الإدماج والإقصاء في الحقل السياسي المغربي – عبدالله ساعف

الإدماج والإقصاء في الحقل السياسي المغربي – عبدالله ساعف

مجلة الجابري – العدد الثاني
___________________________________

لقد شكلت ثنائية الإدماج / الإقصاء موضوعا هاما وتقليديا ودائما في العلم السياسي الغربي، إذ تخترق هذه الثنائية، بشكل معلن أو مضمر، دراسة الأنظمة، منذ أرسطو مرورا بمكيافيل ووصولا إلى عصر الأنوار وما بعده، كما اكتست في السياق العربي ـ الإسلامـي غموضا كبيرا، تجلى في التمييز بين “الخاصة” و “العامة” إذ ليس من المؤكد دائما أن تتسم إحدى هاتين الفئتين بالهامشية. ويمكن القول إن الدولة حسب نظريـة ابن خلدون الدورية، تتميز في مرحلة نشوئها وتطورها وبلوغها الأوج بعملية إدماج تدريجي للقوى الجديدة انطلاقا من نواة العصبية القبلية، في حين يبدأ أفولـها بانطلاق سلسلة الاقصاءات المتتابعة التي قد تنتهي بعزلة السلطة وانـهيارها.1
وفي المغرب يتقاطع هذا الموضوع منذ البداية بالإشكالية القديمة التي تتلخص في ثنائية بلاد المخزن / بلاد السيبة، والتي تشير في ذات الآن إلى العلاقات المعقدة بين المركز والمحيط وبين النظام والفوضي، بين الخضوع والتمرد، بين الشرعية واللاشرعية.

والواقع أن إشكالية الإدماج / الإقصاء قد تطرق إليها بشكل متواتر رجال السياسة بالمغرب، وإن كان ذلك يتم في الغالب بشكل غير مباشر. وانطلاقا من زوايا نظر متباينة وبتعابير مختلفة مثل: الإدماج وعدم الإدماج، المركزية والهامشية، ممارسة اللعبة من داخل النظـام وممارستها على النظام، الداخل والخارج الخ…
ونجد بعض آثار هذا الاهتمام في الكتابات السياسية المتعلقة بالمغرب، وذلك من خلال الموضوع الكلاسيكي حول المعارضة المسماة تقليدية والمعارضات التي نكتشف في يوم أو آخر، أنـها جديدة أو في طور النشوء، كما نجد هذه الآثار عند الحديث عن الفاعلين الذين يعتبرون شرعيين والفاعلين الذين لا يعترف لـهم بـهذه الصفة، وعن الفاعلين الذين يعتبرون فاعلين مركزيين، أو الذين ينظر إليهم كثانويين.
هناك نظرة هيمنت لمدة طويلة على العلم السياسي الذي يتخذ المغرب موضوعا له، سعت إلى معرفة لماذا وكيف يستطيع النظام الجمع بين القوي المتناقضة واستقطابها، ومن ثم تنظر إلى النظام كنظام يتوزع بين العديد من الأشطر، وتكمن براعة الأمير في توجيهه لما فيه مصلحته واللجوء إلى مركزيته حسب المتطلبات الآنية أو اللجوء إلى التحكم.2
وهناك نظرة أخرى، مهيمنة بدورها، تقوم على التساؤل عن أسباب انـهيار النظام والقيام بأبحاث متواصلة حول آليات الحفاظ على نفسه والدفاع والتحالف، ويتعلق الأمر برؤى تسعى إلى إبراز قدرات الاستقطاب، والتكيف بل والإدماج أكثر مما تسعى إلى استكشاف مجالات تكون وتشكل آليات الإقصاء.
إن ثنائية الإدماج / الإقصاء، كزاوية للتحليل، ظاهرة متنقلة بالتحديدات الموضوعية، إذ أنـها تكشف ضمن الديناميات الاجتماعية الجارية عن أماكن المقاومة والمرور، وعن الفضاءات الاجتماعية التي استطاعت الدولة أن تجعل منها فضاءات سالمة، أو عن تلك الفضاءات التي مازالت مهمة إدماجها مطروحة على الدولة.3
ويتدخل مصطلح الهامشية، بشكل حتمي ضمن هذا التساؤل : غير أن الفرق يكاد يبدو فرقا في الدرجة أكثر منه في النوع.
إنـها مفاهيم تحيل على وقائع متقاربة، وتشير إلى تنوع اجتماعي للأفراد، الذين يدينون جميعهم، وبمستويات مختلفة، اللاتطابق مع أعراف المجتمع (العبيد، السود، الفارون، النساء العازبات، المثقفون، الخ…)4، وهم أفراد يحيلون، ضمن نفس الرؤية، على أعمال تعتبر مزعجة وغير مطابقة.5
إن أبحاث علم الاجتماع التي تهتم بقضايا التمدين، وتـهيئة المجالات الترابية، أبحاث غنية بالملاحظات الكمية والنوعية وبالتحليلات، و في الإمكان النظر إليها كجدلية للإدماج والإقصاء، لميكانيزم بروزها وانتشارها، وتبنيها من زوايا مختلفة، وخاصة من زوايا اللغة المحلية ومشاريع التنمية الحضرية إلخ… ومع ذلك فإن علم الاجتماع النقدي يؤكد على صعوبات تأكيد التهميش الجماعي، وعلى أسطورة الإقصاء في الأحياء الحضرية الهامشية مثلا، حيث لا يسمح تجانس ساكنتها وطبيعة المبادلات السائدة بـها، وهيمنة التقاليد، وتمثل الدولة، باستخلاص وجود التهميش.
وعالم المهن الصغيرة،هو مملكة الإقصاء الخفي غير المهيكل، وهو عالم يسود فيه البحث عن البقاء على قيد الحياة. ويمتد إلى المجالات الاجتماعية التي يحددها التهريب وترويج المخدرات، فهل يندرج هذا العالم في قلب ديناميات هيمنة الاقتصاد الذي يطلق عليه الإقصاء والإدماج، وديناميات الإندماج والتهميش ؟ وهل تندرج ضمن هذه الديناميات هيمنة الاقتصاد الذي يطلق عليه الاقتصاد الموازي –مقارنة مع الاقتصاد الرسمي- حيث يتغلب اللاقانوني على القانوني، مثل منافسة السكن السري للسكن القانوني، وحيث تقف الأوضاع التي لا يحددها قانون الند للند مع الأوضاع التي يحددها القانون ؟ ومن ثمة، ما هو القطاع المدمج، هل القطاع غير المهيكل أو القطاع المنظم6؟

وعلى المستوى السياسي، تبدو للعيان عناصر ذات خصوصية مغربية تفرض النظرتين نفسيهما على التحليل: النظرة التي تؤكد على وجود دوائر للإدماج تهم أولئك الذين يقبلون قواعد اللعبة، والموارد، وتوزيع الأدوار، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يوجد أولئك الذين يتمترسون في مواقف عدم الخضوع، ويرفضون قواعد اللعبة. أما النظرة الثانية فتعتبر أن مناطق الإقصاء تخص بالأساس المناطق التي تعير اهتماما لكل ما له علاقة بالمؤسسة والدولة والسلطة السياسية المركزية، ومن ثمة فإن المواقف تتراوح بين المشاركة بمستويات مختلفة، وبين المقاطعة أو عدم المشاركة، بل وعدم الاهتمام الواعي أو غير الواعي.
وتحيل هذه النظرة الأخيرة على رؤية للعالم تقيم ـ شأنـها شأن عديد من المقاربات المتعلقة بالمؤسسات والمجتمع المدني والفرد والحركة الجمعوية ـ معارضة بين الدولة والمجتمع وتعتبرهما هويتين متنافرتين.
ومع ذلك فإن الحديث عن الإدماج / الإقصاء لا يمكن إلا اعتمادا على مرجع، وعلى هوية لـها مضمون وشكل يتغيران، وعلى نظام يسود إلى هذا الحد أو ذاك، وعلى تمفصل معين للعلاقات بين المكونات، وعلى عدم ثبات للروابط مع الفاعلين في الجماعة.
إن الإدماج والإقصاء يحيلان على مرجع انطلاقا منه يتحدد الانتماء أو اللاإنتماء (= الأمة، المجموعات المنتظرة، الوطن، الدولة…)
فهل يشكل برنامج التقويم الهيكلي بشكل عام، والخوصصة بشكل خاص7،مجالا للملاحظة الملائمة لمناطق التمييز بين المركزي والهامشي؟ وهل يشكلان مناسبة جديدة لإعادة تشكل الفئات القديمة التي جرى الإهتمام بـها في العلم السياسي الذي اأتخذ المغرب كموضوع للدراسة ؟ وهل يتعلق الأمر هنا بدراستها كسياسات عامة استطاع العالم تبنيها بسهولة وإستهلاكهما بدون صعوبات، أكثر مما يتعلق باعتبارها قد طبعت المغرب الراهن بطابعها الخاص؟ وعلى كل حال، فإن المسألة المطروحة هي معرفة هل أدى ذلك إلى إعادة تشكيل تراتبية جديدة للفاعلين، ومواقعهم وتحركاتـهم ؟
يبدو أن من السهل تحديد من يشارك ومن لا يشارك. كما يبدو أن المقصيين هم أولئك الذين تم طردهم خارج الحقل السياسي أو لم يتم إدماجهم فيه، ومن ثمة لا ظهور لـهم. فهل عرفت المركزة والهامشية تحولات وتبدلات في المعنى ؟
إن الجواب عن سؤال: من ربح ومن خسر في النظام السياسي الحالي بمناسبة تنفيذ سياسة الإصلاحات الاقتصادية (التي سنطلق عليها فيما بعد سياسة التقشف، وسياسة التقويم)8 يطلب أولا دراسة هذا النظام وتقييم تأثيره على العمليات السياسية والاجتماعية والتأمل في آفاق النظام المغربي.

أولا : الإدراج البطيء لبرنامج التقويم الهيكلي في السوسيوسياسي المغربي
شكل عقد الستينات وبداية السبعينات على المستوى الاقتصادي فترة ركود متحكَّم فيه نسبيا، حيث لم تعرف الاستثمارات العمومية المنتجة والمصاحبة سوى تطور متواضع نسبيا. وفي منتصف السبعينات الذي يعرف بفترة الحل السهل، عندما عرفت مداخيل الفوسفاط ارتفاعا مفاجئا، تم اللجوء إلى تغيير في التوجه، فقد تسارعت سياسة الاستثمار فاقتربت بعض الشيء ـ حسب بعض الآراء ـ من التجربة الجزائرية، وخاصـة على مستوى الاختيارات، وقد كانت هذه التجربة في حينها، موضوع تجـاذب شديد داخل المعارضة، والـهدف المتوخى كان توسيع الطلب الداخلي من خلال اللجوء إلى الزيادة في الأجور وتوزيع مداخيل هامة وخلق مناصب شغل عمومية وتطوير التعليم….9وبقيامها بذلك كانت حكومة أحمد عصمان (1974 ـ 1982) تطبق بنفسها المشروع السياسي والاجتماعي الذي كانت تطالب به المعارضة، ومع ذلك وجدت البلاد نفسها ما بين 1978 و 1980 وجها لوجه أمام عجز أكثر ارتفاعا.
ونظرا لانعكاسات الصدمة البترولية الثانية، واختلال الميزان التجاري، وسنوات الجفاف ومديونية الدولة، اتجهت البلاد نحو تبني مخطط للاستقرار تحت وصاية صنـدوق النقد الدولي (ص. ن. د.) وكان هذا الأخير، في البداية، يقتصر في تدخلاته على القيام بدور المستشار الذي يقدم النصائح، وخاصة في ما يتعلق بالمالية العمومية. وبعد ذلك تجاوز دور الخبير هذا، ليشرع في تطبيق قاعدة إملاء الشروط.10وقد عرف المغرب، قبـل ذلك بقليل، تنظيم انتخابات محلية (1976) ثم انتخابات تشريعية، وبذلك بدأ تطبيـق برنامج التقويم الهيكلي يندرج ضمن سياق الانفراج السياسي النسبي.
ففي مرحلة أولى تمت محاولة الحد من النفقات، كما أن انـهيار مداخيل الفوسفاط في نفس الوقت، طرح ضرورة البحث عن موارد بديلة، وفي هذا السياق تم القيام بسلسلة من الإجراءات الضريبية منها الرفع من الضرائب المباشرة (رسم خـاص على الواردات، حقوق التنمبر، الضريبة على القيمة المضافة، الرسوم العقارية…).
غير أن النتائج لم تكن مرضية، فالعجز لم ينخفض إلا بنسبة هزيلة وظهرت مشاكل أخرى، وبذلك لجأت الدولة، للحصول على موارد لتموين عجزها، إلىالامتناع عن تسديد مستحقات الديون التي عليها. الأمر الذي طرح مشكل متأخراتـها تجاه القطاع الخاص. ومع ذلك لم تستطع سياسة التقشف هذه توقيف العجز في ميزان الأداءات.
وانطلاقا من يوليوز 1980، بدأ (ص. ن. د.) يتدخل بشكل مباشر في إطار سياسة ضمان الاستقرار. هكذا تم اللجوء إلى التسهيلات الواسعة (إجراءات الستاند بـأي) في ظل مناخ تميز بالضيق الاجتماعي الذي لم يتوقف عن التصاعد، بالغا أوجـه مع أحداث يونيو 1981، التي انفجرت بسبب الزيادة في ثمن الخبز ـ ضمن عوامل أخرى.

وفي هذه الفترة، لم تكن المفاوضات مع البنك الدولي حول التقويم قد وصلت إلى نتيجة تذكر. كما أن السلطات المغربية لم تلمس في نفسها، بعد، الاستعداد لتنفيذ التوصيات التي قد تمليها عليها هذه المؤسسة. ولاشك أنـها كانت تنتظر، في هذه الفتـرة، أن تعطي الاستثمارات التي سبق للدولة أن قامت بها، أولى ثمارها، لكـن دون جدوى.
وفي ظل الأجواء التي أحاطت بانفجار قضية المكسيك وتدويل مسألة مديونية العالم الثالث، ارتأى أصحاب القرار السياسي ضرورة تأجيل تنفيذ سياسة التقويم، أو حصرها على المستوى القطاعي دون أن تشمل المستوى العام… وإلى حدود سنة 1980، كان صندوق النقد الدولي المؤسسة المالية الرئيسية التي تتدخل في المغرب. وقد بلغ ذلك مستوى أكبر بعد سنة 1980. وابتداء من 1983 ظهر البنك الدولي بدوره في مشهد الاقتصاد المغربي، لكن ظهوره كان بقوة أعنف، موجها أصابع النقد ضد سياسة السلطات العمومية.
وقبل سنة 1983، كانت الدولة قد بدأت ممارسة برنامج التقويم الهيكلي، باللجوء إلى تقليصات في الميزانية وتضييقات على الواردات من خلال إقامة الجدران التعريفية، وقد أصبح المغرب سنة 1983 عاجزا عن الاستيراد على الرغم من المساعدات الضخمة وغير المحددة التي كان يتلقها ، إلى ذلك الحين، من العربية السعودية وبعض دول الخليج الأخرى.11وانطلاقا من تلك السنة لجأ إلى طريقة المعالجة بالصدمة. بل إن حالة التوقف عن الأداء في منتصف السنة نفسها زاد من حدة سياسة التقشف وسياسة التقويم.
ومنذ ذلك الحين ستسعى الحكومة إلى تحرير القطاعات وسياسة الحماية (Tout azimuts))، وكانت أولى الإجراءات المتخذة في هذا السياق : التخفيض من الحقوق الجمركية، وفرض رسوم على الاستيراد، ومراجعة اللوائح، وفرض الضرائب، بما فيها الضريبة على القيمة المضافة… وستعرف الضرائب انخفاضا تدريجيا سبب للخزينة خسارات جسيمة في المداخيل. وبذلك تم اللجـوء إلى إجراءات تقشفية أكثر صرامة وأكثر حدة من الماضي. حيث تم التسريع من وتيرة الإصلاحات الاقتصادية، كما تبنى القانون الإطار سنة 1984.
ومع ذلك فقد تواصل انخفاض المداخيل، ولم يكن من المحتمل أن يكون الإصلاح الضريبي ناجعا دون الاستفادة من فوائد إعادة الجدولة أو الاستفادة من هبات ما. وانطلاقا من سنة 1985 تم اتخاذ إجراءات مصاحبة، حتى يصبح من الممكن إصلاح مسيرة الاقتصاد المغربي : مراجعة صندوق الدعم، التقليص في الميزانية، التوقف شبه التام عن إحداث مناصب الشغل في القطاع العام، بداية الخوصصة، تحرير التجارة الخارجيـة، عدم انتظام قطاعات الإنتاج، انزلاق الدرهم،عدم تأطير الاقتراض.
وفي سنة 1986، بدأ تطبيق الإصلاح الضريبي مع الإبقاء على إعفاء قطاع الفلاحة، ولم يهم الإصلاح سوى بعض الضرائب (الضريبة على الشركات سنة 1987، والضريبة العامة على الدخل في 1989)، ومع ذلك تواصل انـهيار المداخيل، ففي هذه السنـة بدأت الدولة تتخلص من الديون، دون أن تنجح في وضع حد لتوجس الفاعلين الدوليين والوطنيين مما جعل من عودة الخزينة المغربية إلى الاعتماد على السوق الدولية مطمحا بعيد المنال.
ووصل الأمر، فيما بين 1986 و 1987، إلى حد الإعلان بأن المغرب يعيش مشكلا غيرقابل للحل، وذلك من قبل الأبناك الدولية الخاصة التي لجأت إلي بيع سندات قروضها في السوق الدولية الثانوية بأثمان تتراوح بين 50 و 60 في المائة من قيمها الاسمية. ويبدو أن هذه العمليات مازالت تغذي عمليات الخوصصة.
وكانت سنة 1986 سنة حرجة غير أنـها شكلت على المستوى النوعي، بداية مرحلة جديدة على الرغم من أن العجز لم يصل الحدود المرجوة، وأن ميزانية الدولة كانت تعيش عجزا على مستوى حسابـها الجاري. وفي سنة 1987 تم اعتبار أن التوازن قد تحقـق والواقع أنه بلغ حدودا مقبولة إلى هذا الحد أو ذاك.12وظهرت، فيما بين 1986 و1993، بعض الأدبيات الاقتصادية التي تؤكد نجاح فكرة برنامج التقويم الهيكلي، وعلى مستوى الواقع لم يعد للمغرب منذ سنة 1983 أية علاقة عضوية مع صندوق النقد الدولي، فعلاقته أضحت بالأساس مع البنك الدولي، في ارتباط مع برنامج للتنمية وفق قواعد التقويم. لكن، هل يمكن الحكم على التقويم الهيكلي بشكل معزول ؟
فعندما يظهر أن نتائجه ـ وهي أساسا وفي كل الأحوال نتائج مالية ـ إيجابية، يمكن أن نتساءل إن كانت فعلا تعود إليه، أم تعود إلى “المحاصيل الفلاحية الجيـدة”، أم إلى انخفاض ثمن البترول أم إلى هذه الوضعية الظرفية أو تلك.13كما يمكن رد النتائج السلبية إلى مشكل البطالة، وانخفاض مداخيل الهجرة أو إلى انتشار الفقر.
إن التأكيد على ضرورة إقامة توازن مالي، من خلال اللجوء إلى تشييء الأرقام، قد أدى إلى التقليل من أهمية الخراب الجاري على المستوى الاجتماعي : تصاعد البطالة، تدهور القدرة الشرائية، عجز الطبقة الوسطى14،تفقير فئة كبيرة من السكان، خلق حالـة تشرد في كل قطاعات الحماية الاجتماعية (التعليم، الصحة، السكن…) وقد تمت البرهنة عن الكيفية التي تؤدي بـها “حقيقة الأسعار” إلى التفقير المتزايد لفئات واسعـة من خلال إلغاء الدعم للمواد الأساسية15.إن من المؤكد أن مجموع الإجراءات الرامية إلى إصلاح الاقتصـاد المغربي الذي مازال غير مؤهل لتطبيق الليبرالية، لم تنتج في حد ذاتـها الإقصاء، لكنهـا زادت الفوارق الاجتماعية التي كانت توجد من قبل والاختلالات والبنى العتيقة السائدة، زادتها قوة مادية وتجذيرا تاريخيا.

ثانيا : الرابحون والخاسرون
إن التحولات التي أحدثها برنامج التقويم الهيكلي كثيرة. وقد أثارت ردود فعل ملحوظة أهمها إجبار “الباطرونا” على هيكلة نفسها. وقد ظهر طرفان من خلال اللوبيات وجماعات الضغط ، وهيئات المقاولين، ومن جهة الرأسمال الكبير الذي تمثله المقاولات الكبرى والداعي إلى مبدأ الخوصصة والذي دفع الحكومة إلى القيام به، وتشكل مجموعة “أونا” المثال الدال على ذلك16.
وضمن الجزء المشكل من قبل الرأسمال الكبير، يبدو أن الفلاحين، بما فيهم “الفلاحون غير الحقيقيين”، استفادوا من مرحلة التقويم للهيكلي، ومن المؤكد أنه بقـدر ما يرتفع مستوى الثروة بقدر ما يزداد عدد الأنشطة فيصبح أولئك الذين يمارسون نشاطـا واحدا، حالات نادرة.
إن سوسيولوجيا الأفراد تبين بسهولة بأنه لا وجود لحدود محكمة بين القطاع العام والقطاع الخاص. وأن مجموعة من المسئولين في الإدارات قد انتقلوا إلى مستوى كبار رجال الأعمال.
وأمام برنامج التقويم الهيكلي، تبنت البورجوازية المسماة وطنية، كما هو الشأن بالنسبة للمقاولات المتوسطة، مواقف أخرى، داعية إلى الإصلاح الضريبي و ترك الأسعـار للمنافسة الداخلية، وليبرالية لا تمس كافة الأصعدة، لكنـها متدرجة ومتحكم فيها17.
هناك تصور نضالي مناهض لسياسة التقويم الهيكلي يؤكد أن هناك التقاء بين المؤسسات المالية العالمية والنخبة الحاكمة على مستويين على الأقل: البحث عن ضمان للمواقع السياسية المكتسبة ، والاعتبارات الجيوسياسية الجهوية من جهة و الاوليغارشية القائمة على البحث بكل الوسائل عن سبل تقوية مواقعها السياسية، وعلـى الخصوص عبر إضعاف المجتمع المدني. وفي هذا السياق تكونت “كارتيلات” مراقبة الأراضي، والمناجم ووحدات الانتاج، والخدمات وصل تأثيرها في بعض القطاعات إلى ما بين 50 و 75%.
وفي حرب المواقع هذه المتقاطعة مع حرب الحركة، لعب التحكم في الإعلام والمعرفة دورا كبيرا “فالاقتصاديون والاحصائيون المغاربة والأجانب قد تمت تعبئتهم، كما تم إغراء مؤسسات في القطاع العمومي عبر المنافع الخاصة”18.وفي الواقع قد تم تفضيل وزارتين = وزارة المالية ووزارة الداخلية. هـذه الأخيرة التي لم تتوقف عن تقوية قدراتـها بمجموعة من المطالب والوسائل. والأكثر ملاحظة هو أن التقوية قد تمت عبر تدعيم التنمية الديموقراطية المحلية التي تظهر أكثر جوهرية من الديموقراطية المركزية. وهو تطور تم تشجيعه من قبل البرلمان خلال الولايتين التشريعيتين الأخيرتين، ويبدو أن كل الوزارات قد انحبست بسبب التقويم باستثناء وزارة الداخلية. فالتدبير الحالي الجاري يقضي دائما بتقوية هذه الوزارة هكذا مثلا كانت موافقتها ضرورية للتجاوب مع المطالب الأجرية19.
وفي المجموع، ظهرت مجموعتان، تضعان حدودا وسط القوى الاجتماعية تفصل بين الرابحين والخاسرين من مرحلة التقويم الهيكلي. من بين الرابحين اصطفت التكنوقراطية، الرأسمال الكبير، قطاعات واسعة للتصدير، الفلاحون وأرباب النقل، المضـاربون، البنكيون، المجموعات المالية الكبيرة إضافة إلى فئات سوسيومهنية (رجال السلطة، مفتشو المالية المكلفون بتدقيق الحسابات والمراقبة لبعض المهن الليبرالية المرتبطة بالحركات الكبيرة للرأسمال وبمصالح الأعمال الكبيرة، الشخصيات السياسية، أعضاء الحكومة والبرلمان والعديد من الأعيان). و الرأسمال الكبير بدوره تضمن بعض الخاسرين، الرأسمال العقاري، النسيج. والصناعة الموجهة نحو السوق الداخلية لم تستطع كمـا يبدو أن تندمـج في الأزمنة الجديدة.
وفيما يتعلق بسياسة العائدات الضرورية للطبقات الفقيرة والمتوسطة في السبعينات في عهد حكومة أحمد عصمان، فإن سياسة التقشف المنتهجة باسم التقويم الهيكلي ضربت في العمق الفئات الاجتماعية المحرومة. وعلى مستوى الإدارة التي تشكل فضاء للطبقات المتوسطة لم تستطع الدولة تحت ضغط البطالة كما يبدو ضمان قوانين أساسية ومعالجات مماثلة لنفس الكفاءات والحاملة لنفس الشهادات20.
ومع انخفاض الاستثمارات واختفاء المقاولة اتخذ برنامج التقويم الهيكلي شكل سياسة ذات انعكاسات اقتصادية أدت إلى تقليص التشغيل، وعدم احترام الحد الأدنى للأجور، وتدهور وضعية الشباب والنساء21.
وأمام هذه الآلية الموضوعية للإقصاء بدا أن الدولة تعمل على توسيع قدراتـها الإدماجية، وقد ظهر ذلك في طبيعتها التصالحية في اتجاه القطاع غير المهيكل وفي التسامـح أكثر من تشددها في التعامل مع مشاكل المخدرات والدعارة، والانحراف، والتسول حيث يتم الاكتفاء بمحاولة التهديد عندما تكون مرغمة على القيام بفعل ما يدل على تطبيق القانون بشكل صارم22،والشيء نفسه يصدق بالنسبة لتحسين النصوص التشريعية الموروثة من عهد الحماية، وإصلاح القوانين المتعلقة بالمرأة وذلك في سياق غليـان الاديولوجية الإسلامية، وفتحها الحوار الاجتماعي بالرغم من أنه ليس مفتوحا إلى ما لا نـهاية.

الرابحون الخاسرون

الوزارات
ـ الداخلية ـ الصحةـ التعليم ـ الثقافة ـ الشؤون
ـ التجهيز ــالمالية الاجتماعيةـ الشبيبة والرياضة ـ السكن
الرساميل الكبرى
ـ الصناعات الفلاحية ـ المنتوجات الصناعية للسوق الداخلية
ـ المضاربون ـ التأمينات
ـ أرباب الأبناك ـ الصيد الساحلي
ـ أرباب الشقق ـ الرأسمال العقاري
ـ الصيد في أعالي البحار ـ وضعية النسيج المتذبذبة
الأصناف الجديدة لرجال الأعمال
ـ المصدرون الشباب ـ المقاولون الشباب
ـ البحارة
الطبقات
ـ البورجوازية الكبرى ـ البورجوازية الوطنية
ـ التقنوقراط ـ الطبقات الوسطى
ـ مدراء المكاتب والإدارات ـ الطبقات الفقيرة
المركزية
الفئات السوسيومهنية
ـ رجال السلطة ـ صغار الموظفين
ـ مفتشو المالية المكلفون ـ الطلبة والأساتذة
بالتدقيق ومراقبة الحسابات
ـ الشخصيات السياسية ـ النساء، العمال، الفلاحون الصغار
(برلمان، حكومة، حزب)
ـ بعض المهن الحرة (المحاماة، التوثيق)

ثالثا : الانتظاريون، الجذريون، واللامتسيسون
إن برنامج التقويم الهيكلي قد تم وسط درجة عالية من النشاط السياسـي، وعلى الخصوص في البرلمان، فقد كانت ثلاثة أرباع القوانين الصادرة في الفترة التشريعية الثانية مرتبطة بـهذا البرنامج وخصوصا الجانب المالي (قوانين الاستثمار، القوانين الخاصة بالتجارة الخارجية…).
واتضحت مواقف الفاعلين بسرعة، فخلال صيف 1983 وبمناسبـة مناقشة قانون المالية المعدل، في غضون دورة استثنائية للبرلمان بدأت المعارضة في إصدار ردود فعلها، وقد اتخذ موقفها شكله النهائي بين 1979 و 1983، واعتبرت برنامج التقويم الهيكلـي بمثابة وحش من الإكراهات فرض على الإرادة الوطنية، وكنتيجة للسياسة الحكومية الرديئة والإسرافية تحت رئاسة أحمد عصمان23،ونشير هنا إلى مجموعة من التصريحات التي أعلنت أمام الرأي العام سنة 1983. وقد شهدت الأجواء توتـرا في سنة 1984 إلى حد أن “الباطرونا” التي سبق وأن بدأت في هيكلة نفسها وإضفاء حضور أقوى لإطاراتـها الجمعوية، مثل الكونفدرالية العامة للمقاولات بالمغرب، قد تبنت موقفا هجوميا تجاه الحكومة. واجتمعت الكونفدرالية العامة للمقاولات بالمغرب مع النقابات العمالية للتفكير والتصدي لنتائج برنامج التقويم الهيكلي24.
وقد بدأت النقابات العمالية مبكرا في مقاومة سياسة التقويم الهيكلي، لأنـها رأت أنـها سياسة تتناقض مع مصالح الفئات المحرومة ولم تتأخر خطوات الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد العام للشغالين في اتخاذ طابع سياسي بارز، بينما حدد الاتحاد المغربي للشغل (إ. م. ش) الذي يعتبر أقدم مركزية عمالية في البلاد، فعله في الجبهة النقابية.
ويعتبر حزب الاستقلال الذي تواجد في الحكومة آنذاك نفسه اليوم غير مسئول عن سياسة الإصلاح الاقتصادي، وأن الوزارات التي كان يسيرها ليس لـها اختصاص اقتصادي على الرغم من أن السيد عبد الحق التازي قد سير كتابة الدولة في التخطيط كما كان السيد محمد الدويري يسير وزارة الأشغال العمومية. ويعزى إلى هذا الأخير أنه دفع بأقصى حد من النفقات من أجل تحقيق مشاريع كبرى تخص البنية التحتية… والحقيقة أن حزب الاستقلال يعتبر حزبا معارضا حتى داخل الحكومة، أي حكومة عصمان. وانطلاقا من سنة 1983 وهو خارج الحكومة شدد حزب الاستقلال معارضته لبرنامج التقويم الهيكلي. كما أن الاتحاد العام للشغالين بالمغرب كنقابة تابعة له قد شددت هي كذلك على مساوئ برنامج التقويم الهيكلي بألفاظ سياسية أكثر تشددا مما عبرت عنه “ك. د. ش”. إن خطاب المعارضة اليسارية (ا ش ق ش، ح ت ش، م ع د ش)، قد تطور مع وجود فجوة كبيرة بين ما قيل في البرلمان بطريقة انتقادية والتصريحات الضعيفة المعبر عنها داخل النقاشات (الحلقات) المغلقة وعدم القدرة على إعطاء بديل. وقد هيمن على الساحة انشغالان: من جهة ما يمكن أن ينتج عن الانفتاح من نتائج وخيمة على الإنتاج دون أن يكون النظام الإنتاجي في مستوى متابعتها، ومن جهة أخرى مشكل تدبير الشؤون الاجتماعية25.

وهكذا بدأت تتشكل شيئا فشيئا إيديولوجية ضد برنامج التقويم الهيكلي في الحقل السياسي المغربي.
لقد تميز خطاب اليسار بلحظتين جوهريتين :
ففي مرحلة أولى كان برنامج التقويم الهيكلي مرفوضا رفضا قطعيا، إذ تـم اعتبار أي تقليص من دعم المواد مضرا بالطبقات الفقيرة والطبقات المتوسطة التي من المفروض أن تدافع عنها. وفي مرحلة ثانية تم الإلحاح على ضرورة أن يتحمل عواقبه مجموع مكونات المجتمع وإذ يطبق في إطار حوار اجتماعي سياسي. وإجمالا تتمركز، الاتجاهات الرئيسية التي ركز عليها برنامج التقويم الهيكلي، حول التأميم على الطريقة المغربية، ير وهو يرتكز على الوزارات البارزة كالمالية والداخلية بشكل خاص، ونوع من الليبرالية تدور حول صورتين متقاطعتين : تلك المتعلقة بالمثاليين (المقاولون الشباب الذين أعلنوا قبولهم لقواعد اللعبة، تطبيق قانون السوق الشفافية، وحتى صندوق النقد الدولي والبنك العالمي..) والليبرالية الموجودة بشكل فعلي ذات الصبغة الزبونية، البترمونالية الجديدة المرتبطة بدواليب إدارية…) إن الإيديولوجية اليسارية الـمتمحورة حول الترشيد (التطهير، عقلنة النفقات العامة) : وهي طروحات كل من الاتحاد الاشتراكي، وحزب الاستقلال،وحزب التقدم والاشتراكية، ومنظمة العمل، و ك د ش، و إ ع ش م..) أما باقي التشكيلات فقد بدت إما غامضة أو غير مكتملة أو منعدمة… ويوجد تجمعان (مجتمعـان) في المواجهة : ما يتمثل بشكل عام في مركز السلطة والحكومة، والإدارة، والأحزاب السياسية، والجمعيات، ويحتمي فيه عدد لا يستهان به من الأشخاص ليس لـهم علاقة بالأولى، رغم أن مكونات هذه تستغل في الصراع الدائر بين أطرافها من أجل تدعيم سلطة الحوار لكل منهما.
وتشكل المشاركة الواسعة رهان التجمع الأول، فالأمل في الحصول على وضعية ودور أهم يحتل مكانة جوهرية. وفي الأوضاع القصوى يكتفي الفاعلون الجذريون بالتموقع في الانتظارية. وتظهر هذه الأخيرة كوعي مغلوط.. والثمن الذي يجب تأديته والعناصر الإيجابية تبقى تلقائيا في الغموض والحيرة، وتظهره بشكل واضح الحجج المرتبطـة بالاستحقاق السياسي، وأيضا المواقف المتبادلة المتبناة من طرف الأحزاب السياسية فيما يتعلق بالمشاركة في الانتخابات، كما أن الموقف المعبر عنه فيما يخص الدستور لم يتم الإدلاء به إلا في النـهاية. إن هذه الانتظارية طبيعة محافظة لدى الفاعلين في المعارضة المغربية حتى بالنسبة للقوى الأكثر راديكالية26.
وقد عرفت الثقافة تحت تأثير برنامج التقويم الهيكلي تغييرات جوهرية. فالمجتمع السياسي في حركيته الوطنية واليسارية تخلى عن أخلاقياته ومعاييره لسنوات الخمسينات والستينات وعن الصهرانية والتي أوحى بـها خلال السبعينات اليسار الجذري الماركسـي اللينيني. لقد تم التخلي عن الانضباط الحزبي، وصرامة الماضي القريب لصالح ممارسة أكثر تسامحا. فشيخوخة النخبة وإرهاق الأطر وتبخر الطوبويات القديمة، كلها معطيات موضوعية تأقلم معها برنامج التقويم الهيكلي… وقد تميزت هذه الوضعية بانتهازية نشيطة، وب “الأنانية” العامة حيث يبحث كل واحد عن امتيازاته ومصالحه الخاصة، وحيث ساد التفكير في الذات مع كل ما يصاحبه من انحراف أخلاقي (الانتهازية، الرشوة، الاختلاس) قد أصبحت تحتل مصاف القاعدة الأخلاقية القصوى. في هذا العمق من التدهور الأخلاقي، أصبحت الخطابات الداعية للعودة إلى القيم القديمة، خصوصا الخطاب الإسلامي يكتسب قوة كبيرة.
فالليبرالية المرتبطة نظريا بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والليبرالية التي تمارس فعلا، تعتبران مرادفا للفوضى والاضطراب والزندقة والفساد في الأخلاق والخيرات، كما سبق أن تمت الإشارة إلى ذلك في كتابات الناصري من قبل. وتنقسم المعارضة كما يبدو إلى مكونين أساسين : فمن جهة هناك القوى الشرعية المعترف بـها والمعتبرة تقليدية، ومن جهة أخرى تلك التي لـها ادعاءات بأنـها خارج النظام.
فإلى أي حد تشكل المنظمات المتحركة باسم المقصيين مجالا للرفض “ولحفاري قبر” النظام؟
لقد كرست سنوات التقويم الهيكلي ميلاد وتطور خطابات وفاعلين يعلنون انتماءهم للإسلام المناضل. غير أن الوقائع والتواريخ المرتبطة بالظهور البطيء لـهذا الاتجاه، وتعدد التيارات التي تغذيه27مهما كانت مهمة سواء من ناحية مضمونـها أو من حيث أثرها، لا يمكن أن تخفي محدوديته.
إن التجربة السياسية في المغرب توحي منذ الاستقلال بأن القوة السياسية لا يمكن أن تنتشر حقيقة إلا إذا اعترفت بـها الدولة، واعترفت بـها القوى السياسية المنبثقة عن الحركة الوطنية، وإذا كانت هذه الشروط هامة فإنـها ضرورية في الحقل السياسي الذي تؤطره هذه الحركة التي يعترف بـها المجتمع.

إن الحركة الإسلامية بالمغرب مازالت لم يتم الاعتراف بـها من طرف الفاعلين السياسيين كما أن الدولة تتسامح معها بالكاد. كما أن ليس لـها عدو محدد : السلطة المركزية التي يقودها أمير المؤمنين؟ أم الأحزاب السياسية المنبثقة عن الحركة الوطنية ؟ أم أعداء آخرون؟
إن التحليل يبين بأنـها مشكلة من شبكات ذات طبيعة ولائية تذكرنا بتلك المتعلقة بالأحزاب التقليدية، وفي غياب زعماء مفكرين من طينة راشد الغنوشي أو حسن الترابي أو مظهر سياسي موحد، لا يبدو أنـها وصلت في مرحلتها الراهنة من التطور صورة حركة، ويبدو أنـها لم تتجاوز حدود التيار.
إن الظاهرة الكبيرة الثانية تتجلى في انبثاق شعبوية ذات مضمون جديد مختلف عن شعبوية الخمسينات والستينات، والتي عبرت عنها القوى الوطنية المحسوبة على اليسار، داخل حزب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي، ومنظمة العمل، ويمكن أن يضاف إليها حزب الطليعة الديموقراطي الاشتراكي، وبعض التيارات الجذرية التي أعطت صبغة اجتماعية عميقة لـهذه الظاهرة.
هذه الشعبوية الجديدة تنبني على عقيدة أسبقية الجماهير. ويبدو أن نقد النخب، ينطلق من خطوة نقدية لما هو موجود بدون الاهتمام بتقديم رؤية بديلة. ويبدو أنـها أيضا ضعيفة لتفككها وتتقاسمها العديد من الاتجاهات داخل مختلف التنظيمات، وتنقصها الوحدة، والانسجام من ناحية القوة الاجتماعية التي أسست التجارب الشعبوية القديمة، كالناصرية وجبهة التحرير الوطني الجزائرية، وحركة البعث، وفي المغرب تلك المتعلقة بالاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية فيما بعد.
إن اللاتسيس، هذا الإقصاء الطوعي، يكتسي مضمونا متغيرا. وقد حصر بقوة في المغرب في عهد التقويم الهيكلين مستندا تارة على الاستهزاء وتارة أخرى على تبني موقف المتفرج على تبادل الضربات بين الفاعلين في الحقل السياسي وتارة أخرى على اللامبالاة وعدم الاهتمام. ويتعلق الأمر بنموذج من الفاعلين أقصوا أنفسهم، لأسباب يمكن أن تكون ثقافية، نفسية، أو سياسية، بشكل مباشر الشيء الذي لا ينفي فشل الدولة، التي لم تنجح في استقطاب هذه الفئة.
وتبدو الدولة ونخبها والنخبة المضادة، في الظرف الراهن، متفقة على ضرورة تبني استراتيجية عدم الإقصاء. كما أن الإدماج لا يعني دائما ضمان مشاركة واسعة ولا حتى الدمقرطة. ويبدو أن الدولة مدفوعة بمنطق المراقبة وبالتنظيم المفرط إلى حد قد تعتبر معه في أقصى الحالات أن الدولة السلطوية تشكل ضررا اقل بالمقارنة مع وضعية توجد فيها جماهير واسعة مجزأة ومنفصلة عن أجهزة الدولة.
وفي هذا المنظور، فالدولة بتطبيقها لبرنامج التقويم الهيكلي والاستراتيجيات الاجتماعية المرتبطة به تبدو كأقل ضرر ممكن بالمقارنة مع دولة تحكمية. وتقوم عناصر قليلة في الوقت الراهن بتدعيم الأطروحة التي بررت لها الدولة المغربية علامات تسلط حديث تحت تأثير سياسة التقويم الهيكلي أو الأطروحة المعاكسة التي تكون بـها الدولة المغربية حسب نفس منطق التقويم الهيكلي في طريق الليبيرالية بل وكذلك على طريق الدمقرطة.
وفي مواجهة الدولة فالأحزاب المنبثقة عن الحركة الوطنية تبرر دائما اختياراتـها المعارضة بضرورة الدفاع المشروع عن المقصيين وغير الراضين، المفترضين أو الواقعيين.
وأما الفاعلون الجذريون فيبررون رفضهم الخروج عن النظام بكون فعلهم يمكن أن يفتح الباب أمام المغامرة. ويذهبون إلى رفض معارضة النظام في أسسه حتى عندما يرفض هذا الأخير القيام بإصلاحات تعتبر أساسية ويقدم هذا الأخير على أنه غير مسؤول.
وفي الوقائع المغربية، حيث يجمع الفاعلون السياسيون على حل أدنى (إجماع أساسي) على قاعدة ثقافة إسلامية، فهل يمكن أن يكون للإقصاء معنى ما ؟

error: المحتوى محمي