الأصول الثقافية لليمين الأوروبي – نايف الهنداس

الأصول الثقافية لليمين الأوروبي – نايف الهنداس

الأصول الثقافية لليمين الأوروبي

 نايف الهنداس


ربما اعتاد البعض منا على سماع أخبار صعود اليمين العالمي، وقراءة المقالات والتحليلات بخصوص هذا الصعود. ويبدو هذا الصعود خاصة في أوروبا وهو أوضح أنواع الصعود، الذي يأتي في أعقاب الأزمة العالمية في عام 2008 كتأكيد على حجم المأزق السياسي الذي يعيشه النظام الرأسمالي العالمي. نعم يبدو صعود اليمين عبارة عن خبر معتاد في عامنا الحالي والمنصرم، لكن يجب أن نذكر أنفسنا بماذا يعني هذا الصعود وماهي حقائقه. يكفي أن نعلم مثلا أنه في عام 2015 وبرغم خسارة حزب الحرية اليميني المتطرف النمساوي لسباق الرئاسة إلا أنه يمثل نسبة الأغلبية من البرلمان، وأنه لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية لم تصل أحزاب الوسط واليسار الرئيسية النمساوية للانتخابات الرئاسية النهائية وخسرت ذلك لمصلحة اليمين. أيضا تحول الدنمارك من وجهة للمهاجرين إلى دولة حكومة تعتمد على شعبية حزب الدنماركي اليميني المتطرف الذي ساعدها فيما بعد لأن تكون صاحبة أكثر قوانين الهجرة تعسفاً. أيضا حصول الجبهة الوطنية الفرنسية الشهيرة بتطرفها على 6.8 مليون صوت في الانتخابات الإقليمية وهو رقم تاريخي لم يسبق لها الحصول عليه. في فنلندا دخل الحزب الوطني الفنلندي اليميني الحاد في أطروحاته في التشكيل الحكومي لأول مرة. وفي المجر التي يسيطر عليها اليمين بالكامل سيّر الحزب اليميني الثالث في الشعبية بين أحزاب اليمين وهو حزب التطوير المجري مظاهرات لطلائع وشبيبة حزبه بشكل منظم ليشكلوا “الحرس المجري الوطني” في تشكيلات تشبه تشكيلات الطلائع إبان الفاشية الإيطالية. يمكننا الحديث أيضاً عن خارج أوروبا، عن صعود اليمين في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أمريكا الجنوبية. وما صعود دونالد ترامب إلا حدثاً مشابها لما يحدث في أوروبا وأيضا هو كذلك اليمين الأمريكي الجنوبي.

حجج متقاربة جداً يصوغها اليمين في كل مكان ليبرر مطالبه: مخاوف الطبقة الوسطى، التخوف من العمالة الأجنبية الرخيصة، الإسلاموفوبيا، الشوفينية، وما يسميه المختص بالحركات الشعبوية الهولندي “كاس مد” بشوفينية الرفاه Welfare Chauvinism)) والتي يقصد به أنه يجب على الدولة توفير وضمان رفاهية أفراد المجتمع ممن ينتمون لها إثنياً دون الأجانب.

تًعتبر الجمل الفضفاضة والكلمات متسعة المعاني هذه من أهم أساسيات الخطاب الشعبوي اليميني. بصفتها جملا تخديرية ولا تتطلب رؤية واقعية وخطة مفصلة على عكس الكلام التقني الذي قد يكون الإدلاء به دوما موضوعا إشكالياً. فالكلام في حملات الانتخاب اليمينية عن “أوروبا” بشكل عام وعن “القيم الأوروبية” وعن “الحضارة الأوروبية” وعن “مسيحية أوروبا” وخطر غير المسحيين عليها لهُو خطابٌ فضفاض يحمل ألف معنى، وتواريخ وسياقات عدة لا نهاية لها. في الولايات المتحدة الأمريكية يستخدم دونالد ترامب جملة “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً” كشعار حملته الانتخابي رغم أنه لو سئل عن العصر الذي يعنيه بعصر عظمة أمريكا ربما لن يجيب. فالولايات المتحدة أًسست على معارك وإبادة ضد السكان الأصليين وليس في ذلك من العظمة شيء، واكتمل تأسيسها بحرب أهلية قارب ضحاياها المليون ضحية وليس في ذلك من العظمة شيء. ثم بعد ذلك عانت صراعا طويلا في حرب باردة مع السوفييت عانت فيه اقتصاديا وسياسيا وخاضت بسببه حروبا منيت بها بأشد الهزائم، فأي وقت للعظمة يعني؟ إن قائمة تفنيد وتفكيك هذه الجملة التي تشبه الحديث عن الميتافيزيقا بحاجتها لحجج في المنطق والفلسفة تطول كثيراً.

 إن تفكيك مثل هذا الخطاب يجعلنا قادرين على فهم إشكالات معرفية عدة في مجال التحليل السياسي والتأريخ الأوروبي وفهم المقاربات الثقافية التي صاغت الحركات الوطنية والقومية الأوروبية والتي انبثق منها هذا اليمين وتمظهر في أعلى مراحله في النصف الأول من القرن العشرين في الحركات النازية والفاشية.

عن نشأة الاسطورة في المخيال الأوروبي المشترك

تقرأ كثيراً في خطابات الرؤساء والمسؤولين الأوروبيين حديثاً ذو طابع وطني عن أوروبا. بمعنى أنهم يتعاملون مع أوروبا والحضارة الأوروبية كوطنٍ كبير يتقاسمه الأوروبيون على شكل دول متفرقة متجانسة أو شبه متجانسة ثقافيا وتاريخيا. وهذا يطرح تساؤلا من نوع: عن أي حضارة أوروبية يتحدثون؟ ماهي حضارة قارة بأكملها؟ وأود التوضيح هنا بأن هذا التساؤل لا يوجد فقط لدى الحركات الشعبوية السياسية بل أيضا لدى نخبة من المثقفين والمؤرخين الأوروبيين المعاصرين وغير المعاصرين، وسأتطرق إلى خطاب بعضهم لاحقا في هذه المقالة. إن اختزال الحضارة الأوروبية والتاريخ الأوروبي يُفرغ هذا التاريخ من صراعاته التاريخية وتناقضاته لغرض رفع هذا التاريخ عن مستوى الشبهات التاريخية والأخلاقية. فلا يعود مُحمّلا بفظائع التاريخ وجرائمه ولا حتى اختلاف هذا التاريخ من شعب لشعب ومن مكان لمكان. إن دراسة التاريخ الأوروبي قبل أن يكون هو تاريخ نشأة اللفظ والكيان الأوروبي هو أيضا مرتبط بمفهوم ونشأة الغرب، وهذا مبحث طويل ومتشعب.

 إن صعود الحضارات بشكل عام له طرق مختلفة فالحضارة ممكن أن تظهر نتيجة تحول عفوي لمجتمع بدائي، أو أن يتحول مجتمع بدائي إلى حضارة تحت تأثير حضارة أخرى بشكل أشبه بالتبعية التاريخية. من الأمثلة على الحضارات التابعة هذه هناك الحضارة الروسية المشرقية التي كانت تتبع الحضارة المسيحية الأرثوذوكسية الشرقية للإمبراطورية الرومانية. ثم بعد ذلك تحولت إلى حضارة تابعة للحضارة الغربية فيما بعد، لتبتعد عنها مرة أخرى مع ظهور الاتحاد السوفييتي بصفته معادياً لمفهوم وما يقوم عليه الغرب. فمن أين بدأ الغرب ومن أين بدأت أوروبا؟ بالتأكيد هذه البداية هي مرتبطة بظهور المسيحية. ولكن أي مسيحية؟ فتفسخ الوحدة الدينية قبل وبعد الثورات الإنجليزية والألمانية المعادية للكاثوليكية الرومانية قد دمر هذه الوحدة. حتى أن قشة التي يتعلق بها بعض المؤرخين فيما يتعلق بنشأة أوروبا وهي أن أوروبا ظهرت –على الأقل كوعي مشترك-لتخلف الإمبراطورية البيزنطية المنهارة في القرن الخامس عشر. وهذا الوعي تشكّل على شكل وجوب تلاحم أوروبي للدفاع عن أوروبا ضد خطر الأتراك، لكن حتى هذا تاريخيا لم يحدث بل تعاون بعض الأوروبيين مع العثمانيين بحسب أستاذة التاريخ الفرنسي ميشيل دوشيه. لكن لعل أكثر المؤرخين إجماعا أن الوعي المعاصر لمفهوم الغربي قد تبلور في عصور الفلسفة الحديثة خاصة مع عصر الرومنسية الألمانية، بالذات مع التاريخية الهيجلية ومع أفكار فيبر حول البروتستانتية ووضع حد للتمزقات الدينية بسبب مجهودات الملكيات البريطانية والفرنسية.

لقد كان انتشار فلسفة التاريخ مع هيجل وآرائه حول العقلانية الأوروبية أو ما يسميه بالشيخوخة الناضجة المتمثلة في الحضارة الجرمانية (البروتستانتية)، ممهدا لفيبر الطريق بعد ذلك من ليكمل الإعلاء من شأن البروتستانتية لقيادة تضخيم هذا الوعي الأوروبي المشترك. تاريخوية هيجل هذه التي أسست لفكرة شروق وغروب الحركة التاريخية مهدت لحركات كثير اعتبرت أوروبا مركزًا ثقافيا وكونياً مثل نظريات ارنست رينان حول العرق والآرية التي مهدت للنازية. حيث كان رينان مفتونا بهيجل وغوته، لكن لا هذا لا يعني تعميم هذه النظريات عن الوعي المشترك على أعلام ألمانيا الثقافية. فنيتشه وتوماس مان وأوسفالد شبينغلر مثلا كانوا يعترضون على هذه الأفكار بشكل مختلف لكل منهم يطول التفصيل بشأنه.

الباب الآخر الذي دخلت منه مفاهيم الحضارة الأوروبية هو مدخل الحداثة، بصفتها ليست فقط منتجاً أوروبيا بل خاصية جوهرانية بالأوروبيين وثقافتهم الغربية لأسباب عدة سآتي على ذكرها لاحقا. الحداثة هنا تأتي بمعناها الواسع الذي يشمل على سبيل المثال الثورات الصناعية التي حولت هذه الأفكار الحداثية إلى واقع اقتصادي مُعاش، حتى تضخمت فيما بعد في قالبها الليبرالي الاقتصادي جنباً إلى جنب مع نظرية العرق الثقافية صانعةً النازية والفاشية.

 

في القيم والتاريخ الأوروبيين

عندما يتم الحديث عن قيم أوروبية عادة يُقصد بها قيم حقوق الإنسان، والتسامح الثقافي، والفكر النهضوي المعرفي، وقيم الحداثة والعقلنة بشكل عام. ولكن ما صحة هذه القيم المدعاة؟ ومن أين تأتي؟

فعندما نتحدث عن التاريخ العلمي لأوروبا سنجد الكثير من الأسطرة حوله والكليشيهات والتعميمات غير الدقيقة تاريخيا. فعلى سبيل المثال: لم يؤثر عصر النهضة الأوروبية في بادئ الأمر إلا في مدن إيطالية معينة، ولم يكن شعاعاً عابراً في أرجاء أوروبا كما يُصور دائما. وإن أردنا الحديث عن التسامح فلا أظن ان حروباً دينية استمرت مئة عام تدع مجالاً كبيراً للنقاش بهذا الشأن. بيد أن التفكك الحاصل لأوروبا بعد هذه الحروب أدى لنمو ثقافات متعددة متنافرة تسببت فيما بعد بحروب عالمية راح ضحيتها ملايين البشر. قبل ذلك قام الموالون للملكيات الأوروبية بشن حرب شعواء ضد منظري الكونية الذين يعتبرون هم مؤسسي ثقافة التسامح الأوروبية المتأثرين بالفلسفة الشكوكية أمثال دي مونتين وبودان وبمسائل الاكتشاف الجغرافي، بصفتهم طوباويين مثاليين، لتكون الحروب الثقافية بعد ذلك هي المعرك الأهم في أوروبا حتى مجئ الحرب العالمية الأولى. هذه الحروب الحادثة في القرن التاسع عشر والعشرين نتيجة المطامع الإمبريالية لم تأتي إلا لتخلف الفراغ الذي خلفته الصراعات القومية الأوروبية والتي بدورها ما أتت إلا لتخلف النزاع الكنسي في أوروبا.

إن هذه النظرات التاريخوية لأوروبا والتي أعطت فلاسفة الحداثة نظرة خطية للتاريخ الأوروبي، لطالما أحرجت هؤلاء عندما تأتي الرياح بما لا تشتهي ميولهم الأوروبية. فكانت الفاشية والنازية مثلا في القرن العشرين محل إشكال تأويلي كبير عند هؤلاء، لكونها ببساطة حجر عثرة أمام التطور التاريخي للفكرة الأوروبية. فالفاشية والنازية لا يمكن فهمهما إذا اعتبرنا أنهما مجرد عودة للوراء بالتاريخ بدلا من السير قدماً. ويجدر بنا الإحالة إلى لنقد يورغن هابرماس لفالتر بنيامين بخصوص هذا الشأن. فهابرماس المنافح بشدة عن الحداثة يعترض على آراء بنيامين في كتابه “القول الفلسفي للحداثة” القائلة ببربرية الفاشية ظناً منه أن بنيامين يقصد عودة إلى الخلف وأن هذه البربرية هي بربرية ما قبل تاريخية. بيد أن بنيامين يقصد ان هذه البربرية ماهي إلا صنيعة أوروبية حديثة وهذا ما يحرج المدافعين عن الحداثة. بل أن بنيامين يرى بأن الثورة على سبيل المثال ماهي إلا قفرة خارج خط الهيمنة الرأسمالية المستمرة.

وهذا ما يجدر بنا رؤيته في قراءة التاريخ الأوروبي، أنه تاريخٌ متعدد البدايات وليس بخطيّ. وأنه تاريخ ممتد من الهيمنات المتعاقبة أي كانت، سابقة على الرأسمالية أم متوازية معها.

 

دور التأريخ والدراسات الثقافية في تنمية المخيال اليميني

ليس ترفاً أن نناقش الجوانب الثقافية لصعود اليمين الأوروبي. فهو صعود وإن كان ينبع ميكانيكيا بسبب الأزمات المتوالية للرأسمالية الأوروبية وبالتالي السياسة الأوروبية، إلا أنه محمّل بمسلّمات ثقافية عدة وحجج تاريخية مزيفة وإرث ثقيل من التمييز العنصري ضد الآخر. هذا الآخر الغير أوروبي غير المنتمي للحضارة الغربي حتى يومنا هذا ما يزال يوصف بالتخلف عن قيم عالمية معينة يحملها الغربي فقط، وأن سبب هذا التخلف عند كثير من المثقفين الغربيين هو سبب يعود للأصول الثقافية التي يجئ منه الآخر. فقد يكون السبب هو الإسلام أو اليهودية، أو سبب يعود للأصول العرقية لكون هؤلاء عرب أو سود أم شرق آسيويون أو يهود. صنع الآخر في الفكر الأوروبي هو قديم قِدم الاستكشافات الأوروبية وانفتاحها على باقي العالم، مرورا بالاستعمار والرؤية الدينية للآخر غير المسيحي. تربط ميشيل دوشيه هذه الصناعة للآخر بالعقلانية الأوروبية المرتبطة ارتباطا وثيقا بالهيجلية فتقول مثلا في كتابها “التاريخي الخطاب والتاريخ الإثنولوجي”: “ذلك أن التاريخ في المنظور الهيجلي هو القابلية إلى الاكتمال، والمجتمعات التي لم تدخل التاريخ تعاني من نقص مطلق في هذا الخصوص، لا يقوى أي شيء على سدّه. فالإقصاء إذن واضح جليّ، وهو يتمثل في أن رفض اللاتاريخ يحدد الغيرية، وليس مجموعة من الاختلافات القابلة للزوال عن طريق التحضر.”

من هذا الطرح يتأثر جورج قرم مناقشاً في الأصول الفكرية خلف هذا المنظور الهيجلي وتاريخية هيجل بشكل عام. فهو يربط بينه وبين التشدد البروتستانتي الهادف لإرساء قواعد المطلق، ويقارن بين مقاصده في إبراز قصدية التاريخ بالرموز والقصديات الدينية مثل: إحقاق الملكوت وعود المسيح والخلاصية.

لو أخذنا على سبيل المثال المفكر والمؤرخ الفرنسي إرنست رينان الذي ينطلق من هذه الصناعة للآخر وإنما بشكل متناقض فهو يربط التقدم الأوروبي بالعرق الأوروبي ويتحدث عن أوروبا الفنون والآداب بشكل أعم في ذات الوقت. ويصف المشرقيين من ساميين وغيرهم بأنهم مختلفين اختلافا يتعذر تجاوزه فيقول في خطاب له عام 1862: “لم يعرف الشرق أبداً، وبخاصة الشرق السامي حيزاً وسطاً بين الفوضى الشاملة التي اتصف بها البدو الرحّل من العرب، والطغيان الدموي والعبثي الجائر. ولقد كان قدامى اليهود والعرب في بعض الأحيان أكثر الناس حرية، شريطة أن يكون لهم في المستقبل قائد يضرب الأعناق على هواه”.

 ثم ينطلق إلى فكرة أخرى شكلت فيما بعد نواة صلبة لهواة صراع الحضارات من أتباع فيقول: “في هذا الوقت يتمثل الشرط الأساسي الضامن لانتشار الحضارة الأوروبية، في تدمير الشيء السامي تدميرا كاملا، وفي تهديم الثيوقراطية التي تقوم عليها العقيدة الإسلامية”. ثم يكمل رينان أفكاره في اتجاه خطر هو ربط أوروبا بالمسيحية، وهو بذلك ينقل التاريخ الفكري المسيحي لأوروبا فقط. بل يتجاهل التاريخ المسيحي المشرقي والبيزنطي الممتد من قرون طويلة فيقول: “قد أصبحت المسيحية، وقد امتصتها الحضارة الإغريقية واللاتينية شآناً غربيا. المسيحية كما تفهمها غالية الناس، هي في الواقع صنعتنا.” وهذا الربط سيؤدي أيضا فيما بعد في التأريخ الحديث لأوروبا إلى ربط معقد بالدمقرطة والحداثة الأوروبية بالدين بصفته المكون والموجد للأرضيات الفلسفية والأخلاقية للقيم الأوروبية الحديثة.

هذا الطرح الميال للمسيحية لدى العديد من المؤرخين المعاصرين، يظهر بالتحديد أكثر ما يظهر في بلد رينان، فرنسا. خاصة لدى مؤرخين من شاكلة مارسيل غوشيه، فيليبو نيمو، سيلفان غوغنهايم، لويس دومون وألفونس دوبرون وغيرهم. الذين بالغوا في التأويلي المسيحي للتاريخي والفلسفة، وفي إعطاء المسيحية دوراً أكبر في صناعة الحداثة والديموقراطية وحقوق الإنسان والعلم، لدرجة إنكار بعضهم أي إرث فكري لدين سماوي آخر في مجالات العلوم والفلسفة.

فمثلا في كتابه الشهير “إزالة أوهام العالم” يشير مارسيل غوشيه إلى أن المسيحية هي التربة الخصبة التي أزهرت الإنسانوية العلمانية، من خلال تحطيمها للتوجهات الفكرية المتعالية وبالتي تتيح المجال لنوع من الاستقلال الدنيوي الذي نجده الآن في قلب الديموقراطيات الغربية.

ويبدو أن هذه النظرية -التي لم يبتدعها غوشيه وإنما هو أكثر من ربطها بفلسفة الدين على عكسه غيره الذي اكتفى بالبحث التاريخي-استفزت بعض النقاد مثل الأنثروبولوجي الشهير طلال أسد وأستاذة الدراسات الفرنسية ناتالي دويل. فينتقد أسد نظرية غوشيه معتبرة أنها تحتكر هذه القدرة على إنتاج العقلنة في مقابل الهمجية عند الديانات الأخرى ويضرب بذلك مثالا بالإسلام. أيضا يعتبر أن هذه السردية هي سردية تبقي هذا المتعالي باقيا في دنيانا وواقعنا الحالي. فهذا الخطاب الخاص بالمسيحية الغربية إنما هو تبدو سردية حداثية ولكنها مُقلدة للسردية المسيحية المتعلقة بالمسيح وبالإحيائية، الذي يتجسد بشكل إلهي ثم يموت ثم يبعث على يمين الأب. أما دويل في كتاب مميز لها بعنوان “مجالات وأقسام التاريخ الأوروبي” تعتبر أن غوشيه محدود بنظرته للتجربة الفرنسية دن غيرها، وبرؤيته الحداثة كتحطيم de-hierarchization للتراتبية الهرمية للمسيحية في المجتمعات الغربية. إن هذه النظرة إلى البروتستانتية بصفتها قادرة على “تبديد أوهام العالم” بتعبير غوشيه هي نظرة اختزالية للتاريخ، تفترض مسيراً دينياً تطهيرياً للتاريخ نحو أخروية للعالم يمثّل الغرب محطة أساسية للوصول لهذا الآخر.

ما سبق يتعلق بغوشيه وعلاقة المسيحية بالعقلانية والحداثة الأوروبية، وتبعه في ذلك فرانسيس فوكوياما الذي يعتقد أن مسائل الديموقراطية والمساواة السياسية وحقوق الإنسان مرتبط بعالمية هذا الإنسان في التراث المسيحي، رغم أن الكنيسة مثلالم تدن استرقاق البشر حتى اواخر القرن ال 18. هناك أيضا فليبي نيمو الذي يقول بدوره أن التراث الإغريقي كان دافعا للثورة البابوية التي نشرت عقلانية الفكر المسيحي. وغيره الكثير ممن يعتبرون العلمنة في حد ذاتها ليس فقط نتاجا للمسيحية وإنما طورا بعد مسيحي حداثي مثل أستاذ الفلسفة سانتياغو زابالا.

أما بما يتعلق بالفردانية الأوروبية التي هي خاصة من خصائص “الحضارة الأوروبية” والتي انفجرت بعد الثورة البروتستانتية المحطمة للمفاهيم الكنسية الجامعة. فلويس دومون مثلا ينسبها للمسيحية بطريقة ما قائلا: “ثمة شيء من الفردانية الحديثة لدى أوائل المسيحيين وفي العالم الذي يحيط بهم”.

وفيما يتعلق بإنكار دور الديانات الأخرى فالأمثلة كثيرة، لكن سنأخذ غوغنهايم مثالا والذي يؤكد على أن أوروبا لم تكن مدينة لأحد بشيء وبالذات الإسلام وفلسفاته الرشدية خاصة بحجة أن فلسفة ابن رشد لم تلق أي اهمية في الاسلام ذاته فأنّى لها الأهمية في غيره. ويفسر ذلك قائلا: “ذلك أن المجتمعات الإسلامية لم تعرف في أعقابها التطور نفسه الذي برز في العقلانية والعلوم، ولا العبقرية التغييرية، وهما الميزتان اللتان اتصفت المجتمعات الغربية بهما.”

نستطيع الإتيان بأمثلة عديدة من مثقفين معاصرين يكتبون التاريخ أو يفسرونه فلسفيا من عين المركزية الأوروبية. حيث هم يكتبونه لا بصفتهم مؤرخين ففط بل أوروبيين مُأطرين بثقافاتهم المحلية وسرديتهم الخاصة للتاريخ. كتب جورج قرم في كتابه عن التاريخ الأوروبي وصناعة الغرب: “لا بد من إخضاع كل هذا الأدبيات الرفيعة الطراز والواسعة الانتشار من هيجل إلى مارسيل غوشيه، مرورا بماكس فيبر للمساءلة. لا سيما وأنها تبتغي إقناعنا بالعقلانية العليا التي يمتاز به الإنسان الغربي homo occidentalis مُرجعة منابتها إلى المسيحية، وخاصة بمذهبها البروتستانتي.”

أود القول بأنه لا تواطؤ بين الفلسفة الغربية وصعود اليمين، على الأقل ليس دائما، فلا يجدر بنا نسيان أن علاقة الفلسفة بصعود النازية والفاشية مبحث طويل. وأن التأويل الرابط بين الفلسفة والحضارات القديمة هو الآخر مبحث متشعب وطويل ومتباين. فالربط عند الآنف ذكرهم بين فلسفة الحداثة مثلا والمسيحية، يختلف عن غيرهم ممن يربطونها بالحضارة اليونانية مثل هايدغر وأرنت أو حتى كارل شميت وهو من أهم فلاسفة اللاهوت السياسي. أو حتى من الماركسيين وما بعد ماركسيين مثل الإيطالي جورجيو أغامبين الذي يقارب دائما الفلسفة السياسية الخاصة به مع الحضارة الرومانية.

فالقول بانشغال الفلاسفة بالتأويل المسيحي للحداثة مثالا هو بحد ذاته ربما فكرٌ يحمل من المركزية الأوروبية الشيء الكثير. وأعتقد بأن تركيز النقد بهذا الاتجاه هو وقوع في فخ المُنتقَد بفتح القاف، وهذا ما يقع فيه ربما بعض الما بعد الكولونياليين الذين يسهبون في تركيز نقدهم للحداثة بحكمها منتج مسيحي. بينما كما رأينا أن هذا التأويل المُعيد لأصول الحداثة للمسيحية لم يأتي إلا في سياق حداثي عام. وهذا يشبه فكرة زابالا الذي لا يفهم هذا الطور الحديث من المسيحية إلا أنه اشتقاق من مفهوم الحداثي.

الأنثروبولوجيا الفيبرية: أسطرة البروتستانتية وصناعة الرأسمالية

على عكس فكرة المركزية الأوروبية في الماركسية، التي لو سلّمنا جدلاً بصحة وجودها إلا أن الماركسية وإن أكبرت في الرأسمالية إيصالها لأوروبا لمرحلة من العقلانية والتطور إلا أنها احتقرت وحشدت ضد هذه الرأسمالية الصناعية والبرجوازية المُنتجة لها، ورأت بعين المحلل مدى تناقض هذا النظام. بينما تقوم الفيبرية بالنقيض، فهي تدعم الدولة الليبرالية الرأسمالية ومؤسساتها وبيروقراطيتها، بصفتها معبراً عن مرحلة عليا من العقلانية في استلهام واضح من هيجل. ليس هذا فحسب بل رأى فيبر بأن الرأسمالية ماهي إلا وسيلة لعقلنة الحياة الاجتماعية وزيادة لإنتاجية البيروقراطية.

وهذه التحية الفيبرية للرأسمالية تُفهم في سياق ارتباط الثورة الصناعية –المبجلة لدى فيبر-بمبادئ التقشف والصرامة والعمل في البروتستانتية، وبالتالي فإن صناعة الرأسمالية جزء خاص بتميز أوروبا والغرب. هذه البروتستانتية التي أحيت هذه الثورة الصناعية عن طريق البرجوازية والفردانية من خلال مفاهيمها الخاصة، بالضرورة تستوجب سلب الآخر من هذه المفاهيم. فماكس فيبر يرى بشمولية المجتمعات الشرقية -على نقيض الغربية-ويضرب مثالا بذلك الهند. وأوجه النقد لهذه النظرية كثيرة أهمها هي أن فيبر ذاته رغم أنه كتب الكثير الأديان المختلفة ومنها الآسيوية إلا أنه لم يعايشها إلا عن طريق الكتب المترجمة لا يُعرف مدى صحة وحسن ترجماتها.

نستطيع إثبات عدم احتكار أوروبا لحركات التصنيع بسهولة وإظهار مدى أهمية دور الهجرة في الثورات الاقتصادية الأوروبية، ونستطيع أيضا تدمير فكرة المركزية الأوروبية في صعود الرأسمالية فإخراج رأس المال من أوروبا بدأ منذ المراحل الأولى لنقد الماركسية السوفييتية مثل آراء جان باشلير في أواخر الستينات وتستمر الآراء بهذا الخصوص حتى اليوم. لكن ما يحيل إليه جورج قرم يبدو ذو أهمية أكبر فهو يهتم بالتلاعب الخطابي من أجل أسطرة هذه الأفكار المتعلقة بأوروبا ومنها لفظة الثورة الصناعية. يسمي قرم هذا الخطاب بـ “الشغف الإعجابي” وأن هذا الاختزال التجميلي ينزع الشوائب من السياق التاريخي وبالتالي يحافظ على فكرة الأسطرة حية وقائمة. فلفظة “الثورة الصناعية” تعمل كتعبير عن حدث مفاجئ ونتاج مجهود استثنائي ممهداً بالتالي لفكرة العبقرية المنتجة له وهي العبقرية الأوروبية. يستشهد قرم بأستاذ فلسفة العلم “رينهارت كوزليك بشأن لفظة الثورة في التاريخ الأوروبي، الذي يقول: “إن المفهوم الذي هو في الأصل لا تاريخي، وذو جوهر طبيعي، يوسع إذن من دلالته المجازية الجزئية: فهو ينطبق على كل شيء وأي شيء. وسرعان ما تنفصل الحركة عن خلفيتها الطبيعية لتدخل الحياة اليومية الراهنة. وبهذا، يبرز إلى النور تاريخ خاص بالإنسان، بفعل مجرد تقاربه من كلمة ثورة”.

بإمكاننا أن نحيل أيضا إلى عمل فرانز فانون “معذبو الأرض” الذي يذكر فيه هذه الجملة: “إن أوروبا هي حرفياً صناعة العالم الثالث”. فهذه الجملة ربما تصح في سياقات معينة مثلا دور الخطاب العالم ثالثي في صنع الهالة حول أوروبا. أو في دور العالم الثالث في صناعة الرأسمالية الأوروبية التي لم تكن لتقوم في أوروبا لولا حركات الهجرة والاستعمار واستغلال ثروات المستعمرات. إلا أنه لا تصلح هذه الجملة دائما كتفسير لنشوء أوروبا، التي قد صنعتها عوامل عدة من أهمها التفاسير والتأويلات الثقافية الرغبوية والاختزالية والمتواطئة أحيانا مع السياسي.

إن صعود اليمين الأوروبي ما هو إلا لوْكٌ للخرافات والكليشيهات الثقافية واعتماد على تكدس من الأكاذيب التاريخية التي بدأتها الفلسفة والتاريخ الغربيين. إن هذه الدراسات الثقافية التي بررت لليمين في القرن العشرين نزعاته التوسعية ما زالت تبرر له ذلك، وما كانت الدراسات الخاصة بصراع الحضارات مثلا إلا سجادةً حمراء لآلة الحرب الأمريكية والجمهوريين خصيصا. تماما كما كانت الفلسفة الإنسانية مبرراً للاستعمار باسم تحرير المقموعين واكتشاف العالم.

error: المحتوى محمي