الإبداع ومرض الاكتئاب الهوسي – كي ريدفيلد جاميسون

الإبداع ومرض الاكتئاب الهوسي – كي ريدفيلد جاميسون

الإبداع ومرض الاكتئاب الهوسي - كي ريدفيلد جاميسون

د. كاي ريدفيلد جاميسون

مجلة العلوم (فبراير – مارس 1999 / المجلد 15)


أصحيح أن نوعا من الجنون الرهيف يصيب الفنانين الكبار؟

ثمة دراسات حاليا تبين وجود رابطة بين

الإبداع والاضطرابات النفسية (المزاجية).

<R .K. جاميسون>

 

كتب <أدرجار ألان پُو> قائلا: «لقد اعتبرني الناس مجنونا، ولكن لم يُبَتَّ بعد إن كان الجنون هو أرفع درجات الذكاء أم لا، أو إن كان كلّ ما هو رائع وكل ما هو عميق نابعًا من سَقَمٍ في الفكر أو من حالات مزاجية للعقل تعلو على حساب القدرات الفكرية العامة».

لقد رسم ڤان گوخ أزهارا خلال وجوده في مستشفى الأمراض العقلية بسان ريمي.

لقد رسم ڤان گوخ أزهارا خلال وجوده في مستشفى الأمراض العقلية بسان ريمي.

لقد شارك كثير من الناس، ردحا طويلا من الزمن، الكاتب پُو اشتباهه في أن العبقرية والجنون أمران متشابكان. وفي الحقيقة، يورد التاريخ عددا لا يحصى من الأمثلة على «ذلك الجنون الرهيف.» هذا وإن العشرات من كبار شعراء القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وفي مقدمتهم <W. بليك> و <L. بايرون> و <L .A. تينيسون>، كتبوا عن التقلبات المزاجية المتطرفة التي عانوها. كما أن بعض الشعراء الأمريكيين المحدثين، من مثل <J. بيريمان> و <R. جاريل> و<R. لوويل> و <S. پلاث> و <T. روثكي> و <D. شوارتز> و <A. سكستون>، أُدخلوا إلى المصحات نتيجة إصابتهم بالهوس أو الاكتئاب خلال حياتهم. ومن المعروف أن كثيرا من الرسامين والموسيقيين، ومن بينهم <ڤنسنت ڤان گوخ> و <G. أُوكيف> و <C. مينكوس> و <R. شومان> ابتلوا أيضا بهذين المرضين.

وبناء على المعايير التشخيصية الحالية، يبدو أن معظم هؤلاء الفنانين ـ وكثيرا غيرهم ـ عانوا واحدا من اضطرابين مزاجيين رئيسيين هما مرض الاكتئاب الهوسي manicdepressive illness والاكتئاب الشديد majordepression. ومع كون هذين المرضين شائعي الحدوث إلى حد ما وقابلين للمعالجة، فإنهما كثيرا ما يؤديان إلى الموت. ويسبب الاكتئاب الشديد نوبات سوداوية melancholic حادّة؛ في حين أن الاكتئاب الهوسي، وهو داء جيني (وراثي) إلى حد بعيد، ينقل المصابين به مرارا من حالات اكتئابية إلى حالات تتسم بنشاط مفرط وشعور بالانشراح، أو حالات يغلب عليها سرعة الاهتياج. أما في الحالات المعتدلة من الاكتئاب الهوسي، التي يُطلق عليها اسم المزاجية الدورية cyclothymia، فتنتاب المصابَ تقلبات واضحة في المزاج والسلوك والنوم وأنماط التفكير ومستويات الطاقة، من دون أن تؤدي إلى العجز التام. وتتميز الحالات المتقدمة فيها بتناوبات دورية مأساوية.

SCI99b15N2-3_H05_008612

SCI99b15N2-3_H05_008613 SCI99b15N2-3_H05_008614

إن الفنانين والأدباء والمؤلِّفين الموسيقيين الذين تبدو صورهم على هذه الصفحات، غالبا ما كانوا جميعا يعانون مرض الاكتئاب الهوسي أو مرض الاكتئاب الشديد، وذلك بناء على رسائلهم ومذكراتهم اليومية وسجلاتهم الطبية وما كتبه عنهم أصدقاؤهم وأفراد عائلاتهم. وتشير دراسات حديثة إلى أن الأمزجة وأنماط الإدراك المقترنة باضطرابات نفسية يمكنها أن تعزز الطاقة الإبداعية عند بعض الأفراد.

SCI99b15N2-3_H05_008615 SCI99b15N2-3_H05_008616

الدم الملوث لآل تينيسون

كان <ألفرد لورد تينيسون> (في اليمين) يُصابُ بنوبات متكررة من الاكتئاب المزعج وهجمات من الهوس الخفيف. وقد عبّر غالبا عن خوفه من احتمال أن يرث الجنون، أو «تلوث الدم»، الموجود في عائلته. فقد كان أبوه وجده واثنان من أسلاف جدّه وكذلك خمسة من بين إخوته السبعة، مصابين بالجنون أو السوداوية (المالَنْخوليا) أو غضب شديد لا يمكن التحكم فيه، ويسمى اليوم مرض الاكتئاب الهوسي. وقد وُضع أخوه إدوارد في مصحة للأمراض العقلية طوال نحو 60 عاما قبل أن يموت من الإنهاك نتيجة الهوس الذي ابتُلي به. أما ليونيل، وهو أحد ابنيه الاثنين، فقد كان يعاني مزاجا حادا متقلبا، وهذا ما كابده أيضا ثلاثة من أحفاده.

وقد أثبت الطب الحديث أن الاكتئاب الهوسي والإبداع يغشيان بعض العائلات. هذا وإن البحوث التي أُجريت على التوائم توفر دليلا قاطعا على قابلية توريث مرض الاكتئاب الهوسي. فإذا كان واحد من توأمين متماثلين(1) مصابا بمرض الاكتئاب الهوسي، فإن احتمال إصابة التوأم الآخر بالمرض نفسه يقع بين 70% و 100%. أما إذا كان واحدهما من توأمين أخويين،(2) فإن الاحتمال يهبط إلى حد بعيد (إذ يصبح 20% تقريبا). وتبين دراسة لأزواج التوائم المتماثلة ـ التي فُصِلَ فيها أحد التوأمين عن الآخر منذ الولادة، والتي كان واحد على الأقل فيها مصابا بالاكتئاب الهوسي ـ أن المرض كان موجودا في كلا التوأمين في الثلثين على الأقل من المجموعات التي دُرِسَتْ.

 

هل يمكن أن تكون لمثل هذه الأمراض المشتِّتة لطاقة العقل حسنات إبداعية معينة؟ يرى كثير من الناس أن هذا الطرح منافٍ للحدس والمنطق. فمعظم المصابين بالاكتئاب الهوسي لا يتمتعون بقدرات تخيلية غير عادية، كما أن معظم الفنانين المتألِّقين لا يعانون تقلبات في أمزجتهم؛ ومن ثَمَّ فإن القول بأن مثل هذه الأمراض تقوِّي عادة الموهبة الفنية إنما يعزّز خطأ الأفكار الشائعة حول «العبقري المجنون.» والأسوأ من ذلك أن مثل هذا التعميم يقلل انتباهنا لحالة طبية خطيرة جدا؛ كما أنه، إلى حد ما، يسيء إلى سمعة الأفراد الذين يعملون في ميادين الفنون. وإنه لمن الخطأ أن نَسِمَ أي امرئ متألق تألقا غير عادي ويتمتع بطاقات كبيرة وبانفعالات حادة وبتقلب في المزاج أو بغرابة في الأطوار، بأنه شخص مصاب بالاكتئاب الهوسي. ومع ذلك فقد أشارت دراسات حديثة إلى أن عددا كبيرا من الفنانين المبدعين يحققون المعايير التشخيصية للاكتئاب الهوسي أو الاكتئاب الشديد الواردة في الطبعة الرابعة من الكتاب الإحصائي والتشخيصي للأمراض العقلية(3). وفي الواقع، يبدو أن هذين المرضين يمكنهما أحيانا أن يعززا، أو أن يسهما، في الإبداع لدى بعض الناس.

وبسبب الانتشار الواسع لهذين الاضطرابين دون غيرهما، يتضح أن اضطرابات المزاج لا تولِّد العبقرية بالضرورة. وواقع الحال أن 1% من مجموع الناس يعانون خلال حياتهم الاكتئاب الهوسي، الذي يسمى أيضا الاضطراب الثنائي القطب bipolar disorder، في حين يعاني 5% حالة الاكتئاب الشديد، ويسمى الاضطراب الوحيد القطبunipolar disorder. هذا وإن الاكتئاب يصيب من الرجال ضعف ما يصيب من النساء؛ كما أنه في أغلب الأحيان، وليس دائما، يصيب الإنسان في المراحل المتأخرة من حياته. ونشير هنا إلى أن الاضطراب الثنائي القطب يصيب الرجال والنساء بأعداد متساوية، وأن أعراضه تظهر في أكثر من ثلث الحالات قبل سن العشرين. ونشير كذلك إلى أن ما بين 60 و 80 في المئة من جميع المراهقين والبالغين الذين يُقدِمون على الانتحار يُظهر تاريخهم المرضي إصابتهم بالاضطراب الثنائي القطب أو الوحيد القطب. وقبل أن يصبح عقّار الليثيوم واسع الانتشار لأول مرة في أواخر السبعينات، كان يُقْدم على الانتحار شخص واحد من كل خمسة مصابين بالاكتئاب الهوسي.

وتتضح أعراض الاكتئاب الشديد في كل من الاضطرابين الوحيد القطب والثنائي القطب من خلال الخمول والوسن والقنوط واضطرابات النوم والبطء في الحركات الفيزيائية (الجسدية) والتفكير، وكذلك من خلال ضَعْف الذاكرة والتركيز وعدم الإحساس بالمتعة في المناسبات التي تسودها عادةً البهجة والسرور. وتشمل المعايير التشخيصية لهذا المرض أيضا التفكير بالانتحار ولوم الذات والشعور بالذنب. وللتفريق بين الاكتئاب السريري (المرضي) وعدم السعادة التي تحل بالأسوياء من آن لآخر، فإن المؤشرات العامة للاكتئاب تقتضي ديمومة هذه الأعراض طوال فترة تتراوح ما بين أسبوعين وأربعة، كما تشوِّش هذه الأعراض بشكل جوهري الأداء اليومي لممارسات الفرد.

 

تحسين المزاج

خلال نوبات الهوس mania أو الهوس الخفيف mild mania hypomania، يعاني مرضى الاكتئاب الثنائي القطب أعراضا تناقض ـ من نواح عدة ـ الأعراض المصاحبة للاكتئاب. فيتحسَّن مزاجهم ويرتقي احترام الذات لديهم وينامون أقل من المعتاد ويتمتعون بطاقة عالية، كما تزداد إنتاجيتهم، وغالبا ما يصبح المهووسون زَوَرَانيينparanoid وسريعي الاهتياج. وفضلا عن ذلك، غالبا ما يكون كلامهم سريعا واستثاريا واقتحاميًا، أما أفكارهم فتنتقل بسرعة وانسياب من موضوع إلى آخر. كذلك فإنهم يؤمنون عادة إيمانا راسخا بصحة أفكارهم الخاصة وأهميتها. ويمكن أن يسهم شعورهم بالعظمة في إطلاق أحكام هزيلة وفي الاتسام بسلوك متهور.

لقد تم في دراسات عديدة منفصلة إثبات وجود معدلات عالية من حوادث الانتحار والاكتئاب والاكتئاب الهوسي بين الفنانين. وتبين هذه البحوث أن معدل حوادث الانتحار عند الفنانين أعلى 18 مرة من معدلها عند عامة الناس، ومعدل إصابتهم بالاكتئاب أعلى بين 8 و 10 مرات، ومعدل ابتلائهم بمرض الاكتئاب الهوسي وأحد أشكاله الأقل حدة، وهو المزاوجة الدورية (السيكلوثيميا)، أعلى بين 10 و 20 مرة.

ويتميز المصابون بالهوس والهوس الخفيف عموما بعلاقات شخصية ومهنية مشوشة. ولديهم استعداد لتبذير أموالهم، أو قيادة سياراتهم بتهور، أو الانخراط في مشاريع أعمال مشكوك في جدواها أو إقامة علاقات غرامية جنسية عابرة. وفي بعض الحالات يصاب المهووسون بهياج عنيف، وتنتابهم أفكار مضلِّلة وهلوسات بصرية وسمعية.

 

معدلات اضطرابات المزاج

لقد وثَّق العلماء على مدى سنوات عديدة وجود نوع من الارتباط بين الهوس والاكتئاب والإنجازات الخلاّقة. وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين التفت الباحثون إلى التمعُّن في أوصاف عن اضطرابات مزاجية كتبها فنانون كبار بأنفسهم وكذلك أصدقاؤهم وأطباؤهم. ومع أن هذه الكتابات كان يغلب عليها الطابع القصصي، فقد أوحت إيحاء قويا بأن الأدباء والفنانين والمؤلِّفين الموسيقيين المشهورين ـ وأقرباءهم من الدرجة الأولى ـ كانوا أكثر عرضة للمعاناة من الاضطرابات في أمزجتهم وللإقدام على الانتحار من عامة الناس. وخلال السنوات العشرين الأخيرة، أكدت دراسات أكثر منهجية أجريت على جمهرة الفنانين صحة هذه النتائج [انظر الشكل في هذه الصفحة]. ويمكن للتحاليل التشخيصية والنفسية (السيكولوجية) للكتّاب والفنانين الأحياء أن تعطي تقديرات ذات مغزى عن معدلات وأنماط الحالات المرضية النفسية التي يعانونها.

وفي السبعينات أنجزت <C .N. أندريسن> (من جامعة أيوا) أول هذه الدراسات الدقيقة جدا، مستفيدة من أساليب المقابلات المنهجية ومقارنات المجموعات الشاهدة (الضابطة) control groups المضاهئة ومعايير تشخيصية صارمة. لقد فحصت أندريسن 30 أديبا مبدعا، ووجدت أنه ينتاب معظمهم اضطرابات مزاجية بوتيرة عالية، كما وجدت بينهم عددا كبيرا من الكحوليين. وقد عانى 80% منهم نوبة واحدة على الأقل من نوبات الاكتئاب الشديد أو الهوس الخفيف أو الهوس العادي، كما روى 43 في المئة منهم تاريخًا مرضيًا عن هوس عادي أو هوس خفيف. كذلك وجدت هذه الباحثة أن أقرباء هؤلاء الأدباء حققوا عموما أعمالا إبداعية تفوق ما حققه أقرباء أفراد المجموعة الشاهدة، وأنهم غالبا ما كانوا يعانون اضطرابات في أمزجتهم.

إن الأعمال الموسيقية ل< روبرت شومان>، التي أشرنا في الأعلى إلى عددها في كل سنة بين عامي 1829 و 1856، تُظْهر علاقة وثيقة بين حالاته المزاجية وطاقته الإبداعية. فقد ألّف معظم مقطوعاته حين كان يعاني الهوس الخفيف، وأقلها عددا حين كان مكتئبا. لقد كان والدا شومان يعانيان الاكتئاب، كما أقدم اثنان آخران من أقربائه من الدرجة الأولى على الانتحار. وقد حاول شومان نفسه الانتحار مرتين، وقضى نحبه في مصحة للأمراض العقلية. هذا وقد أمضى أحد أبنائه أكثر من 30 عاما في مصحة مماثلة.

وبعد مرور بضعة أعوام على ذلك، وفيما كنت أقضي إجازة دراسية في إنكلترا موفدة من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، بدأت بدراسة شملت 47 أديبا وشاعرا وفنانا تشكيليا بريطانيا لامعا. وبغية اختيار المجموعة الأكثر إبداعًا، تعمدت انتقاء الرسامين والنحاتين من أعضاء الأكاديمية الملكية أو من أعضائها المشاركين. كذلك فإن جميع الكتّاب المسرحيين الذين وقع اختياري عليهم كانوا من الفائزين بجائزة نُقّاد الدراما في نيويورك أو بجائزة إڤينيگ ستاندارد للدراما أو بكلتيهما. هذا وكان نصف الشعراء الذين انتقيتهم ممن وردت أسماؤهم في كتاب أكسفورد للقرن العشرين في الشعر الإنكليزي(4). وقد تبين لي أن 38 في المئة من هؤلاء الأدباء والشعراء والفنانين سبق لهم أن عولجوا من أحد اضطرابات المزاج، وكان لزاما على ثلاثة أرباع الذين عولجوا أن يتناولوا بعض العقاقير أو أن يُدخَلوا إلى مستشفيات، أو أن يفعلوا الأمرين معا. هذا وإن نصف الشعراء ـ الذين كانوا يمثِّلون أعلى النسب في أي من المجموعات التي اخترتها ـ كانوا بحاجة إلى مثل هذه الرعاية الشاملة.

بعد ذلك قام <S .H. أكيسْكال> ـ (من جامعة كاليفورنيا في سان دييگو) والذي يعمل أيضا في جامعة تينيسي بممفيس هو وزوجته <K. أكيسكال> ـ بمقابلة 20 أديبا وشاعرا ورساما ونحاتا أوروبيا، وكانوا كلهم من حملة الجوائز في مجالاتهم. وقد وجدا أن زهاء ثلثي مَنْ تمت مقابلتهم كانوا قد أبدوا حالات من المزاجية الدورية (السيكلوثيميا) أو من الهوس الخفيف المتكرر، كما أن نصفهم كان قد عانى في وقت من الأوقات اكتئابا شديدا. وقد لاحظ هذان الزوجان، ومعهما <H .D. إيڤانز> (من جامعة ممفيس) وجود المشكلات نفسها لدى الأحياء من مؤلِّفي الموسيقى الحزينة الإفريقية الأصل والتي يطلق عليها البلوز blues. ومنذ عهد قريب عكف < .S. مونتگمري> وزوجته <B .D. مونتگمري> (من مستشفى سانت ماري بلندن) على دراسة 50 شاعرا بريطانيا معاصرا، فتبيّن لهما أن ربع هؤلاء يحققون المعايير التشخيصية الحالية للاكتئاب أو الاكتئاب الهوسي، كما أن حوادث الانتحار كانت أكثر تكرارا بينهم بنسبة تفوق ستة أضعاف النسبة الموجودة بين عامة الناس.

وقد قامت <L .R. ريتشاردز> وزملاؤها (من جامعة هارڤارد) بوضع نظام لتقدير درجة التفكير الأصيلoriginal thinking اللازم لأداء أعمال إبداعية معينة. وبدلا من تقصِّي اضطرابات المزاج بين أولئك الذين كانوا يعتبَرون على درجة كبيرة من الإبداع، فإنهم قاموا بمحاولات لترتيب درجات الإبداع في عينة من المرضى بالاكتئاب الهوسي. واستنادا إلى سُلَّم الدرجات هذا، وجدوا مقارنة بالأفراد الذين ليس لهم تاريخ عائلي عن اضطرابات طبية نفسية، أن المصابين بالاكتئاب الهوسي والمزاجية الدورية (وكذلك أقرباءهم الذين لم يبتلوا بهذين المرضين) أبدوا قدرات إبداعية أكبر.

حالة ڤِنسِنت ڤان گوخ

راجع كثير من الأطباء السريريين المشكلات الطبية والنفسية للرسام <ڤنسنت ڤان گوخ> بعد وفاته، وتوصلوا إلى أنه كان يعاني مجموعة من الاضطرابات، ومن ضمنها الصّرع والفصام والتسمم بالديجيتال digitalis وبعشبة الإفْسِنت absinthe والذّهان الاكتئابي الهوسي والپُرْفيريّة porphyria الحادة المتقطعة ومرض مِنْيير Meniere. وقد قمت مع <J .R. وايات> (من المعهد الوطني للصحة العقلية) بتقديم حجج مفصّلة على أن الأعراض التي كانت تظهر على ڤان گوخ والمسار الطبيعي لمرضه وتاريخ أفراد عائلته المتعلق بصحتهم النفسية، تشير كلها بشكل قوي إلى أنه كان مصابا بالاكتئاب الهوسي. ويبقى التعاطي المزعوم لعشبة الإفسنت من قبل الفنان وسلوكه المضطرب أمرين غير واضحين. ومن المحتمل  أن يكون عانى الصّرع ومرض الاكتئاب الهوسي كليهما.

كذلك تُظهر البحوث التي أُجريت حول سيرة الأجيال الماضية من الفنانين والأدباء، معدلات عالية من وقائع الانتحار والاكتئاب أو الاكتئاب الهوسي. وتتجاوز هذه المعدلات 18 ضعف نظائرها من حوادث الانتحار المشاهدة لدى عامة الناس، وما بين 8_10 أضعاف معدل الإصابة بمرض الاكتئاب، وما بين 10 و20 ضعفا من معدل الإصابات بمرض الاكتئاب الهوسي أو بأشكال أخرى لهذا المرض أخف وطأة. وقد توصل <J .J. شيلد كراوت> ومعاونوه (في جامعة هارڤارد) إلى أن قرابة نصف فناني التعبير التجريدي الخمسة عشر الذين عاشوا في القرن العشرين، والذين تناولوهم بالدراسة، كانوا يعانون مرض الاكتئاب الهوسي، كما كان معدل حوادث الانتحار في هذه المجموعة يساوي ما لا يقل عن 13 ضعف معدلها في الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي عام 1992 نشر <M .A. لودڤيگ> (من جامعة كنتاكي) مسحا شاملا لسير 1005 من مشاهير الفنانين والكتاب والمثقفين في القرن العشرين الذين خضع بعضهم للمعالجة من اضطرابات في أمزجتهم. وقد اكتشف لودڤيگ أن هؤلاء الفنانين والأدباء، عانوا الذُّهَان (العُصَاب) psychosis ومحاولات الانتحار واضطرابات المزاج والسَّرَف المادي substance abuse بنسبة تبلغ ضعفي أو ثلاثة أضعاف نظائرهم من الناس الناجحين في مجالات العمل والعلم ونواحي الحياة العامة. وغالبا ما كان الشعراء في هذه العينة مصابين بالهوس أو الذهان، كما أن معظمهم أُدخل المصحات. وقد تبين أيضا أن احتمال إقدامهم على الانتحار يفوق 10 أمثاله عند عامة الناس. وفي أثناء قيامي بدراسة شاملة لسير حياة 36 من كبار شعراء بريطانيا الذين ولدوا بين عامي 1705 و 1805، وجدْتُ معدلات عالية مماثلة من الإصابات بالذهان والأمراض النفسية الحادة. وكان لدى هؤلاء الشعراء استعداد للإصابة بمرض الاكتئاب الهوسي بمعدل يفوق ثلاثين مرة نظيره لدى معاصريهم، كما أن معدل دخولهم إلى المصحّات العقلية كان أعلى 20 مرة، ومعدل محاولات انتحارهم أعلى 5 مرات ممّا هي الحال عند عامة الناس.

وقد أيَّدت هذه الدراسات الموثَّقة حقيقة أن الأفراد المبدعين جدا يكابدون اضطرابات مزاجية رئيسية بمعدلات تفوق كثيرا ما تعانيه مجموعات أخرى من عامة الناس. ولكن ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى أعمالهم؟ وكيف يسهم المرض النفسي في الإنجاز الخلاق؟ أولا، يبدو أن السمات العامة للهوس الخفيف تفضي بقوة إلى التفكير الأصيل. وتتضمن المعايير التشخيصية لهذا الطور من الاضطراب النفسي «تفكيرا حادا وخلاَّقا فوق العادة، وارتفاعا في الإنتاجية.» وتوحي الأدلة المتراكمة بأن الأشكال الاستعرافية (المعرفية) cognitive المصاحبة للهوس الخفيف (المتسمة بالمبالغة والتكلف) يمكن أن تؤدي إلى طلاقة جيّاشة وتواتر عال في الأفكار.

وعند دراسة أحاديث مرضى الهوس المبدعين وجدنا أنهم يميلون إلى السجع واستعمال مترابطات (مترافقات) صوتية أخرى كالجناس الاستهلالي(5)، وذلك بتواتر أعلى بكثير مما هي الحال في أحاديث الناس الأسوياء. كذلك فإنهم يرددون كلمات خاصة بهم بتكرار يقارب ثلاثة أمثال تكرارها عند الناس العاديين. وفي بعض التمرينات النوعية، فإن بمقدورهم تقديم مترادفات أو تشكيل ترابطات أخرى للكلمات بسرعة تفوق كثيرا السرعة التي يمكن اعتبارها عادية. لذا يبدو أن الأفكار يتم بناؤها كمًّا وكيفا أثناء الهوس الخفيف. ويمكن أن تتراوح هذه الزيادة في السرعة بين التعجيل الخفيف جدا وبين عدم الترابط العصابي التام. وليس من الواضح بعد السبب الذي يكمن وراء هذا التبدُّل الكيفي في المعالجة العقلية، إلا أن هذه الحالة الاستعرافية (المعرفية) المتبدِّلة يمكن أن تُسهِّل تكوين أفكار وترابطات فريدة.

إن المصابين بالاكتئاب الهوسي وأولئك المتألقين في ميادين الإبداع الفني والأدبي، يشتركون في سمات غير استعرافية معينة: كالقدرة على العمل بصورة جيدة مع قلة ساعات النوم، والتمتع بالتركيز الضروري للعمل الذي يتطلب وضعيات نفسية متأهبة ومواقف جريئة لا يَقِرُّ لها قرار، كما يتطلب قدرة على مكابدة مجموعة متنوعة من الانفعالات الجياشة التي تتسم بالعمق. هذا وإن المظاهر اليومية للاكتئاب الهوسي الأقل حدة قد تتمخّض عن مزايا إبداعية عند بعض الأفراد. فالمزاج الاكتئابي الهوسي هو، بالمعنى البيولوجي، منظومة حساسة يقظة ترتكس بشكل قوي وسريع. ويستجيب هذا المزاج للعالَم من حوله بتشكيلة واسعة من التغيرات الانفعالية والإدراكية والفكرية والسلوكية والطاقوية. إن الاكتئاب، بمعنى من المعاني، هو نظرة إلى العالَم عبر زجاج داكن اللون، كما أن الهوس هو ما يشاهد من خلال مِشْكال(6) ـ وغالبا ما يكون زاهيا ولكنه متكسر.

وإذ يسود الاكتئابَ ارتيابٌ وتأملٌ وترددٌ، فإن الهوس يغشاه حزم ويقين. وإن التنقلات المستمرة بين الأفكار الضيقة المحدودة والرحبة الشاملة، وبين الاستجابات اللطيفة والعنيفة، وبين الأمزجة المتجهِّمة والمبهجة، وبين المواقف العقلية العاطفية المنفتحة والانسحابية، وبين المواقف الفاترة والنارية، وبين السرعة والسلاسة التي يحدث بها الانتقال عبر هذه الخبرات والممارسات المتناقضة ـ قد تكون مؤلمة ومشوِّشة. ومع ذلك فإن مثل هذه الفوضى لدى أولئك الذين يقدرون على تجاوزها أو تشكيلها طوع إرادتهم، يمكن أن تولِّد عندهم تآلفا مع هذه التحوّلات قد يكون مفيدا في الممارسات الإبداعية. وتتقبَّل هذه المَزِيَّةُ بسهولة التباسات الطبيعة وقواها المتضادة.

إن التغيرات الشديدة في المزاج تضخِّم النزوع الطبيعي للنفس لامتلاك ذوات متعارضة. فالأمزجة المتقلِّبة من حال إلى حال، والتغيرات الاستعرافية المميزة لمرحلة الاكتئاب الهوسي، يمكن أن تولِّف بين أمزجة وملاحظات ومدركات حسية متعارضة ظاهريا. وفي النهاية، فإن هذه التقلبات والتآلفات قد تعكس الحقيقة الكامنة في الطبيعة البشرية على نحو أدقّ مما تعكسه وجهة النظر الثابتة. وهكذا فإن الموقف الثابت من الحياة ـ كما يقول <J .J. ماك كان>، المتخصص بدراسة أشعار بايرون والأستاذ في جامعة ڤرجينيا ـ قد لا يكون موقفًا يتسم بنفاذ البصيرة بقدر ما يتمثل بالقدرة على معايشة التغير الدائم وتصويره.

إن النتائج الأخلاقية والاجتماعية للربط بين الإبداع واضطرابات المزاج ذات أهمية بالغة، إلا أنها لم تُفهم فهمًا عميقًا. هذا ولا تُولي بعض استراتيجيات المعالجة اهتماما كافيا للفوائد التي يمنحها مرض الاكتئاب الهوسي لبعض الأفراد. وما من شك في أن معظم المصابين بالاكتئاب الهوسي يتمنون الشفاء من هذا المرض. وفي هذا الصدد فإن الليثيوم والعقاقير المضادة للاختلاجات anticonvulsant علاجات ناجعة جدا للمصابين بالهوس والاكتئاب. بيد أن هذه العقاقير يمكن أن تضعف الطاقات الفكرية العامة في الإنسان وتحدّ من مدى انفعالاته وإدراكه. ولهذا السبب فإن كثيرا من مرضى الاكتئاب الهوسي يقلع عن تناول هذه العقاقير.

ولكن تَرْكَ مرضى الاكتئاب الهوسي من دون معالجة، غالبا ما يجعل حالتهم تزداد سوءا مع الزمن ـ وما من أحد يمكن أن يكون مبدعا إذا ابتُلي باكتئاب أو ذهان شديد أو همود مُقْعِد. وتنزع هجمات كل من الهوس والاكتئاب إلى التزايد عددا وشدة. ومن دون إخضاع المريض لمعالجة منتظمة، فإن المرض يغدو أقل استجابة للمداواة. وزيادة على ذلك فإن مرضى الاضطراب الثنائي القطب والأحادي القطب كثيرا ما يدمنون على تناول مواد تغير المزاج، كالكحول والعقاقير المحظورة (المخدرات)، مما قد يعرضهم إلى أعباء طبية وانفعالية ثانوية ينوء بحملها مرضى الاكتئاب والاكتئاب الهوسي.

 

هدف المعالجة

إن المهمة الحقيقية للمعالجة الناجعة والرحيمة المتخيَّلة تكمن إذًا في تقديم خيارات للمرضى أفضل من تلك المتاحة لهم حاليا. ويتعين على المداخلة الطبية المفيدة أن تتحكم في الحالات الحادَّة من الاكتئاب والذهان من دون التضحية بالانفعالات والخبرات النفسية البشرية الجوهرية. وإذا مُنِحَ أطباء الأمراض النفسية الوقت الكافي وإمكانات البحث الذي ما فتئ يتطور على الدوام، فمن المحتمل جدا أن يتوصلوا إلى إدراك أفضل للأساس البيولوجي المعقَّد لاضطرابات المزاج. وفي نهاية المطاف، فإن ابتكار عقاقير جديدة سيمكّن من معالجة المصابين بالاكتئاب الهوسي، بحيث تبقى تلك النواحي المزاجية والاستعرافية اللازمة للعملية الإبداعية سليمة لا تُمس بسوء.

ولا بد أن ابتكار علاجات أكثر فعالية وأقل إشكالا أمر سيتحقق في المستقبل القريب حالما يعثر العلماء على الجينة أو الجينات المسؤولة عن المرض. وعند ذلك يغدو إجراء فحوصات قبل الولادة واختبارات تشخيصية أخرى أمرا ممكنا؛ ويطرح هذا الإمكان مجموعة من القضايا الأخلاقية المعقدة. وإنه لنوع من التهرب من المسؤولية أن نضفي طابعا من الرومانسية على هذا المرض المؤلم المدمر الذي غالبا ما يكون قاتلا. ومن ثم فإن ما بين 3 و 5 في المئة من الميزانية الإجمالية المرصودة لمشروع الجينوم (المجين) البشري Human Genome Project (التي تقدر بنحو ثلاثة بلايين دولار) خُصِّصت لدراسة المضامين الاجتماعية والأخلاقية والقانونية للبحوث الجينية. ويؤمل أن تتمخض هذه البحوث عن تقصي القضايا المقلقة التي تحيط بالاكتئاب الهوسي والاكتئاب الشديد بتفصيل تام. إن مساعدة أولئك المصابين بمرض الاكتئاب الهوسي أو أولئك المعرّضين للإصابة به، لا بد من أن تحظى بأولوية رئيسية بين قضايا الصحة العامة.

 

 


 المؤلفة

Kay R. Jamison

أستاذة الطب النفسي في كلية الطب بجامعة جونز هوپكنز. ألَّفت كتاب Touched with Fire: Manic-Depressive Illness and the Artistic Temperament، كما شاركت في تأليف الكتاب الطبي مرض الاكتئاب الهوسي. وهي أحد أعضاء المجلس الاستشاري الوطني لمشروع الجينوم (المجين) الوطني، كما أنها مديرة البحوث السريرية لائتلاف Dana Consortium الذي يُعنى بدراسة الأساس الجيني (الوراثي) لمرض الاكتئاب الهوسي. إضافة إلى أنها كتبت وأنتجت سلسلة من الحلقات التلفزيونية حول مرض الاكتئاب الهوسي وعلاقته بالفنون.


مراجع للاستزادة 

TENNYSON: THE UNQUIET HEART. R. B. Martin. Oxford University Press, 1980.

CREATIVITY AND MENTAL ILLNESS: PREVALENCE RATES IN WRITERS AND THEIR FIRST-DEGREE RELATIVES. Nancy C. Andreasen in American Journal o f Psychiatry, Vol. 144, No. 10, pages 1288-1292; October 1987.

MANIC DEPRESSIVE ILLNESS. Frederick K. Goodwin and Kay R. Jamison. Oxford University Press, 1990.

CREATIVE ACHIEVEMENT AND PSYCHOPATHOLOGY: COMPARISON AMONG PROFESSIONS. Arnold M. Ludwig in American Journal of Psychiatry, Vol. 46, No. 3, pages 330-356; July 1992.

TOUCHED WITH FIRE: MANIC-DEPRESSIVE ILLNESS AND THE ARTISTIC TEMPERAMENT. Kay R. Jamison. Free Press/Macmillan, 1993.


(*) Manic-Depressive Illness and Creativity

(1) identical twins (متطابقين): من بيضة واحدة.

(2) fraternal (غير متماثلين): كل توأم من بيضة.

(3) (Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (DSM-IV.

(4) Oxford Book of Twentieth Century English Verse.

(5) alliteration، أي تكرير حرف أو أكثر في مستهل كلمتين متعاقبتين.

(6) kaleidoscope، الذي يحوي قطعا متحركة من الزجاج الملون، ما إن تغير أوضاعها حتى نجدَ مجموعة لانهاية لها من الأشكال الهندسية المختلفة الألوان.

error: المحتوى محمي