الإمتلاك أو الوجود: الأسس النفسية لمجتمع جديد – إيريك فروم / ترجمة: د. حميد لشهب

الإمتلاك أو الوجود: الأسس النفسية لمجتمع جديد – إيريك فروم / ترجمة: د. حميد لشهب


مقدمة

يتمم هذا الكتاب اتجاهين في كتبي السابقة. إنه توسيع لأعمالي في ميدان التحليل النفسي الإنساني الراديكالي ويركز على تحليل الأنانية والإيثار كتوجهان أساسيان للطبع. سأتمم في الثلث الأخير لهذا الكتاب، الجزء الثالث، موضوعا شغلني في كتاب “المجتمع السليم” (1955أ) و في كتاب “ثورة الأمل” (1968أ): أزمة المجتمع الحديث وإمكانيات حلها. ولهذا السبب، فإن هناك بعض التكرارات لما قيل في هذين الكتابين، لم يكن بالمستطاع تجاوزها؛ لكن أتمنى أن تكون وجهة النظر الجديدة في هذا الكتاب، التي اعتمدتها في كتابة هذا العمل المتواضع، والإطار الموسع له، أن تحضى باهتمام القارئ، المعتاد على قراءة أعمالي السابقة.

يشبه عنوان هذا الكتاب عنواني مؤلفين آخرين تقريبا: يشبه عنوان كتاب غابريال مارسيل “الوجود والإمتلاك” (1954) وعنوان كتاب بالتهازار شتيهيلين “الإمتلاك والوجود” (1969). كتبت هذه الكتب الثلاثة من روح النزعة الإنسانية، لكن معالجة الموضوع مختلفة فيهما. ذلك أن موقف مارسيل غابريال هو موقف ثيولوجي فلسفي، أما كتاب شتيهيلين فهو مناقشة بناءة للمادية في العلوم الحديثة ومساهمة لتحليل الواقع. أما موضوع كتابي هذا فهو تحليل إمبيريقي سيكو-اجتماعي لأنماط/طرق الوجود. وأنصح كل من يهمه الأمر بمراجعة كتابي مارسيل وشتيهيلين.

رغبة في تسهيل قراءة هذا الكتاب، ركزت المراجع إلى أدنى حد ممكن، سواء تعلق الأمر بعدد هذه المراجع أو طول الإستشهادات. هناك بعض الإحالات أدرجتها بين مزدوجتين في النص، توجد الإحالات المضبوطة في قائمة المراجع.

لم يبق لي إلا الواجب الجميل المتمثل في تقديم شكري لكل من ساهم في مضمون وأسلوب هذا الكتاب. أشكر في المقام الأول راينر فونك، الذي مثل بالنسبة لي مساعدة كبيرة في الكثير من الميادين: فقد ساعدني في مناقشات طويلة على فهم إشكاليات عويصة في الثيولوجيا المسيحية. ولم يدخر أي جهد لإرشادي إلى مراجع ثيولوجية، وقد قرأ مسودة هذا الكتاب مرات عديدة، وساعدت اقتراحاته البنائة والممتازة وكذا نقده كثيرا في إغناء مسودة الكتاب والتغلب على بعض الأخطاء. أشكر ماريون أودوميروك، التي حررت بدقة المسودة. أشكر كذلك جوان هوفس، التي نقرت النسخات المتعددة لمسودة الكتاب والتي أعطتني الكثير من النصائح المهمة فيما يخص الأسلوب والتعابير اللغوية. وأخيرا أشكر أنيس فروم التي قرأت مسودة الكتاب في أشكاله المختلفة و وافتني كالعادة بالكثير من اللإقتراحات و وجهات النظر.

 

مدخل

عدم تحقيق الآمال الكبيرة والبدائل الجديدة

نهاية وهم

كان الأمل، واعتقاد أجيال بكاملها في بداية العصر الصناعي في هذا الأمل، يتمثل في التقدم الشاسع والإعتقاد في تطويع الطبيعة والوفرة المادية وفي أكبر سعادة ممكنة وأكبر ربح والحرية الفردية الغير المحدودة. فعلى الرغم من أن الحضارة الإنسانية بدأت بالسيطرة النشيطة على الطبيعة من طرف الإنسان، لكن كان لهذه السيطرة حدودا مع بداية العصر الصناعي. ابتداء من تعويض القوة الجسدية البشرية والحيوانية بالطاقة الميكانية وبالطاقة النووية فيما بعد ومرورا بتعويض العقل البشري بالحاسوب، عزز التقدم الصناعي اعتقادنا بأننا على طريق الإنتاج اللامحدود ومن خلاله الإستهلاك اللامتناهي، كما عزز اعتقادنا بأننا سنصبح أقوى ما في الوجود عن طريق التقنية وأعلم عن طريق العلم. كان الإنسان يعتقد بأنه في الطريق ليصبح إلاها، مخلوقا قويا، باستطاعته خلق عالم ثاني، ولا تحتاج الطبيعة إلا تزويدنا بحجر بناء هذا العالم.

عاش الرجال والنساء، بدرجات تطورت أكثر، شعورا جديدا بالحرية. كانوا أسياد حياتهم، تكسرت سلاسل الإقطاعية، تحرروا من كل القيود وأصبح بإمكانهم عمل ما كانوا يرغبون فيه. على الأقل هذا ما كانوا يشعرون به. وعلى الرغم من أن هذا الأمر كان محصورا على الطبقات المتوسطة والعليا، فإنه أَمْر زرع الإعتقاد عند الآخرين، بأن هذه الحرية الجديدة صالحة في آخر المطاف لكل أفراء المجتمع، إذا تطور التصنيع بنفس الوتيرة. تحولت الإشتراكية والشيوعية بسرعة من حركة كانت تريد خلق إنسان ومجتمع جديد إلى قوة حاولت تحقيق مثال الحياة البورجوازية للجميع: البروجوازي الكوني كرجل ومرأة المستقبل. كان المرء يفترض بأنه إذا عاش الجميع في غنى ورفاهية، فإن الكل سيصبح سعيدا دون قيود. فقد شكل ثلاثي الإنتاج الغير المحدود والحرية المطلقة والسعادة دون قيود نواة دين التقدم الجديد وعوضت مدينة أرضية للتقدم “مدينة الله”. هل يدهش كون هذا الإعتقاد يزود أتباعه بالطاقة والحيوية والأمل؟

من اللازم ألا يفارق نظر المرء التأثير العظيم والطويل المدى لهذا الأمل الكبير والإنجاز المادي والعقلي المدهش للعصر الصناعي، لمحاولة فهم الصدمة التي نتجت عن عدم تحقق هذا الأمل. في الواقع، لم يكن بإمكان العصر الصناعي الوفاء بوعده الكبير هذا، ويكبر عدد الناس الذين أصبحوا يعون التالي يوميا:

  • كون السعادة وأكبر قدر من المتعة لا يتحققان نتيجة تلبية كل الرغبات ولا يقودان إلى الوجود الجيد أو الرفاهية well-being.

  • انتهى حلم الرغبة في أن نصبح أسياد أنفسنا وحياتنا بإدراك أننا أصبحنا كلنا عجلات للآلة البيروقراطية الضخمة.

  • كون تفكيرنا ومشاعرنا وذوقنا مُتحكَّم فيها من طرف التصنيع وجهاز الدولة، الذي تتحكم فيه وسائل الإعلام.

  • كون التقدم الإقتصادي ينحصر على الدول الغنية وكون الهوة بينهم وبين الدول الفقيرة يكبر يوميا.

  • كون التقدم التقني يحمل في طياته مخاطر أيكولوجية وحرب نووية، قد يقضيا على هذه الحضارة ولربما يُنهيان كل أشكال الحياة المعروفة حاليا. عندما ذهب ألبيرت شفايتسر Albert Schweizer إلى أوسلو يوم 11.1954 ليتسلم جائزة نوبل للسلام قال: “لنتجرأ لننظر للأشياء كما هي. فقد حصل أن الإنسان قد أصبح سوبرمان … لكنه لا يقدم العقلانية المافوق إنسانية التي تتطابق مع امتلاك قوة فوق إنسانية … من هنا يُصبح ما لم يعترف به المرء فيما قبل واضحا كل الوضوح، أي أن السوبرمان يصبح إنسانا يثير الشفقة كلما تطورت قوته … ما كان من الضروري أن نَعِيه قبل هذا بكثير هو أننا كسوبرمانات أصبحنا لا إنسانيين”[1].

لماذا لم يتححق ذاك الأمل العظيم؟

يرجع سبب عدم تحقق هذا الأمل، إلى جانب التناقضات الإقتصادية للتصنع المتجدرة في هذا النظام، إلى المبدئين السيكولوجيين له، أي:

  1. فهم هدف الحياة السعيدة كتحقيق أقصى حد من اللذة التي يمكن للإنسان الوصول إليها (مبدأ اللذة الراديكالي).

  2. الإعتقاد بأن الأنانية والجشع، وهي الخاصيتان التي يشجعها هذا النظام لكي يستطيع العيش، تقودان إلى الإنسجام والسلم.

من المعروف أن مبدأ اللذة قد مورس في حقب تاريخية مختلفة من طرف الأغنياء. كان من يتوفر على إمكانيات مادية هائلة، كما كان الحال عليه عند النخبة في روما وفي المدن الإيطالية في العصر الوسيط وكذا في أنجلترا وفرنسا في القرنين 18 و 19، يحاول إعطاء حياته معنى باللجوء إلى الملذات الغير المحدودة. وحتى وإن كان هذا الأمر معتادا في دوائر معينة وفي أزمنة محددة، فإنه لم ينبع من نظرية الرفاهية Wohl-Sein، التي عبر عنها كبار معلمي الحياة في الصين والهند والشرق الأوسط وأوروبا.

كان الإستثناء هو الفيلسوف اليوناني ديموستيني Aristippus أحد تلامذة سقراط (النصف الأول للقرن الرابع قبل المسيح)، الذي كان يُعلم بأن هدف الحياة هو التمتع بأقصى حد من الملذات الجسدية وبأن السعادة هي مجموع هذه الملذات. والقليل الذي نعرفه عن فلسفته وصل لنا بفضل ديوجين ليرتيوس Diogenes Laertius، ويكفي ما نعرفه عنه للبرهنة بأن ديموستيني كان راديكاليا في فهمه لمبدأ اللذة. ذلك أنه كان يقول بأن وجود رغبة ما هي الأساس الذي يُعطي الحق في تحقيقها، وبهذا فإن تحقيق هدف الحياة هو المتعة.

قد لا يمكن النظر إلى إبيقور Epikur كممثل لهذا النوع من مبدأ اللذة، كما مثله ديموستيني. فعلى الرغم من أن أبا قور كان يرى بأن اللذة “الخالصة” هي أسمى هدف، فإن ذلك كان يعني بالنسبة له “غياب الألم” (Aponia) و”استراحة الروح” (ataraxia). طبقا لأبيقور، لا يمكن للمتعة في معنى تلبية الرغبات أن تكون هدف الحياة، ذلك أن ما ينتج عن هذه اللذة بالضرورة هو العزوف عن اللذة، وبهذا يبتعد الإنسان عن الهدف الحقيقي لحياته، يعني غياب الألم. هناك وجوه شبه كثيرة بين نظرية إبيقور ونظيرتها الفرويدية. وعلى الرغم من ذلك، وعلى عكس أرسطو، يظهر بأن أبا قور يُمثل نوعا من الذاتية، طالما أن ما تقدمه الفلسفة الأبيقورية المتناقضة تسمح بتأويل نهائي لنظريته.

لا يوجد هناك أي معلم كبير عَلَّمَ بأن الوجود الفعلي لرغبة ما يُشكل معيارا أخلاقيا معينا مثل أبيقور. ما كان يهمه هو الرفاهية القصوى للإنسانية (vivere bene). فالعنصر المهم في فكره هو التمييز بين المتطلبات (الإحتياجات) المدركة ذاتيا، التي يقود تحقيقها إلى لذة لحظوية والمتطلبات التي تتجدر في الطبيعة الإنسانية ويتطلب تحقيقها تطور الإنسان. يعني أن هذا التحقق يُنتِج الرفاهية eudaimonia. بكلمات أخرى، ما كان يهمه هو التمييز بين المتطلبات الذاتية الخالصة ونظيرتها الموضوعية، مع العلم بأن النوع الأول يُعرقل تطور الإنسان، في الوقت الذي يُشجع النوع الثاني على تطور الطبيعة الإنسانية.

اهتم فلاسفة القرنين السابع عشر والثامن عشر بشكل لا لبس فيه بالنظرية القائلة بأن هدف الحياة هو تحقيق كل رغبات الإنسان كما كان يرى ذلك ديموستيني Aristippus. و قد برز هذا الفهم بسهولة عندما لم تعد كلمة “نفع/منفعة Profit” تعني “ربحا للروح”، كما كان الأمر عليه في الإنجيل وعند سبينوزا، وأصبحت ترمز إلى الربح المادي والمالي. وقد حدث هذا في الحقبة التي تخلصت فيها البورجوازية من قيودها، وبالخصوص عندما بدأ المرء يتخلص من كل أواصر الحب والتعاون، معتقدا بأن من يعيش لذاته فقط، يكون هو ذاته بشكل أكثر وليس أقلا. بالنسبة لهوبز Hobbes، كانت السعادة تتمثل في المرور من ملذة (cupiditas) إلى أخرى. وكان لاميتري La Mettrie ينصح بالمخدرات، لأنها كانت في نظره تعطي الإنطباع بالسعادة. أما بالنسبة لدوساد De Sade، فإن تلبية الدوافع الهمجية يكون مشروعا، لأنها توجد وتطالب بتلبيتها. كان هؤلاء إذن مفكرون عاشوا في حقبة الإنتصار النهائي للطبقة البورجوازية. فما كان فيما قبل ممارسا بطريقة غير فلسفية من طرف الأرستقراطية، أصبح ممارسة ونظرية للبورجوازية.

تطورت الكثير من النظريات الأخلاقية في القرن الثامن عشر، منها ما كان في شكل مذهب المتعة كالنفعية ومنها منظومات كانت ضد مبدأ اللذة، كتلك التي طورها كنط وماركس وطورو Thoreau وشفايتسر Schweitzer. لكن رجع المرء حاليا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بكثرة إلى نظرية وممارسة مبدأ اللذة في شكله الراديكالي. ذلك أن تصور المتعة الغير المحدودة أصبح يشكل تناقضا مع مبدأ العمل المضبوط وافتراض إيتوس عمل قهري، يناقض مبدأ الكسل الشامل أثناء ساعات الراحة اليومية وأثناء العطلة. ذلك أن العمل الرتيب في المصانع وروتين البيروقراطية من جهة ، والتلفزة والسيارة والجنس من جهة أخرى، يسمحان بهذا الخلط الكبير المتناقض. فالعمل القهري سيدفع الناس إلى الحمق، تماما كالعزوف التام عن العمل. ولا تطاق الحياة إلا بالمزج بين الإثنين. إضافة إلى هذا فإن هذان السلوكان المتناقضان يتطابقان مع ضرورة اقتصادية: تفترض رأسمالية القرن العشرين من جهة أقصى حد من استهلاك الخيرات المنتجة والخدمات، ومن جهة أخرى العمل الروتيني في فريق عمل محدد.

يستنتج التفكير النظري بأن مبدأ المتعة الراديكالي، وبالنظر إلى طبيعة الإنسان، لا يمثل الطريق الصحيح “للعيش جيدا”، كما أنها توضح لماذا لا يمكن أن يكون هكذا. وبغض النظر عن هذا التحليل النظري، فإن المعلومات المتوفرة تقدم استنتاجا واضحا بما فيه الكفاية، يتمثل في كون “لهثنا وراء السعادة” لا يقود إلى الرفاهية. إننا مجتمع أناس تعسين، وحيدين، يعذبنا الخوف، مكتئبين، هدامين، تابعين، أناس يفرحون عندما ينجحون في “قتل الوقت”، الذي يحاولون باستمرار ربحه.

نقوم حاليا بأكبر تجربة لم يسبق لها مثيل في محاولة للإجابة عن سؤال ما إذا كانت المتعة (كشعور خامل/سلبي، في مقابل شعور إيجابي/نشيط؛ المتمثل في الإحساس الداخلي بالطمئنينة والفرحة) حلا كافيا للمشكل الوجودي الإنساني. لأول مرة في التاريخ لم تعد تلبية الرغبة في اللذة محصورة على أقلية معينة، لكنها أصبحت في متناول نصف المجتمع في الدول الصناعية. وقد كان جواب هذه التجربة بالسلب على السؤال المطروح سابقا.

تُعتبر الفرضية السيكولوجية الثانية للعصر الصناعي، القائلة بأن عيش الأنانية الذاتية يُعزز الإنسجام والسلم والخير العام، خاطئة كذلك. فقد أكدت نتائج الدراسات النظرية بأن خداع هذه الفرضية واضح. لماذا تكون هذه الفرضية، التي لم تُرفض من طرف كبار الإقتصاديين الكلاسيكيين باستثناء دافيد ريكاردوDavid Ricardo ، صحيحة؟ إن الأنانية ليست فقط جانبا من جوانب سلوكي، لكنها تعتبر طبعا من طباعي. إنها تعني بأنني أريد أن يكون لي كل شيئ وبأن ما يُمتعني ليس هو الإقتسام، لكن الإمتلاك لوحدي، وبأنه من الضروري أن أكون جشعا دائما، وإذا كان الإمتلاك هو هدفي، فإنني أكون موجودا أكثر، كلما كنت أملك أكثر وبأنني معادٍ لكل الآخرين، أكانوا زبناء لي أغشهم أو منافسين لي أفلسهم أو مشتغلين عندي أستغلهم. لا يمكن أن أصبح قنوعا وراض، لأن لا حدود لرغباتي. يجب أن أحسد أولائك الذين يمتلكون أكثر مني، وأخشى من ليس له شيئا. لكن لابد أن أكبت كل هذه المشاعر، لأظهر لنفسي وللآخرين بأنني إنسان بشوشا، عاقلا، صادقا، طيبا.

يقود الجشع إلى صراع طبقي لانهائي. ذلك أن ادعاء الشيوعيين كون نظامهم سينهي الصراع الطبقي بالقضاء على الطبقات ما هو إلا ضرب من الخيال، لأن نظامهم يتأسس كذلك على مبدأ الإستهلاك اللامحدود كهدف للحياة. فطالما أن كل واحد يريد أن يمتلك أكثر، تتكون الطبقات بالضرورة وتندلع الحروب على الصعيد العالمي. فالشجع والسلم يستبعد بعضهما البعض الآخر.

لم يكن باستطاعة مبدأ اللذة الراديكالي والأنانية الغير المحدودة أن يصبحا المبدأ القائد في السلوك الإقتصادي، لو لم يحدث في القرن الثامن عشر تغيير جوهري. كان السلوك الإقتصادي في العصر الوسيط وفي المجتمعات المتقدمة أنذاك، بل وكذا في المجتمعات البدائية، مؤسسا على مبادئ أخلاقية. كانت أصناف الإقتصاد كالثمن والملكية الخاصة عند علماء الدين الوسيطيين مثلا مواضيع الأخلاق الثيولوجية. وحتى وإن كان هؤلاء العلماء يجدون دائما تعابيرا تتماشى فيها منظوماتهم الأخلاقية مع المتطلبات الإقتصادية الجديدة (فقد عَدَّلَ طوماس الأكويني مثلا مفهوم “الأجر العادل”)، فإن السلوك الإقتصادي قد بقي جزء من السلوك العام للناس وكان بهذا تحت سيطرة التصورات القيمية للأخلاق ذات النزعة الإنسانية. لكن رأسمال القرن الثامن عشر أتى بتغيير جذري في هذا المضمار، تم في خطوات متعددة: تم إبعاد السلوك الإقتصادي عن الأخلاق والقيم الإنسانية. فقد أصبح المرء يرى الميكانيزمات الإقتصادية كميكانيزمات مستقلة عن حاجيات وإرادة الإنسان. أصبح الإقتصاد إذن منظومة تعتمد على قوانينها وقوتها الداخلية. كان يُنظر إلى بُؤس العمال وإفلاس العديد من المقاولات الصغرى، كنتيجة للتطور الهائل للشركات الكبرى، كضرورة اقتصادية لابد منها، قد يتأسف المرء على هذا البؤس وهذا الإفلاس، لكن لابد من قبوله كقبول القوانين الطبيعية.

لم يعد ما يحدد تطور هذا النظام الإقتصادي الإجابة عن سؤال: ما هو جيد/أحسن بالنسبة للإنسان؟ لكن: ما هو جيد لتطور هذا النظام؟ وقد حاول المرء تغطية حدة هذا التناقض عن طريق الأطروحة القائلة بأن كل ما يخدم تطور هذا النظام (أو شركة عظمى منه)، يعزز كذلك رفاهية الإنسان. وقد تأسست هذه الأطروحة على ركيزة مفادها كون ما يتأسس عليه هذا النظام – الأنانية، حب الذات، الجشع- هي أمور قابعة في فطرة الإنسان، وبهذا فإن اللوم يجب أن يطول الطبيعة الإنسانية وليس النظام. وتعتبر المجتمعات التي لا توجد فيها الأنانية وحب الذات والجشع في نظر هذا النظام، مجتمعات “بدائية” والمنتمين إليها “ساذجين”. ولم يُرِد المرء الإعتراف بأن هذه الخاصيات الطباعية، ليست غرائز طبيعية، قادت إلى تشكيل النظام الصناعي، لكنها نتيجة الشروط الإجتماعية.

 

الضرورة الإقتصادية لتغير الإنسان

تَحدَّثت لحد الساعة على كون الخصائص الطباعية وطريقة عيشنا المتأثرة بنظامنا السوسيو-اقتصادي هي طباع مرضية، والنتيجة هي أنها تسبب في مرض الإنسان والمجتمع. لكن هناك وجهة نظر مغايرة ترى في التغيير النفسي العميق للإنسان بديلا عن الكارثة الإقتصادية والأيكولوجية المحدقة به من جراء النظام الحالي. وتوجد وجهة النظر هذه في تقريرين لمنتدى روما، الأول قام به دينيس هـ. ميادوفس Dennis H. Meadows و آخرون (1972)، والثاني قام به م. د. ميزاروفتش M.D. Mesarovic و بيسطل E. Pestel (1974). اهتم التقريران بالوضع العالمي الراهن للتطور التكنولوجي والإقتصادي والديموغرافي. ويستنتج ميزاروفتش وبيسطل بأن “الكارثة العالمية العظمى” لا يمكن تجاوزها إلا بتغيير جذري، طبقا لخطة اقتصادية و تيقنولوجية عالمية محكمة. وتتأسس أطروحتهما على المعطيات التي تقدمها بحوث نسقية كثيرة في الميدان. يمكن للمرء القول بأن لدراستهما هذه أفضلية فيما يخص منهجها بالمقارنة مع دراسة ميادوفس وآخرون. لكن دراسة هؤلاء الأخيرين تذهب إلى أبعد ما ذهبت إليه دراسة ميزاروفتش. ذلك أن هذا الأخيرة وبيسطل يريان بأن هذا التغيير الإقتصادي لا يكون ممكنا إلا شريطة تغيير جذري في القيم الإنسانية الأساسية ( أو كما أسمي ذلك شخصيا توجه الطبع الإنساني) اتجاه الطبيعة، في معنى أخلاق ومواقف جديدة اتجاه هذه الطبيعة. فتأكيداتهم لا تقوم إلا بالتأكيد من جديد على ما جاء في تقرير ميادوفس وبيسطل، وهو تقرير يرى بأنه لا يمكن أن يقوم مجتمع جديد، إلا بقيام إنسان جديد في عملية تنمية هذا المجتمع؛ يعني بكلمات متواضعة بأن هذا المجتمع غير ممكن دون تغير جذري في الأساس الطباعي للإنسان المهيمن حاليا.

للأسف أن التقريرين معا كُتبا طبقا لروح طريقة كمية في تحليل المعلومات، الموغلة في التجريد وتبدد الشخصية الباحثة، وهذا ما يميز بحوث العلوم الإنسانية حاليا. إضافة إلى هذا فإنهما لا يعيران أي اهتمام يذكر للعوامل السياسية والمجتمعية. وعلى الرغم من ذلك فإنهما يقدمان بيانات جد مهمة ويهتمان لأول مرة بالوضع الإقتصادي لكل الإنسانية وبإمكانياتها ومخاطرها، حتى وإن كانت استنتاجاتهما، التي تؤكد على ضرورة أخلاق جديدة وتغيير الموقف من الطبيعة، متناقضة بطريقة واضحة مع مبادئهما الفلسفية.

يطالب شوماخر E. F. Schumacher وهو عالم اقتصاد كذلك وإنساني راديكالي، بتغيير إنساني جذري. ويتأسس مطلبه على فكرة كون النظام المجتمعي الحالي يساهم في مرض الإنسان وبأن المرء يسير بخطى حثيثة نحو كارثة اقتصادية، إذا لم يغير نظامه الإجتماعي بطريقة عميقة.

إن التغيير الجذري للإنسان بطريقة راديكالية ليس مطلبا أخلاقيا أو دينيا ولا يعتبر مسلمة سيكولوجية فقط، نتجت عن الطبيعة المرضية لمجتمع اليوم، لكنها شرط لاستمرار الإنسان في الحياة. إن العيش بشكل صحيح لا يعني العيش طويلا ولا تنفيذ أمر أخلاقي أو ديني. لأول مرة في التاريخ، يتوقف الإستمرار النفسي للإنسان على تغيير عقلي راديكالي له. ولا يكون هذا التغيير ممكنا في “قلب” الإنسان إلا في حدود تغيير جوهري للإقتصاد والمجتمع، اللذان يسمحان له بالتغير وبالشجاعة وقوة التمثل التي يحتاجها لتحقيق هذا التغيير.

 

هل هناك من بديل عن الكارثة؟

كل البيانات التي ذكرناها موضوعة رهن إشارة العموم ويمكن لكل واحد الإطلاع عليها. لكن ما لا يصدق هو أن المرء لم يقم بأي شيئ يذكر لتجنب الخطر المحدق بنا. فلا الأشخاص الذاتيين يكترثون بجدية لهذا الأمر ولا من وكلت لهم الأمور استطاعوا التصدي لهذه الكارثة.

أيعقل أن أكبر وأهم غريزة، ألا وهي غريزة حب البقاء، لم تُشَغَّلْ عند الإنسان بالنظر إلى الوضع الكارثي الحالي؟ يتمثل أقرب شرح لهذا الأمر في كون السياسيين في الكثير مما يقومون به، يقدمون نظريا تدابير ناجعة لتجنب الكارثة. تعطي الكثير من المؤتمرات والقرارات ومفاوضات نزع السلاح الإنطباع كما لو أن المرء قد فهم المشكل ويقوم بشيئ لحله. والواقع أن لا شيئ يتم يمكنه مساعدتنا، بل أن الحاكمين والمحكومين يخذرون ضميرهم ورغبتهم في الإستمرار في الحياة، بإيهامهم بأنهم يعرفون الطريق ويمشون في السبيل الصحيح.

هناك شرح آخر يتمثل في كون الأنانية الناتجة عن النظام تدفع السياسيين لتفضيل شهرتهم على مسؤوليتهم الإجتماعية اتجاه البشر. لا يشعر أي أحد منا بأكثر من الصدمة عندما تختار الدولة والزعماء الإقتصاديين قرارات تخدم مصالحم الشخصية، لكنها تكون خطيرة وضارة بالنسبة للعموم. والواقع هو أنهم لا يمكنهم التصرف بطريقة أخرى، إذا كانت الأنانية هي أساس من الأسس الأخلاقية حاليا. الظاهر هو أنهم لا يفهمون بأن الجشع (تماما كالخضوع) يُسَفِّهُ البشر ويسلب منهم القدرة على اتباع مصالحهم الحقيقية، سواء أكان الأمر يتعلق بحياتهم الشخصية أو بحياة زوجاتهم وأطفالهم (انظر في هذا الإطار جون بياجي 1932). في نفس الوقت، فإن الإنسان المتوسط الحال قد أصبح أنانيا ومنشغلا بأموره الخاصة، بحيث إن كل ما يخرج عن ميدانه الشخصي لا تكون له أهمية كبيرة بالنسبة له.

يتمثل السبب الثالث لموت غريزة حب البقاء فينا في كون الأفراد يرون أنفسهم كقرابين لهذه الكارثة التي تظهر في الأفق. ويعتبر هذا الأمر منتشرا حاليا، وقد قدم لنا أرتور كوستلر Arthur Koestler مثالا ساطعا على هذا في وصفه لمُعاش أثناء الحرب الأهلية في إسبانيا. فقد كان جالسا في فيلا فخمة لصديق له عندما أُخبر باقتراب فيالق جيوش فرانكو. لم يكن هناك شك في أنهم سيصلون الفيلا ليلا، وكان يعي بأن المرء سيطلق النار عليه. كان بإمكانه أن ينقد حياته بالهروب. لكن الليل كان باردا جدا وممطرا وكانت الفيلا دافئة ومريحة. قرر أن يبقى ويُلقى عليه القبض. وكمعجزة وبعد أسابيع من إلقاء القبض عليه، أُنقدت حياته بفضل صحافي كان صديقا له. نفس السلوك نجده عند بعض المرضى الذين يفضلون المغامرة بحياتهم عندما يكونون مرضى بالفعل ولا يزورون طبيبا خوفا منهم أن يكون التشخيص خطيرا وقد يُرغمون على عملية جراحية.

باستثناء هذه الأسباب لهذه السلبية القاتلة للإنسان، عندما يتعلق الأمر بالحياة أو الموت، فإن هناك سبب آخر، وهو الذي دفعني إلى تأليف هذا الكتاب. يتمثل هذا السبب في الإعتقاد السائد بأنه ليس هناك أي بديل عن الرأسمالية الإحتكارية أو الإشتراكية الديمقراطية أو الإشتراكية السوفياتية أو التيقنوقراطية “الفاشية بوجه مبتسم”. ويرجع سبب شعبية وجهة النظر هذه في جانبها الأكبر إلى عدم محاولة دراسة إمكانيات تحقيق نماذج اجتماعية جديدة والقيام بتجارب في هذا الإطار. وبغض النظر عن هذا، فطالما أن مشكل إعادة تشكيل المجتمع لا يجد له مكانا ولو صغيرا في ذهن علمائنا، وإمكانية إعادة التشكيل هذه تتوفر في العلوم الطبيعية والتقنية كل في ميدان دراسته، وطالما أن العلوم الإنسانية لا تتوفر على الجاذبية التي للعلمين السابقين ، فإن القوة والرؤية لإيجاد بدائل جديدة ستبقى غائبة.

إن الموضوع الرئيسي لهذا الكتاب هو تحليل نمطي الوجود الإنساني: الإمتلاك والوجود. سأعرض في الجزء الأول بعض الملاحظات للتمييز بين هذين النمطين من الوجود، وهي ملاحظات تكون واضحة من الوهلة الأولى. وسأخصص الجزء الثاني لاستعراض سلسلة من الأمثلة من الحياة اليومية للإختلافات بينهما، وهي أمثلة قد يعيشها أو عاشها القارئ نفسه. ويتضمن الجزء الثالث وجهات نظر متعلقة بالإمتلاك والوجود كما نجدها في العهد القديم والجديد وكما نجدها عند المايستر إيكهارت Meister Eckhart. وسيكون الجزء الرابع أصعب جزء لأنني سأحلل فيه الفرق بين نمط الحياة الإمتلاكي ونظريه الوجودي، وأحاول أن أصل من خلاله إلى نتائج نظرية على أساس المعلومات التجريبية. وإذا كان هذا الكتاب يهتم في هذه الأجزاء الأربعة بالجوانب الفردية لهذين النمطين الأساسيين للحياة ، فإن الجزء الخامس سيهتم بأهميتهما بالنسبة لإقامة إنسان ومجتمع جديدين وستُشرح الإمكانيات المتوفرة لخلق بدائل عن الكارثة التي تحدثنا عنها وعن مرض الإنسان والمجتمع، وهي بدائل قد تساعد على تطوير سوسيو-اقتصادي للعالم كله.

 

يتبع

 


[1]  انظر: A. Schweizer, 1966, S. 118-120