الأسس الحقيقية للشخصية – يوخن باولوس / ترجمة: محمد المهذبي

الأسس الحقيقية للشخصية – يوخن باولوس / ترجمة: محمد المهذبي


كيف ينظر إليك الآخرون؟ هل أنت شخص موثوق به، مخلص، متسامح، منفتح على الجديد؟ عصابي؟

يؤكد علماء النفس أنه يمكننا بالاعتماد على هذه الصفات الخمس أو “الخمس الكبار” “Big Five” كما تسمى، أن نصف أنفسنا والآخرين بدقة. هل هذه السمات المميزة للشخصية فطرية؟ إن كان الرد بالإيجاب، فهل نستطيع آنذاك أصلاً تغيير سماتنا الأساسية؟

إن الجدل القائم حول الأهمية التي يكتسبها النموذج المبسط “للخمس الكبار” لم يحسم إلى الآن.

هناك نظرياً عدد لا حصر له من الإمكانات تقريباً لوصف شخص ما. فحين عمد عالم النفس غوردون ألبورت Gordon Allport واحد زملائه في الثلاثينيات من القرن العشرين إلى استقصاء أحد المعاجم الأمريكية، أحصيا مالا يقل عن 17,953 لفظاً مختلفاً، تعبر عن طبائع إنسانية. ولا يمكن طبعاً ربط أي كلمة بكلمة أخرى شكل معقول. إذ لو وصفنا شخصاً ما بأنه “بطيء” مثلاً، فليس من المعقول أن نعتبره في الوقت نفسه “سريعاً”، لكنه يبقى مع ذلك ما يكفي من الخيارات كي نجد لكل شخص تركيباً جديداً متفرداً يسمح لنا بتمييزه عن غيره بدقة.

نحن في الحقيقة، ودون أن ننتبه لذلك، لا نستغل كل الثراء اللفظي المتوفر لدينا، بل نلجأ عوضاً عن ذلك إلى إخضاع أنفسنا وغيرنا إلى نماذج على درجة كبيرة من التبسيط.

بدأت قصة هذا الاكتشاف المثير، الذي أدى إلى القلب مجال أبحاث علم النفس عن الشخصية رأساً على عقب خلال خمسينيات القرن العشرين في القوات الجوية الأمريكية. كان إرنست توبس Eenest Tupes وريموند كريستال Raymond Christalيشتغلان هناك كعالمي نفس وقاما باختبار ضباط في طور التدريب. قدما لهم قائمة من النعوت والأوصاف وطلبا منهم استعمالها في الحكم على بعضهم بعضاً. وعندما قاما بتحليل الأجوبة مستعينين بمنهج “تحليل العوامل” الرياضياتي، لاحظا أن أحداً من الضباط لم يستعمل النعوت بشكل مستقل عن البعض بل تم وضعها داخل مجموعة من القوالب. لقد تصرف الضباط كما لو لم يكن لزملائهم، الذين طلب منهم وصفهم، سوى خمس سمات شخصية.

لم يكن ذلك بأي حال ظاهرة مرتبطة بضيق أفق التفكير العسكري، مثلما لاحظ الباحثان، إثر مقارنة ما توصلا إليه بنتائج أربع دراسات أخرى مشابهة. ففي كل تلك الدراسات ظهرت العوامل الخمسة نفسها، في صورة أقرب ما تكون إلى صفات إنسانية عليا.

ومنذ ذلك الحين، أعاد علماء النفس التجربة مراراً، فحصلوا في جلّ الحالات على نتائج مشابهة.

وفي ألمانيا قام أستاذ علم النفس بجامعة بيلفلد، ألواس أنغلايتنر Alois Angleitner، مع فريق ضمّ ثمانية باحثين، بتحليل معجم “فاريغ” Wahrig للغة الألمانية مركزين على الألفاظ الدالة على صفات إنسانية، ثم اختاروا منها 430 صفة. إثر ذلك قام متطوعون كثيرون من الناطقين بالألمانية، بوصف أنفسهم ومعارفهم بالاعتماد على تلك الألفاظ. ولما أنهى الأستاذ أنغلايتنر تحليل النتائج بوساطة الحاسوب، تجلّت مرة اخرى تلك السمات الشخصية الخمس التي أصبحت معروفة لدى المتخصصين “بالخمس الكبار” وهي:

  • الانبساط (اللاانطوائية)

  • العُصَابية ونقيضها الاستقرار العاطفي

  • التسامح (حُسن المعشر)

  • الإخلاص

  • الانفتاح على التجارب الجديدة

ومع ذلك، فإن الكثيرين من المتخصصين في دراسات الشخصية الإنسانية، قد اعتبروا القائمة المذكورة أشبه بالإجابة التي قدمها الحاسوب في رواية “جولة في المجرّات” ردّا عن سؤال متعلق “بالحياة وبالكون وبقية ما في الوجود”، حيث اكتفى الحاسوب بإعطاء رقم هو 42! تلك إذن إجابة عن كل ما أردنا معرفته، ولكن هل فهمنا شيئا؟

لماذا تعتبر الصفات المذكور بالذات أبعاداً أساسية للشخصية والحال أنها تبدو أقرب إلى قائمة اعتباطية لا تخضع لنظام ظاهر؟ وحتى لويس غولدبرغ Lewis Goldberg الذي يعود له الفضل في إعطاء الصفات “الخمس الكبار” بريقها الكامل، فقد اعتبر القائمة المشار إليها “كابوسا جماليا”. تفسير هذه الصفات ربما يكون شبيها بالتفسير الذي أُعطي لوجود خمسة أصابع تماماً في يد الإنسان دون أي سبب واضح يعلّل درجة طولها، سوى الافتراض بأن تلك الأصابع قد ثبتت قيمتها خلال مسار النشوء والتطور الطبيعي.

يَكْمُنُ وراء عملية استقصاء المعجم، الأمل في إعادة اكتشاف التجربة التراكمية “للإنسان العاقل” Homo Sapiens مع أقرانه كما تنعكس في التراث اللغوي. وقد ذهب إلى ذلك الباحث الكبير ريموند كاتلّ Raymond Cattel في الأربعينيات من القرن العشرين: “كل أوجه الشخصية الإنسانية، سواء كانت مهمة أو مثيرة للاهتمام أو نافعة أو كانت كذلك في السابق، وجدت لنفسها منذ زمن صدى في صلب اللغة”.

نستطيع القول انسجاماً مع هذا المنطق إن البشر قد تعلموا خلال مسار تطورهم الاهتمام بصفات أقرانهم التي يحتمل أن يكون لها دور حاسم في صراعهم من أجل البقاء. فمنذ عهد إنسان الـ”نياندرتال Neandertal” بدا مُهماً أن يعرف المرء إن كان بوسع شخص آخر يشارك في رحلة صيد جماعية أن ينفّذ مهماته، بشكل صحيح، أي إن كان يوثق به، وكذلك التعرف على أولئك الذين يمكن لهم في ظروف صعبة ابتكار أساليب جديدة، أي إن كان الانفتاح على تجارب جديدة يمثل أحد سماتهم الجوهرية. إن كل صفة من “الخمس الكبار”، كما يبرهن غولدن برغ، هي بمثابة ردّ على أحد الأسئلة التي يطرحها الناس عندما يلتقي الواحد منهم بالآخر لأول مرة، مثلا: “هل إن “ج” متسامح أي دافئ القلب وحسن المعشر أم غير متسامح أي بارد ومنكمش؟”. ومن الضروري للمرء الاهتمام بمثل تلك الخصال الأساسية، كما تجلى ذلك مثلاً عندما استجوب مايكل بوتوين Micheal Botwin من جامعة ولاية كاليفورنيا 166 زوجاً من حديثي العهد بالزواج. لم يكن من باب المصادفة أن المستجوبين قد أعطوا قيمة كبرى لوجود قرين يتميز بالتسامح. فمن له قرين بهذه الصفة، لم يكن فقط أكثر رضى عن علاقته الزوجية، بل أيضاً عن حياته الجنسية وشعور أكثر باقتراب الآخر منه والاستمتاع بحديثه والتسلية معه. الانفتاح على تجارب جديدة بدوره كان أمراً مطلوباً جداً، لا سيما عند أولئك الذين يملكون أيضاً مثل هذا الانفتاح. وكما اتضح فإن الانفتاح يجعل الحياة المشتركة أكثر متعة، تماماً مثلما يفعل الاستقرار العاطفي. وخلافاً لذلك فإن الإخلاص في حد ذاته يساهم بدرجة أقل في خلق السعادة الزوجية، رغم أن الرجال الذين لهم قرينات يتميزن بالإخلاص، كانوا أكثر رضى عن حياتهم الجنسية (وهذا ما لم يستطع الباحثون تقديم أي تفسير له).

تميل النساء إلى الرجال المنبسطين على الرغم من أنهن لا يكترثن بمن يتمتع بلباقة الحديث أو بلطف المعشر قدر اكتراثهن بصفة السيطرة التي تصنف في خانة الانبساط من بين “الخمس الكبار”. وتفسير ذلك، حسب افتراض “بوتوين” وزملائه، أن النساء تعودن خلال مسار النشوء والتطور على الميل إلى الرجال المسيطرين لأنهم الأكثر حظاً في الحصول على مكانة رفيعة في هرم المجتمع، مما يمكنهم من ضمان إعالة الأبناء.

لم تكن لكل المشتركين والمشتركات في الدراسة الميول نفسها طبعاً، حيث اهتم البعض أكثر بصفات معينة واهتم آخرون بصفات أخرى. ومن المثير للانتباه، فضلاً عن ذلك، أن الأولوية لم تعْط لما من شأنه تحقيق الرغبات الفردية، إذ إن صفات مثل التسامح تساهم في تحسين العلاقة ولو أنها لا تحظى بالمنزلة الأولى لدى القرين، في حين أن خصالاً وسجايا أخرى تحطم تلك العلاقة.

بينت دراسة “دافيد باس” David Buss، المتخصص في علم النفس التطوري، بدقة جوهر الخطط التي يتبعها الرجال للمحافظة على زوجاتهم. فالرجال المتسامحون يعبرون عن مدى حبهم لزوجاتهم ويعتنون بهن بتفان. أما الرجال الأقل تسامحاً فيحلو لهم إظهار زوجاتهم في مظهر سيئ أمام الرجال الآخرين من أجل إبعاد المنافسين. في حين يسعى العصابيون إلى منع أي اتصال بمنافس محتمل ويحاولون أن يبينوا لقريناتهم مدى غباء الرجال الآخرين. المنبسطون من جانبهم يتبجحون بالهدايا الثمينة وينفقون بسخاء على زيارة مطاعم راقية. ونحن نجد الانطوائيين بالمقابل يتصاغرون ويتعهدون أن يكونوا خدماً مخلصين. أما عندما تنعدم صفة الانفتاح على الجديد، فإن الصورة الكامنة للمتجبر تطفو على السطح وهو ملوح بهراوة لحماية حرمه. وإذا نظرنا إلى من هم أقل إخلاصاً فإننا نجدهم يتوددون إلى نساء أخريات تحت أنظار قريناتهم أو يخرجون معهن من أجل إثارة غيرة الزوجة.

لا يتوقف الأمر عادة عند التهديد، كما أن تأثير الشخصية لا يبدو واضحاً للعيان عند الرجل فقط. ومثلما لاحظ “باس”، فإن المتزوجين من الجنسين يلجؤون إلى خيانة القرين، بطريقة أكثر تواتراً، كلما انعدمت صفة الإخلاص. وقد أشار الباحث بنوع من الاستغراب، فيما يتعلق بهذه المسألة، إلى أن الأمر ينطبق أيضاً على النساء اللواتي يتميزن بانفتاح كبير على التجارب الجديدة، ربما لأنهن يجدن في الخيانة أيضاً تجربة جديدة مثيرة.

لا أحد يدعي اليوم أن القيم المدرجة على سلم “الخمس الكبار” تصلح لأن تكون بمثابة الأبراج الفلكية للمتزوجين. إلا أنها مع ذلك يمكن أن تسمح إلى حد ما بتوقع درجة السعادة الزوجية. لقد أثبت فيكتور جوكن Victor Jockin وعلماء آخرون من جامعة مينيسوتا، إحصائيا، أن 21,5% من حالات الطلاق يمكن تفسيرها بالعودة إلى شخصية كلا الزوجين.

صفات الشخصية تلعب أيضاً دوراً فيما يتعلق بالمشاكل النفسية، كما أن لها تأثيراً في حظوظ نجاح العلاج النفسي. فالأشخاص المتميزون بعدم الاستقرار العاطفي، يميلون إلى الاكتئاب، أما المنبسطون فينجحون أكثر من المنطوين في التخلص منه، حتى ولو اقتصر علاجهم على الأدوية. ويتعرض الأشخاص الأقل انفتاحاً على الآخرين إلى الانهيار من جراء الأرق بسهولة أكبر من غيرهم. تلك على الأقل نتيجة إحدى الدراسات التي قامت بها جامعة ستانفورد. أسباب ذلك ليست واضحة، ولكن يمكن الافتراض أن المرضى الأقل انفتاحا يعتقدون أنهم لم يتمكنوا من النوم لمدة أطول إلا بفضل تلقي العلاج النفسي. وهذا في الحقيقة ما لم يؤكده الأطباء النفسيون.

نتائج الدراسات المتعلقة بالحياة المهنية تبدو أكثر معقولية ووضوحاً، حيث ثبت أن الشخص المنفتح على التجارب الجديدة يشارك بنجاح كبير في الدوريات التدريبية. أما المنبسطون فيثبتون جدارتهم على وجه الخصوص في الوظائف التي تستوجب التفاهم مع الآخرين، مثل التجارة أو إدارة المؤسسات. ونلاحظ الاستقرار العاطفي لدى الطيارين مثلاً، إذ إن طياري القوات الجوية أو الطيران المدني “يقتربون كثيراً بسبب متانة أعصابهم عن الشكل التقليدي للطيارين المقاتلين” مثلما أكدت إحدى الدراسات.

ومع ذلك فلا يمكن القول إن بعض سمات الشخصية تقتصر أهميتها على مهن دون أخرى. فـ”الخمس الكبار” لها تأثيرات مهمة إلى حد ما على مدى النجاح في العمل عامة. فصفة التسامح مثلاً مهمة بالنسبة لمهن كثيرة، ومع ذلك فقد تبين من نتائج دراسة كبيرة شملت 13 ألف شخص، أن تلك الصفة لا ترتبط بالنجاح المهني إلا درجة 0,733. وهذا ليس كثيراً ولكن لا يمكن تجاهله مع ذلك.

ربما يغلب على علماء النفس المتخصصين في دراسة الشخصية الاهتمام بصفة الإخلاص. وكما بينت دراسات عديدة، يفضل سوق العمل عموماً المستخدمين المخلصين بدرجة أولى، ليس دون سبب مثلما اتضح. فالمخلصون ليسوا فقط أكثر دقة في عملهم، بل هم أيضاً يميلون أقل من غيرهم للعنف وخصوصاً للسرقة. وتُكلّف سرقة المستخدمين الشركات الأمريكية 60 مليار دولار سنوياً، حسب بعض التقديرات. ولذا تسعى الشركات، في المقام الأول، إلى عدم تشغيل من هم أقل إخلاصا على الإطلاق. وهذا ما جعل ملايين من الأمريكيين الباحثين عن العمل سنويا يضطرون إلى ملء استمارات تتعلق بما يسمى باختبارات الاستقامة وتهدف إلى الكشف، ولو جزئيا، عن مدى نزاهة المٌستَجوَب بوساطة أسئلة يصعب التفطن إلى مراميها. غير أنه تُطْلَبُ أحياناً الإجابة مباشرة ودون مواربة عما إذا كان المرشح للعمل قد ارتكب سرقة في أثناء عمله السابق. ومما يثير الانتباه أن الكثيرين يعترفون بارتكاب سرقات.

ينتقد البعض استخدام مثل هذه الأساليب لأسباب أخلاقية إلا أن ذلك لا يؤثر كثيراً في العديد من الشركات نظرا لأن الأساليب المذكورة قد أثبتت نجاحها، وهو ما يغري فعلاً بالاقتصار قدر الإمكان على تشغيل أشخاص يتمتعون بشخصية “الخمس الكبار”. ولحسن حظ بعض مستخدمي إحدى الجامعات الأمريكية، أن دراسة لـ”تيموثي جادج”Timothy Judge لم تكن تخدم إلا أغراضا “الخمس الكبار” بمعطيات مأخوذة من دائرة الموظفين، تبين إحصائيا أن المستخدمين الأكثر إخلاصا ينقصهم يومان من إجازتهم السنوية مقارنة بمعدل الإجازات العام.

ويمكن للقضاء أيضاً أن يهتم في يوم من الأيام بالصفات “الخمس الكبار”، حيث أثبتت بعض الدراسات أن الشباب ممن لديهم درجات أقل من التسامح، يميلون في الغالب إلى السرقة وإلى العنف. ومن ناحية أخرى فقد ثبت أنه كلما ازدادت درجة الكحول في الدم لدى السائقين المحكوم عليهم من أجل القيادة في حالة السكر، كلما قلّت درجاتهم من الإخلاص.

إذا أخذت الكثير من النتائج المذكورة بحد ذاتها فهي ليست مثيرة للاستغراب، وإنما يمكن العجب في تركيبها بعضها ببعض: يتبين من دراسة حالات مختلفة تمام الاختلاف، أن الصفات نفسها تتأكد أهميتها مهما كانت الظروف. فمن يخون زوجته في حياته الخاصة، يميل في العمل أيضاً إلى عدم الجدية. وهذا ليس أمراً بديهيا على الإطلاق، إذ بقي يُعتَبر من جانب المختصين، لمدّة طويلة مجرد تصورات ساذجة للعامة.

يزعم بعض علماء النفس اليوم أيضاً أن الظرف الآني وحده هو الذي يحدد تصرفنا، وبالطبع فللمحيط تأثير كبير أيضاً. إن تلميذاً صغيراً كان يملأ الدنيا ضجيجا في أثناء فترة الاستراحة، قد يصبح هادئا تماماً، عندما يعود إلى داخل الفصل الدراسي. لا أحد بالتأكيد يحس أنه متروك فقط لتأثير محيطه. فكل واحد منا يعتبر نفسه شجاعا أو حذراً أو اجتماعياً أو عصرياً او متعصباً أو غير ذلك. إن ما يرسم شخصيتنا بالدرجة الأولى هو تلك الصفات التي نملكها بغض النظر عن وضعنا المعيشي. وبغير هذه الصفات الأساسية يصبح مفهوم الشخصية ذاته غير ذي معنى. وربما يكون ذلك ما جعل بعض المُنظّرين يفضلون إبعاده من مجال علم النفس.

من المؤكد أن مفهوم الشخصية قد عاد ظافرا إلى علم النفس بفضل “الخمس الكبار” التي حققت ما وصفه “غولد برغ” Gold berg بـ”الثورة الهادئة”. فقد طور “بول كوستا” و”روبرت ماك كري” P.Costa، R. McCrae، اختبارا كتب له الرواج، يسمح بقياس العوامل الخمسة. وبيّن أستاذ علم النفس بجامعة “بيلفلد”، “أنغلايتنر” و”فريتز أو ستندورف” F. Ostendorf أن الكثير من اختبارات الشخصية الأخرى تقيس “الخمس الكبار” بدورها، حتى ولو كانت الصفات فيها تتخذ أسماء مختلفة. ويذهب، “روبرت ماك كري” و”أوليفر جون” O. John إلى الزعم بأن الاهتداء إلى “الخمس الكبار” يمثل “الاكتشاف الفعلي للأسس الحقيقية للشخصية”. أما عند باحثين آخرين، فهي في المقام الأول نموذج تنظيمي مبسط يسمح باستجلاء صفات عديدة للشخصية من بين تلك التي اقتصر علماء النفس إلى حد الآن على افتراض وجودها. ويشك المنتقدون في إمكانية العثور على السمات الحقيقية للشخصية في ثراء لغة الإستعمال اليومي للعامة.

لا يتوقف الهجوم على أسس هذه الفكرة بل يمتد إلى تطبيقاتها، إذ ان عالم النفس الشهير والمختص في دراسات الشخصية “جاك بلوك” J. Block يعيب غياب عبارات ذات شحنات قيمية كبرى في قائمة الألفاظ المستعملة مثل “ممتاز” أو “خبيث”، وهي ألفاظ استخلصت منها “الخمس الكبار” في الأصل.

أما المدافعون عن هذه النظرية فيستدلون ببحوث كثيرة تم التوصل فيها إلى العوامل الخمس المشار إليها بما في ذلك إحدى نتائج اختبارات الشخصية التي طورها “بلوك” نفسه.

وظهرت “الخمس الكبار” أيضاً لما قام متطوعون من اسبانيا بملء استمارات، وتجلت أيضاً عندما تولى مدرسون من روسيا إبداء الرأي والحكم على تلاميذ لهم. كما ظهرت في دراسة مقارنة كبرى في كندا وبولندا وألمانيا وروسيا بل حتى في فنلندا وهونغ كونج حيث لا تستخدم اللغات الهندو- جرمانية.

ومع ذلك، فقد شابت نتائج بحوث عدة، بدرجات متفاوتة، عيوب لا يستهان بها. إذ لم تتطابق فكرة “الخمس الكبار” أحياناً مع الوقائع إلا “بشكل نسبي” أو “بصورة تنقصها الدقة”. فقد يغيب أحد العوامل في بعض الحالات أو يزيد عن الحاجة في حالات أخرى.

ليس غريبا عدم إجماع الباحثين إلى الآن على “الرقم السحري” خمسة، إذ ان “هناك معترضين” كما قال أستاذ علم النفس المتقاعد “مانفرد سادر” M. Sader. وفي حين يتمسك “هانز- يورغن أيزنك” H.J. Eysenck، المتوفي منذ مدة، بوجود ثلاثة عوامل، يقترح آخرون ستة أو ثمانية أو ستة عشر عاملاً. إحدى الدراسات العالمية الكبرى توصلت إلى خمسة عوامل، إلا أنها ليست متطابقة مع “الخمس الكبار”. ومن جهته فقد وجد “بيتر بيكر” P. Becker من جامعة “ترير”، صفة سادسة سماها “الإحساس”. أما “أوكي تيلغن” و”نيلز فالر” A.Tellegen، N.Waller فقد استعملا في بحوثهما نعوتا ذات شحنات قِيَمية، كانت مرفوضة في السابق، وحصلا فضلا عن العوامل الخمس المشار إليها على “الحكم الإيجابي” و”الحكم السلبي”. ومن أجل ذلك فهما يروجان الآن لـ”السبع الكبار” Big Seven.

يلخّص “بلوك”، المعارض لهذه الفكرة، رأيه في أن “هناك حقائق مستعصية، مستمدة من طبيعة الشخصية وتقف في تناقض واضح من نظرية “الخمس الكبار”. ولكنه يعترف على الرغم من ذلك على مضض بأن المبدأ “لا يمكن رفضه باعتباره خاطئا جملة وتفصيلا”.

إن معظم علماء النفس المتخصصين في دراسة الشخصية صاروا اليوم يقبلون “الخمس الكبار” على الأقل “كقاعدة مُجمع عليها للبحث” مثلما عّبر عن ذلك اثنان منهما بلغة ديبلوماسية. وتجدر الإشارة إلى أنه لم يصل أي نموذج آخر في دراسة الشخصية إلى أبعد مما وصل إليه نموذج “الخمس الكبار”، إذ هو “يوفر لنا إلى حد ما أرضية صلبة نقف عليها ونحن نسبر أغوار الشخصية” كما أكد “دونالد فيسك”Donald Fiske المعروف بريبيته.

واعتمادا على تلك الأرضية الصلبة، يستطيع علماء النفس البحث مثلاً عن مقدار الجانب الوراثي من شخصيتنا. وتصل دراسات مختلفة عن التوائم إلى نتائج متعارضة إلى حدّ ما، وهو أمر لا يستغرب لأن الوراثه ليست قيمة ثابتة. فعندما ينشأ طفلان في بيئتين شديدتي الاختلاف، على سبيل المثال، يكون تأثير الجينات أقل في هذه الحالة. وتعطي البحوث عموماً دوراً تماماً للجينات في هذا الباب يصل إلى حدود 40 في المائة.

يبدو بالأخص أن صفة الانفتاح على تجارب جديدة هي من الصفات التي تبدأ مع الأطفال في المهد. إذ تلعب الجينات دوراً على درجة كبيرة من الأهمية فيما يخص تلك الصفة وكذلك صفة الانبساط، في حين أن تأثيرها يقل فيما يتعلق بخاصية الاستقرار العاطفي.

هل أسس الشخصية إذن مبرمجة بيولوجيا؟ قد يؤكد ذلك أن الصفات نفسها يمكن ملاحظتها لدى الكائنات الأقرب لنا وهي قرود الشمبانزي، وتجلى ذلك عندما عمد بعض حراس أحد القرود بالاعتماد على 43 لفظا وصفيا، حيث تبين مرة أخرى وجود “الخمس الكبار” من خلال تحليل الإجابات. ولكننا في الحقيقة نلاحظ لدى القرود خاصية إضافية ذات أهمية قصوى هي “السيطرة” مما يعني أن حراس الحديقة لم يقتصروا على وضع الشمبانزي ببساطة في قالب صُنع للبشر.

وحتى عندما نأتي إلى العالم بصفات شخصية محددة، فلا يعني ذلك طبعاً أن حياتنا قد حُسِمت، إذ يمكن للناس أن يتغيروا في الحقيقة. ونحن إذا استعنا بـ”الخمس الكبار” نستطيع أن نلمس إن كانوا فعلاً يتغيرون.

وفي هذا السياق فإن نتائج بعض الدراسات التي تم فيها أحياناً إعادة اختبار المتطوعين بعد عشرات من السنين تبدو مثيرة للعجب: فقد اتضح أن البنية الأساسية لطبائع أولئك الأشخاص لم يطرأ عليها تغيير يذكر، ولذا فإن الباحثين “كوستا” و”ماك كري” يعتبران أن “وليام جيمس” كان على حق حين أكد، قبل مائة عام، أنه ابتداء من سن الثلاثين تصبح شخصية الإنسان “متصلبة مثل الجبس”.

وبعدما أصدر “جيمس” ذلك الرأي، هجر علم النفس وانتقل إلى الفلسفة، وهو ما يعتبر تحولا كبيراً ويؤكد أنه بقي وفيا لطبعه المتميز بالانفتاح على الجديد كما يستدل “كوستا” و”ماك كري” مؤكدين على أن ذلك “التحول نفسه برهان على أن الحاجة إلى التغيير هي جزء مما يسمى بالانفتاح على التجارب”.

 

– الخمس الكبار العُصابية:

حاول البعض في القرن الثامن عشر إرجاع الاضطرابات النفسية إلى خلل وظائف الأعصاب، وهو ما أدى إلى نشأة مفهوم العصاب. وفي فترة لاحقة، استعمل فرويد ذلك المفهوم في نظريته لتفسير اضطرابات معينة مثل المخاوف المرضية. إلا أن علماء النفس المتخصصين في دراسة الشخصية عندما يتحدثون عن العصابية لا يقصدون اليوم مثل محاولات التفسير المذكورة، وإنما يعني هذا المفهوم عندهم ببساطة عدم الاستقرار العاطفي. فالمتطوع الذي يحصل على درجة عليا في اختبار نفسي خاص يعتبر عصبيا، يميل إلى المخاوف وإلى التوتر، تغلب عليه الهموم أكثر مما يلزم، سريع الاضطراب ويسقط بسهولة فريسة لوسواس المرض. والأشخاص الذين لديهم درجات مرتفعة من العصابية يريدون عادة الحصول بأي ثمن على شيء محدد وهم يسعون إلى تحقيق أهداف غير واقعية ولا يستطيعون مواجهة مشاكلهم.

أما الأشخاص الذين نجد لديهم درجة أدنى من العصابية، فهم على العكس من ذلك يشعرون بالرضى والثقة بالنفس. كما أنهم لا يميلون إلى الاضطراب ويحافظون على هدوئهم واسترخائهم في مواجهة المصاعب. ويضع الباحثان بول كوستا وروبرت ماك كري تحت كل واحدة من الصفات الخمس الأساسية، سلسلة من الصفات الجانبية أو الأوجه. وينضوي تحت لواء العصابية الأوجه التالية: الخوف، العدوانية المرضية، الاكتئاب، الارتباك، العاطفة الهوجاء والحساسية المفرطة.

 

– الانبساط:

يعود هذا المفهوم إلى “كارل غوستاف يونغ”، الذي يرى أن المنبسطين يتميزون بـ”جوهر سمح، يقيمون علاقات مع الآخرين بسهولة ولا تصعب عليهم مواجهة أوضاع مجهولة. في حين أن النوع المقابل، أي المنطوين، يتميزون “بجوهر متردد، مهموم ومتحفظ”. وإذا كان المنبسطون قد اعتبروا في السابق مزاجيين وغير جادين، فإن صورتهم أصبح يغلب عليها، بمرور الوقت، طابع إيجابي فهم قادرون على إظهار مشاعر دافئة تجاه الآخرين ويعطون قيمة كبرى للعلاقات المتينة.

وهم يميلون إلى تسلية الآخرين ويحلو لهم أن يكونوا في منزلة الصدارة. كما يتسلمون مشعل القيادة ويسعدون لأخذ القرارات. وهم يعملون بجد ومثابرة من أجل بلوغ أهدافهم. يملك المنبسطون قدراً لا بأس به من الطاقة، ولديهم اهتمامات متنوعة ويفضلون وقعاً سريعاً في الحياة.

ويتمتع المنبسطون بالإقبال على الحياة. بل إن المشاعر الإيجابية عموماً تغلب عليهم إلى درجة جعلت أحد الباحثين يقترح أن يتم استبدال مفهوم الانبساط بمفهوم “العواطف الإيجابية” كما أن بعض العلماء يصلون حتى إلى الافتراض بأن أجزاء الدماغ المختصة في التنشيط والمكافأة شديدة الظهور لدى المنبسطين.

 

– التسامح:

يشير مفهوم التسامح إلى كيفية تفكير الناس في غيرهم، وما يشعرون به إزاءهم وطريقة تعاملهم معهم. ويحد التسامح تعبيراً له في المودة التي يشعر بها المرء تجاه الآخرين ونقيضها العداء. والأشخاص المتميزون بالتسامح تحلو معاشرتهم، وهم أصحاب قلوب رقيقة وطباع لطيفة. كما أنهم نزهاء ويساعدون غيهم عند الحاجة ويتسامحون معهم متى دعت الحاجة. وهم يثقون في الآخرين، مما قد يمثل مثْلبة تؤدي إلى تعرضهم للخداع بسهولة. ولذا فهم لا يصلحون في وظائف ضباط مكافحة الجريمة أو مراقبي الحسابات.

ومن يحصل على درجة دنيا من صفة التسامح يكون عادة غير متعاون كما أنه فظ سيىء الظن، مستهتر، سريع الانفعال، متعطش للثأر، فاقد الضمير ومخادع.

ومن بين أوجه التسامح، يذكر الباحثان كوستا وماك كري، الإيثار والتواضع والدماثة ولكن أيضاً الميل إلى الانقياد.

 

– الإخلاص:

المقصود بالإخلاص هو درجة الجدية والتفاني التي يتميز بها شخص ما في أداء عمله أو في أية أهداف يسعى إلى تحقيقها. والأشخاص المخلصون هم أصحاب طموحات كبيرة ويَنْبُذُونَ الإهمال أو الاستهتار. وهم يتصرفون بانضباط ويتميزون في أثناء أداء أعمالهم بالتنظيم والدقة والحرص والصبر. أما من قلت درجة إخلاصهم فيتصرفون دون تخطيط مسبق، يميلون إلى الكسل، يتنازلون بسهولة ويفضلون الجوانب السهلة من الحياة. ومن أوجه الإخلاص يمكن ذلك صفات الاقتدار والنظام واحترام الواجب والطموح والانضباط والحذر.

والإخلاص هي الصفة التي تقع في مجال اختصاص “الأنا الأعلى” عند فرويد. وهي ترتبط بالقدرة على التحكم في النزوات وليس من باب المصادفة أن يكون معناها ذا صلة بالضمير. ولذا فإن أرباب العمل يعطون قيمة كبرى لصفة الإخلاص وكما بيّن فرويد نفسه فإن “جرعة زائدة عن اللزوم” من الإخلاص لا تقل إشكالا عن نقصها. فالشخص المفرط في التدقيق يصبح متصلبا وغير مرن، إلا أننا مع ذلك نجد أن حدا أدنى من الإخلاص ضروري للحياة الاجتماعية، لأن الناس يحتاجون لبعضهم بعضاً في أمور كثيرة ويتعين عليهم أن يكونوا قادرين على الاعتماد على غيرهم.

 

– الانفتاح على تجارب جديدة:

الانفتاح على تجارب جديدة هو العامل الأكثر تألقاً من بين “الخمس الكبار”، ولذا فإن هناك اختلافا حول تسميته حيث يفضل البعض ببساطة استعمال عبارة “ملكة التفكير” مع أن الأمر لا يتعلق بالذكاء في هذا المقام على الرغم من أن حب الاطلاع يدخل في خانة هذه الصفة.

ويتميز المنفتحون على تجارب جديدة بتنوع اهتماماتهم والشغف بالأفكار المبتكرة وتذوق الوجبات الجديدة والسفر إلى أماكن بعيدة لم يزرها أحد من قبل. كما أن الولع بالأفكار الباطنية أو حتى إستحضار الأرواح يدخل في هذا الباب. والفنانون الذين يسعون إلى تقديم الأشياء في صورة جديدة تماماً، يجسدون هذه السجية على أحسن وجه.

أما الأشخاص الذين لديهم انفتاح أقل على التجارب الجديدة فهم على النقيض من ذلك تقليديون ومنشدّون إلى الأرض وينتمون إلى صنف المحافظين في المجال السياسي. بل إن روبرت ماك كري يصل إلى حد البرهنة على أن قلة الانفتاح هي التي تصنع المحافظين. فهذه الخاصية لا تجعلهم فقظ يتمسكون بالأفكار التقليدية في المجال السياسي، بل تقف أيضاً وراء رفضهم للفن الجريء. وحتى تمثال داوود لمايكل أنجلو غير مرغوب فيه عند البعض لأنه بلا رداء. أما الأشخاص المنفتحون فهم على النقيض من ذلك يرفضون القواعد الصارمة والسلطة المتشدّدة في الفن أو في السياسة.

 


* مجلة الثقافة العالمية، الكويت) عدد مارس–أبريل 2001 )
العنوان الأصلي للمقال : Die Wahren Grundlagen der Persönlichkeit, aus der Zeitschrift  Psychologie Heute , Januar 1999

 

error: المحتوى محمي