الأصولية عين الحداثة: قراءة نقدية في أفكار إرنست غلنر – مبروك بوطقوقة

الأصولية عين الحداثة: قراءة نقدية في أفكار إرنست غلنر – مبروك بوطقوقة

غلاف الكتاب

قراءة : مصطفى لافي الحرازين*


لا ينحصر نصُّ الأنثروبولوجي الكبير إرنست غلنر -رغم ما يحمله من طاقة نقدية هائلة تعطّل الكتابة المحلية التي تنال من الإسلام من حيث قدرته على التشكّل(1) بهذه المهمة وحسب؛ إذ النص هنا يدور في حقل نفسه، حيث يحتدم الجدل حول الإسلام ليطال جوهر الذات، جدل تتشكّل أطرافه الأساسية مما تبقى من فكر التنوير أولاً. وبالمقابل من جبهة متعددة المشارب تتميز بدينامية الانشقاق والتجاذب يحتل نواتها فكر ما بعد الحداثة وفلسفة العلم اللاسلطوية(2) وتدور في محورها صيغ متنوعة وأحياناً غير متبلورة تتمسك بانتمائها إلى الإناسة محاولة من موقعها هذا التقرب مما تسميه إسلام البيانات السياقية(3).

والواقع أن غلنر لم يقع في شرك هذا المحور ولم ينضبط بتلك البيانات؛ لأن الإسلام لم يكن بالنسبة له سياقاً يقوم بذاته بل حقلاً من الأقوال التي لا بد من إعادة جمعها وفصلها وتسوية سياقاتها ليصبح منطلقاً لمواجهة حاسمة مع تلك الانشقاقات التي تمس بلحمة نظام الحداثة، أي بضرورة القواعد وصلابتها واستمراريتها. ولهذا بالضبط لا يمكننا قراءة ما كتبه إلاّ بما هو جزء من (نظام التراث)(4) لا يسعى إلى جمعه أو توحيده بل إلى إحياء ما يعتبره أصل فعّاليته ومتحركيته الكامن في قدرته على توفير هذه القواعد المنشودة.

وانطلاقاً مما تقدم -علينا لننتقل من القراءة السردية لنص غلنر إلى قراءة تلتقط هذا النص بما هو حقل كلامي ربما بالمعنى (التراثي) لا ينفكّ عن فعّالية تحكمية في لحظة تاريخية مخصوصة تسم العلاقة بين الإسلام والغرب- أن نعي بداية ما يوفّره هذا النص من طاقة سياسية إستراتيجية حين يهمل كما مضت الإشارة إليه البيانات السياقية ويكسر مبدأ التنوع الإناسي ليلحظ المقايسة بين السياقات التاريخية والخِطاطات العقدية في حقلي تشكّل القواعد في الغرب والإسلام بما هما حقلان متضايفان لا ينفكّ أحدهما عن الآخر، حقلان لا بد من تجاوز ثنائيتهما التي تستحضرها دوماً الجملة النظرية التحليلية لالتقاط المصير المشترك الذي يجمعهما من حيث انتمائهما إلى حقل الأفعال، وهو حقل لا تعبّر عنه أو توضح متحركياته المضمرة إلاّ الجملة الاستفهامية البرنامجية التي تجيب عن متطلبات الفعل والتدخل وتقع تحت صيغة ما يسميه ليوتار: ماذا علينا أن نفعل؟(5)

لن نصل إلى هذا المضمر الفعّال في النص الغلنري إلاّ حين نكف عن البحث عما يجده في الإسلام من قواعد صلبة بهدف التصدي لهشاشة التنوير الذي أحدثه انفصاله عن القواعد على مستوى اشتغال السلطة لنعبر إلى موضع ابستيمولوجي آخر يفتح لحاظاً جديداً للتبصّر بما يمكن أن نسميه الحد الأدنى من تعطيل دورة الإسلام الداخلية(6) الضروري لعدم تحوّل التنازع والتفاوت بين متحركيات الأفعال والأقوال المتعلقة بآليات السيادة والمشروعية في الغرب إلى مصدر لانكشاف السلطة ولما تغيّبه من كونها لا تقوم إلاّ على ضرب وإلغاء أية أصول ثابتة سابقة عليها.

ويبدو لنا أن هذا النص بقدر ما هو متكامل من حيث بناءاته ومفاهيمه قد رهن مصداقيته بمشروطية تحقق سلسلة من الافتراضات المتدرجة: إن مشكلة الحداثة تتأتى من المفردات والصيغ الهشة التي أصابت برخاوتها مفاصل التنوير الأساسية وأن في الإسلام إذا ما قُرء من حيث جوهره وهو برأيه تصلّب وتمتّن قواعد الفرض المُصاغة الطاقة الكفيلة لعودة الحداثة إلى معناها الأصيل الكامن بسيادة القواعد المجردة التي تؤمّن اللحمة المنطقية للمجتمع، وهو التجريد نفسه الذي يركّز عليه غلنر حين يفصل بين الإسلام المتعالي والإسلام الطرقي.

ومن هنا يبدو الإسلام والحداثة -بعكس ما توحي به ثنائيتهما- صورتين لمضمون واحد: حداثة تتحرر من ميوعة تداولية التنوير، وإسلاماً يترسخ بالتطهر من أشكال التوسط الصوفية والطرقية وما ارتبط بها من ممارسات شعبية. إن هذا الموقع المتميز (للعقل المجرد)(7) بصيغته التاريخية الذي جعل منه غلنر المعبّر الأصيل عن موجودية الإسلام في الراهن هو الذي سيفسّر فيما بعد موقفه مما سمي بالأصولية بما هي تفرع عنه واستكمال حديث له.

غير أن قراءة هذا النص بصيغ تقريظية(8) إنما تحجب الرؤية المضمرة التي نحاول إظهارها هنا فتصبح المقايسة بين سياقات الحداثة ولغة الوحي المتعالية أمراً ممكناً، وهو ما يحول دون قراءة المفاهيم الغلنرية من خلال تتبع خطوط نظامه الداخلي حيث تلبي جميع الآليات مهمة ابتكار السبل والأدوات لضبط التداول بفعّالية الفرض العباري الذي يولّد قواعد عامة لا يمكن للمتداولين تبديلها أو تعطيلها.

غلنر الأنّاس: الإسلام كمادة للتقريب

أين يقع النص الغلنري الناقد للتنوير في السياقات الفكرية المتداولة في الغرب؟ بعكس ما يثيره من انقطاع مفاجئ بالنسبة للكتابة المحلية، يبدو لنا أن هذا النص على ما يحمله من مُستجد غير مسبوق لا يخرق المحاولات المستمرة لتحسين آليات الحداثة وتدعيم أصولها باستمرار. ولن نتمكن من فك كنه هذا النص إلاّ إذا استحضرنا هم الحداثة المركزي بما هي ادعاء مستمر للانفصال عن التقليد(9) وسعي مقابل للبحث عن مشروعية الكلام والسلطة بتركيز مبدأ السيادة بما يجعل هذا المقابل نقيضاً لما يستوجبه هذا الانقطاع ولما يترتب عنه؛ إذ لم يكن ممكناً لمبدأ السيادة -الذي مثلت الثورة الفرنسية أشد صيغه تجوهراً(10)- أن يجد بما هو إظهار للسلطة كفعل بحت يبرّر نفسه من حيث أنه فعل صيغاً قولية تعبّر عنه كمبدأ منظم وتؤمّن في الوقت نفسه ما يجب أن يتعطّل من مقولات النظام القديم القائم على تأسيس مشروعية السلطة على إسناد القول(11). إن هذه الاستحالة هي جوهر ما يُشار إليه بالإرهاب، هذا الإرهاب هو ما حاول التنوير أن يتصدى له بإيجاد صيغ رمزية لتجاوزه.

غير أن هذا التجاوز سيحمل -على تنوع ما سينتج عنه من مقالات نظرية- آثار هذه الثنائية، وسوف يظل مترجحاً بين الشرعية والسيادة، فكأنما النظام القديم الذي اندحر ظل ضرورة مرجعية تحكم حقل التداول الفكري وتدفعه دوماً إلى التوفيق بين الملَكيّة والجمهورية: كانط(12)، وبين الدولة الحديثة والأصناف المهنية: دور كايم(13)، وهو ما سيشكّل مكمن ميوعة التنوير وعدم استقراره. وهذا بالضبط ما يأخذه عليه غلنر مندفعاً من خلال نقده لكانط ودور كايم إلى حسم النزاع مع النظام القديم مستعيناً هذه المرة بآليات التقريب مع فقه السلطة في الإسلام(14).

وأمام هذه القراءة لأزمة التنوير نشعر حين نستعيد حديث غلنر عن العقل (كمَلَكة أصيلة)(15) أننا قد وصلنا فجأة إلى منطقة من بحثنا شديدة الأهمية والخطورة حيث يدخل سؤالنا حول مبدأ السيادة عبر الهيمنة على مفردات القول ووحدات الفعل في صلب محاولة غلنر التخلص من مبدأ الإسناد بما هو أصل فكرة الشرعية التي تقوم على إيجاد المرجع والمرتكز وتفتح بالتالي على أسبقية الطبيعة والواقع.

إننا حين نتعمق بتقييم غلنر لموقف كانط من (ملكة العقل) نجد أنه عندما يُخضع بداية هذه الملكة لما يشكّل في المذهب الأرسطي(16) مرجعية لها: الطبيعة والواقع تخولها أن تكون مصدرا للمبادئ والقواعد يعيد قراءة كانط بعد قراءة هيوم بما يقرّبه من التحرر من الدمج بين حاكمية العقل بوصفه ملكة معرفية وتأسيس سلطة الحكم على كون هذه الملكة هي المصدر الذي يعطي لهذه السلطة. هنا يبدو أن غلنر يدفع بمبدأ الفعّالية عند كانط، هذا المبدأ الذي التقطه هيدغر وجعل منه أساس الحداثة وعلامة تمايزها عن الفكر اليوناني القديم(17) إلى أقصى حدوده جاعلاً من النظام الكانطي عنصراً في نظامه الذي يؤسّس لفكرة سلطوية صافية مجردة تجعل من التقعيد نشاطاً يقوم بذاته، أي نشاطاً يحوّل المبادئ والقواعد إلى نقطة تشهد بداية الفرض والأمر بالقوة، بداية لا يمكن لملكة العقل أن تستوعب حيثياتها فترضخ أمام ضرورتها.

وهكذا يبدو النص الغلنري محاولة لتحرير كانط من هموم محاولات الدمج بين الشرعية والسيادة التي فشلت وتحوّلت إلى إرباكات وثغرات في سياقات التنوير وإن هذا الهم نفسه هو الذي يحكم قراءة غلنر لدور كايم. غير أن هذه القراءة ستكون أشد تعسراً وتعملاً وافتعالاً كونها لن تحقق مبتغاها المتمثل بتنقية مقالة دور كايم من هموم التقاليد الباحثة عن مصادر الشرعية إلاّ بتأويل مضامينها وتخريب آلياتها ولجم توتراتها وكتم السؤال المركزي الذي تطرحه حول قدرة نظام السيادة على التحرر من مرجعية تقاليد الشرعية القديمة وقدرة المجتمع الحديث على معاودة إنتاج دوراته دون توسط(18). ولن يكون هذا التحرير ممكناً وهذا التأويل حاسماً إلاّ بالخروج عن تقاليد الغرب والهجرة إلى صقع رمزي جديد: الهجرة إلى الإسلام.

إنه غلنر الأنّاس الذي يستحضر الإسلام هنا كمادة قابلة للتشكّل في نظامه خارج أزمانها الخاصة بما هو نظام تراثي انقضى واستحال إلى مجموعة من اللغات الصناعية المتقابلة التي يمكن المفاضلة(19) فيما بينها وإدراجها بما هي أصلاً منفصلة عن دورتها الذاتية ومجمّدة بانفصال مركب بعد انهيار الدولة الإسلامية التاريخية.

القاعدة دون تبرير سابق عقلي أو علمي(20) هو مدخل غلنر إلى نقد التنوير ومرتكز هذا النقد. والسؤال هنا ألا يستعيد غلنر حين ينطلق من ضرورة القاعدة للقاعدة مبدأ السيادة كما عبر عنه العالم الدستوري برتراند دي جوفينيل بما هو فعل السلطة المأصّلة التي لم يملك أحد في الغرب القدرة على إنكارها أو التشكيك بها(21). فكيف تكون مثل هذه الاستعادة ممكنة إن لم يفتح غلنر أفقاً جديداً ومخزوناً غير مُستَهلك يستند إليه لينقّح المقالة الفلسفية السياسية في الغرب ويحرّرها من وطأة النظام القديم؟

كان من الضروري للفصل بين الجمهورية وشرعية العدالة الملَكيّة في المقالة السياسية الكانطية ولتحرير الدولة من أصناف المهن في المقالة الدور كايمية إسقاط الحركات المناهضة للدولة المطالبة بالشرعية في تاريخ الإسلام وتهميش مبدأ الجماعة التصوّفية المماسكة للحمة الأصناف(22) لفصل الانهمام التنويري بالشرعية عن تاريخه وتعميمه بإدخال الإسلام كنموذج للمقارنة وللتدخل. فما يجري في هذا النموذج يعيد النظر بالأصل الغربي ويعيد النظر في التفسير والترميز بما لا يكتفي بإعادة قراءة التاريخ بل بتدعيم الإقفال عليه وإعادة صياغة مفهوم التنوير من جديد(23).

ولذلك كان لا بد أولاً من منع تسرب الصيغ المناهضة لأصالة التقعيد بالإكراه في الإسلام إلى حقل التداول الفكري الغربي. وهذا ما دفع غلنر إلى إعادة قراءة الاجتماع الإسلامي المعاصر بوصفه خِطاطة لنظام اجتماعي(24) محاولا تسفيه أو تتفيه المعارضة باعتبارها أشكالاً توسطية تمس بمبدأ التوحيد، متخلصاً هكذا مما تحمله من إشارات استفسارية حول شرعية السلطة، وكذلك إلى التنازع مع الوجهات الإناسية والاستشراقية التي تقول بتعدّد صيغ الإسلام مولية أهمية متعادلة للغات الإسلامية المتنوعة(25).

إن استخدام مفهوم العلاقة بين القاعدة والوحي باتجاه التركيز على ثباتها كان ضرورياً بالنسبة لغلنر لدفع المقالة السياسية الاجتماعية في الغرب نحو التحرر من إلزامات الشرعية. ولم يكن ذلك ممكناً إلاّ بالانطلاق في قراءة الإسلام من فرضية توحي بالاندماج بين الدولة والوحي: إن مبدأ الطاعة يلخّص مبدأ التقعيد ويعمّم الإكراه على المجتمع محولاً الجماعة إلى مبدأ فرعي ملحق بالطاعة. وتبعاً لذلك يعطّل نظام التراث ما تبقى من اتجاهات ويعطي غلنر لنفسه حق قذف الصيغ الكلامية المتعدّدة المناهضة لهذا الدمج بين الدولة والقاعدة إلى ما دون اللغة الصناعية حارماً إياها من الكلام والحضور مستكملاً بذلك نظام التراث محولاً إياه إلى طاقة لغوية متجدّدة.

ترميم التنوير: إنجاز تدمير الأصناف

لم يستمع غلنر إلى تفسير دور كايم لفشل التنوير ولم يلتقط قلق مقالته التي تخوض فيما يطرحه مفهوم القاعدة من استشكالات بل اكتفي بالتركيز على تنقية مفهوم القاعدة بمحاولة استبدال ضرورة اللحمة الاجتماعية بالرابطة المنطقية من تعلقاته بنظام الشرعية القديم، لأن اللحمة الاجتماعية كما سيتبيّن لنا تقتضي عند دور كايم القبول والرضا وتَحَكُم الجماعة بنشاطها التقعيدي. فرغم دفاعه عن الدولة وضرورة الإكراه يتركز نظام دور كايم النظري على إظهار عدم تعارض الأفعال العامة الصادرة عن السلطة مع إرادة الفرد. ويمكننا فهم هذا المبدأ بصيغة أخرى بأنه نوع من التعبير عن الحل التنويري الذي يصر عليه دور كايم في مواجهة الأزمة الناتجة عن التعارض بين الشرعية والسيادة والمتمثلة بفك هذه الثنائية لا من خلال المعابر القانونية أو اللحمة المنطقية بل بالكشف عن أن ما يُقفِل عليه مبدأ السيادة أصبح مطوياً مع النظام القديم المندحر، عنينا بذلك الرابطة الاجتماعية الذاتية المتمثلة بالأصناف المهنية التي باتت مغيبة في حقل السيادة(26) حيث تحولت إلى مجموعة أفراد يرتبطون بالمجتمع المدني.

إن ما يقوله دور كايم ينحو إلى الحكم بعدم كفاية هذه العلاقة المباشرة بين الدولة والفرد وبوجوب الوسائط الكفيلة بسريان القواعد وتطبيقها بتحررها نسبياً من مبدأ الإلزام والإكراه والقهر. ومن هنا لا يبدو الإكراه مبدأ القواعد بنظر دور كايم بقدر ما هو نتاج انهيار التوسط في المجتمع الحديث بفعل غلبة مبدأ السيادة على ما عداه من مبادئ.

وتبعاً لذلك فإن دور كايم يولي -رغم ربطه للقاعدة بالعقوبة(27) بما يذكّر بمبدأ الإكراه- أهمية حاسمة لنوع من القواعد يكاد لا يستدعي الإخلال بها أية عقوبة فعلية. إنها القواعد المهنية التي هي: (قواعد وسيطة تقع بين صنفي القواعد الأخلاقية العامة، أي تلك التي تُعنى بالعلاقات التي يقيمها كل منا مع نفسه، أي التي تؤلّف ما يسمى بالأخلاق الفردية، وبين تلك التي تُعنى بالعلاقات التي نقيمها مع الآخرين، وبغض النظر عن الجماعة المخصوصة التي تنعقد في متنها. أما الواجبات التي تلزمنا بها هاتان المجموعتان من القواعد فإنها لا تجري إلاّ من حيث الصفة الإنسانية العامة، إنْ بالنسبة لنا أو بالنسبة لمن نتخالط معهم من الأشخاص الآخرين. بينما نجد بين هاتين المجموعتين واجبات من طبيعة أخرى، واجبات لا تتأصّل من حيث تفرعها عن طبيعتنا الإنسانية العامة، بل بارتباطها بصفات مخصوصة لا تعم الناس جميعاً)(28). والسؤال هنا هو: ألا يحمل هذا التبدّل الذي يصيب القواعد من جراء استخدامها إشارة إلى ارتباطها بحقل التداول التي لا تأخذ فعّاليتها إلاّ في متنه؟

إن ما يشير إليه دور كايم هو أنه من غير الممكن رؤية القواعد خارج حقل تداولها وتخصصها وتنوعها، كما أنه من غير الممكن أن تُسترجع القواعد لتُنقى وتُنظم من جديد من قبل الدولة. ولكن إذا كان هذا مطلوباً وممكناً، فأية مشكلة تلك التي عانى التنوير منها؟ لماذا انهارت الأخلاق المهنية التفصيلية ولماذا اختلت المفردات التداولية القيمية؟

يكشف تعيين دور كايم لأزمة الحداثة أنه من الوهم إسناد قوة القواعد وثباتها إلى أفعال الدولة وانهيار الوسائط الثقافية الاجتماعية، إذ ما يبحث عنه دور كايم إنما كيفية استعادة هذه الوسائط لانتظام دورة القواعد. غير أن ذلك يفترض دون أي برهان أو بيان أن انهيار الوسائط عارض على طبيعة الدولة الحديثة وناتج عن عدم اهتمامها بالسياسة تحت وطأة سيادة النزعة الاقتصادوية(29). وربما هذا ما أعطى منفذاً لغلنر لتأويل الرؤية الدور كايمية ودفعها باتجاه الخلط بين ثبات القيم وجمودها، أي تركّزها في إطار فارض تصدر عنه وتتأصّل به.

ولذلك علينا هنا التصدي لعلاقة الدولة الحديثة بالقواعد لا بمعيار ما يجب أن يكون الذي يشتغل به دور كايم خلافاً لنصائحه المنهجية بل بما هي عليه فعلاً في حقل الحداثة وأن ذلك يقتضي -كما سوف ينكشف لنا- المسُّ بعمومية مفهوم القاعدة نفسه، لا من حيث التشديد على أصناف القواعد بل على عدم المقايسة التي تحكم المقارنة بين القواعد في حقل هو كناية عن إطار ملحق بمركز يؤصّل القواعد ويفرضها وبين القواعد التي تستكمل في الإسلام دورة تخصيص الأحكام والمعاملات بسريانها في دورة كبرى تستعيدها من التداول إلى لغة الإعجاز(30)، حيث تفقد صيغتها الفرضية التي تقرنها بالعقوبة لِتُتلى(31) بما هي جزء من لغة الوحي التي تتماسك بها الجماعة خارج أي مركز سلطوي متأصّل في الزمن يطرح نفسه مصدراً للقواعد مدبراً لمضامينها منظماً لآلياتها بنسخ لغتها إلى لغات صناعية تفصيلية تدعي الأصالة والديمومة والثبات وتحويل الوحي إلى منقول(32).

هكذا يسود بين القواعد الصادرة عن مركز متأصّل في الزمن وبين القواعد السارية في لغة الوحي وضع من عدم المقايسة، أي أن نظامهما يعطّل أحدهما الآخر ولا يكّمله. ولا يظهر هذا الوضع إلاّ إذا أُخذت القواعد من حيث سياقاتها واستخداماتها ودورات تداولها وسبل تنقيتها من الحدثي واسترجاعها إلى مصادرها(33).

وما ينكشف لنا من خلال هذا التعطيل المتبادل هو أن الدولة الحديثة لا تنوجد إلاّ كحقل لفرض الإكراه، وأن هذا الفرض الذي تقتضيه السيادة هو الذي يخرّب دورة القواعد ويفكّك الأطر الوسيطة.

غير أنه من الملفت فعلاً أن يرهن دور كايم فعّالية القواعد بتداولها وتخلصها النسبي من الوزائع والإكراهات وأن يبيّن بالتالي وبالعكس تماماً لما يؤوّله به غلنر أن القواعد العامة لا تؤدي إلى اللحمة المنطقية وأن قوتها لا تتعيّن بثباتها بل بقدرتها على إيجاد وسائل للتوسط بين الفرد والدولة. وهو في هذا السياق يعيّن أزمة الحداثة بفقدانها لهذا المبدأ وعدم فعّالية القواعد الشاملة التي تعود للفرد والدولة على حد سواء، لكونه يربط هذه الفعّالية بدورة التقعيد التي تسببت بانهيار الأصناف، وهو انهيار أدى إلى تفكّك هيكلية المجتمع القديم دون أن يؤدي تبلور الدولة الحديثة ووضوح قواعدها إلى إيجاد سبل بديلة تؤمّن الثبات والتماسك.

لقد التقط دور كايم مكمن ضعف التنوير وهو بالضبط فرضه لوحدات القواعد وكسرهن لمعابر الوصل بين أطر تداولها ومراكز فرضها وعدم قدرتها على التخلي عن طبيعتها القهرية التي تجعلها تفشل في الانفكاك عن العقوبة. إن هذا الانفكاك النسبي هو بالضبط ما تؤمّنه الشرعية التي تأخذ هنا في الأصناف المهنية القديمة شكل المزاج الدمجي بين الفردي والجماعي وبين القانوني والديني.

ولكن كيف يمكن لغلنر أن يمر على هذه الرؤية لتاريخية تشكّل القواعد في الغرب، وعن هذه المحاولة الدور كايمية الكبرى لاستعادة مبدأ التوسط القروسطي بوصفه العلاج الأوحد لأزمة الحداثة: (إن ما نشهده من قلق في سياساتنا يعود للأسباب نفسها الكامنة وراء قلقنا الاجتماعي: غياب الأطر الثانوية التي تتوسط بين الفرد والدولة. ولقد رأينا أنه لا غنى عن هذه الجماعات الثانوية لكي لا تطغى الدولة على الفرد وتقهره، وبتنا نرى اليوم أنها ضرورية لكي تتحرر الدولة بما يكفي من الفرد، أي أنها في الواقع مفيدة لكلا الطرفين)(34). فهل كان هناك ما يحول دون أن يستمع غلنر إلى دور كايم لالتقاط ما يطرحه من نصائح منهجية؟

كان من الطبيعي ألاّ يستمع غلنر إلى دور كايم ولا يأبه باهتمامه بلحمة النظام القديم المتمثلة بالأصناف، إذ أن هذه اللحمة القديمة قد انتهت فعلياً، وذلك لأن إمكانية تنشيط الأطر الوسيطة في سياق الغرب الحديث قد استُنفدت مع استسلام لغة المسيحية القديمة(35) لأفعال السيادة وتحوّلها إلى مصدر تبريري لها. غير أن غلنر وإن لم يستمع على الكلام الذي يذكّر بالشرعية من داخل تاريخ الغرب لم يغفل بالمقابل ما قد ينتج عنه من احتمالات كبرى إذا ما استُمع إليه برموز نظام آخر ما يزال يختزن قدرة كبرى على طرح إشكالية السلطة ومفهوم القواعد نفسها بإرجاعها إلى لغة الوحي، أي بترك السؤال حول الشرعية راهناً ومفتوحاً. وبهذا المعنى يصبح عدم الاستماع إهمالاً احترازياً لمنع التسرب بين النظامين ولعدم تحوّل مخاوف دور كايم إلى منافذ للغة أخرى تضع مبدأ السيادة في مواجهة لغة الوحي من جديد.

غلنر الاستراتيجي: من التحليل والتشريح إلى البتر

لئن كان غلنر قد تزود بعدة الأنّاس وآلياته ليحلّل الاجتماع الإسلامي بما هو تاريخ وراهن، فإنه ظل يعي جيداً أن ما يحلّله لا يظل هامداً مستكيناً إلاّ بتدخل الأنّاس لمساعدة الدولة الحديثة(36) بما هي نصاب السيادة الغربية لإتمام إهماده وكسره. ومن هنا تبدو المهمة مركبة والداخل والخارج في الحقل لا ينبسطان في المدى بل هما بعدان لزمنين لا ينفصلان: زمن ينطلق من توطيد السيادة ليتشكّل كتاريخ للغرب وزمن في الإسلام ينتهي دوماً بما هو انفتاح الحدثي على الوحي بتخطي إلزامية القواعد، قاذفاً الدولة بما هو تشكيك بأصالتها وضرورتها إلى دوران هو أقرب إلى ما أسماه غلنر بميوعة التنوير منه إلى ثبات القواعد. هذا الزمن الهش، زمن دوران الدولة الإسلامية التاريخية في تشكّلها واستقوائها وانفراطها هو الذي يجعل منه غلنر زمناً معياريا، مدعياً أنه يمثل الثبات والاستمرارية لا بل يؤمّن ما يلزم لاستنهاض التنوير في الغرب.

لقد فصل غلنر هذا الزمن الذي قاد الاجتماع الإسلامي بحجة الحفاظ على صلابة القواعد إلى توتر مستمر غالباً ما قاد إلى تفكّكه وانهياره عن الآليات والمتحركيات التي اضطلعت في التاريخ بدور الملطف لهذا التوتر، قاذفاً بجميع أشكال المطالبة بالشرعية والمنشطة لدورة العلاقة بين الحدث ولغة الوحي الحائلة دون تجمّد القواعد إلى مقولة مجملة مبهمة ابتدعها وحوّل بها ما يبقى حياً في الإسلام إلى معطى فلكلوري(37).

غير أن هذا لا يعني أن هذه الأشكال الإسلامية المقاومة لقسرية القواعد ما تزال محافظة على فعّاليتها التاريخية وإنها لم تنته كما انتهت الأصناف المهنية في الغرب، بل إنه تنبه غلنر إلى ما قد تحمله من قدرة على استثارة موضوع الشرعية وذلك من خلال تحوّلها إلى إشارة دائمة إلى ضرورة مرجعية لغة الوحي، وإن باتت لا تؤمّن الفعاّلية الكافية لتحقيق هذه الضرورة؛ إذ قد تتأتى هذه الفعّالية من مصادر أخرى تتعيّن في حقل الإسلام الراهن بما أصطلح على تسميته بـ(الدعوة) التي تعتمد على نشر القرآن وتلجأ في مجال النقد إلى ممارسة النصيحة(38).

ربما لم يكن غلنر يتصور في الستينات عندما طور تقنياته الوقائية من خلال مفهومه المركزي لثنائية الإسلام في المغرب أنه سيضطر للانتقال من الفصل بين الإناسة والاستشراق إلى مواجهة حقيقية في الثمانينات مع نموذج يبدو عصياً على هذه الثنائية(39). وبالفعل فإن لا شيء يفسر كيفية تعامل غلنر مع هذا النموذج الذي تمثل بالثورة الإيرانية بتقريبه من (الإسلام المتعالي)(40) بصيغته السنية سوى ما اقتضاه اهتزاز مبدأ السيادة في الغرب من انتقال منهجي سريع من البتر الوقائي إلى الضبط والنسخ والمسخ وذلك بتسريب اللغة الإعلامية الشائعة إلى حقل اللغة التحليلية الصناعية. ومن هنا لا يمكن أن يؤخذ على غلنر معارضة تحليلاته للبيانات السياقية، إذ التحليل هنا لا يبغي إلاّ التطويق والمحاصرة وإعادة ترميم نظم الإقفال الغربية للقضاء على هذا الالتماع المفاجئ والخطير لتقاليد الشرعية التي تدمج بين صلابة القواعد وتنشيط سبل الوسائط في المجتمع بإيجاد توليفة غير منتظرة تجمع بين التسلف والتخلق وتتخطاهما معاً(41).

غير أنه من الخطأ تماماً التعامل مع تغييب غلنر لما يشكّل مصدر الطاقة الفعلية في النموذج الإيراني كخطأ في تعيين ما هو في نفس الأمر، وذلك لأن هذا التغييب الذي يبدأ القول بالاستعانة باللغة الشائعة لتكوين مفهوم الأصولية يتشابك في الحقل الفكري السياسي الغربي مع المحاولات الكبرى للدفاع عن السيادة وتطويق ما بدا فعلياً تفلتاً إرهابياً على نظمها.

كان لا بد من اللجوء إلى هذا التسرب لاستمداد طاقة إعلامية وسياسية لتعيين ما يجب أن تكون عليه الأصولية. فهنا الرؤية تمهّد للفعل وتتخطى التحليل ليندرج الفكر بالإستراتيجية السياسية. وبهذا فإن مفهوم الأصولية بما هو فعّال أصبح الآن مؤشراً على تحقق رؤية غلنر لا لأنه كان في الأصل متطابقاً مع الواقع بل لأنه اندرج في مجمل المداخلات السياسية والإعلامية التي ساهمت بتطويق الاندفاعة الخمينية وذلك بتوجيه مواقع النفوذ الفقهي القابلة للاختراقات السلطوية الحديثة بانجذابها إلى القوة الجهازية بتجلياتها الحزبية والتكنولوجية المكثفة مما أدى إلى تعطيل تقاليد الشرعية القائمة على الجماعة القرآنية المندمجة بالذكر القادرة على إعادة تشكيل الحياة وخضوعها تدريجاً عبر إحياء الفواصل الكلامية والمذهبية المدمرة لهذه الجماعة لمبدأ السيادة السلطوية الحديثة.

وعليه فإنه إذا كان من الضروري في البداية التنازل عن التنوير والاعتراف بهشاشته للمحافظة على سيادة الدولة، فإن إدراج مفهوم الأصولية في حقل الرؤية التحليلية الإستراتيجية رفع هذه الضرورة حين خبت قوة المطالبة بالشرعية وعادت من جديد مفردات التنوير الملتبسة(42) لتصبح مفاصل تقاطع بين الدولة الإسلامية المتعيّنة بالقواعد وفرضها بصيغ إصلاحية أو تقليدية وبين الدولة الحديثة في الغرب، تقاطع يعيد الأمور إلى نصابها ويُحكم من جديد الإقفال على مصادر التسرب، ويتحقق بذلك هدف غلنر الأساسي المتمثل بإحباط أية محاولة محتملة للمس بسيادة الدولة الحديثة في الغرب.

وليس عرضاً أن يلعب مفهوم المجتمع المدني دوراً مركزياً في ضرب الإشارات إلى الشرعية، إذ إنه كما كان في الغرب وسيلة وعنواناً لتفتيت الروابط المهنية التي تؤمّن حضور الناس في دورة للقواعد لا تقوم على الإكراه، فإنه يُستخدم اليوم لتعظيم نصاب الدولة بحصر دورة القواعد بثنائية الأهداف/ الوسائل الأرسطية(43). هذه الثنائية هي التي تنكشف ما أن يحاول الاجتماع الإسلامي استعادة دورة الوحي وكسر الإقفال التاريخي الذي تمثل بالدولة وما تركته بعد انهيارها من لغات وشبكات تداولية جهازية باتت مستتبعة من حيث أفقها لمنطق السيادة الحديث.

وإن هذا لا يعني إعطاء الخطاب الغلنري دوراً إستراتيجياً رئيسياً فيما شهده الاجتماع الإسلامي المعاصر من تراجعات أهمها الاعتراف بنظم السيادة الغربية بالانكفاء إلى نظم التراث، تراجع وانكفاء يؤمّن اللجوء إلى مقاصد الشريعة أرضية له، بل أن هذا الخطاب التوقعي التدخلي يعطي بصورة استثنائية إمكانيات نظرية ويوفّر آليات منهجية للانتقال من التعامل مع الأدبيات المعنيّة بالإسلام بمعيار التطابق أو عدم التطابق مع الوقائع إلى تعيينها من خلال وقوعها في حقول القول والفعل. هذه الآليات التي يمكننا انتزاعها مما يحتويه النموذج التحليلي الغلنري من افتراضات تبدو بداية تعسفية متعارضة مع البيانات السياقية، غير أنها فعلياً إشارات إلى الانتقال من حقل القول إلى الفعل لا تفهم إلاّ بهذا اللحاظ.

فلقد كان بالإمكان التوقف عند الخطأ الذي يقع فيه غلنر حين يصيغ مفهوم الأصولية بصورة تتعارض تماماً مع وقائع اللحظة الإيرانية التي يسند إليها هذا المفهوم. غير أننا متنبهون إلى ما وقع فيه أولئك الذين تمسكوا بالبيانات السياقية لانتقاد غلنر تخلينا عن منطلق الرؤية الغلنرية لنركّز على الهدف. ولَمَا كنّا نستطيع تحقيق ذلك لو أننا لم نغلّب الهم الاستراتيجي على المفاهيم الإناسية التي يسخرها لأهدافه.

وكذلك في هذا السياق نفسه قادتنا هذه الآليات، وبالمقابل، إلى التبصّر أحياناً بوسائل الخطاب ومضامين المفاهيم بمعزل عن أهدافها. وهذا ما جعلنا نلتقط الإشارة النظرية الكبرى التي تنبعث من مضمون التواصل الذي يقيمه غلنر بين الحداثة والإسلام، وهي إشارة مكنتنا من الانتقال من قراءتهما بوصفهما نظامين منبسطين في المدى يخضعان لمقولة الخارج والداخل إلى كونهما أزماناً متعددة ومتشابكة تتقارب وتتباعد وتتنافر وتتلاقى بين مبدأ السيادة القائم على تثبيت الدولة الحديثة لتعطيل الوحي وبين مبدأ الشرعية الذي لم يعد بعد انهيار الروابط التقليدية في الغرب يجد صيغة فعّالة لاسترجاع نفسه بضبط القواعد وتنشيط دورتها بلغة متعالية تنظّم التداول وتحول دون تشكّل أي سيادات عليا متأصّلة في الزمن.

كما قادنا تتبع النص الغلنري من حيث إنه يغلّب -بصورة حاسمة- الفعل على القول إلى إدراك مناعته بوصفه نصاً فريداً تخطى صيغ النقد القولية للسلطة المتمثلة بالدعوات إلى الحوار والتداول والرأي في الغرب حين تخطى المعطى الجوهري للتنوير، مستعيضاً عن هذه الصيغ بالآليات التي أنتجها من خلال نشاطه التقريبي مع المفاهيم الإسلامية. وقد أدى هذا الانفتاح في النص الغلنري إلى انكشاف هشاشة المقالات الإسلامية المحلية التي تغلّب القول على الفعل(44). متوهمة بأن السلطة تنشأ بتوحد مفردات القول وأن مجرد الانشقاقات القولية يؤمّن الممانعة للسلطة، فيما يتبيّن من تتبع الإستراتيجية الغنرية كيف أن الدعوات التداولية والانشقاقية ما بعد الحداثية والتأويلية المحلية قد عُطلت أو استُخدمت وحُوّلت إلى إقفالات جديدة لمنع المس بمبدأ السيادة الحديث(45).

إن هذا ما يكمن وراء دعوة غلنر الموهومة الغالب للاستفادة من المغلوب. وهم مضاعف يُظهر كيف أن التنازل في حقل القول يخدم ترميم السيادة في حقل الفعل. ولكن السؤال الذي فتح بصيرتنا على نقد هذه الدعوة، السؤال الذي لم يظهر في تفاصيل هذا النقد لأنه ظل في مرتبة ما قبل الصياغة الصناعية مُركِزاً على مسار الكلام نحو الفعل هو أنه لو كانت الدعوة إلى الحوار والالتقاء شرط أن ينوجد الإسلام بدون وحي صحيحة لما فشلت الدولة الإسلامية التاريخية في بلوغ الحداثة ولما انتقل مشروعها بنيوياً إلى الغرب متحققاً بالدولة الحديثة. هل الحداثة إسلام بلا وحي: إسلام القواعد القهرية؟ إنها كذلك تطوي الإسلام طالما لم يُمس بنظام الإقفال على الوحي وبمبدأ تماسكه وقوته: مبدأ السيادة. أما إستراتيجية صناعة الكلام الإناسي الحديث حول الإسلام فليست سوى الانشغال الدؤوب بتحسين هذا النظام(46).


الحواشي:

*) طالب دكتوراه بالجامعة اللبنانية، من أصل فلسطيني.

1-كنموذج لما تطلقه هذه الكتابة من أحكام بفشل الإسلام تطال الوحي والناس والتاريخ والممارسات الراهنة انظر:

Darius Shayegan: Cultural Schizophrenis: Islamic Societies Confronting the West, Translated from French by John Howe, Saqi Books, London, 1992.

2- للوقوف على نموذج مميز لهذا الجدل الذي يشهده الغرب في الراهن انظر:

Jean-Francois Lyotard: The Inhuman, Reflections on Time, translated by Geoffrey Bennington and Rachel Bowlby, Stanford University, Stanford, California, 1991.

3- ينطلق هذا المفهوم الذي تقوم عليه الكتابة الإناسية الحديثة حول الإسلام من شرط منهجي يركّز على السياق ويدفعها إلى بناء النظريات بمعيار التطابق مع ما يشهده هذا السياق من وقائع. راجع بهذا الخصوص:

Dale F. Eickelman: From here to modernity: Ernest Gellner on nationalism and Islamic Fundamentalism, in The State of The Nation, Ernest Gellner and the Theory of Nationalism, Edited by John A.. Hail, Cambridge University Press, London, 1998.

4- من حيث جوهره يمكننا القول بأن (نظام التراث) إنما هو إطار تتركب في داخله مجموعة من اللغات الصناعية الكلامية والفلسفية التي تسعى إلى ترتيب مبادئها على أساس تناسب مفرداتها مع لغة القرآن، وهو تناسب يفتح دورة الأقوال والأفعال التي تتجه إلى تعطيل فعّالية الوحي. غير أن هذه الدورة قد اصطدمت دائماً بهذه الفعّالية وهو ما يفسر الاختلاف بين نظام التراث ومفردات التراث التي ظلت تتواصل مع لغة القرآن دون أن يتمكن هذا النظام من احتوائها أو تعطيلها. للتعرف إلى هذا المفهوم راجع نظير جاهل: فضيلة الاستماع، قراءات إسلامية في أنظمة القول والفعل، المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت، 2000م.

5- انظر بهذا الخصوص:

Jean Francois Lyotard: The Postmodern Explained, Translation by Don Barry, Bernadette Maher, Julian Pefanis, Virginia Spate, and Morgan Thomas, University of Minnesota Press, London, 1997.

6- نقصد بدورة الإسلام الداخلية دورة تداول القواعد التي لا تنفكّ عن أطرها المنظّمة من دون أن يؤدي هذا التنظيم إلى تحويل أحكامها إلى إجراءات تدخلية توسع الإجراءات الإدارية ولغتها المفروضة باسم القانون. ولقد أبصر جاك بيرك حدود هذه الدورة حين أشار بصورة ثاقبة إلى الشح الذي تشهده لغة القرآن في طرق التعبير القانونية في مقابل طرق التعبير الأخرى التاريخية والطبيعية والأخروية ولكن من دون أن يتمكن من استكمالها أو تفصيلها. للوقوف على هذه الإشارة عند جاك بيرك انظر:

Jacques Berque: Relire Le Coran, Preface de Mohamed Bennouna, Albin Michel, Paris, 1993.

7- حول مفهوم العقل المجرد وحدوده وسبل استحضاره في إطار الممارسة الإسلامية التاريخية راجع طه عبد الرحمن: العمل الديني وتجديد العقل، المركز الثقافي العربي، ط3، بيروت، 2000م.

8- للإطلاع على هذه الصيغ انظر مثلا:

Akbar Ahmed: Gellner Complete Teacher in a Divided World, The Time Higher Education, Supplement, No.1167, March 17, 1995.

ولا يقتصر الأمر هنا على هذه الصيغ التقريظية بل يطال أيضاً صيغاً انتقادية تقود برأينا إلى الأمر نفسه. راجع بهذا الخصوص سامي زبيدة: أنثروبولوجيات الإسلام، مناقشة ونقد لأفكار إرنست غلنر، دار الساقي، بيروت، 1997م.

9- حول دواعي الانفصال عن التقليد الذي يبدو من وجهة النظر الحديثة شكلاً نظامياً رمزياً مناسباً لاشتغال آليات النظام القديم انظر:

Alasdair Macintyre: After Virtue, A Study in Moral Theory, Duckworth, London, 1985.

10- نستفيد هنا من القراءة الهامة التي يقوم بها لأصول الفكر السياسي الكانطي جان فرانسوا ليوتار وذلك في إطار محاولته إعادة كتابة الحداثة. للوقوف على هذه القراءة والتعرف إلى مقدماتها انظر:

Jean Francois Lyotard: The Postmodern Explained, Translation by Don Barry, Bernadette Maher, Julian Pefanis, Virginia Spate, and Morgan Thomas, University of Minnesota Press, Minneapolis, 1997.

وانظر:

Jan Francois Lyotard: L, Enthousiasme, La Critique Kantiunne de La Histoire, Galilee, 1986.

11- ونعني بذلك أن المشروعية في جوهرها تتمثل بإسناد السلطة وتفسير ضرورتها ووجوب الطاعة لها بمبدأ سابق عليها، وهو ما لا يقوم مبدأ السيادة إلاّ على تهميشه وإسقاطه.

12- Jan Francois Lyotard: L, Enthousiasme, La Critique Kantiunne de La Histoire, Galilee, 1986.

13- يدخل مفهوم الأصناف المهنية Corporation بما هو تجمعات الحرف التي تنظم نفسها بناء لقواعد عرفية تشمل المهنة وأداءاتها الداخلية، ويُنظر إليها بما هي تجمعات تتداخل فيها المراتب واللغات والتوسط الاجتماعي في صلب المشروع النظري الدور كايمي لا بل في أصل التواصل والانفصال بين الأساليب والطرق التفكرية في العلوم الاجتماعية. راجع بهذا الخصوص:

Emile Durkheim: The Division of Labor in Society, Translated by George Simpson, The Free Press of Glencoe, New York, 1960.

14- إننا إذ نشير إلى هذه الاستعانة فإننا لا نعني بذلك تناسباً في نفس القدرة بين السلطة الفقهية الإسلامية بصيغتها التاريخية والسلطة الغربية الحديثة بل محاولة لإدخال عناصر جديدة في سلطة أقوى.

15- Ernest Gellner: Plough, Sord and Book, The Structure of human History, Collins Harvil, London, 1988.

16- ما نريد أن نشير إليه هنا هو أن غلنر يعود فيستند إلى أرسطو ليظهر أن العقل لا يبدو أساساً كأصل في سياسات أرسطو رغم ارتباط فلسفة هذا الأخير بالعقلانية. فالطبيعة هي المرجعية التي تبرّر الفصل بين العبد والسيد وتتأسس عليها السلطة، ولذلك فلا تواطؤ عقلي إلاّ ومحكوماً سلفاً بهذه القسمة السلطوية. للتعرف إلى هذه الوجهة في سياسات أرسطو انظر:

Aristotle: The Politics, Translated With an Introduction Notes and Appendixes, by Ernest Barker, Oxford University Press, London, 1952, p3.

17- المقصود هنا مبدأ العلة: (لا يوجد شيء بدون علة تعطى له)، هذا المبدأ الذي يأخذه هيدغر عن ليبنتز ويعرّف به العقلانية الحديثة. انظر:

Martin Heidegger: The Principle of Reason, Translated by Reginal Lilly, Bloomington: Indiana University, 1991.

18- وهذا ما يفسر لماذا أعطى إرنست غلنر الإكراه الدور كايمي معنى سلبياً يجعل من استبعاد تقنياته ومتحركياته أمراً ممكناً بما هو استبعاد لا ينفكّ عن نزع المشروعية عنه.

19- لنشر هنا إلى أن هذه اللغات رغم أنها تتساوى من حيث مبدئها الذي يلحم مزاجها فإنها تظهر مختلفة من حيث آليات اشتغالها. غير أن التعامل مع هذه الصيغ في لحاظ كونها فعّالية عبارية حاكمة، أي (لحمة منطقية)، هو الذي وجه إرنست غلنر نحو تيارات الكلام الإسلامي التي تستحضر دورة القواعد في مرتبة النظم العقلانية المجردة. للمزيد من الاطلاع حول قراءة غلنر لهذه التيارات انظر:

Ernest Gellner: Moslem Society, Cambridge University Press, London, 1981.

20- غير أن هذا لا يطال مبدأ اللحمة المنطقية رغم انتماءه لنفس العائلة اللغوية العلمية، إذ ما يكسب هذا المبدأ مشروعيته الإسنادية كما يُستفاد من غلنر، إنما هو بالضبط قدرته على صياغة الفرض الأولي ودوره الأساسي في تشكيل مفرداته.

21- حول هذا المعنى يشير برتراند دي جوفينيل إلى نشوء مبدأ السيادة مع هوبس ووقوع الجميع في سحره، من لوك إلى روسو مروراً ببوفاندوف منجذبين إلى تلك الفكرة التي لمعت في سماء الغرب مفتتحة الحداثة (فكرة السيادة بذاتها التي لن يجرؤ أحد فيما بعد على إنكار وجودها، ولن يجري العمل سوى على تقسيمها أو إناطتها بالجهة التي تجعل استخدامها يظل الأقل خطورة. غير أن الفكرة هي في ذاتها خطرة). راجع بهذا الخصوص:

Bertrand De Jouvenel: Sovereignty, an inquiry into Political Good, Translated by J. f Huntington, Cambridge University Press, London, 1957, p 198.

22- حول هذه المماسكة التي تمت في سياق اندماج الحرفيين بالطرق الصوفية وأيضاً حول الدور المناهض للدولة الذي لعبته الأصناف في حقل الإسلام التاريخي انظر:

Bernard Lewis: The Islamic Guilds, The Economic History Review, Volume VIII 1937-1938, p 27, 36.

23- وبهذا المعنى تختلف هذه المحاولة لإعادة صياغة التنوير بما تسعى إليه من أهداف وما تتوسل به من آليات عن تلك التي نشهد وجودها في الكتابة الغربية الحديثة. للتعرف إلى صيغة من هذه الكتابة حيث تكتسب هذه المحاولة شكلاً نموذجياً انظر:

Jurgen Habermas: Legitimation Crisis, Translated by Thomas McCarthy, Beacon Press, Boston, 1975.

24- Ernest Gellner: Moslem Society, Cambridge University Press, London, 1981.

25- كنموذج لهذه الوجهات راجع:

Michael Gilsenan: Recognizing Islam, an Anthropologist’s Introduction, Croom Helm, London and Sydney, 1982.

26- منتقداً هذا التغييب (العنيف) للأصناف المهنية في حقل الحداثة، يشير دور كايم إلى أن (ما تشعر به المجتمعات المتمدنة من توق إلى الحياة هو حجة ناجزة على أن إقصاء الأصناف بصورة جذرية لم يكن ليشكّل حلاً، وأن الإصلاح الذي قاده تورجو إنما يستوجب إصلاحاً آخر لا يمكن تأجيله أو تأخيره). انظر:

Emile Durkheim: The Division of Labor in Society, Translated by George Simpson, The Free Press of Glencoe, New York, 1960, p 10.

27- راجع بهذا الخصوص:

Emile Durkheim: Professional Ethics and Civic Morals, Translated by Cornelia Brookfield, With new preface by Bryan S. Turner, Routledge, London and New York, 1957, p 1.

28- المرجع نفسه، ص3.

29- رغم ما يكشفه التحليل الدور كايمي من أن ما ينهار في حقل الحداثة إنما هو الأشكال الوسيطة التي تؤمّن انتظام دورة القواعد، فإن هذا الانهيار ليس أمراً طارئاً كما يوهمنا دور كايم بل هو مفتاح النسق الحديث الذي يؤصّل جيرمي بنثام Jeremy Bentham أهم مفاهيمه: الطاعة. للوقوف على هذا المفهوم انظر:

Jeremy Bentham: A Fragment on Government, 1776 in Peter Gay: The Enlightenment: An Interpretation, 2 vols, Wildwood House, London, 1973.

وبالرغم من ذلك فإننا مازلنا نشهد في حقل التداول الجامعي الراهن العودة إلى أصول التحليل الدور كايمي لفهم المتحركية التي دفعت بـ(دولة الرعاية) نحو الانهيار وذلك بالتعامل مع هذا الانهيار بوصفه مستجداً وعارضاً. انظر بهذا المعنى:

Pierre Bourdieu: Acts of Resistance, Against The Tyranny of The Market, Translated From French by Richard Nice, New York: Verso, 2002.

30- من حيث ظاهرة يبدو الكلام حول (لغة الإعجاز) وكأنه يدفع بحجج عقائدية تزعزع لحمة المفاهيم الإناسية، وإذا كنا نعتبر أن الأمر ليس على هذا النحو إلاّ من حيث ظاهره، فإننا نكتشف وراء هذا الظاهر ما يدحضه ويثلم حقيقته، وهو فعلاً ما قام به بول فايربند الذي يؤسّس مقالته على إدراكه لما يبدو حاسماً لقراءة نظام لغوي معين، وهو ما يتوفر عليه هذا النظام من (أفكار مفتاحية) يعرّف بها نفسه. والشرط الضروري لكي يكون لهذه الأفكار دورها الحاسم هو أن ينصاع الأنّاس لمضامينها دون أن يسعى إلى تغييرها أو تعديلها. وهكذا تكتسب لغة الإعجاز مشروعيتها هنا بوصفها فكرة مفتاحية. راجع بهذا الخصوص:

Paul Feyerabend: Against Method, Verso, London New York, 1993, p187-189.

31- لا تُفهم التلاوة في هذا اللحاظ إذا ما أعيدت قراءتها في ضوء ما سميناه منوهين بما قاله جاك بيرك دورة الإسلام الداخلية إلاّ بما هي سر النموذج الإسلامي ومفتاحه الذي إذا مس تتعطّل آليته، وهي بهذا المعنى تنفتح على أفق يحرّرها من إشكاليتها التاريخية في حقل الكتابة الإسلامية والتي تقف بها عند لوازم ممارستها برد هذه اللوازم إلى حيثيات نطقية وجسدية. حول هذه الحيثيات انظر محمد كريم الكوّاز: كلام الله، الجانب الشفاهي من الظاهرة القرآنية، دار الساقي، ط1، بيروت، 2002م.

32- انظر محمد السيد الجليند: درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية، سلسلة تقريب التراث، مركز الأهرام للترجمة والنشر، ط1، القاهرة، 1988م.

33- تشكّل الحركات الإسلامية الحديثة من هذه الحيثية انقطاعاً مفاجئاً حين تنطلق لإعادة بناء الممارسات الإسلامية التي أصابها التفكّك من الموقع الذي تحتله الدولة الحديثة من دون أن تتمكن من تفكيك هذا الموقع أو الانفكاك عنه. راجع حول هذه النقطة نص المقابلة التي أجرتها صبا محمود مع طلال أسد تحت عنوان:

Modern Power and The Reconfiguration of Religious Traditions, Sher, Volume 5, Issue 1:Contested Politics, updated February 27, 1996.

34- Emile Durkheim: Professional Ethics and Civil Morals, Translated by Cornelia Brookfield, With new preface by Bryan S. Turner, Routledge, London and New York, 1957, p 96.

35 – Bertrand De Jouvenel: Sovereignty, an inquiry into Political Good, Translated by J. F Huntington, Cambridge University Press, London, 1957.

36- للمزيد حول تكامل الأنّاس مع أهداف الدولة الحديثة راجع:

Talal Asad: Anthropology and the Colonial Encounter, ed, Ithaca Press, London, 1973.

37- Ernest Gellner: Moslem Society, Cambridge University Press, 1981.

38- ليست النصيحة إلاّ ممارسة نقدية لا يسعنا لتحديد طبيعتها إلاّ أن نميّز بينها وبين مفهوم النقد العام الذي تشكّل في سياقات التنوير، فلئن كان النقد العام في جوهره يتمثل بكونه حقاً يعطى لفئة المتنورين وحيث يُقيّد هذا الحق بالطاعة المسبقة للدولة، فإن النصيحة تستعمل بالأساس ضد الدولة وهي ليست حقاً يعطى لفئة بل واجباً على كل مسلم. للتعرف إلى هذا المفهوم انظر:

Talal Asad: Genealogies of Religion, Discipline and Reasons of Power in Christianity and Islam, The John Hopkins University Press, Blatimore and London, 1993.

39- مفتتحاً الكلام عن هذا النموذج يشير غلنر إلى هذا الاستعصاء بقوله: (فلئن كان ما يجعل الإسلام مقبولاً في العالم الحديث إنما نزعته إلى التطهر والمساواة والنصية، فلماذا لم تتحقق والحال هذه معظم النجاحات السياسية المبهرة إلاّ من جانب وجهة إيمانية تفتقد إلى هذه الخصائص لا بل إنها تقع في ما هو نقيض لها). راجع:

Ernest Gellner: Postmodernism, Reason and Religion, Routledge: London and New York, 1992, p 17.

40- المرجع نفسه، ص17.

41- التسلف بصيغته العملية هو الاقتداء بالسلف بهدف التنمذج، أما التخلق فهو تحصيل هذا التسلف/ التنمذج وتوصيله بصيغ إشارية مفصولة عن أي سماكة عبارية. بخصوص العلاقة بين هذين المفهومين في تشكّلات الإسلام الصوفية انظر طه عبد الرحمن: العمل الديني وتجديد العقل، المركز الثقافي العربي، ط3، بيروت، 2000م.

42- إن هذه العودة هي التي تفسّر تبدّل الحقل السياسي الرمزي للثورة الذي قامت عليه تجربة الخميني وذلك بإحلال لغة المجتمع المدني التي تستبدل التداول الطبيعي بتداول قولي مسلوب الفعّالية ولا تؤدي إلاّ إلى تمتين سلطة الفرض المصاغة.

43- يعبّر أرسطو عن هذه الثنائية بحصر التداول في دائرة الوسائل التي تستجيب لأهداف مصاغة سلفاً تحدّد بما هي ثابتة ولا تُحمل إلاّ على نفسها اتجاه هذه الوسائل. راجع بهذا الخصوص:

Aristotle: The Nicomachean Ethics, Translated by J. A. K. Thomson, Revised With Notes and Appendices by Hugh Tredennick, Penguin Books, London, 1983, p 119.

44- هذا ما نجده مثلاً عند طه عبد الرحمن في كتابه: سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت، 2000م.

45- نشير هنا إلى أن هذا المنحي الذي تقوم عليه قراءتنا لهذه الدعوات هو بالضبط ما نتحصّل عليه مما يوفّره النص الغلنري حولها في حقل الحداثة من إرشارات يأتي في طليعتها التغفيل عن مبدأ السيادة، أي بمفردات هذا النص تفريغ السياقات التقعيدية من الإكراه ودفعها بدلاً من ذلك نحو لغة العلامات الدلالية. للوقوف على مجمل موقف غلنر نم هذه الدعوات انظر:

Ernest Gellner: Postmodernism, Reason and Religion, Routledge: London and New York, 1992.

46- إننا إذ نشير هنا إلى المقالة الغلنرية وما اقتضته من مفاهيم تحكم بها حقل الإسلام الراهن فإننا لا نقصد بذلك أن الإناسة من حيث صيغها وسبلها علم موحد لا يشوبه التعدّد أو التنوع بل ما يموّه منها هموم هذه المقالة ويغفل عن أهدافها. كنموذج لهذا التغفيل راجع:

Lawrence Rosen: Anthropology of Justice, Law as Culture in Islamic Society, Cambridge University Press, London, 1989.

error: المحتوى محمي