ علماني. وفي الولايات المتحدة، نجد مجتمعاً شديد التدين ودولةً علمانية. وهكذا هناك طُرُق مختلفة جداً من التفاوُض الذي يجري بين الدين والمجتمع السياسي وتنتج عنه نتائج متباينة. هناك ردود أفعال مختلفة لدى الناس في فهم التجاوُزات على المبادئ العلمانية.

وعلى سبيل المثال: هناك حساسياتٌ موجودةٌ في فرنسا في النقاش حول النقِاب؛ أي هل من حقّ الفتيات المسلمات ارتداء الحجاب في المدارس العامة. فمن المثير للاهتمام أنّ الحجاب أثار نفوراً لدى العلمانيين الفرنسيين (باعتباره شعاراً دينياً)؛ بينما لم تُثر القلنسوة اليهودية (اليارمولك) الحساسية ذاتها. فما الذي يجعل من الحجاب أو النقاب خارقاً للقواعد العلمانية، دون أن يكون ذلك خَرقاً عندما يتعلق الأمر بالقلنسوة؟ وملاحظتي هنا لا تتعلق بالتمييز الديني، إنما حتى في المجتمعات العلمانية هناك اختلافاتٌ في تقييم الجمهور العلماني لأهمية “الرموز الدينية” في المجال العام. ولننظر إلى أمريكا؛ فهناك قواعد واضحةٌ للفصل بين الدولة والدين؛ لكنّ ذلك الوضوح لا يحول دون تدخل “غير العلمانيين” في السياسة في ظلّ الحكومة الحالية. فكما نعلم فإنّ اليمين المسيحي كان حاضراً بقوة في قلب إدارة الرئيس بوش. وهذا اليمين المسيحي كان حليفاً للمنظمات الصهيونية التي دعمت الحرب الأميركية على العراق، وقد كان اليمين يعدها الإيذان بواقعة هرمجدون (في آخر الزمان). فالحرب (العلمانية) تلك دعمتها التنظيمات المسيحية لأسبابٍ دينية. وأقول ثانيةً: إنّ هذا الرأي ليس المقصود به معارضة اليمين المسيحي(رغم أنني مشمئزٌ منهم بالفعل)؛ بل الوصول إلى أنه حتى في دولةٍ علمانيةٍ مثل الولايات المتحدة، يمكن التلاؤم مع سياساتٍ كهذه (ذات دوافع وأهداف دينية).

فلنعد مرةً أُخرى إلى السؤال عما هو عصري وما هو غير ذلك، وما المنتظر من دولةٍ ليبراليةٍ عصرية: أظن أنه يكون علينا الإدراك أولاً أنّ تغيير المجتمعات بالاتجاه الحديث يتضمن شتّى أنواع وأشكال التلاؤم، وشتّى أشكال إعادة التوجيه، وأخيراً شتى أشكال التنازُلات. والسياسات (العلمانية) المتكونة هي جزئياً ناجمة عن كل هذه المتغيرات. وبهذا المعنى فإنّ الحداثة/العلمانية ليست في الحقيقة قصةً بسيطة؛ ولذا فإنني شخصياً شديد التشكُّك بشأن مفهوم العصرنة، وأنه مسارٌ مستقيمٌ لكل الناس. لديَّ إحساس أنّ العصرانية يمكن فهمها باعتبارها تحقيباً تاريخياً، وباعتبارها ظواهر مؤقتة، كما أنها أيضاً سُبُل خاصة يحيا بها ومن خلالها الناس. ولستُ متأكداً أنّ “العصرانية” تشترط كل الأمور التي يفكّر شعبٌ في هذه الدول التي تعدّ ليبرالية وعلمانية أنها ضروريةٌ لكي تتحقَّق.

 

السؤال الثالث: لقد عُدّت العلمانية دائماً عاملاً أساسياً في عمليات التحديث. فكيف تُعرِّفُ العلاقة بين الدين والعلمانية؟

الإجابة: صدر لي كتابٌ عنوانه:”تكونات العلماني”(فبراير، 2003). وقد حاولْتُ فيه النظر في أسئلةٍ ذات حساسية، بالتجربة، وبالمفاهيم الضمنية، التي تتبطَّنُ وتسري في ذاك الموضوع، وتُوجِّهُ مفاهيم العامة والجمهور عن الحقيقة.وقد نظرتُ في ذلك الكتاب في النظرية السياسية للعلمانية ذاتها، كما نظرتُ في علمنة القانون والأخلاق في الدول الحديثة، وهذه جميعاً أسئلة ومسائل معقَّدة. وإنني لأظنُّ أننا لا نفهم تماماً ماذا تعنيه تأثيرات أشكال العلماني اليومية بالنسبة للسياسات. وأحسب أنه يكون علينا النظر بعمقٍ في هذه المسائل في المجتمعات الإنسانية، أكثر مما فعلْنا حتى الآن. فالعلمانية باعتبارها نظريةً سياسيةً أجدُها شديدة الاتصال بتكوين الدين ذاته، مثل “الآخر” في العقيدة الدينية. وبشكلٍ عملي فإنّ الدولة العلمانية- التي من المفترض أنها منفصلةٌ عن الدين تماماً- يكون على قانونها أن يحدِّد مرةً ثانيةً وثالثةً، ما هو “الدين الأصيل والأصلي”، وأين ينبغي أن تكون حدوده. وبكلماتٍ أُخرى؛ فإنّ الدولة ليست ذلك الكائن المستقلَّ تماماً؛ بل على العكس، لا يمكن فصل السياسات المعاصرة عن الدين كما تحاول العلمانية الشعبوية أن تزعُم؛ بل هناك ضرورة عملية أن تبقى للدين ذاتياته، وأن تبقى له سياسياته. أمّا الدولة (الكائن السياسي) فمن ضمن عملها تعريف وتحديد الوجه العامّ المقبول للدين.

 

السؤال الرابع: لقد قيل كثيراً:إنّ الحركات الإحيائية الدينية- مثل حركات الإحياء الإسلامي إنما الأمر ليس مقصوراً عليها- هي حركاتٌ سابقة على الحداثة؛ بيد أنّ الإمكانية الوحيدة لبقائها هي في أن تصبح حركات حديثة. هل توافق على ذلك؟

الإجابة: إلى حدٍ ما، فإنّ هذا الاستظهار صحيح. يمكنني الموافقة على ذلك إذا كنتَ توافقني على إدراج الدولة/الأمة، وطموحات الدولة/الأمة، ضمن الشرط الحديث للإمكان. إنّ بوسعي القول: إن كلا نوعَي الحركات الإسلامية: العنيف، والليبرالي أو المعتدل إنما ظهرا في القرن التاسع عشر. ويشكّلان صِيَغاً للتلاؤم مع واقعة أنّ الدولة لديها طموحاتٌ لإعادة تكوين القضايا وإدارة الناس معاً، فيما يتعلق بحياتهم وموتهم على حدٍ سواء. وهذه الأمور كانت في الأصل من اهتمامات جهات أُخرى، ومن ضمن تلك الجهات ما يمكن تسميته بالديني، أو أنه ما كانت هناك جهاتٌ لها تلك الوظائف على الإطلاق. أمّا الآن فهناك هيئةٌ سياسيةٌ واحدةٌ: الدولة الوطنية الحديثة، التي تريد أن تتولى هذه الأمور كلَّها. أنا أظن أنه من الصحيح القول: إنّ الحركات الدينية الراديكالية والأُخرى ذات التوجهات الليبرالية تعبّران عن نوعين من “التلاؤم” مع الدولة الحديثة. أما الليبراليون فإنهم يمثلون محاولات التلاؤم؛ لكي يتأهلوا لدخول المجال السياسي الشامل والميزات التي يشرعنها. ومن ذلك أشكال الخصوصية والاستقلالية التي تقْدِرُ عليها وتقنّنها. وأما الراديكاليون فإنهم ينتمون أيضاً للعالم المعاصر نفسِه؛ لأنّ الرِهان هو بشكلٍ أساسي على الدولة، باعتبارها المركز السلطوي الذي يقرر في أمورٍ كثيرة وبطرائق كانت في السابق غير مقنَّنة أو مُدارة. بهذا المعنى فإنّ تلك الحركات عصرية أيضاً، وهي حديثةٌ أو عصريةٌ بمعنىً آخر، فهناك كل أنواع التقنيات ووسائل الاتصال، والصِيَغ العلمية للمعرفة. وهم يستخدمونها (الوسائل الإلكترونية للتواصل، والمناهج العلمية للمعرفة، وكل الأدوات والوسائط التي يمكن اكتساب المعرفة من طريقها ونشرها). ولذلك يكون صحيحاً القول: إنّ هناك أبعاداً لهذه الحركات تتشكل بطرائق عصرية. ويضاف لذلك أنه يكون علينا ألا ننسى أنهم يستندون إلى مواريث إصلاحية وأُخرى لإعادة التفسير سَرَتْ عبر التاريخ القديم- تاريخ الاختلاف، والجدال والاشتباك الجسدي. وهذه مسائل يُعاد إظهارُها وعرضُها بأساليب جديدة.

 

السؤال الخامس: هل يكون أو يجب علينا -استناداً إلى تجربة الحركات الإسلامية المعاصرة- إعادة النظر في مفاهيم العصرانية العلمانية؟

الإجابة: بشكلٍ عام، لا يبدو الراديكاليون الإسلاميون ولا المعتدلون الإسلاميون قادرين على جَعل الناس يعيدون النظر في مفاهيم الحداثة الغربية. ويعود ذلك جزئياً لأنّ عدةً من مشروعاتهم أُخذت كثيرٌ من افتراضاتها من السياسات الحديثة؛ لأنهم كما سبق القول هم أنفُسُهُم من نواتج الحداثة. ومن جهةٍ أُخرى ما تزال هناك تلك الكراهية في الغرب تجاه الإسلام، والأفكار الآتية من التقليد الإسلامي. والسبب الثالث هناك: ذاك الافتراق أو الاختلال الشاسع في توازُن القوى بين الطرفين؛ لأنّ المشروع الغربيَّ يبدو ناجحاً؛ بينما تبدو المجتمعات الإسلامية ضعيفة. وهذه الأمور جميعاً حالت وتحول دون تأثير الأفكار الإسلامية الحديثة في الغرب. بيد أنني أرى أنّ الظاهرة بشكلٍ عام- وأعني بذلك الإسلامية الجديدة- شأنها في ذلك شأن الحركات الدينية الأُخرى في العالم؛ ينبغي أن تدفعنا لإعادة النظر في المقولات السائدة والسرديات بشأن العلمانية المنتصرة، وبشأن ما هو الضروري سياسياً وأخلاقياً للحياة العصرية. إنّ ظهور هذه الظواهر ينبغي أن تجعلنا نفكّر مرةً أُخرى في مقولاتنا حول الضروري لنكون عصريين أو حداثيين.

 

السؤال السادس: لقد كانت هناك نقاشاتٌ مؤخراً بشأن عداء الإسلام للديمقراطية الليبرالية ولكل ما تتضمنه(المساواة، الفردية، حقوق الإنسان، التعددية، التسامح..الخ)، كيف تجيب على هذه الدعوى؟

الإجابة: هذا الأمر يتعلق أو يتصل بالسؤال السابق؛ فإذا كنت نعتقد أنّ الإسلام والتقليد الإسلامي اكتملت صياغتهما منذ آمادٍ وآماد؛ وبذلك فهما يحتويان على جوهرٍ لا يتغير، فعندها يمكن القول: إنّ الإسلام مُعادٍ بطبيعته للديمقراطية الليبرالية؛ فما هو حديث يكون غير إسلامي، وما هو إسلامي يكون غير حديث. وهذا هو الفخُّ (Catch-22) الذي يحاول نقادٌ كثيرون أن يضعوا المسلمين فيه، وبالطبع هناك أُناسٌ يحاولون أن يعيدوا النظر في تقييم التقليد الإسلامي بطرائق يمكن أن تضعه في تلاؤمٍ مع الليبرالية الديمقراطية. على أنني مهتمٌّ أكثر بتأمل التقليد الإسلامي بطرائق تسمح له بمساءَلة المقولات الليبرالية ذاتها. وهذا أفضل من القول: “نعم، يمكن لنا أيضاً أن نكونَ مثلكم”. لماذا لا نسأل ماذا تعني المقولات الليبرالية، وماذا كانت تمثل من الناحية التاريخية؟ فمسألة الفردية أو الفردانية مثلاً حافلة بشتّى أنواع المشكلات. وهذا الأمر يعرفه كثيرون من الدارسين ممن نظروا في الموضوع بعناية في الغرب. والأمر نفسه يمكن قوله عن مسألة المساواة. فنحن نعلم أنّ المساواة في الليبرالية الديمقراطية هي مساواةٌ قانونيةٌ وليست مساواةً اقتصادية. وهذان الشكلان من أشكال المساواة لا يمكن ربطهما بشكلٍ وثيق. وحتى المساواة السياسية لا تُعطي بالضرورة فُرَصاً متساوية لكل المواطنين من أجل أن يتدخلوا أو يشاركوا في صنع السياسات بحظوظ متساوية. ماذا تقول الأفكار الإسلامية بشأن الفردانية، وبشأن المساواة..الخ، وأَخبرونا عن الأفكار الليبرالية بشأن هذه المسائل؟

هذه كلها سؤالات تستحق المتابعة والتدقيق. وهي المقاربة الأَجدَر بدلاً من القفز والقول: “نعم، نستطيع جميعاً أن نكون ليبراليين”. إنّ الأمر الأكثر أهميةً أن نسأل على سبيل المثال: “ماذا يعني الليبراليون تماماً بالتسامح؟”؛ إنه من السهل عليك أن تكون ليبرالياً في الأشياء التي لا تعني لك الكثير. وهذا هو السائد في المجتمعات الليبرالية. بماذا تؤمنُ، وماذا تفعل في بيتك؟ هل تقف على رأسك أو تقرر ألا تفعل؟ هذا كله يتعلق بك باعتبارك فرداً في مجتمع ليبرالي. ما الهمُّ ومن الذي يهتم؟ الليبراليون يقرون هذه الأمور لأنها لا تعني لهم شيئاً. فحتى في اللغة السائدة نحن نتحدث عن “تحمُّل الألم”. وبكلماتٍ أُخرى فإنّ التسامح الذي يعني شيئاً حقاً هو الذي يكون علينا أن نكتشفه، وأن نفكِّر فيه أكثر- وما هي المفاهيم التي تسود في التقليد الإسلامي عن التسامح (أياً تكن تلك المفاهيم محدودة). كل ذلك يساعد على فتح الباب للأسئلة. وهكذا يكون علينا أن نفكّر في هذه الأسئلة بدلاً من أن نأخذ الأمر بسهولة- أو بأسلوب دفاعي- فنقول: “هناك تقاليد إسلامية شديدة الليبرالية، ونحن نستطيع أيضاً أن نكون ليبراليين”. إنّ الأكثر أهميةً هو السؤال: “ماذا تعني الليبرالية بالتسامح أو بالتعددية؟ وهل مفهوم الفردية واضحٌ تماماً، وهل هو بالفعل مرغوب؟ وهل يعطينا استكشاف التقاليد الإسلامية فهماً أعمق للفردية أو التسامح أو التعددية؟” إنني أريد أن أرى أسئلةً كهذه أكثر وروداً ونقاشاً، بدلاً من لجوء البعض لإثبات ليبراليتهم.

 

السؤال السابع: كيف تفهم التقارير المتكاثرة عن انتهاك حقوق الإنسان في “العالم الثالث”، في حين ليست هناك تقارير مماثلة عن العالم الأوروبي الأميركي؟

الإجابة: إحدى الإجابات على هذا الواقع أنّ العالم الثالث فيه كثيرون من الديكتاتوريين. وهذا الأمر يصدق على أميركا اللاتينية وإفريقيا والصين، وليس على العالم الإسلامي فقط، كما تحاول هذا التقارير أن تؤكد؛ بيد أنّ هناك أمراً آخر هو الذي يثير اهتمامي في هذا السؤال عن حقوق الإنسان؛ ففي أغلب الأحيان هناك بعض الاشتراكات والمفاهيم الكامنة وراء المسألة كما يفهمها الغرب. هناك أشياء في العالم الثالث تُعتبر مثيرةً للإدانة؛ لأنها في العالم الثالث. ولا تعدّ الأشياءُ نفسُها مثيرةً للاستنكار في الغرب؛ لأنها تنتمي إلى طرائق في الحياة مفضَّلة أكثر. وقد أثار لديَّ هذا الانطباع استطلاعٌ قرأته مؤخراً في الكريستيان ساينس مونيتور. كان هناك مقال طويل عن (قطر) قيل فيه: إنّ تلك الإمارة أكثر ليبراليةً وتسامحاً من البلدان الأُخرى. قيل: إنّ (قطر) مجتمعٌ متقدم، ومثيرٌ للاهتمام والأمل في ذلك الإقليم. وعندما أورد الكاتب شواهد على ذلك ذكر مقاهي الستاربَك والسندويتشات ومحلاّتها في الأسواق والمولات. وبالطبع هناك القواعد العسكرية الأميركية، في الوقت الذي كان فيه السعوديون يتخلصون من مراكز الحلفاء على مشارف الحرب على العراق. وبالطبع أنا لا أُحاولُ هنا أن أُشوّه سمعة أحد، إنما بشكلٍ غير واعٍ وأوتوماتيكي يقول الرجل: إنّ القطريين أفضل؛ “لأنهم صاروا أكثر شَبَهاً بنا”. والشَبَهُ هنا بالأمير كيينوليس الأوروبيين على سبيل المثال (وهو الأمر الذي يكتشفه الأوروبيون الآن فيشتد انزعاجهم). وهنا كوجهٌ آخر مهم لهذا الملف المتعلق بحقوق الإنسان. فكثير من الانقسامات في العالم الثالث لا تعود لسلوك الديكتاتوريين فقط؛ بل وإلى كيفية ربط هذه المجتمعات بالنظام العالمي. والمشكلة أنّ الأوضاع الداخلية في كل بلد ليست مسؤولية أحد بقدر ما هي مسألة حكومتها الوطنية. فالقضية في حقوق الإنسان أنّ المسؤولية القانونية عن هذا البؤس إنما توضع على عاتق الطاغية الذي يحكمه. وهناك أسباب بالطبع لذلك وهي سياسيةٌ وتاريخية؛ لكنّ الأوضاع العالمية المحيطة والمقرِّرة تجعل من هذا الأمر عبثياً؛ أي اعتبار سوء الأوضاع في أي بلد مسؤولية حكومته وحسْب. ومن ذلك اعتبار الفقر وسوء الأوضاع التربوية والبؤس على أنواعه شأناً داخلياً بحتاً. وبالطبع -وهذا أمرٌ مُدْرَكٌ تماماً- علينا واجبٌ في الغرب أن نقدّم المساعدة، ويكون على حكومة البلاد المعنية طاعة نصائح صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذين تستدين منهما تلك الدول. وبعد هذا كلّه تظل تلك البلدان مسؤولة عن بؤسها الخاصّ، وعن اختراقات حقوق الإنسان. إن ما أقصده أنّ هناك أسباباً للتفكير في أنّ اختراقات حقوق الإنسان هنا أكبر من اختراقات حقوق الإنسان هناك.

 

السؤال الثامن: قامت بعض الدول الإسلامية أو حاولت تطبيق الشريعة مثل باكستان ونيجيريا؛ ومن أجل ذلك فقد لقيت انتقاداتٍ شديدة من جانب الغربيين. هل تعدّ ذلك صحيحاً، وهل يمكن ملاءمة أحكام الشريعة التي يقال: إنها متخلّفة وضد الحداثة، مع حكم القانون الذي هو ضرورة لكل حكومةٍ عصرية؟

الإجابة: هل يمكن ملاءمتها؟ هناك أمور لا يمكن ملاءمتها بالطبع؛ ثم إنه لم تجر محاولات لتلك الملاءمة. وعلى سبيل المثال في مجالات كثيرة سادت القوانين الغربية مثل القانون التجاري، والقوانين الإدارية، منذ القرن التاسع عشر. هناك أحكام شرعية كثيرة جرى هجرانُها منذ زمنٍ بعيد، وهناك مسائل كثيرة أُهملت في الفقه الجنائي؛ لكنّ هذه المسائل تتعلق بكيفية إدارة دولةٍ رأسمالية، وليس بكم كانت تلك الأحكام ليبرالية (مثل الفكرة عمّا هو فظيع، ولا يمكن تحمُّله). هناك رفض للممارسات في الترتيبات المتعلقة بالجسد الإنساني، والتي تُثير حساسياتٍ لدى الليبراليين. وأنا أملك النفور ذاته بالمصادفة؛ لكنّ الطابع الإرغامي لبعض الإجراءات لا يشكو من عدم التلاؤم مع القوة القاهرة للدولة المركزية الحديثة. أما في مجال أحكام الأُسرة، فقد جرت كل أنواع التعديلات والملائمات. وتظهر الآن مطالب كثيرةٌ تتعلق بمساواة المرأة، وفيها تتعرض الشريعة لضغوطاتٍ شديدة، وأودُّ أنّ أؤكد أنّ هناك مساعي اجتهادية وتجديدية كثيرة، وهي أحياناً جذرية تصل للأُصول. لقد كان هناك نوعٌ من التشبُّث بالتقليد؛ لكنّ الميل الإصلاحيَّ العام يتجه للتلاؤم أكثر مع القيم الليبرالية الغربية. ولستُ أدري لماذا لا تكون الملاءمة ممكنةً، وهي تحدث قليلاً أو كثيراً في شتى المجالات. وعلى سبيل المثال، فقد راقبت وقرأتُ أعمال سيدة هي عزيزة الهبري، وهي محامية، وأستاذة في جامعة ريتشموند، وقد كان همُّها طوال الوقت تأويل الشريعة تأويلاً ليبرالياً. وتتزايد التحركات من النوع ذاته، والتلاؤم يحدث مع القيم الليبرالية في الدولة الحديثة.

 

السؤال التاسع: ما العلاقة بين الأشكال الحديثة للقوة، والطريقة التي يُنظر بها إلى الدين وحقوق الإنسان والعلمانية، وكيف تُصاغ؟

الإجابة: هذا سؤالٌ واسع، وسأُكرّر ما سبق أن قلتُه بطريقة موجزة. أريد أن أقول فقط: إنّ كثيراً من الأشياء التي يُنظر إليها فيما يتعلق بالتسامح الليبرالي تستحق المساءلة. هناك أشكالٌ متعددةٌ من الإخضاع والعنف والتي تحدث سراً وعلناً لكي تجعل الأمور ملائمةً للحساسيات الليبرالية. لا تُمارسُ القوة بالموازين التي تتيح اعتبار الحريات أساساً؛ بل بما هو ملائم للحساسيات الليبرالية. والإصغاء يحدث استناداً إلى الذوق العلماني أو الليبرالي، وهل هو مُرْضٍ له أو غير مُرضٍ. لا بد من البحث في الإقفالات التي لا تسمح بالسماع، والأخرى التي تنفتح لها الأسماع. وقد حاول W. Connolly على سبيل المثال دراسة الأمر في المجال السياسي، ومتى يُسمح لهذا أو ذاك بدخول ذاك المجال، ومتى لا يُسمح. لقد سعى كونولي بنقده الجذري أن يفتح المجال السياسي لتأملاتٍ مغايرة بالنسبة للشروط والإمكانات والانطباعات السائدة.

 

السؤال العاشر: لقد جرى اتهامك بالتعاطُف مع الإحيائيات (الأصولية الإسلامية) وما شابه. وأخيراً كان هناك مَن اتهمك مع آخرين بميلك لشكلٍ من أشكال الأصالية: كيف يمكن الإجابة على هذا الاتهام؟

الإجابة: أول ردود الفعل لدىَّ على هذه الاتهامات أنني لا أُجيب عليها إلاّ أمام محكمة! وبصراحة فقد وجدتُ أنّ هذه الاتهامات مُثيرة للخيبة. إنّ ما يحصل هو تعبيرٌ عن العشوائية التي تحفل بها دراسات العلوم الإنسانية هذه الأيام. إنه نوعٌ من التصرف غير المسؤول والذي يعبِّر على نحوٍ غير ملائم عن ميول مثيرة للانزعاج من الناحية الأخلاقية. وهؤلاء الناس يذكّرونني بالرئيس بوش الذي قال مرة: “إما أن تكونوا معنا أو تكونوا ضدنا”. ولا يختلف هؤلاء كثيراً عن أُناسٍ يدينون كلَّ محاولةٍ لفهم بعض الأحداث المقلقة باعتبارها ليست أكثر من محاولاتٍ للاعتذار. ولستُ أرى للأمانة أنّ أيَّ واحدٍ يقرأ أعمالي بعناية أنني أَمضي في سُبُل غير عقلانية وتعصبية فيما يتعلق بالأُصولية (وهذا مصطلحٌ أفضل ألا أستعمله لأسباب نظرية وأُخرى سياسية). وأعرف أيضاً أنّ أحد النقّاد قال: إنني أسعى لتقديس نزعات أصالية. وهذا الأمر في نظره يعدّ خطاً سياسياً من جانبي. وأريد القول في الإجابة على ذلك: إنّ هذا القائل ما قرأ أعمالي بعناية، كما أنه لم يقرأ عمل فالتر بنيامين الذي استخدم تعبير “تقديس الأصالية” في مقالته: “العمل الضني في زمن الإنتاج الميكانيكي”. إنّ مثقفين عديدين في الدراسات الثقافية والأنثروبولوجية والذين يستشهدون بهذا النصّ لا يبدو أنهم لاحظوا أنّ بنيامين يملك موقفاً متأرجحاً أو غامضاً من “الأصالية”.عندما تعيد قراءة نصّ بنيامين ستجد أنه كان من جهة ينظر بإيجابية إلى زمنٍ تتحطم فيه أنواعٌ من السلطات، وعلى وجه الخصوص السلطات الدينية مع تحطُّم أمجاد الشموليات، ويتوقّعُ من جهةٍ أخرى دعم جبهة الحريات، التي ستجعل تقنيات الإنتاج الميكانيكي منها أمراً ممكناً. ونحن نعرف أنّ هذا التفاؤل من جانبه ما كان مبرَّراً.

وفي الوقت نفسه، فإننا نعرف أنّ فكرة بنيامين عن الأصالية وهالة التقديس شديدة التعقيد. وهذا المفهوم من جهةٍ ثانيةٍ له علاقةٌ بالتاريخانية، تاريخانية أو تاريخية الشيء الأصيل.وهذا الأمر يكون بالفعل لأنّ الشيء يكون أصيلاً لأنه ينتقل من إلى آخر، هو الزمن الذي يكتسبُهُ. وكما يحدث فإن الشيء “الأصيل” في بعض خصائصه ودثاره الموروثة يخلُقُ له هالة. فأصالته باعتباره شيئاً قديماً هي بسبب تاريخيته. وبنيامين يدرك بغموض أنّ تحطيم الهالة بالمعنى المعقَّد يمكن أن يعني تحطيم تاريخية ذلك الشيء. وهذا في الواقع سببه أنّ بعض الوثائق القديمة أصيلة؛ لأنها ُظهرُ تجربتها التاريخية، وتجعل من الممكن من خلال تلك الوثائق إعادة تركيب قصة تاريخية لبعض الأُمور.وبكلماتٍ أُخرى فإنّ بنيامين عنده مفهومٌ للهالة ليس ضرورياً فقط للمفاهيم المعاصرة للتاريخية، بل هو أيضاً جزءٌ في “التقليد”. وهذا الأمر يَهَبُ عملَهُ توتُّراً خلاّقاً؛ لأنه ليس-ببساطةٍ- تقدمياً على طول الخط. أجد إذن أنّ عمل بنيامين هذا جدالي ومعقَّد، وليس كما يفهمه -طريقةٍ تبسيطية- بعضُ التقدميين اليوم. ولذلك أجد أنّ من يقرأ عملي -باعتباره منتصراً للأصالية- ليس فاهماً لا لعملي فقط؛ بل لعمل بنيامين أيضاً.

 

السؤال الحادي عشر: لقد تحدثتَ عن النقد الذاتي في الشرق الأوسط. ولأسبابٍ استراتيجية تتحدث الولايات المتحدة أيضاً عن “تقليدَين” داخل الإسلام، وهي تريد تشجيع التقليد التقدمي أو العصري أو التعددي إذا صحَّ التعبير. هل تجد مشتركاتٍ بين تصورك وتصور الأميركيين؟ أو أين تضع نفسك، وكيف تقرأ ما صار يُعرَفُ بالسياسات التنويرية اليوم؟

الإجابة: أولاً دعْني أبرأ إليك من السياسات الأميركية، وأنا أقول ذلك بوضوح؛ فالسياسة الأميركية تبحث عن أطراف في الشرق الأوسط، دينية وغير دينية، تستطيع التحالُف معها سياسياً. وأنا لستُ مهتماً بذلك بالفعل. وصُنّاع السياسات الأميركية هؤلاء يملكون تصورات رتيبة للشرق الأوسط. وقد أشرتُ إلى ذلك عندما تحدثنا عن بنيامين. وعلى سبيل المثال فإنّ الصحافي الوطني توماس فريدمان يقيمّ تلك الحركات بلغة “نحن” و”هم”. وهذا يعني أنك إذا أردتُ أن تكون عصرياً ومعقولاً فينبغي أن تكون مثلهم. وأنا لا أرى الأمور على هذا النحو، وآمل ألا تتطور الأمور بهذا الاتجاه. وإذا حصل ذلك فهذا يعني أنّ العالم سيتطور بالشكل الذي يريده أمثال فريدمان. وهذا إمكانٌ مُزعج؛ لأنه يعني السيطرة المطلقة واختفاء التعددية في الرؤية والتصرف؛ وأنا لستُ هنا أو هناك؛ لكنني واقعي وأُفرِّقُ بين الرغبات والإمكانات. والأمور تسير باتجاه الهيمنة. ولذلك يمكن أن أُسلِّم بما يحدث بأسىً؛ بينما يسلِّم به فريدمان بفرحٍ وحماس. لكنّ التاريخ مليء بالمفاجآت. وأنا أُعزّي نفسي بذلك؛ إذ لا يحدث عادةً ما يخطط له هذا الطرف أو ذاك. ومن هنا يأتي الاختلاف بشأن السياسات التنويرية. ونحن الأكاديميين لا نملك تأثيرات كبيرة على السياسيين والسياسيات كما يُعتقد. وهذا باستثناء ما إذا كنتَ مثل كيسنجر (سياسياً ومثقفاً). ولذا لا أرى أنه يمكن لي أن أقول شيئاً مفيداً في هذا الموضوع. والأمل في الشباب، في الأجيال الأصغَر سناً والتي تملك مخيِّلةً شاسعة وقدراً أكبر من الالتزام. أنا أرى الآن مساحات من عدم التأكُّد من حولنا. وعلى نحوٍ ما فإننا في ظلامٍ أكثر وأكبر مما نظن.

 

 

 


طلال أسد، أستاذ الأنثربولوجيا في جامعة نيويورك الجديدة للعلوم الاجتماعية، وباحث معروف، وقد نشرت المقابلة على موقعه بمناسبة صدور كتابه: «تكون العلماني أو ظهوره».

error: المحتوى محمي