الأصول المدهشة لتعقّد الحياة – تأليف: كارل زيمر

الأصول المدهشة لتعقّد الحياة – تأليف: كارل زيمر

كارل زيمر (Carl Zimmer)، كاتب عمود في صحيفة النيويورك تايمز، كما ألف عدة كتب، منها كتاب «التطور: فهم معنى الحياة،»

مجلة العلوم (2014 يناير)


لم يكن <تشارلز دارون> قد بلغ الثلاثين من عمره عندما توصل إلى الفكرة الأساسية لنظرية التطور(2). ولكنه لم يعرض خلاصتها في العالم إلا بعد بلوغه الخمسين من عمره؛ إذ أمضى هذين العقدين يجمع بطريقة منهجية، الدليل الذي يدعم نظريته، ويرد على كل حجة معاكسة ومشككة يمكن أن تخطر له على بال. وكانت الحجة المعاكسة التي توقـعها أكثر من غيرها أنه لا يمكن للعملية التطورية التدريجية التي تصورها أن تنتج بنى معقدة معينة.

لنتأمل العين البشرية. إنها تتكون من عدة أجزاء – الشبكية والعدسة والعضلات والهلام وغيرها – وجميعها تتآثر لكي تتم الرؤية. إن تخريب أي جزء من هذه الأجزاء – انفصال الشبكية، على سبيل المثال – يؤدي إلى فقدان البصر. وفي الحقيقة، لا تقوم العين بوظيفتها إلا إذا كانت أجزاؤها جميعها بالحجم والشكل المناسبين لتعمل معا. فإذا كان <دارون> مصيبا، فتطور العين المعقدة كان قد أتى من بادئات بسيطة simpleprecursors. ففي كتابه «أصل الأنواع»(3)، ذكر <دارون>: «بصراحة، إنني أعترف أن هذه الفكرة تبدو أنها غير معقولة إلى أقصى درجة ممكنة.»

ومع ذلك، أمكن ل<دارون> رؤية مسار التطور نحو التعقد. ففي كل جيل من الأجيال، تنوعت الأفراد في صفاتها. فبعض هذا التنوع زاد من قدرتها على البقاء ومكَّنها من الحصول على ذرية أكثر. ومع تعاقب الأجيال تصبح تلك التنوعات المفيدة أكثر شيوعا – وبكلمة أخرى «مصطفاة»(4). ومع ظهور تنوعات جديدة وانتشارها، يصبح ممكنا لها إعادة تشكيل البنية التشريحية، منتجة بنى معقدة.

فقد حاول <دارون> أن يبرهن على أن العين البشرية قد تطورت انطلاقا من رقعة نسيج قادرة على التقاط الضوء من النوع نفسه الموجود في بعض الحيوانات الحالية مثل الديدان المسطحة(5) flatworms. ومن الممكن أن الاصطفاء (الانتقاء) الطبيعي natural selection حوَّل هذه الرقعة إلى شكل فنجان يمكنه تحري اتجاه الضوء. وستعمل، بعد ذلك، بعض الصفات الإضافية مع الفنجان على تحسين حاسة البصر، ما يجعل المتعضي organism أفضل تأقلما مع محيطه، ولذلك يجري تمرير هذا السلف الوسيط للعين إلى الأجيال التالية. وخطوة خطوة، يمكن للاصطفاء الطبيعي أن يقود هذا التحول إلى مزيد من التعقد لأن كل شكل وسيط سيزود المتعضي بميزة تجعله أفضل من الشكل الذي سبقه.

لقد لاقت تكهنات <دارون> في أصل التعقد دعما من علم البيولوجيا الحديث. إذ يمكن، اليوم، لعلماء البيولوجيا سبر العين وأعضاء أخرى بالتفصيل على المستوى الجزيئي، حيث يجدون بروتينات غاية في التعقد تتعاون فيما بينها لتشكل بنى structures تشبه إلى حد كبير البوابات، والسيور belts المتحركة والمحركات. ويمكن لهذه النظم المعقدة من البروتينات أن تتطور انطلاقا من نظم systems أبسط من خلال تفضيل الاصطفاء الطبيعي لنظم وسيطة على طول الطريق نحو الشكل الأكثر تعقدا.

ولكن بعض العلماء والفلاسفة اقترحوا أن التعقد يمكن أن ينشأ عن مسارات أخرى. ويجادل بعضهم في أن لدى الحياة نزعة متأصلة لتغدو أكثر تعقدا بمرور الزمن. كما يعتقد البعض الآخر أن التعقد يحصل كأثر جانبي لنشوء طفرات عشوائية حتى من دون مساعدة الاصطفاء الطبيعي. والتعقد، كما يقولون، ليس مجرد نتيجة لملايين السنين من التعديلات الدقيقة من خلال الاصطفاء الطبيعي، وهو تـــلك العمـليـــة التي أطلـــق عليهـــا <R. دوكينز> الاسم الشهير «صانعة الساعات العمياء،(6)» وإلى حد ما، هذا ما يحدث بالضبط.

مجموع أجزاء متنوعة(**)

لعقود ما انفك علماء البيولوجيا والفلاسفة عن التفكير في تطور التعقد، ولكنهم، وفــقـــا لاختـصــاصي الأحافير(7) <D .W. مكشي> [من جامعة ديوك]، كانوا مقيدين بتعاريف ضبابية. ويقول <مكشي>: «لم يقتصر الأمر على عدم معرفتهم بمدى التعقد، فهم لم يكونوا يعرفون كيف يحددونه عدديا.»

إن أفراد ذباب الفاكهة التي جرت تنشئتها في المختبر هي أكثر تعقدا من تلك البرية، ذلك لأن بيئتها المحمية تسمح لطفرات مؤذية بالانتشار. ويقارن هذا التصور الفني (الذي وضعه أحد الفنانين) بين البنية التشريحية النموذجية لذبابة فاكهة برية (في اليسار) وبين طفرات تمثيلية تظهر لدى أفراد ذبابة الفاكهة المختبرية (في اليمين).

منذ سنوات، شغلت هذه المسألة تفكير <مكشي> وهو يعمل بشكل وثيق مع <R .N. براندن> [من جامعة ديوك أيضا]. ويقترح <مكشي> و <براندن> ألا ننظر فقط إلى العدد الضخم من الأجزاء التي تشكل المتعضيات وإنما إلى الأنماط التي تضمها هذه الأجزاء. فأجسامنا تتألف من 10 تريليونات خلية. ولو تألفت هذه الخلايا جميعها من نمط واحد، فإننا سنكون مجرد أكوام من البروتوپلازما protoplasm العديمة الصفات. ولكننا نمتلك خلايا عضلية muscle cells، وخلايا دم حمراء وخلايا جلد، وهكذا. حتى إن العضو الواحد يمكن أن يحوي أنماطا خلوية مختلفة. فعلى سبيل المثال، تحوي الشبكية نحو 60 نوعا مختلفا من النورونات (العصبونات) neurons، ولكل منها وظيفة مميزة. وبهذا المقياس، يمكننا القول إننا نحن البشر، أكثر تعقدا بالفعل، من حيوان الإسفنج الذي لا يمتلك على الأغلب أكثر من ستة أنماط من الخلايا.

إحدى ميزات هذا التعريف أنه بإمكانك قياس التعقد بطرق عدة. فعلى سبيل المثال، يتألف هيكلنا العظمي من أنماط عظمية مختلفة ولكل منها شكلها المميز. حتى إن العمود الفقري يتألف من أنماط مختلفة من الأجزاء، ابتداء من الفقرات الموجودة في الرقبة والتي تُبقي رأسنا مرفوعا وصولا إلى تلك التي تدعم القفص الصدري.

لخص <مكشي> و <براندن> في كتابهما الصادر عام 2010 بعنوان: «قانون البيولوجيا الأول»(8)الطريقة التي يمكن أن ينشأ عنها التعقد المعرّف بهذه الطريقة. وهما يقدمان حجة مفادها أنه لا بد لحزمة الأجزاء التي تكون في البداية متشابهة نوعا ما من أن تتمايز عن بعضها مع مرور الزمن. فعندما تتكاثر المتعضيات، قد تحدث طفرة على واحد أو أكثر من جيناتها genes. وفي بعض الأحيان تؤدي هذه الطفرات إلى نشوء أنماط أكثر من الأجزاء. وبمجرد أن تصبح لدى المتعضي أجزاء أكثر تتهيأ لاغتنام الفرصة لهذه الوحدات لتغدو مختلفة. وبعد أن تعرض الجين صدفة للنسخ، يمكن للنسخة الجديدة أن تلتقط طفرات لا يحويها الجين الأصلي. وهكذا، فإذا بدأنا بمجموعة من الأجزاء المتماثلة، فإنها سوف تصير مختلفة عن بعضها بعضا بشكل متزايد، وذلك حسب <مكشي> و<براندن>. وبتعبير آخر، ستزيد درجة تعقد بنية المتعضي.

وقد يساعد التعقدُ الناشئ، المتعضيَ على البقاء بشكل أفضل أو في الحصول على ذرية أكبر. وإذا ما تم ذلك، سيلاقي التعقد تفضيلا من قبل الاصطفاء الطبيعي وسينتشر ضمن جماعة المتعضي. فالثدييات، على سبيل المثال، تقوم بوظيفة الشم بربط الجزيئات المحددة للرائحة بمستقبلات تقع على النهايات العصبية الموجودة داخل أنوفها. وهذه الجينات المستقبلة تضاعفت مرات عديدة على مدى ملايين السنين. وتحصل طفرات على النسخ الجديدة من هذه الجينات، ما يسمح للثدييات بشم مجال أوسع من الروائح. ويوجد في الحيوانات التي تعتمد بشكل كبير على أنوفها، مثل الفئران والكلاب، أكثر من ألف من هذه الجينات المستقبلة. ومن جهة أخرى، قد يكون التعقد عبئا على المتعضي. فقد تُغير الطفرات شكل فقرات الرقبة، على سبيل المثال، ما يجعل دوران الرأس صعبا. والاصطفاء الطبيعي سيمنع انتشار هذه الطفرات ضمن جماعات المتعضي. وهذا يعني أن المتعضيات التي تولد حاملة لهذه الصفات ستكون عرضة للموت قبل أن تتكاثر، وهكذا سيجري إزالة الصفات المؤذية من التداول مع زوال هذه المتعضيات. وفي هذه الحالات يعمل الاصطفاء الطبيعي ضد التعقد.

وعلى العكس من نظرية التطور النموذجية، يرى <مكشي> و <براندن> أن التعقد يزداد حتى في غياب الاصطفاء الطبيعي. وهما يعتبران هذا النص قانونا أساسيا في البيولوجيا، وقد يكون قانونها الوحيد. وقد أطلقا عليه اسم قانون القوة-صفر التطوري(9).

اختبار ذبابة الفاكهة(***)

حديثا، قام <مكشي> مع <L. فليمنگ> [وهو طالب دراسات عليـــا في جـــامعـــة ديـــوك] بـــاختبـــار قـــانـــون القوة-صفر التطوري. وقد كانت مادة الاختبار ذباب الفاكهة drosophila flies. إذ قام العلماء خلال فترة تجاوزت القرن بتربية سلالات من هذه الذبابة لاستخدامها في التجارب. وقد عاش هذا الذباب حياة محمية في منزله المختبري، حيث زود بالغذاء الكافي والجو المستقر الدافئ. في حين عاش الذباب البري حياة صعبة يأكل ما يسد رمقه فقط ويقاوم ما يمكن أن يفترسه، كما يقاوم البرودة والحرارة. فالاصطفاء الطبيعي قوي بين أفراد الذباب البري، حيث يتخلص من الطفرات التي تجعل الذباب غير قادر على تحمل التحديات الكثيرة. وفي المقابل، يكون الاصطفاء الطبيعي ضعيفا في بيئة المختبرات المحمية.

ويتوقع قانون القوة-صفر التطوري بوضوح أنه خلال القرن الماضي كان الذباب المختبري أقل عرضة لإزالة الطفرات المؤذية، ويُفترض بالتالي أنه صار أكثر تعقدا من الذباب البري.

لقد فحص <فليمنگ> و <مكشي> الأدبيات العلمية لـ916 خطا من خطوط تربية الذباب المختبري. ونفّذا العديد من القياسات المختلفة لتحديد درجة التعقد في كل جماعة من جماعات الذباب هذه. وأعلنا مؤخرا في دراسة نشرت في مجلة النشوء والتطور(10) أن أفراد الذباب المختبري كانت بالفعل أكثر تعقدا من تلك البرية. فقد كان لبعض الحشرات أرجل غير منتظمة، واكتسب بعضها الآخر نمطا لونيا معقدا على أجنحته، كما اتخذت شدف الاستشعار لديها أشكالا مختلفة. وكما يتنبأ قانون القوة-صفر التطوري فإنه لدى تحررها من الاصطفاء الطبيعي، استمتعت reveled أفراد الذباب في التعقد.

ومع أن بعض العلماء أقر بقانون القوة-صفر التطوري، يعتقد <D. إروين> [وهو اختصاصي أحافير رئيس في متحف سميثسونيان الوطني للتاريخ الطبيعي] أن هذا القانون ينطوي على عيوب خطيرة. وهو يجادل بقوله: «هذا القانون فاشل في إحدى فرضياته الأساسية». فوفقا للقانون، يمكن للتعقد أن يزداد في غياب الاصطفاء الطبيعي. ولكن هذا القول يصح فيما إذا أمكن للمتعضيات أن توجد بالفعل بعيدا عن تأثير الاصطفاء. ولكن <إروين> يؤكد أنه في العالم الحقيقي، حتى ولو كانت المتعضيات تحت رعاية أكثر العلماء دقة، لا مناص من أن يكون للاصطفاء الطبيعي تأثير فيها. فمن أجل أن يتطور حيوان مثل الذبابة، لا بد من تآثر مئات الجينات في تركيبة متقنة، محولة خلية مفردة إلى عدة خلايا، ما يؤدي إلى نشوء أعضاء مختلفة، وهكذا. وقد تخل طفرات بهذه التركيبة، الأمر الذي يمنع أفراد الذباب من أن تصبح حشرات كاملة قابلة للاستمرار في الحياة.

ويمكن للمتعضي أن يبقى على قيد الحياة من دون اصطفاء خارجي – أي إن البيئة لا تحدد من الرابح ومن الخاسر في سباق التطور – ولكنه يبقى عرضة للاصطفاء الداخلي، الذي يحدث داخل المتعضيات. ويعتقد <إروين> أن <مكشي> و<فليمنگ> لا يقدمان دليلا دامغا على قانون القوة-صفر التطوري في دراستهما الحديثة، «وذلك لأنهما أخذا في الاعتبار الأشكال المتنوعة للأفراد الكاملة فقط,» ولم يبحثا في المتطفراتmutants التي ماتت نتيجة عدم انتظام تطوري قبل أن تصل إلى مرحلة البلوغ، وذلك على الرغم من حصولها على الرعاية اللازمة من قبل العلماء.

بعض الحشرات كان له أرجل مشوهة (غير طبيعية)، وبعضه الآخر اكتسب تشكيلة معقدة من الألوان على أجنحتها. كما صار لشدف segments استشعارها أشكال مختلفة. فعند تحرره من الاصطفاء الطبيعي انغمس ذباب الفاكهة في التعقد.

وثمة اعتراض آخر أثاره <إروين> ومنتقدون آخرون، وهو أن صفة التعقد التي يتبناها <مكشي> و <براندن> لا تتفق مع الكيفية التي يعرف بها معظم الناس هذا المصطلح. ففي النهاية، لا تختزل العين إلى كونها مجرد مؤلفة من العديد من الأجزاء المختلفة. فهذه الأجزاء تنفذ مع بعضها بعضا وظيفة، ولكل واحد منها مهمة محددة يقوم بها. ولكن <مكشي> و <براندن> يردان على هذا الاعتراض أن نوع التعقد الذي يختبرانه قد يقود إلى تعقد من أنواع أخرى. «فنوع التعقد الذي نشاهده عند جماعة أفراد ذبابة الفاكهة drosophila هو الأساس لمادة مثيرة حقا، حيث يمكن للاصطفاء أن يتلقفها» من أجل بناء بنى أكثر تعقدا تعمل على المساعدة في القدرة على البقاء، حسب قول <مكشي>.

تعقد جزيئي(****)

إن <مكشي>، بصفته عالم بيولوجيا الأحافير، معتاد على التفكير في نوع التعقد الذي يراه في الأحافير – كالعظام المتجمعة في هيكل عظمي. ولكن عددا من علماء البيولوجيا الجزيئية بدأ أخيرا بالتفكير، كل على حدة، في كيفية ظهور التعقد. وهم يبذلون في هذا المجال جهودا جيدة مثل <مكشي>.

وفي التسعينات من القرن الماضي بدأت مجموعة من البيولوجيين الكنديين بالتفكير في حقيقة مفادها أن الطفرات غالبا لا تترك أي تأثير في المتعضيات. فهذه الطفرات، في لغة البيولوجيا التطورية محايدة. وقد اقترح العلماء، ومن ضمنهم <گري> [من جامعة دالهوسي Dalhousie في هاليفاكس] أنه يمكن للطفرات أن تعطي بنى معقدة من دون مرورها عبر سلسلة من المتوسطات التي يجري اختيار كل منها من أجل مساعدة المتعضي على التأقلم مع بيئته. وقد أطلقوا على هذه العملية اسم «تطور محايد بنّاء(11)

إن ما شجع <گري> هو بعض الدراسات الحديثة التي تقدم دليلا دامغا على عملية التطور الحيادي البنّاء. وأحد الرواد في هذا المجال من البحوث هو <J. ثورنتون> [من جامعة أوريگون]. حيث وجد مع مساعديه ما يبدو أنه مثال على هذه العملية في خلايا الفطور. ففي الفطور، مثل فطر بورتوبيللو(12) يجب على الخلايا أن تنقل ذرات من مكان إلى آخر لتحافظ على حياتها. وإحدى الطرق التي تتبعها للقيام بذلك هي استخدام مضخات جزيئية تدعى معقدات الآتيباز الفجوية(13). وهي حلقة من البروتينات تدور حول نفسها فتنقل الذرات من أحد جوانب الغشاء الخلوي في الفطر إلى جانب آخر. ومن الواضح أن هذه الحلقة بنية معقدة, وهي تضم ستة جزيئات بروتينية: أربعة منها مكونة من بروتين يعرف باسم Vma3، والبروتين الخامس هو Vma11، والسادس هو بروتين Vma16. وهذه الأنماط البروتينية الثلاثة ضرورية من أجل حركة الحلقة الدورانية حول نفسها.

ولمعرفة الكيفية التي تطورت فيها هذه البنية المعقدة، قارن <ثورنتون> وزملاؤه البروتينات المكونة لها بنسخ شبيهة موجودة في متعضيات أخرى مثل الحيوانات. فالفطور تشترك مع الحيوانات بسلف أعلى مشترك عاش منذ نحو بليون عام.

عين الإنسان عضو تطور تعقده بالطريقة التقليدية – تدريجيا مع تفضيل الاصطفاء الطبيعي لأشكال وسطية على طول الطريق. ولكن دراسات أجريت على ذباب الفاكهة وغيره من المتعضيات تشير إلى أن التعقد قد يظهر بوسائل أخرى.

ففي الحيوانات توجد معقدات الآتيباز الفجوية المحتوية على حلقات دوّارة spinning rings حول نفسها مكونة من ستة بروتينات أيضا. ولكن هذه الحلقات تختلف عن مثيلاتها عند الفطور اختلافا رئيسيا؛ فبدلا من احتوائها على ثلاثة أنماط بروتينية في حلقاتها، فإنها تحوي اثنين فقط. وتتألف كل حلقة عند الحيوانات من خمس نسخ من البروتين Vma3 ونسخة واحدة من البروتين Vma 16. ولا يوجد فيها البروتين Vma11. فحسب تعريف <مكشي> و<براندن> للتعقد، فإن الفطور أكثر تعقدا من الحيوانات – على الأقل بأخذ معقدات الآتيباز الفجوية بالاعتبار.

وقد درس العلماء الجينات التي تكود encoding بروتينات الحلقة دراسة عميقة. فتبين أن البروتينVma11 (البروتين الفريد في حلقة الفطور) له صلة قربى وثيقة بالبروتين Vma3 الموجود في كل من الحيوانات والفطور. ومنه ينتج أن الجينات المكودة للبروتينين Vma3 و Vma11 تشترك بسلف أعلى واحد. واستنتج <ثورنتون> وزملاؤه أنه في مرحلة مبكرة من تطور الفطور ظهرت بالصدفة نسخة أخرى للجين السلف الذي يكود لبروتينات الحلقة. وقد تطورت هاتــان النسختان فيما بعد لتعطيا الجـــين المكــود للبروتينين Vma3 وVma11.

وبمقارنة الاختلافات بين الجينين المكودين للبروتينين Vma3 و Vma11، أعاد <ثورنتون> وزملاؤه تشكيل الجين السلف الذي نشأ عنه البروتينان المذكوران. ومن ثم استخدموا تسلسل الدنا DNA لذلك الجين السلف في تخليق البروتين المطابق – أي إنهم في الحقيقة أعادوا إلى الحياة بروتينا عمره 800 مليون عام. وقد أطلق العلماء على هذا البروتين اسم Anc.3-11 – وهو اختصار لكلمة سلف ancestor للبروتينين Vma3 وVma11. وتساءل العلماء عن الكيفية التي ستؤدي فيها حلقة البروتينات وظيفتها في حال احتوت على هذا البروتين السلف. ومن أجل الإجابة عن هذا التساؤل قاموا بإدخال الجين الذي يكود البروتين Anc.3-11 ضمن دنا الخميرة. كذلك قاموا بإيقاف عمل الجينين السليلين Vma3 و Vma11. وفي الحالة الطبيعية، سيكون إيقاف الجينين المكودين للبروتينين Vma3 و Vma11 قاتلا، لأن خلايا الخميرة لن تكون قادرة على صنع حلقاتها الدوارة. ولكن <ثورنتون> ومساعدوه وجدوا بدلا من ذلك أن الخميرة بقيت على قيد الحياة بوجود الجين السلف Anc.3-11. فهذه الميزة جمعت بين البروتين Anc.3-11 والبروتين Vma16 لتصنع حلقات دوارة تقوم بوظيفتها على الوجه الأكمل.

وتجارب كهذه التجربة مكنت العلماء من صياغة فرضية توضح الكيفية التي صارت من خلالها الحلقات الفطرية أكثر تعقدا. فالفطريات بدأت بحلقات دوارة مؤلفة من بروتينين فقط – وهما البروتينان الموجودان لدى حيوانات مثل البشر. وكان هذان البروتينان طليقين، قادرين على الارتباط أحدهما بالآخر أو بشركائهما، ويتصلان بالبروتينات إما من جانبهما الأيمن أو الأيسر. وفيما بعد ظَهرت للجين الذي يكود البروتين Anc.3-11، نسختان إحداهما تكود للبروتين Vma 3 والأخرى تكود للبروتين Vma 11. واستمر هذان البروتينان الجديدان بالقيام بالدور الذي كانت تقوم به البروتينات القديمة: فهي تترابط لتشكل حلقات دوارة تقوم بدور مضخات. ولكن على مدى ملايين من أجيال الفطور، بدأت هذه البروتينات تتطفر. وبعض هذه الطفرات سلبت هذه البروتينات بعضا من طلاقتها. فعلى سبيل المثال، فقد البروتين Vma11 قدرته على الارتباط بالبروتين Vma3من جانبه الموافق لاتجاه عقارب الساعة. كما فَقَدَ البروتين Vma3 قدرته على الارتباط بالبروتين Vma16 من جانبه الموافق لاتجاه عقارب الساعة. ولم تقض هذه الطفرات على الخميرة، لأن البروتينات كانت لا تزال قادرة على الارتباط ببعضها مشكلة حلقة. وبمعنى آخر، كانت هذه الطفرات محايدة. ولكن تعين الآن على هذه الحلقة أن تكون أكثر تعقدا، لأنه لم يعد ممكنا لها أن تتكون بشكل ناجح إلا بوجود البروتينات الثلاثة وفقط إذا رتبت هذه البروتينات نفسها في نموذج واحد.

وقد أماط <ثورنتون> وزملاؤه اللثام بدقة عن طبيعة السلسلة التطــوريـــة التي كــانــت متــوقعـــة بالاســـتناد إلى قـــانـــون القوة-صفر التطوري. فبمرور الزمن، أنتجت الحياة أجزاء أكثر، أي بروتينات حلقية أكثر. ومن ثم بدأت تلك الأجزاء الزائدة بالابتعاد عن بعضها. فانتهت الفطور إلى بنية أكثر تعقدا من تلك التي امتلكتها أسلافها. ولكن ذلك لم يحدث بالطريقة التي تخيلها <دارون>، عن طريق تفضيل الاصطفاء الطبيعي لسلسلة من الأشكال الوسيطة. فبدلا من ذلك، وصلت الحلقات في الفطور إلى التعقد من خلال التحلل إلى شكل أبسط.

إصلاح الأخطاء(*****)

لقد وجد <گري> مثالا آخر للتطور المحايد البنّاء في الطريقة التي تعدل فيها عدة أنواع جيناتها. فعندما تحتاج الخلايا إلى صنع بروتين محدد، تقوم بنسخ الدنا DNA المكون للجين المكود له إلى رنا RNA، وهو النسخة الوحيدة الجديلة المتممة للدنا، ثم تستخدم بعد ذلك إنزيمات خاصة للاستعاضة عن أحجار بناء رنوية محددة (تدعى النيوكليوتيدات) بأخرى. وعملية تعديل الرنا ضرورية للعديد من الأنواع، بما فيها نحن بني البشر، فجزيئات الرنا غير المعدلة بهذه الطريقة تنتج بروتينات غير فاعلة. ولكن هناك أيضا شيئا غريبا تماما يحيط بهذه العملية. فلماذا لا نمتلك جينات أصلية ذات تسلسل صحيح، بحيث يكون تعديل الرنا أمرا غير ضروري؟

إن المشهد (السيناريو) الذي يقترحه <گري> لتطور عملية تعديل الرنا(14) يأتي على الشكل التالي: تحصل طفرة على إنزيم بحيث يصبح بإمكانه أن يعلق على الرنا ويقوم بتغيير نيوكليوتيدات محددة. ولا يؤذي هذا الإنزيم الطافر الخلية، كما أنه لا يفيدها في شيء – على الأقل في البداية. ولكونه لا يسبب أي أذى، فهو يدوم. وفيما بعد تحدث طفرة مؤذية على جين ما. ولحسن الحظ، يتوفر لدى الخلية الإنزيم المرتبط بالرنا، والذي يمكنه أن يعدل هذه الطفرة عن طريق تحرير الرنا. إنه يحمي الخلية من أذى الطفرة، ما يسمح بانتقالها إلى الجيل التالي وانتشارها ضمن الجماعة. ويجادل <گري> في أن الاصطفاء الطبيعي لم يقد إلى عملية تطور الإنزيم المعدل للرنا والطفرة التي قام بإصلاحها. والتفسير البديل هو أن هذه الطبقة الإضافية من التعقد تطورت من ذاتها – بشكل محايد. وبعد أن صارت واسعة الانتشار، لم يكن هناك أي طريقة للتخلص منها.

ويعتقد <D. سبايگر> [وهو اختصاصي كيمياء حيوية في جامعة أمستردام] أن <گري> وزملاءه قدموا خدمة للبيولوجيا بفكرتهم عن التطور المحايد البنّاء، خصوصا من خلال تحديهم للفكرة القائلة إن التعقد يجب أن يكون متكيفا adaptive. ولكن <سبايگر> يشعر بالقلق من كونهم يبالغون كثيرا في بعض الحالات. فهو يعتقد من جهة، أن المضخات في الفطور مثال جيد عن التطور المحايد البنّاء حيث يقول: «إن كل من يفكر بشكل سليم سيوافق كليا على ذلك،» ولكن في حالات أخرى، مثل حالة تحرير الرنا، يجب على العلماء، من وجهة نظره، ألا يغفلوا إمكانية أن يقوم الاصطفاء الطبيعي بدوره، حتى وإن بدا لهم أن التعقد الحاصل عديم الفائدة.

يقر كل من <گري> و <مكشي> و<براندن> بالدور المهم للاصطفاء الطبيعي في ظهور التعقد الذي يحيط بنا، بدءا من الكيمياء الحيوية التي تصنع ريشة طائر وصولا إلى عمليات التمثيل الضوئيphotosynthetic داخل أوراق الأشجار. ومع ذلك، يحدوهم الأمل بأن أبحاثهم ستستميل بيولوجيين آخرين إلى التفكير أبعد من الاصطفاء الطبيعي وليروا أنه يمكن للطفرات العشوائية أن تدعم بمفردها تطورا للتعقد. ويقول <گري>: «إننا لا ننكر إطلاقا كون التكيف جزءا من هذه العملية، فنحن نعتقد فقط أن التكيف لا يوضح كل شيء.»

 

 


مراجع للاستزادة:

Biology’s First Law: The Tendency for Diversity and Complexity to Increase in Evolutionary Systems. Daniel W. McShea and Robert N. Brandon. University of Chicago Press, 2010.
How a Neutral Evolutionary Ratchet Can Build Cellular Complexity. Julius Lukeš et al.
in IUBMB Life, Vol. 63, No. 7, pages 528-537; July 2011.
This article and more information about Quanta Magazine are available at
www.simonsfoundation.org/quanta


(*)THE SURPRISING ORIGINS OF LIFE’S COMPLEXITYالأصول المدهشة لتعقد بنى الكائنات الحية :أو ؛

(**)A SUM OF VARIED PARTS

(***)THE FRUIT-FLY TEST

(****)MOLECULAR COMPLEXITY

(*****)FIXING MISTAKES


(1) constructive neutral evolution
(2) the theory of evolution
(3) On the Origin of Species

(4) selected ؛ أو منتقاة

(5) أو: الديدان المسطحة
(6) the blind watchmaker

(7) أو: المستحاثات

(8) Biology’s First Law
(9) the zero-force evolutionary law

(10) Evolution & Development

(11) constructive neutral evolution

(12) portobello: هو الفطر الشائع القابل للأكل Agaricusbisporous بعد أن ينضج تماما، ويسمى في هذه الحالة crimini، ويمتلك عندها قلنسوة مسطحة قد يصل قطرها إلى 12 سم، ولها نكهة قوية.

(13) vacuolar ATPase complexes

(14) RNA editing

(15) Evolution: Making Sense of Life

 

error: المحتوى محمي