الإسلاموية، ومابعد الإسلاموية، والحركات الاجتماعية: حوار مع آصف بيات – حاوره: أحمد العوفي

الإسلاموية، ومابعد الإسلاموية، والحركات الاجتماعية: حوار مع آصف بيات – حاوره: أحمد العوفي

أحمد العوفي

أحمد العوفي

English Version – نسخة PDF


الحركات الاجتماعية

منذ بداية مسيرتك الفكرية وأنت تهتم بدراسة الثورات والحركات الاجتماعية والتحولات في أنماطها. ما الذي قادك إلى الاهتمام بهذه الأسئلة؟

أتصور أن هذا الاهتمام له علاقة بالطبقة والجيل اللذان كنت جزء منهما، إذ أنني نشأت في قرية صغيرة في إيران حيث لم يكن هناك من يجيد القراءة والكتابة قبل أن يبدأ الشاه مشروع سپاهي ي دانش (فيلق المعرفة) والذي أتاح فرص التعليم، وان ظلت محدودة أيضًا. ولذلك اضطرت الحاجة للالتحاق بالمدارس عائلتي لأن تخرج من القرية وتستقر في العشوائيات جنوب طهران الذي يسكنه المهاجرون من الريف. منزلة المهاجر من الريف -والتي توسم بوصف انتقاص “دهاتي” وهو مشابه لتعبير “فلاحين” في اللغة العربية- جعلت من حس الطبقة الاجتماعية والتمييز حاضران دائمًا في وعيي، وهذا الوعي هو ما دفع بي في سنوات الدراسة الجامعية -ككثير ممن يشاركونني نفس الحال- إلى النشاط السياسي. أنا إذن أنتمي لجيل السبعينيات في إيران –بكل تفاؤله وآماله في تحسين أوضاعه واتجاهاته المتضاربة نحو التغريب (نحبه ونكرهه)، لكننا بالتأكيد كنا غاضبين من الوصمة الطبقية والقمع السياسي على يد نظام الشاه. وبالتالي كانت الثورة على أجندة من كانوا في مثل وضعي، وبالفعل حدثت الثورة. الانخراط السياسي في الثورة (آمالها واحباطاتها) شكلت نوعًا ما مسيرتي الفكرية لمواصلة دراستي لهذه الثيمة، فرسالتي للدكتوراه كانت عن الثورة الإيرانية ودور العمال فيها، وواصلت على هذا المنوال منذ ذلك الحين.

 

في إطار تيار أعرض من الدراسات الما بعد استعمارية، ركز جزء كبير من كتاباتك على الطبقات المهمشة. تحديدًا في كتابي “سياسة الشارع: حركات الفقراء في إيران” و”الحياة كسياسة” قمت بدراسة الممارسات اليومية للناس العاديين وللمهمشين كمظان للتغير الاجتماعي والسياسي. ما الذي يجعلك تعتقد أن الهوامش مهمة في فهم الواقع السياسي للمجتمع الأعرض؟  

اهتمامي العلمي بالمهمشين كذلك له علاقة بماضيّ وادراكي لحياتهم وكفاحهم اليومي وحساسيتي الشديدة لمنطقهم في السعي لتطويع الظروف، إذ أنني غالبا ما أحس أن حياتهم المركبة لا تمت بصلة للطريقة التي يتم تصوريهم بها سواء تلك التي تشيطنهم أو ترسم عنهم صورة رومانسية. وبينما درست الأنثروبولوجيا السياسية جوانب من سياسة المهمشين فإن العلوم السياسية قد تجاهلتهم بشكل كبير. الطريقة الفطنة لفهم المهمشين هو أن نلاحظ حياتهم عن كثب على مدى زمني طويل، فذلك سيمكننا غالبًا من رؤية العناصر السياسية فيها متمثلة في صراعهم من أجل البقاء وتحسين فرص عيشهم اللذان يضعانهما في موقع مواجهة السلطة والقوانين والمصالح الراسخة والنظام العام المستقر. انظر فقط على سبيل المثال إلى حالة اللاجئين عالميًا هذه الأيام من أفريقيا ومن الشرق الأوسط، فلم تعد الظاهرة تتسم بالهدوء المعتاد والزحف الهادئ بل أصبحت ظاهرة مرئية ومرتفعة الصوت، بفضل الاعلام المتعاطف. لقد تحدثت عن هذه الظاهرة من منذ وقت طويل سبق الموجات الهائلة من اللاجئين والمهاجرين التي طفت إلى السطح مؤخرًا والتي من المرجح أن تستمر خاصة من الاحتباس الحراري والتصحر والتدهور الزراعي. اللاجئين سيواصلون التدفق متحدين كل أنواع الحواجز والسياجات وتقنيات مراقبة الحدود التي تضعها السلطات.

 

أحد النقودات التي يمكن أن توجه لمثل هذا الاهتمام بالممارسات اليومية كعامل للتغيير السياسي أن  هذا الاهتمام قد يقود إلى المبالغة في تأويل الممارسات الهامشية وتضخيم أثرها السياسي وتجاهل دوافع الناس. كيف ترد على مثل هذا النقد؟

نعم، المبالغة في تأويل الممارسات اليومية للناس العاديين خطأ محتمل، ولتجاوزه فإن علينا أن نعطي قيمة للممارسات اليومية فقط عندما تكون “ذات قيمة” وذلك بأن نكون دقيقين وفطنين مفاهيميًا. كثيرًا ما تبلغني اعتراضات على “الزحف الهادئ” و”اللاحركات الاجتماعية” على أساس أنهما لا يحققان الدور السياسي الذي يتوقع القارئ منهما أن يلعبانه – دور ثوري على سبيل المثال. لقد وضحت في أكثر من مرة أن اللاحركات الاجتماعية لا تسعى بالضرورة إلى تغيير النظام أو إلى تحقيق أجندة ثورية لكن إلى تحسين فرص الناس في عيش أفضل، وأنا أزعم أن اللاحركات الاجتماعية خلال قيامها بذلك تحدث تغييرات مهمة في حياة الفاعلين والمجتمع بشكل أوسع. ولكن في حالات الحراك السياسي الكثيف فإن الناس الذين ينخرطون في سياسة الحياة اليومية ربما ينضمون للحركات الأكبر أو حتى يتحولون أنفسهم إلى حركات اجتماعية. إذن فإن ممارسات الحياة اليومية تعطي مخرجات مباشرة للفاعلين وفي ذات الوقت تبقيهم متحفزين للمشاركة في حراك أوسع.

 

من وجهة نظر الفاعل الاجتماعي، هل يمكن التعويل على سلوك الناس العاديين في حياتهم اليومية في احداث التغيير الاجتماعي؟ هل من الممكن بناء استراتيجيات على هذا الأساس؟

كما أقول دائما: نعم يستطيعون. فقط انظر إلى المدن كيف تغيرت بما يفعله الناس العاديون، وكيف خُلقت مجتمعات محلية جديدة وأسواق جديدة وطرق حياة جديدة (خاصة من قبل الشباب) ومعايير جندرية مخالفة للسائد، وكل ذلك في غاية الأهمية. في الأوقات العادية، قد لا تكون هذه الممارسات نتيجة لتخطيط واستراتيجية جمعية، إذ انها على العكس يقوم بها أناس لا تربطهم أي صلة بالآخرين الذي يمارسون ذات الأنشطة. لكن في الأوقات الاستثنائية، أوقات التغير الحاد، قد يتكاتف هؤلاء الفاعلون ويشكلون تجمعات حقيقية ليخططوا لاستراتيجيات الدفاع عن مكتسباتهم ضد أي تعدي عليها.

 

تكرر في كتبك، خاصة في “جعل الاسلام ديموقراطيا”، نقدك للمركزية الأوروبية في نظرية الحركات الاجتماعية وفشلها في فهم واقعنا. ما الذي أخفقت فيه هذه النظريات؟ وبأي معنى يختلف واقع الشرق الأوسط أو دول الجنوب (آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا)؟

إنه ليس نقد لنظرية الحركات الاجتماعية تحديدًا، فدراسات الحركات الاجتماعية التي ركزت على أوروبا والولايات المتحدة تقدم لنا بالفعل اضاءات قيمة بإمكاننا الاستفادة منها كثيرًا. إن نقدي في الحقيقة موجه لنا نحن الذين أغفلنا الظروف الخاصة بالواقع الاجتماعي في منطقتنا وطبقنا بشكل غير نقدي أفكارا لم تكن مفيدة ربما. فعلى سبيل المثال قادنا الانشغال الحصري بأشكال الحركات الاجتماعية المنظمة في الغرب (مع كل والانفتاح والأطر القانونية وجماعات الضغط والتركيز على تغيير القوانين وغيرها) إلى إغفال المساحات الرمادية الشاسعة والنشاطات غير المتصلة والمجالات غير الظاهرة للعيان والتي تحمل من التغيير أكثر من النشاط الجمعي العلني الذي لا تسمح به الأنظمة السياسية القمعية، وليس باستطاعة نظرية الحركات الاجتماعية فهم هذا النوع من النشطات السياسية.

 

“ثورة بلا ثوار”

كتابك الأخير الذي بني على متابعة عن كثب ومعايشة قريبة لها حمل عنوانًا ملفتًا ومثير للجدل ربما: “ثورة بلا ثوار”؟ ما الذي تعنيه بذلك؟

آمل حقيقة ألا يساء فهم هذه العبارة، فهي لا تعني إطلاقا انكار الدور الذي قام به آلاف وآلاف من الناس في العالم العربي -شباب في أغلبهم لكن حتى الكبار في السن- من كافة الخلفيات العرقية والدينية في قيادة هذه الانتفاضات المثيرة للإعجاب لا يبتغون سوى حياة أفضل وأكثر كرامة وحرية مما تسمح به أنظمتهم السياسية. لكنهم في الغالب (وتركيزي هنا على تونس ومصر واليمن) لم يكونوا مزودين بأفكار ثورية منهجية وموارد تمكنهم من كسر سطوة مؤسسات القوة المستحكمة في الأنظمة القديمة وذلك لأنهم -تماما كما هي الحال لدى أغلب نشطاء حركة احتل وول ستريت- ينشطون في زمن أيديولوجي مختلف أصبحت فيه فكرة “القيام بثورة” ذاتها لا تؤخذ بجدية.

 

ذكرت في الكتاب معايشتك الثورتين يفصل بينهما ثلاثة عقود، انفجرت الثورة الإيرانية وأنت شاب في طهران كما تابعت في زيارات متكررة الثورة المصرية وميدان التحرير الذي كنت تدرس في جواره كأستاذ في الجامعة الأمريكية لأكثر من ١٥ سنة. ما هي قصة الكتاب؟

نعم بالفعل تابعت الثورة الإيرانية عن كثب وكتبت عنها، كما استحوذ اندلاع الثورات العربية على كامل اهتمامي ووقتي وتفكيري إذ كنت أتابعها ساعة بساعة. لقد عشت في القاهرة لسنوات جعلتني ملمًا بالمشهد السياسي والاجتماعي والديني، كما نشرت “جعل الإسلام ديموقراطيًا” العام ٢٠٠٧ والذي تتبعت فيه التغيرات السياسية والاجتماعية والدينية منذ السبعينيات في مقارنة مع الحالة الإيرانية. عندما تعمقت في دراسة الثورتين التونسية والمصرية تملكني إحساس بشيء ما يجعلها أحداث سياسية من نوع مختلف عن ثورات السبعينيات، بما فيها الثورة الإيرانية. لقد كانت محاولة فهم هذه الثورات واختلافها تحدي فكري تملكني وأصبح مشروعي البحثي الذي كان “ثورة بلا ثوار” أول مخرجاته.

 

ما هي الحجة الرئيسية التي قدمتها في الكتاب؟

الحجة هي أن هذه الثورات كانت غنية جدًا كحركة لكنها فقيرة كتغيير، فالانتفاضات تمثلت في حراك أخاذ جاء بطرق احتجاج مبتكرة وتكتيكات ذكية وبالكثير من الشجاعة والتضحية، لكنها كانت قاصرة في احداث قطيعة جذرية مع النظام القديم. هذه الثورات حدثت في زمن أيديولوجي أصبحت فيه فكرة الثورة (كتحول جذري) غير مطروحة بجدية. ومن المفارقة أن ثورات ١٩٨٩ في أوروبا الشرقية قادرت التحول التاريخي إلى عالم يبشر بزمن غير ثوري.

 

تركيزك على القوة المحتملة للناس العاديين بدا واضحًا كذلك في “ثوة بلا ثوار” فلقد عرضت بشكل مقنع كيف أن “التقدم الحاسم للثوة تحقق فقط عندما انضم الناس العاديون إلى ذلك النضال الخارق للعادة- فقط عندما مشى سكان العشوائيات في المسيرات ووضع العمال أدواتهم جانبًا ورفع المواطنين الغير ناشطين سياسًيا أصواتهم في الملأ.” عندما نفكر بذلك في لحظة الثورة المضادة، هل بإمكان الأنظمة السياسية استخدام قوة الناس العاديين لصالحهم؟  هل بإمكان الأنظمة الجديدة التغلغل إلى “واقع المهمشين المحجوب عن الرؤية”؟

في منعطفات تاريخية معينة، نعم من الممكن أن يتحول الناس العاديون إلى قاعدة دعم للقادة السلطويين وأنظمتهم، فتاريخ الشعبوية (لدى اليسار واليمين على حد سواء) شاهد على منح الجماهير الدعم للأنظمة في لحظات تاريخية معينة- حينما يتأملون خيرًا فيما يعد به القادة أو الأنظمة. لكن هذا النوع من الدعم متصدع ومائع وجزئي، كما أننا في المقابل نجد أن ما يميز اللحظة التاريخية الراهنة في العالم العربي ارتباط العاديون بـ”الخارقين للعادة” والذين أقصد بهم هنا النشطاء المتعلمون وإن كانوا فقراء، أي “الطبقة الوسطى الفقيرة” التي تقوم عادة بجلب طريقة نظر للأمور أكثر سياسية واستراتيجية إلى الناس العاديين ذوو المنطق البراغماتي عادة وهو ما يجعل دعم الناس العاديين للأنظمة السلطوية هزيل إلى حد كبير.

 

ذكرت في كتاب أن “الثورات العربية افتقرت إلى المثقف المرتبط بها الذي تستند عليه.” أين اختفى المثقف؟

قبيل الثورات العربية كان هنالك بالتأكيد مثقفون في العالم العربي يتحدثون ويكتبون ويخلقون فنونًا ووجهات نظرة نقدية عبر وسائل عديدة، لكن من النادر أن تجد منهم من يتحدث عن الثورة فضلًا تفصيل رؤى عن مستقبل ثوري كما كانت الأجيال السابقة تفعل كأمثال المثقفين المنخرطين في التيارات الماركسية أو حركات تحرر العالم الثالث أو التحرر الوطني الفلسطيني أو الإسلاميون أمثال سيد قطب الذي طور رؤية لمستقبل إسلاموي. تمامًا كما هي الحال لدى الناشطين، فقد كان المثقفون في العقد الأول من هذا القرن نتاج لزمنهم حيث الثورة ببساطة “لم تكن على البال” ان جاز التعبير، فكان لدى هؤلاء المثقفون ما يشغلهم سوى التنظير للثورة. النقاد الأدبيون المصريون كسامية محرز وصبري حافظ قدموا تحليلات نقدية حول بؤس حالة الحياة الفكرية في مصر في السنوات التي سبقت الثورة كما أني كتابي “جعل الإسلام ديموقراطيًا” ناقشت حالة الحياة الفكرية وكيف أنها مرهونة بمراوغتها بين الإسلاموية والقومية ومطالب الدولة.

 

من النقاط المثيرة للاهتمام في الكتاب هو التعرض لمعضلة تواجه الباحثين بين تأثرهم بأحداث ضخمة بكل ما في ذلك من الحماسة والقناعات والخيبة وبين منظور الباحث الموضوعي. كيف تعاملت مع التوتر في بحثك للكتاب؟

مثلما ذكرت في الكتاب هذا بالفعل تحدي يواجه من يدرس الثورات التي تندلع أمام أعينهم. وبالفعل هذه المشاعر (سواء مشاعر رضى أو سخط) قد تؤثر على تقديرات الباحث وأحكامه. كيف يمكن تجنبها؟ أعتقد أن على المرء أن يبدأ بالاعتراف بهذا الخطر وأن يكون واعي باحتماله، فلقد كنت مدركًا على الدوام لهذا الاحتمال وحاولت أن أظل موضوعيًا قدر الإمكان. كانت هنالك لحظات أحسست بخيبة أمل عميقة من مما أفضت إليه نتائج بحثي، لأنها أتت مخالفة لما تمنيته شخصيًا، لكنني ظللت في صف نتائج دراستي عوضًا عن امنياتي وتفضيلاتي، ولقد تمكنت من العمل على البحث من خلال زوايا رؤية تسمح بنتائج صادقة ومتفائلة في آن واحد، وقد كان تحقيق هذا الأمر ممكن لأن الثورات العربية ذات أبعاد مختلفة تظهر محبطة وواعدة في ذات الوقت.

 

الإسلاميون وما بعد الإسلاموية

أحد أهم الأطروحات المثيرة للجدل التي قدمتها هو فكرة “ما بعد الإسلاموية” وكنت قد عرفت ما بعد الإسلامية على أنها “مشروع” و “حالة” ماذا تبقى من هذه الحالة؟ وهل ما زال هناك قوى اجتماعية تمثل المشروع؟

أعتقد أن حالة الإرهاق واستنفاذ الطاقة التي تعرض لها المشروع الاسلاموي (بمعنى تأسيس نظام إسلامي على هيئة دولة إسلامية بوجه الخصوص) لم تضمحل بعد. إذ أننا نشهد اتجاه المابعد إسلاموية يطال حتى الحركات الإسلاموية التقليدية. الحكايات التي نسمعها عن مفكري وناشطي الإخوان المسلمين سواء في مصر أو في المنفى تشير إلى إعادة تفكير في المشروع الإسلاموي (وبإمكاني تصور وجود تيارات أخرى داخل الحركة تتبنى مواقف أكثر تصلبًا) ما نفتقده حتى هذه اللحظة هو صياغة مشروع ما بعد إسلاموي متسق إلى حد مقبول. إننا مازلنا في حاجة إلى مراجعة نقدية وصادقة للمشروع الإسلاموي وتناقضاته على أمل أن تقود إلى مشروع مسلم أكثر تسامحًا.

 

 كيف أثر ارث الثورات العربية على الإسلاميين وفكرهم السياسي (سواء أولئك الذين أدمجوا في النخبة الحاكمة أو الذين واجهوا ملاحقات)؟

من الملاحظ بشكل واسع –والمثير للدهشة- أن ظهور الإسلام في الانتفاضات العربية كان –إن وجد- محدودًا. ففقط بعد سقوط الدكتاتوريات تمكن القليل من الأحزاب الدينية من الصعود إلى مشاركة السلطة في تونس (حزب النهضة) ومصر (الاخوان المسلمون) والمغرب (حزب العدالة والتنمية)، ومن ضمن هؤلاء أبدى كل من النهضة والعدالة والتنمية نزوع ما بعد إسلاموي، أي ابتعدوا عن المواقف الإسلاموية المعهودة، بينما ظل صلب الإخوان المسلمون إسلامويون. لكن حكاية وصول الإخوان المسلمون إلى السلطة تخبرنا بالكثير، فتحديدًا لأنهم تمكنوا استلام زمام الحكومة وخرجوا بنتائج مخيبة للآمال في هذا الاختبار، فإنهم خسروا كثيرًا من الدعم الشعبي. فبمجرد ما أصبحوا حزبا حاكما قوضوا موقعهم وشعبيتهم كقوة معارضة، لذلك كان الانقلاب عليهم كان سهلًا للغاية إذ أن كثير من المصريين انقلبوا ضدهم.

 

في “ثورة بلا ثوار” فصلت انتقال اللاعبين الإسلاميين الأساسيين من موقع العدالة الاجتماعية ومعادات الاستعمار إلى اعتناق الأخلاق والسياسات النيوليبرالية. هل تعتقد أن ثمة أي ارتباط بين الخطابات الإصلاحية المابعد إسلاموية وبين مثل هذه التحولات؟

حسنًا، الفكر الإسلاموي الجديد والما بعد الاسلاموي كلاهما وجدا أنفسهما في حالة تجاذب اختياري مع المنطق النيوليبرالي. ما بعد الإسلاموية ذاتها نتاج عصر ما بعد الحرب الباردة بخطابه الطاغي عن الفرد والمجتمع المدني والسوق، بينما نجد الحركات الإسلامية، مثلها مثل غيرها من الأحزاب والحركات السياسية العلمانية، “تطبعت” في هذا الإطار الخطابي.

 

كيف تنظر إلى مستقبل الإسلام السياسي في عصر ما بعد الثورات العربية؟

يظهر لي أن ثمة صيرورة مزدوجة تحدث في اتجاهي المابعد إسلاموية والتجذير الإسلاموي في ذات الوقت. الثورات العربية أتاحت الفرصة لصعود الإسلام السياسي في السلطة الحكومية في بعض البلدان كمصر وتونس والمغرب بينما وجد الجهاديون الراديكاليون أنفسهم فجأة قادرين على أن ينشطوا في المجتمع المدني (في مصر وتونس وليبيا) أو في مناطق الحرب في سوريا والعراق وليبيا. لبعض منهم، كالإخوان المسلمين في مصر الذين أخذوا السلطة، فإن التجربة كلفتهم خسارة الدعم الشعبي لأنهم كشفوا مكامن ضعفهم وهم يحكمون. في ذات الوقت، كان عنف الجهاديين الراديكاليين يشعر المسلمون العاديون بالقلق من نوايا هذه الجماعات، وبالتالي المزيد من العزلة التي تجد فيها هذه الجماعات أنفسها. وهذه قصة جماعات مثل داعش- على سبيل المثال استطلاعات الرأي مؤخرًا في عدد من الدول ذات الأغلبية المسلمة تشير إلى أن ٩٤٪ إلى ٩٩٪ من المسلمين يرفضون داعش. باختصار، المسلمون العاديون ابتعدوا عن هذه الأطياف من الإسلام السياسي بالرغم من بقاءهم ملتزمين بعقيدتهم الإسلامية. هذه التطورات تعني أن ‘ظروف‘ نمو المابعد إسلاموية قد شهدت توسعًا إضافيًا. لكن ما بعد الإسلاموية لا تتطور بشكل كامل إلا بوجود مشروع. النهضة في تونس على سبيل المثال يبدو أنها قد صاغت مشروعًا في مقابل الأعضاء النقديين في الإخوان المسلمين لم يتمكنوا من فعل ذلك بعد.

وبالتوازي مع هذا الدفع في اتجاه ما بعد الإسلاموية نلحظ أيضًا تجذيرًا لفئات من الناشطين الإسلامويين، تحديدًا أولئك المنتمين للإخوان المسلمين الذين كانوا ضحايا لقمع النظام المصري في مذبحة ٢٠١٣. الفكرة هنا هو ألا أحد من هذه الاتجاهات (سواء الجهاديون الجدد -أو العدميون الإسلاميون كما يسميهم أوليفر روي- أو المابعد إسلامويين بالطبع) انتموا إلى مشروع من أنواع المشاريع التي كان الإسلاميون قبل الثورات يعتنقونها- أي تلك التي تسعى لخلق نظام إسلامي وإلى دولة إسلامية قادرة على الحياة كنقطة ارتكاز لهذا النظام. باختصار: المشروع الإسلاموي يعاني من أزمة عميقة.

 

الخيبة والأمل

هناك طرح سائد سواءا في النقاش العام في العالم العربي وفي الطرح الأكاديمي الغربي (كمقالة كرت وايلاند) حول الثورات العربية يقول بأن الأحداث كانت وليدة “خطأ” من قبل النشطاء السياسيين في تقدير الواقع العربي السياسي والاجتماعي. كدارس ومراقب لهذه الأحداث، ما رأيك بمثل هذا الطرح؟

أولئك الذي يقدمون مثل هذا الطرح يفكرون بالثورات كما لو انها خيارات متوفرة ومختارة بعناية وبشكل عقلاني، يتخيلون الثورات بطريقة تبدو كما لو أن الناشطين نظروا إلى الخيارات وقيموها ثم قرروا: حان الوقت أن نقوم بثورة. الثورات لا تتحقق بهذه الطريقة المدارة بشكل جيد. الثورات أكثر فوضوية مما يتخيل هؤلاء. الثورة قد تنبثق حتى عندما لا يكون معظم الناس ينوون القيام بها والناس لا يقومون بالثورة نتيجة لتفكير متأني وحرية فعل محضة، إنما يجدون أنفسهم في موقع يدفعهم دفعًا للقيام بثورة. فقط في منتصف النضال الثوري يجد الناس أنفسهم محتاجين إلى التفكير في الخطوات اللاحقة. الثورات عادة بعيدة عن أن تكون خطط محسوبة بعناية.

 

بعد مرور أكثر من سبعة سنوات على شرارتها الأولى، ينتشر الجدل حول ما إذا كانت الثورات العربية “نعمة” أم “نقمة”. كيف ينظر آصف بيات إلى الموضوع؟ هل انتهت الثورات؟

مرة أخرى، حتى نتمكن من الإجابة على السؤال فإن علينا أن نتنبه إلى الطرق المثيرة للدهشة التي يجد الناس فيها أنفسهم في خضم ثورات: ليس بالتخطيط العقلاني المحض بل بالشعور أن ليس ثمة خيار آخر. وبمجرد ما تنبثق الثورة كحادثة سياسية خارقة للعادة فإنه يتم ربطها بتشويش الحياة اليومية والإدارة العامة وإحداث الاختلال الاجتماعي وارباك الأنشطة الاقتصادية والصراعات السياسية الفئوية إلخ. بالرغم من كل هذه التكلفة والاضطراب فإن الثورات تمنح الناس أشياء قيمة كانكسار الخوف والحكم المتسلط وفتح الطريق لاحتمالات جديدة للتحول التقدمي. تونس اليوم رغم كل جوانب القصور مختلفة كثيرًا عن الدولة البوليسية أيام ابن علي ورأسمالية المحسوبية المترسخة. لكن الحقيقة تخبرنا أن ثورات الربيع العربي الأخرى قد عانت تراجعات حادة. المخرجات بشكل كبير تعتمد على الطريقة التي أدار بها المتصدرين المرحلة الانتقالية ما بعد الثورة. من الواضح أن اللاعبين السياسيين في تونس أداروا المرحلة الانتقالية بشكل أفضل بكثير من اللاعبين في مصر. بالإضافة إلى ذلك فاللاعبين العالميين والاقليميين، بشكل أساسي قوى الثورة المضادة والتي لعبت دور كبير في تقويض الثورات. إن هذه الثورات سببت ذعر حقيقي للأنظمة السلطوية التي باشرت في تقويض الثورات ونزع الشرعية منها.

 

 

في “ثورة بلا ثوار” كتبت أن الأنظمة الجديدة ستجد نفسها مضطرة لأن تحكم مواطنين من تغيروا بشكل عميق هل من الممكن أن تخربنا أكثر عن هذه الذوات الجديدة؟

الثورة صيرورة. لكن الثورة أيضًا حدث- حسب مفهوم آلان باديو الحدث هو الحادثة السياسية أو القطيعة التي تخلق ذاتية جدية وتوقعات جديدة وتكسر التابوهات وتقدم طرق تفكير جديدة ومخيلات جديدة ترتبط عادة مع فكرة أننا لا نستطيع العودة إلى ما كنّا عليه سابقًا. في مثل هذه الظروف تظهر مطالبات غير مسبوقة ومسائلات للسلطة والتراتبية، أو حتى تحقيق ما كان من غير المفكر فيه. بالطبع الذاتيات الجديدة من المحتمل أن تضمحل وألا تورث للأجيال القادمة الذين لم يعايشوا الأحداث. لكن إذا ظلت هذه الذاتيات فإنه من المرجح أن تعمل على تغيير البنى القائمة أوالعمل ضدها. إذا بقيت هذه الذاتيات الجديدة وأعيد انتاجها فمن المرجح أن تباعد المسافة ببن المواطنين والأنظمة وهو فجوة لا مناص من أن تملأ سواء عن طريق التنازلات والإصلاح أو القمع والعنف.

 

في الفصل الأخير من كتابك قدمت للقاريء فكرة “الثورة الطويلة” لرايموند ويليامز. في رأيك ما هي التحديات الرئيسية لمثل هذا الصراع ومن هم الفاعلين (أو الطبقات الاجتماعية) التي تتصدر له؟

أتصور أن فكرة الثورة الطويلة تنطلق مما ناقشناه أعلاه، ففكرة ‘الحدث‘ كسلسلة من الحوادث التي تقود إلى تقويض أو تعديل البنى (فكرة أن شيء ما يقود إلى شيء آخر ومن ثم إلى أمر ثالث وهكذا) تعضد فكرة الثورة الطويلة  لرايموند ويليامز. فكما ذكرت في الفصل الأخير فإن صيرورة التغيير المتصاعد المحتمل –تأثير الحدث-  ليس مجرد تغيير بنيوي فحسب بل إن عنصر ‘الذاتية‘ وانخراط المواطن جوهرية إذا كنا نصبو إلى تغيير ذو معنى. الانخراط الفاعل للمواطنين المهتمين من شرائح المجتمع المختلفة- من المجال الخاص إلى الشارع إلى مكان العمل إلى المجتمع والمدني والمجتمع السياسي وحتى مؤسسات الدولة- ضروري لبناء هيمنة شعبية. هناك بالطبع تحديات حقيقية في الطريق: كمصالح النخب المستقرة جنبًا إلى جنب مع عنف الأنظمة بالإضافة إلى التدخل العنيف من القوى الخارجية كلها تمثل تحديًا حقيقيًا لهذه الصيرورة. لكن دعنا لا ننسى أن هذه الأنظمة تعاني من نقص حاد في الشرعية وهو ما يضعهم في أزمة مستمرة، الأزمة التي تقود إلى انقسام في النخب يتيح المجال لانفراجات في أسفل الهرم.

 

 

error: المحتوى محمي