الأزمة في التعليم – حنة آرنت / ترجمة: إسراء المالكي

الأزمة في التعليم – حنة آرنت / ترجمة: إسراء المالكي

Hannah_Arendt

حنة أرنت، فيلسوفة وباحثة يهودية-أمريكية من أصل ألماني

الأزمة في التعليم – حنة آرنت

ترجمة: إسراء المالكي


I

الأزمة السائدة التي احتلت العالم الحديث في كل مكان وتقريبا في كل مجال من مجالات الحياة تظهر بشكل مختلف في كل دولة، وتشمل مختلف المجالات وتتخذ اشكالًا مختلفة. في الولايات المتحدة الأمريكية، أحد الجوانب الأكثر تميزًا وإيحاءً هي الأزمة المتكررة في التعليم. خلال العقد الماضي، على أقل تقدير، أصبح التعليم مشكلة سياسية من الدرجة الأولى وتم ذكره تقريبًا بشكل يومي في الصحف.  بالتأكيد لا يستلزم الكشف عن مخاطر الانخفاض المستمر للمعاير الأولية في النظام المدرسي بأكمله خيالًا عظيمًا، فخطورة المشكلة قُوضت كما ينبغي من خلال الجهود الغير مجدية والتي لا تعد ولا تحصى من قبل الهيئات التعليمية لوضع حد ما. ومع ذلك، إذا قارنا أزمة التعليم بالأحداث السياسية بالدول الأخرى في القرن العشرين، ومع الاضراب الثوري بعد الحرب العالمية الأولى، من المعتقلات والإبادات، أو حتى مع الشعور بالضيق الشديد بالرغم من مظاهر الازدهار التي انتشرت في جميع أنحاء اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، فإنه من الصعب أن تأخذ الأزمة التعليمة محمل الجد كما تستحق. وكم هو مغري بالفعل اعتبار الأزمة التعليمية ظاهرة اجتماعية لا تمت لقضايا القرن بصلة، وإيلامها على خصائص الحياة الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية والتي على الأغلب لايوجد لها نظير في أجزاء أخرى من العالم.

      ومع ذلك، لو كان هذا صحيحًا، فإن الأزمة في انظمة مدارسنا لن تصبح قضية سياسية ولم تكن الهيئات التعليمية قادرة على التعامل معها في الوقت المناسب. بالتأكيد، هنالك ما هو أكثر من السؤال المحير: لماذا لا يستطيع جوني القراءة (اسم كتاب). وعلاوة على ذلك، هنالك دائمًا مايغرى للأعتقاد بأننا نتعامل مع مشاكل محدودة ومقتصرة ضمن الحدود الوطنية والتاريخية، وان الأولوية هي فقط للمتأثرين بها بشكل مباشر. وبالضبط هذا هو الأعتقاد الجاري في الوقت الحاضر والذي حقق فشله. كما يمكن للمرء اتخاذه كقاعدة عامة في هذا القرن، إن كل ما هو ممكن في دولة ما قد يكون في المستقبل القريب ممكن كذلك في اي دولة اخرى.

      وبصرف النظر عن هذه الأسباب الشائعة، والتي من شأنها ان تجعل الأمر يبدو مستحسنا للشخص العادي ليهتم بمشكلة ما في هذا المجال، وعلى الأغلب لا يعرف شيئا من الناحية التخصصية (وبما انني لست معلمة متخصصة، هذا وضعي عندما اتعامل مع أزمة التعليم)، وهنالك سبب أكثر إقناعًا لتدخل الشخص العادي بالموقف الحرج؛ ألا وهو انه غير مُقْحَم بشكل مباشر. وتلك هي الفرصة المقدمة من حقيقة الأزمة والتي تمزق المظاهر الزائفة وتمحي التحيزات للأستكشاف والتحقق لكل ما انحسر من جوهر المسألة وجوهر التعليم بالفطرة وحقيقة ان البشر يمتلكون العالم. اختفاء التحيزات يعني ببساطة اننا فقدنا الاجوبة التي نعتمد عليها عادةً بلا إدراك انها كانت في الأصل إجابات على الأسئلة. الأزمة تفرض علينا العودة للأسئلة نفسها وتتطلب منا إما اجابات جديدة او قديمة، او احكام مباشرة. الأزمة تصبح كارثة فقط عندما نتصرف معها بأحكام مسبقة والتي هي بطبيعة الحال تحيزات. هذا السلوك لايوضح الأزمة فقط ولكنه يجعلنا نفقد تجربة الواقع وفرصة التفكيرالتي تأتي معها.

      بالأحرى اي مشكلة شائعة قد تعرض كأزمة، إلا انه من المستحيل عزل العوامل الكونية تمامًا من الظروف الواقعية والمحددة والتي تشكل مظهرها. وعلى الرغم من أن الأزمة التعليمية قد تأثر على العالم بأكمله، إلا ان أكثر سمات الأزمة التعليمية تطرفًا توجد في أمريكا، والسبب هو انه فقط في امريكا يمكن اعتبار هذه الأزمة التعليمية عُنصُرًا في السياسة. تقنيًا التفسير يكمن في حقيقة أن أمريكا كانت دائما أرض المهاجرين, وبشكل واضح فأن تداخل الأعراق المختلفة -والذي لم يتم بشكل ناجح كليًا ولكنه مستمر بنجاح فاق التوقعات- يمكن ان يتم من خلال التعليم المدرسي, وأمركة اطفال المهاجرين. وبما ان معظم هؤلاء الأطفال لغتهم الأم ليست الإنجليزية ولكن لابد من تعلمها في المدرسة. وفي دولة قومية, كأمريكا, فالمدارس على الأغلب تتوقع ان هذه المهمة سيتم انجازها في المنزل حتماً.

      على كل حال, استمرارية الهجرة تلعب دورًا في الوعي السياسي و الحالة الذهنية للدولة. أمريكا  ببساطة ليست دولة استعمارية في حاجة الى مهاجرين لملء ارضها, على الرغم من استقلاليتها منهم في هيكلها السياسي. فقد كان ولازال العامل الحاسم لأمريكا هو الشعار المطبوع على كل ورقة دولار ‘نظام جديد للعالم’. فالمهاجرين, والوافدون هم ضمان الدولة الذي يمثل ‘النظام الجديد’. معنى هذا ‘النظام الجديد’ او بمعنى اخر, تأسيس هذا العالم الجديد ضد القديم, هو للتخلص من الفقر والقهر. ولكن في نفس الوقت تتكون عظمة هذا العالم الجديد من حقيقة انه لم يعزل نفسه عن العالم الخارجي -كما تقضي العادة عند تأسيس يوتوبيا- لتقابل نموذج مثالي, ولم يكن الغرض لفرض المطالبات الإمبريالية, او للتبشير بالمسيحية للآخرين. بالأحرى علاقته بالعالم الخارجي اتسمت منذ البداية من حقيقة ان هذه الجمهورية, التي خططت للقضاء على الفقر والعبودية, رحبت بجميع الفقراء والمستعبدين في الأرض. بخطاب القاه جون آدمز في عام 1765 -والذي كان قبل إعلان الاستقلال الأمريكي- ” لطالما اعتبرت تسوية امريكا بداية لمشروع عظيم في بروفدينس لتنوير وتحرير الجزء المستعبد من البشرية في جميع أنحاء الأرض.” هذا هو المبدأ او القانون الأساسي المتفق عليه عند بداية الوجود التاريخي والسياسي لأمريكا.

      الاندفاع العجيب لكل ما هو جديد, والذي يظهر تقريبأ في كل جانب من الحياة اليومية في أمريكا, والأعتماد المقترن على “امكانية الاتقان اللامحدود”- الذي اشار به توكفيل كعقيدة “الرجل المأمور” والتي تسبق بما يقارب مئة سنة التطور في دول الغرب الأخرى -والتي على اي حال تفترض اعطاء أهتمام عظيما واهمية كبرى مصاحبة للوافدين الجدد بالولادة, لذالك الأطفال عندما تجاوزوا مرحلة الطفولة وكانوا على وشك الدخول الى عالم البالغين كشباب يافعين, سموا بـ”الجدد”, كما كانوا الاغريق ينعتون شبابهم ” الجدد”. وهنالك حقيقة اخرى, والتي حسمت معنى التعليم, ان هذا الأندفاع المفرط للجديد, على الرغم من انه موجود من قبل القرن الثامن عشر, ولكن تطويره من الناحية النظرية والسياسية كان في هذا القرن. من هذا المنطلق اشتق فكرة التعليم المثالي مربوطا بمذهب روسو التعليمي والسياسي (Rousseauism)، بل متأثرا بروسو بشكل مباشر, والتي قدمت التعليم على انه اداة سياسية, وان النشاطات السياسية بحد ذاتها ابتكرت كشكل من اشكال التعليم.

      الدور الذي يلعبه التعليم في جميع اليوتيبيات السياسية من العصور القديمة فصاعدًا يظهر بأنه من الطبيعي على ما يبدو ان يولد عالم جديد من قبل اولئك الجدد بالولادة والصنف. فيما يتعلق بالسياسة -وهذا يتضمن سوء فهم خطير- بدلًا من الاقتران بالأنداد والذي بالأخذ بعين الأعتبار جهود الأقناع والتعرض لخطر الفشل, هنالك تدخل دكتاتوري, قائم على الافضلية المطلقة للبالغ, والمحاولة لأنتاج “الجدد” كأمر واقع, على الرغم من ان الجدد موجودون بالفعل. لهذا السبب في اوربا يجري الأعتقاد بأنه يجب على المرء ان يبدأ من الأطفال اذا اراد خلق ظروف جديدة. وهذا الأعتقاد بقي اساس حركة الأحتكار الثوري المستبدة, والتي  قامت بأخذ الأطفال بعيدًا عن والديهم وتلقينهم. التعليم يستطيع ان لايلعب اي دور بالسياسة, لان بالسياسة دائما ما نتعامل مع اولئك المتعلمون. ومن كان يريد ان يعلم البالغين فهو فعلا يريد ان يتصرف كولي أمر ويمنعهم من ممارسة النشاط السياسي. ولأن المرء لايستطيع ان يعلم البالغين, فكلمة “التعليم” لها وقع سيء في السياسة؛ و هنالك مزاعم تعليمة عندما يكون السبب الحقيقي هو الإجبار من دون استعمال القوة. والمهتم حقا بخلق نظام سياسي جديد من خلال التعليم, وليس من خلال القوة والقيد او من خلال الأقناع, يجب عليه ان يستخلص النتيجة الأفلاطونية المرعبة: نفي جميع كبار السن من الدولة المراد تأسيسها. وحتى الأطفال المراد تعليمهم ليكونوا مواطني الغدّ اليوتوبي محرومون من دورهم في الجهاز السياسي, فمن وجهة نظر الجدد, عالم البالغين قد يعرض كل ماهو جديد على انه حتما اقدم منهم. فبطبيعة الحال البشرية، كل جيل جديد ينشأ في كنف العالم القديم, وإعداد جيل جديد لعالم الجديد يعني حتما ان المرء يطمع في سلب فرصة الحياة الجديدة من يدي الوافدين الجدد.

      هذا هو الحال على الإطلاق في امريكا, وتلك هي الحقيقة التي تجعل من الصعب الحكم على هذه الأسئلة بشكل صحيح. الدور السياسي الذي يلعبه التعليم في أرض المهاجرين, و حقيقة ان المدارس لا تقوم بأمركة الأطفال فقط، بل تؤثر على الآباء ايضًا, مما يساعد على تمزيق العالم القديم للدخول بالجديد, و يوهم بأن العالم الجديد تم بنائه من خلال تعليم الأطفال. وبالطبع هذا ليس الوضع الحقيقي على الأطلاق. العالم الذي يقدم الأطفال فيه, حتى في أمريكا, هو عالم قديم, اي عالم موجد بني من قبل الأحياء والاموات, وهو جديد فقط على من دخله مؤخرا من خلال الهجرة. ولكن الوهم هنا اقوى من الحقيقة لأنه ينبع مباشرة من مقومات التجربة الأمريكية, التجربة التي تفيد ان النظام الجديد يمكن تأسيسه, وما هو اكثر من ذلك هو تأسيسه مع الوعي الكامل بالأستمرارية التاريخية لعبارة “العالم الجديد” التي كسبت معناها من العالم القديم ولكنه قوبل بالرفض لأنه لم يستطع إيجاد حلول للفقر والقهر على الرغم من انه كان باهر في النتائج الأخرى.

      اما فيما يتعلق بالتعليم, فالوهم النابع من التفخيم الدرامي للجدد انتج اكثر العواقب خطورة في قرننا الحالي. أولًا, جعلت النظريات العلمية الحديثة المعقدة ممكنة والتي تكونت في الأصل في اوربا الوسطى وتتكون من خليط مذهل من المعقول واللامعقول لتحقيقه تحت شعار التعليم التقدمي, أكثر النظم الثورية جذريًا في النظام التعليمي كله. و ما بقي في اوربا مجرد تجربة, اُختبر هنا وهناك في مدارس محددة او في مراكزتعليمية معزولة ثم امتد تأثيرها تدريجيًا في بعض الأوساط, وقلبت تماما في امريكا قبل خمسة وعشرين عامًا جميع التقاليد وجميع الأساليب المتبعة في التدريس والتعلم. ولن اخوض في التفاصيل, ولكن استبعد المدارس الخاصة وبالأخص النظام المدرسي الكاثوليكي الروماني الأبروشي. الحقيقة الهامة من اجل بعض النظريات سواء كانت سيئة او جيدة, هي انها قد دفعت كل قواعد العقل البشري السليم جانبًا. هذا الأجراء هو دائما ذو دلالة ضارة وساحقة, وخاصة في دولة تعتمد على الأدراك السليم على نطاق واسع في حياتها السياسية. كلما فشلت قواعد العقل البشري السليمة او تخلت عن محاولة إيجاد اجوبة عند مواجهة سؤال سياسي فأننا نواجه أزمة, لهذا السبب وفقًا للأدراك السليم, نحن و حواسنا الخمسة رُكِبنا في عالم واحد نشترك فيه جميعا و بمساعدته نتنقل فيه ونتنقل فيه. إختفاء الأدراك السليم في يومنا الحاضر هي العلامة الأكيدة للأزمة الراهنة. في كل أزمة جزء من العالم المألوف لنا جميعًا يتدمر. فشل الأدراك السليم يشبه عصا الاستنباء التي تشير على المكان الذي حدث فيه الأنهيار.

      على كل حال, الجواب على سؤال لماذا جوني لايستطيع القراءة, او على السؤال الأكثر عموما لماذا المعايير المدرسية لمتوسط المدارس الامريكية متأخرة بكثير عن متوسط المعايير الموجود في جميع الدول الأوربية! لأنها ببساطة دولة ناشئة ولم تلحق بمعايير العالم القديم بعد, ولكن هذه الدولة في هذا المجال بالتحديد هي الأكثر تقدما وحداثة في هذا العالم. وهذا صحيح لانه لاأحد يواجه مشاكل تعليمية في مجتمع من كل الأجناس بهذه الخطورة, ولايوجود مكان اخر قُبلت فيه هذه النظريات الحديثة في مجال التربية بشكل خانع وغير ناقد. لذلك الأزمة في التعليم الأمريكي, من جانب, تعلن عن إفلاس التعليم التقدمي, ومن جانب آخر, تقدم مشكلة هائلة الصعوبة لأنها نشأت في ظل الظروف والرد على مطالب المجتمع الجماهري.

      في هذا الصدد يجب ان نضع بعين الأعتبار عامل اخر مهم والذي على الأكيد لم يسبب هذه الأزمة ولكن فاقمها لدرجة كبيرة, الا وهو الدور الفريد لمفهوم المساواة الذي دائما يلعب دورا في الحياة الأمريكية. ويشارك في ذلك ماهو اكثر بكثير من المساواة أمام القانون, وماهو اكثر ايضا هو تساوي الفوارق الطبقية, واكثر من ماهو موجود بعبارة “تكافؤ الفرص” على الرغم من ان هذا له اهمية عظمى في هذه العلاقة لأن من وجهة النظر الأمريكية الحق في التعليم هو احد الحقوق المدنية الثابتة. و هذا الأمر الأخر كان محسوم لبناء نظام المدارس الحكومية  كتلك المدارس الثانوية بالمعنى الأوربي (وتسمى بالتعليم التكميلي ويبدأ من سن السادسة عشر حتى الثامنة عشر) والتي توجد فقط كإستثناءات. ولأن الحضور المدرسي الألزامي يمتد حتى عمر السادسة عشر, كل طفل يجب عليه ان يدخل المدرسة الثانوية, لذلك المدرسة الثانوية هي في الأساس نوع من انواع الأستمرارية للمدرسة الابتدائية. كنتيجة لنقص هذه المدارس الثانوية (التعليم التكميلي), الأعداد للبرنامج الجامعي يجب ان يكون من قبل الجامعات نفسها, والتي تعاني من الحمل المزمن, والذي يوثر بدوره على جودة العمل المنجز هنالك.

      لوهلة يظن المرة ان هذا الوضع الشاذ يكمن في طبيعة المجتمع الجماهيري والذي لم يعد امتيازا محكورا على الطبقات الثرية. بالنظر الى انجلترا وكما يعلم الجميع المدارس الثانوية المكملة اصبحت متاحة في السنوات الأخيرة لجميع الطبقات الأجتماعية, والقضية ليست هنا. لذلك اقيمت دراسة مخيفة على طلاب بسن الحادية عشر في نهاية المدرسة الأبتدائية والتي بموجبها استبعد جميع الطلاب ماعدا عشر بالمئة منهم ليكونوا مؤهلين للتعليم العالي. صرامة هذا الاختيار لم يقبل به حتى في انجلترا بدون احتجاج, في امريكا كان من الممكن بكل بساطة ان يكون مستحيلًا. ما كانت تستهدفه انجلترا هو “الجدارة”, والتي من الواضح انها إنشاء للأوليغارشية -حكم الأقلية-, ولكن هذه المرة ليست في صالح الأموال او الجنسية بل في صالح الموهبة. ولكن هذا يعني، على الرغم من أن الناس في انجلترا قد لا تكون واضحة تماما بهذا الشأن, بأن حتى في ظل الحكومة الأشتراكية سوف تستمر بأن تحكم كما كانت في قديم الزمان, والذي هو لا ملكي ولا ديموقراطي بل كحكم الأقلية او الأرستقراطية والأخيرة في حالة الأخذ بأن الأكثر موهبة ايضًا يعتبر الأفضل.

      في أمريكا, هذا التقسيم الفيزيائي للأطفال الى موهوبين وغير موهوبين سيعتبر لايطاق. الجدارة تعارض مبدأ المساواة, الديموقراطية المساوية, ولاتقل عن اي اوليغارشية اخرى. لذلك مايجعل الأزمة التعليمية في أمريكا حاد هو الوضع السياسي للبلاد, والذي يناضل من اجل ان  يسوّي او يمحو الفرق بين الصغار والكبار, وبين الموهوبين وغير الموهوبين, واخيرًا بين الأطفال والبالغين, وخصوصًا بين التلاميذ والمعلمين. ومن الواضح ان مثل هذه المساواة يمكن فعلا تحقيقها على حساب سلطة المعلم و على حساب الموهوبين من الطلاب. مع ذلك, من الواضح ايضًا, على الأقل على اي شخص قد احتك بالنظام التعليمي الأمريكي, بأن هذه الصعوبة متجذره في السلوك السياسي للدولة. هذه المساواة لها مزايا جيدة, وليست فقط على البشر ولكن من الناحية التعليمية كذلك؛ على كل حال هذه العوامل العامة لاتستطيع تبرير التدابير التي تم من خلالها اندفاع تلك الأزمة.

II

يمكن ان تؤدي هذه التدابير المدمرة الى ثلاث افتراضات بيانية اساسية وكلها مؤلوفة جدًا. الأول هو انه يوجد هناك عالم للطفل و مجتمع شُكل من الأطفال وهو مستقل ويجب ان يترك الحكم لهم بقدر الأمكان. البالغين يجب ان يكونوا هناك فقط لمساعدة هذه الحكومة. السلطة التي تحث الطفل على ما يجب القيام به وما لا يجب القيام به هي  على عاتق مجموعة الطفل نفسها وهذا ينتج, من بين عواقب آخرى, حالة يكون فيها البالغين عاجزون أمام الطفل و غير قادرين على التواصل معه. يستطيع البالغ ان يحث الطفل على مايشاء ثم منع الأسوء من الحدوث.العلاقة الحقيقية والطبيعية بين البالغين والأطفال, تنشأ من حقيقة ان الناس من جميع الأعمار دائمًا معا في هذا العالم, وإلى حد ما يجعلهم مفصولين. وهذا هو جوهر المسألة للأفتراض الأول الذي يأخذ فقط المجموعة بعين الاعتبار وليس الطفل بذاته.

      اما بالنسبة للطفل في المجموعة, فهو بالطبع اسوء حالا من ذي قبل. لأن السلطة في المجموعة, حتى لو كانت مجموعة طفولية, فهي دائما اقوى واطغى من اي أشد سلطة ممكن ان تكون على الفرد. واذا نظرنا للأمر من وجهة نظر الطفل, حظوظه في التمرد او فعل اي شي بنفسه معدومة عمليا, فهو لم يعد يجد نفسه في منافسة غير متكافئة مع شخص ارفع منه ولكن مع تضامن أطفال آخرين يمكنه الأعتماد عليهم, اي من نفس عمره, بدلًا من ذلك هو بموقف ميؤس منه حيث الأقلية تواجه الأغلبية من الآخرين. هنالك عدد قليل من البالغين القادرين على تحمل مثل هذه المواقف, حتى عندما لاتكون مسنودة من قبل وسائل خارجية قاهرة: فالأطفال ببساطة عاجزون عن ذلك تمامًا.

      لذلك فهم ان يتحرروا من سلطة البالغين لايعني انهم احرار بل معرضون لسلطة اكثر رعبًا وطغيانًا, الا وهي طغيان الأغلبية. على أية حال فإن النتجية إذا جاز التعبير هي ان الأطفال نفوا من عالم البالغين. فهم إما يعودون لأنفسهم او يسلمون للطغاة من مجموعتهم, بسبب تفوقهم العددي, لايستطعون التمرد عليهم لانهم اطفال ولا يدروكون, والأهم انهم لايستطيعون الفرار لعالم البالغين لأنه محظور عليهم. ردة فعل الأطفال لهذا الضغط يميل ان يكون اما الإنسياق او الإنحراف, وكثيرًا مايكون مزيجا من الاثنين.

      أما الافتراض الثاني الذي اصبح في موضع تساؤل في الأزمة الحالية لها علاقة بالتدريس. تحت تأثير علم النفس الحديث والفلسفة البراغماتية, علم التربية طوّر الى علم التدريس العام بطريقة تجعله مُتَحَرّر تماما من المنهج المراد تدريسه. كان يعتقد ان المدرس هو الإنسان الذي يستطيع تدريس اي شي, وتدريبه على التدريس ليس لإتقان علم معين. هذا الوضع بطبيعة الحال مرتبط إرتباطا وثيقا بإفتراض اساسي متعلق بالتعليم. وعلاوة على ذلك أدى هذا الوضع إلى إهمال خطير لتدريب المعلمين بالمواد الخاصة بهم في العقود الأخيرة وخاصة في المدارس الثانوية الحكومية. ولأن المعلم لايحتاج إلى معرفة بمادته, فليس من النادر ان يكون متقدمًا على طلابه بشيء بسيط من العلم. وهذا بدوره لايعني فقط ان الطلاب متروكون للاستعانة بمواردهم, ولكن اكثر المصادر شرعية الا وهي سلطة المعلم كشخص يعرف المزيد ويستطيع فعل المزيد اكثر من الباقين لم يعد فعال. لذلك المعلم الغير سلطوي, والذي يود الامتناع عن جميع الوسائل العنيفة لأنه قادر على الأعتماد على سلطته لم يعد موجودً.

      ولكن هذا الدور الخبيث الذي تلعبه التربية ومعلموا الكليات في الأزمة الحاضرة لم يكن ممكنا إلا بسبب نظرية حديثة عن التعليم. هذا كان ببساطة التطبيق المنطقي للأفتراض الأساسي الثالث في هذا النص والذي إعتقده العالم الحديث لقرون و وجود التعبير النظري المنهجي في البراغماتية. هذا الأفتراض الأساسي هو انه يمكنك معرفة وفهم ماقمت به بنفسك, وتطبيقه في التعليم هو فطري كما هو واضح: ليحل محل التعليم بقدر الأمكان. السبب الذي لا أهمية له متعلق بإجادة المعلم لمادته والرغبة في إجباره على ممارسة النشاط المستمر للتعليم بحيث انه لن يمر على معرفة خاملة, ولكن بدلا من ذلك يظهر بإستمرار كيف يتم خلقها. الغرض المقصود ليس في تدريس المعرفة ولكن لغرس مهارة, والنتيجة كان نوع من التحول من معاهد التعليم الى مؤسسات التعليم المهني والتي نجحت في تعليم قيادة السيارة او كيفية استخدام الآلة الكاتبة, او ماهو اهم “فن” العيش, كالأنسجام مع الآخرين و ان تصبح مشهورا, لأنها لم تكن قادرة على جعل الأطفال يكتسبون المتطلبات الطبيعية للمنهج المِعْيارِيّ. على كل حال هذا الوصف خاطئ, ليس لأنه يبالغ بوضوح ليثبت نقطة, ولكن لأنه لايأخذ بعين الاعتبار ان هذه العملية لها اهمية متعلقة بإزالة الفوارق بين اللعب والعمل لصالح الطفل. كان ينظر الى اللعب على انه اكثر الوسائل المفعمة بالحيوية وانسبها للطفل ليتصرف في هذ العالم, من باب انه النشاط الوحيد الذي يتطور بشكل عفوي من وجوده كطفل. مايمكن تعلمه من خلال اللعب ينصف الحيوية فقط. فقد كان يعتقد ان النشاط المميز للطفل يكمن في اللعب؛ التعلم بالمعنى القديم, من خلال إجباره على الألتزام بسلوك سلبي, وإجباره على التخلي عن مبادرته في اللعب.

      الارتباط الوثيق بين استبدال العمل بالتعليم واللعب بالعمل, يتضح مباشرة عبر تدريس اللغات: الطفل الذي يتعلم من خلال التحدث, وليس من خلال دراسة قواعد الللغة والنحو, وبعبارة أخرى تعلم لغة اجنبية بنفس الطريقة كما يتعلم الرضيع لغته الأم, وكأنه في لعبه غير منقطعة ومستمرة الوجود. وبصرف النظر عن مسألة ما إذا كان ممكنا ام لا-فمن الممكن, لدرجة محدودة, فقط في حالة إبقاء الطفل طوال اليوم في بيئة تتحدث بلغة أجنبية, ومن الواضح تماما ان هذا الأجراء يعمل بشكل مستمر على إبقاء الطفل الأكبر سنا إلى اقصى حد ممكن في مستوى الرضيع. الشيء الذي ينبغى في إعداد الطفل لعالم البالغين, العادة المكتسبة تدريجيا في العمل و عند اللعب, يتم الاستغناء عنها لصالح الأستقلال من عالم الطفولة. أيا كان الرابط بين العمل والمعرفة, وأيا كانت صحة الصيغة العملية وتطبيقها في التعليم, اي الطريقة المتبعة لتعليم الطفل, تميل لجعل عالم الطفولة بنفس الطريقة التي اشرنا إليها في حالة الأفتراض الأساسي الأول. وهنا ايضا بحجة احترام استقلالية الطفل, يبقى محروما من عالم البالغين وبشكل غير طبيعي بعالمه؛ بقدر مايمكن ان يطلق عليه عالم. هذا التقيد للطفل غير طبيعي لأنه يقطع العلاقة الطبيعية بين البالغين والأطفال, والذي تتألف من أمور اخرى في التدريس والتعلم, ولأنه بنفس الوقت يناقض حقيقة ان الطفل هو إنسان في طريقه إلى النمو, وان الطفولة هي مرحلة مؤقته, أستعداد لمرحلة البلوغ.

      الأزمة الحالية في أمريكا نتجت من الأعتراف بدمار هذه الأفتراضات الأساسية و المحاولة اليائسة لأصلاح النظام التعليمي برمته, وتبديلها بالكامل. والقيام بذلك يعني محاولة- بأستثناء الخطط المخصصة للزيادة الهائلة في المرافق التدريبية بالعلوم الفيزيائية و التكنولوجيا- ليست سوى استعادة: التدريس سوف يقاد مع السلطة مرة آخرى؛ إيقاف اللعب في ساعات الدراسة, والعمل الجاد سوف يتم مرة آخرى. سيتحول التركيز من المهارات الامنهجية الى المعرفة المنصوص عليها في المناهج؛ آخيرا هناك ايضا أقاويل بتبديل المنهج الحالي للمعلمين بحيث يكون على الملعمين ان يتعلموا شيء قبل ان يقبلوا على الأطفال.

       هذه الإصلاحات المقترحة, والتي لاتزال بمرحلة النقاش و تهم أمريكا بشكل بحت, لاتعنينا. ولا استطيع ان اناقش التقنية, ولكن على المدى الطويل حتى الأسئلة المهمة لتشكيل المناهج الدراسية للمراحل الأبتدائية والثانوية في جميع الدول كجعلها تصل للمتطلبات الجديدة للعالم الحالي. وماهو مهم أكثر لحجتنا هو سؤال مزدوج. ماهي جوانب العالم الحديث و أزمته التي كشفت الأزمة التعليمية, وماهي الأسباب الحقيقية التي على مدى عقود مكنت أشياء ان تقال او تفعل في مثل هذا التناقض الصارخ بالحس السليم؟ ثانيًا, ماذا يمكننا ان نتعلم من هذا الأزمة لجوهر التعليم- وليس بعنى ان المرء يمكن دائما ان يتعلم من الأخطاء ما لا يجب القيام به, ولكن بالتفكر بالدور الذي يلعبه التعليم بكل حضارة, وبذلك الألتزام بأن وجود الأطفال ينطوي على كل مجتمع بشري. سنبدأ بالسؤال الثاني.

III

الأزمة في التعليم من شأنها في اي وقت ان تثير قلقا بالغا حتى لو انها لم تظهر ذلك, و ما يحدث في الوقت الراهن هو انها تظهر كأزمة اكثر عمومية و اضطراب في المجتمع الحديث. لأن التعليم يدخل ضمن ابسط واهم الأنشطة في المجتمع الأنساني, والذي لايزال كما هو ولكن يتجدد من خلال الولادة, اي من خلال وصول أناس جُدُد. هولاء الوافدون لم ينتهوا بعد إنما هم في حالة الصَيْرُورَة. لذلك الطفل الخاضع للتعليم يحمل للمعلم جانب مزدوج: هو جديد في عالم غريب عليه و هو في مرحلة الصَيْرُورَة. هاذا الجانب المزدوج  بديهي ولاينطبق على شكل الحياة الحيوانية؛ و يتوافق مع العلاقة المزدوجة, علاقته بالعالم من جهة و علاقته بالحياة من جهة. الطفل يشارك حالة الصَيْرُورَة مع جميع الكائنات الحية؛ فيما يتعلق بالحياة وتطورها, الطفل هو إنسان في مرحلة الصَيْرُورَة, كالهرة فهي قط في حالة الصَيْرُورَة. ولكن الطفل جديد فقط على العالم الموجود من قبل وجوده, وسيستمر حتى بعد مماته, وسيمضي حياته فيه. اذا لم يكن الطفل وافد جديدًا في هذا العالم البشري ولكنه ببساطة كائن حي لم يكتمل نموه, يصبح التعليم مجرد مهمة في الحياة, و سيحتاج إلى ان يكون محصورا في لا شيء باستثناء ما يخص قوت حياته و التدريب والممارسة في الحياة التي تفترضها جميع الحيوانات فيما يتعلق بصغارها.

      ولكن آباء الأنس لم يحضروا أطفالهم من خلال الحمل والولادة, وقدموهم الى عالم معًا. وبالتعليم فهم يفترضون المسؤلية من الاثنين, لحياة الطفل وتطويرها و لأستمرارية العالم. هاذه المسؤليتان لاتتوافق بأي حال, ولكن قد تتصارع مع بعضها. مسؤلية تطوير الطفل تتحول الى شي ضد العالم: الطفل يحتاج الى حماية واهتمام حتى لا يحدث له شيء مدمر من قبل العالم. ولكن العالم ايضا يحتاج حماية ليُمنع من الأجتياح والتدمير من قبل الهجمات الجديدة التي تنتج مع كل جيل جديد.

      لأن الطفل بحاجة الى حماية من العالم, مكانه التقليدي هو وسط الأسرة, والذي يعود افرادها البالغين من العالم الخارجي وينسحبون إلى حياتهم الخاصة الأمنة بين اربعة جدران. هذه الجدران الأربعة, والتي تعيش الأسرة حياتهم بشكل خاص فيها, تشكل درعا ضد العالم وخاصة ضد الجانب العام من العالم. فأنها تطوق مكانا آمنا, والتي بدونها لاشيء يمكن ان ينجح. وهذا جيد ليس فقط للطفل ولكن لحياة الأنسان بشكل عام. كلما تعرض هذا الأخير إلى العالم بأستمرار بدون حماية الخصوصية والأمن فأن طبيعته المفعمة بالحياة تحطم. في العالم العام, معروف للجميع, الأشخاص يأخذون بعين الأعتبار وكذلك العمل, وهو عمل أيدينا والذي يساهم به كل منا في عالمنا المشترك؛ ولكن الحياة بأعتبارها حياة لاتهم. العالم لايستطيع ان يلتفت لها, ويجب ان تكون مخفية ومحمية من العالم. كل ما يعيش ينبثق من الظلام- وليس فقط الحياة النباتيه- وتقوي ميولها الطبيعية لتدفع نفسها للنور, وعلى كل حال فهي تحتاج أمان الظلام لتنموا.قد يكون هذا هو السبب في ان الأطفال ذو والدين مشهورين في كثير من الأحيان يصبحوا سيئين. الشهرة تخترق الجدران الأربعة, وتغزوا مساحتهم الخاصة بهم, وتحمل معها مراقبة لاترحم من المجال العام خاصوصا في الظروف الراهنة, والتي تعرض كل شي من حياتهم الخاصة للمعنين بهم, لذلك الأطفال لا يعد لديهم مكان آمن حيث يمكن ان ينموا. ولكن يحدث تدمير بالضبط في المساحة الحية الحقيقية كلما تمت محاولة لتحويل الأطفال نفسهم إالى عالم معين. ومن بين هذه المجموعات المقترنة تنشأ الحياة العامة نوعا ما, بغض النظر عن حقيقة انها ليست الحقيقية وان المحاولة برمتها نوعا من الأحتيال, والحقيقة الضارة تبقى بأن الأطفال – وهم البشر في عملية الصيرورة ولكن لم يكتملوا بعد- بالتالي مجبرون ليعرضوا انفسهم لضوء الوجود العلني.

      ان التعليم الحديث, بقدر ما يحاول ان يبني عالم الأطفال, فهو يدمر الظروف اللازمة للتطور الحيوي والنمو يبدو واضحا. إلا ان هذا الضرر للطفل النامي يجب ان يكون نتيجة لضربات التعليم الحديث كشيء غريب بحق, الحفاظ على هذا التعليم كان هدفه الوحيد هو خدمة الطفل و التمرد على الأساليب القديمة لأن هذه الأساليب لم تأخذ بالحسبان تكوين الطفل الداخلي وحاجاته بشكل كاف. “قرن الطفل” كما نستطيع ان ندعوه, كان على وشك تحرير الطفل و تخليصه من المعايير المستمدة من عالم البالغين. ثم كيف حدث ان اهم الشروط الأولية اللازمة في الحياة لنمو وتطور الطفل تم التغاضي عنها و ببساطة لم يعترف بها؟ كيف يمكن ان يتعرض الطفل إلى ماهو اكثر من اي شيء آخر تميزا عن عالم البالغين وجوانبه العامة, بعدما تم الوصول الى قرار ان الخطأ في التعليم القديم كان يجب ان ينظر إلى الطفل وكأنه شخص بالغ مصغر الحجم؟  السبب لهذا الحالة الغريبة الشأن ليس لها علاقة مباشرة بالتعليم؛ بدلا من ذلك يمكن ان تجد في الاحكام والافكار المسبقة عن طبيعة الحياة الخاصة والعامة وعلاقتها ببعضها, والتي كانت سمة المجتمع الحديث منذ بداية العصر الحديث ذو المربين الذين بدؤا في وقت متأخر نسبيا لتحديث التعليم, قبلت كإفتراضات بديهية بدون إدراك للعواقب التي يجب ان يحظوا بها لحياة الطفل. بأي حال من الأحوال انها ميزة الحياة الحديثة, وبطبيعة الحال الحياة الدنيوية للفرد وكذلك الأسرة بأعتبارها الأعلى فضلا, لذلك على النقيض من كل القرون السابقة, حررت هذه الحياة وجميع النشاطات التي لها علاقة بحفظها وإثرائها من إخفاء الخصوصة وتعرضهم لنور الحياة العامة. هذا هو التحرير الحقيقي للعاملين والمرأة, وليس للأشخاص, ولكن بقدر ما تؤدي وظيفة ضرورية في استمرارية بقاء المجتمع. اخر من تضرر بهذه العملية هم الأطفال, والشيء الذي عني بتحرير حقيقي للعمال والمرأة, -لأنهم ليسوا فقط عمال ونساء ولكن لأنهم اشخاص ايضا, فلهم مطالبهم في الحياة العامة وحق لينظروا وينظر إليهم, ليتحدثوا ويسمع منهم- كان هجرًا و خيانة في حالة الأطفال الذي لايزالون بالمرحلة التي تعبتر الحقيقة البسيطة للحياة والنمو تفوق عامل الشخصية. كلما تجاهل المجتمع المعاصر التمييز بين ماهو خاص و ماهو عام, وبين مايمكن ان يزدهر بالخفاء و مايحتاج ليكون ظاهرا للجميع في ضوء الحياة العامة, كلما أدخل بين الخاص والعام في المجال الأجتماعي حيث يكون الخاص عام والعام خاص, كلما صعب ان تكون الأشياء في صالح الأطفال والذين بطبيعتهم يحتاجون أمن الأخفاء من أجل ان ينضجوا بلا عوائق. مهما كانت خطورة هذه الاعتداءات على ظروف النمو قد يكون من المؤكد انها غير مقصودة تماما؛ وان السبب الرئيسي لكافة جهود التعليم الحديث اصبحت لرفاهية الطفل, وكحقيقة لايقل صحة حتى لو كانت الجهود المبذولة ليست ناجحة دائما في تعزيز رفاهية الطفل بالطريقة المأمولة. الموقف مختلف تماما في مجال المهام التعليمية ولم يعد موجه للطفل بل بأتجاه الشاب, الوافد والغريب, والذي ولد في هذت العالم الموجود والذي لايعرفه. هذه المهمات في المقام الأول ولكن ليست بشكل حصري, مسؤلية المدارس: يجب عليهم العمل على التدريس والتعليم: والفشل في هذا المجال هي اكثر مشكلة ملحة في امريكا اليوم. ماذا يندرج في قاع هذه المشكلة؟

      عادةً الطفل يتعرف على الحياة بالمدرسة. المدارس الآن بأي حال من الأحول هي الحياة و يجب ان لاتدعي ذلك؛ بل هي المؤسسة التي تتوسط بين النطاق الخاص للمنزل والعالم من اجل ان تجعل الانتقال من العائلة الى العالم ممكن. الحضور هناك مطلوب من قبل الدولة وليس العائلة, وهذا من قبل العالم العالمي, فيما يخص الطفل , المدرسة بمعنى ما تمثل العالم على الرغم من انها في الواقع ليست العالم. في هذه المرحلة من تعليم الكبار, يتحمل الطفل المسؤلية مرة اخرى, ولكن الان المسؤلية ليست كثيرة من اجل الرفاهية لنمو الاشياء كما نسميه عادة التطور الحر للصفات المميزة والمواهب. من وجهة النظر العامية والاساسية هذا هو التفرد الذي يميز كل إنسان عن كل ماسواه, النوعية بحكم انه ليس فقط غريبا على هذا العالم, بل انه شيء لم يكن من قبل. وبما ان الطفل لم يطلع على العالم بعد, يجب ان يتعرف عليه بشكل تدريجي: وبما انه جديد, يجب الحرص على ان هذا الشيء الجديد سيثمر على حسب العالم المتعلق به. على كل حال, المعلمون هنا علاقتهم مع الشباب تكون كممثلين للعالم والذي يجب عليهم تحمل مسؤليته على الرغم من انهم لم يصنعوه, وعلى الغالب سرا او علنا, يتمنون لو ان هذا الشي لم يكن. هذه المسؤلية لاتفرض بشكل تعسفي على المعلمين؛ هي متضمنة بحقيقة ان الصغار يتم تقديمهم من قبل الشباب لعالم متغير بإستمرار. كل من يرفض تحمل المسؤلية المشتركة للعالم يجب ان لايحظى بأطفال ويجب ان لايسمح لهم بالمشاركة في تعليمهم.

      في التعليم مسؤولية العالم هذه تأخذ شكل السلطة. سلطة المعلم والمؤهلات التعليمية للمعلم ليست سواء. على الرغم من ان المؤهلات التعليمية لاغنى عنها بالسلطة, و اعلى مؤهل علمي لايستطيع لوحده ان يولد السلطة. مؤهلات المعلم تتكون من معرفته عن العالم والقدرة على توصيلها للآخرين. ولكن سلطته تعتمد على تحمله لمسؤلية العالم. وجه لوجه كما لو ان الطفل كان ممثل عن السكان البالغين, مشيرًا الى التفاصيل قائلاً للطفل: هذا هو عالمنا.

      نحن الآن نعلم كيف تسير الأمور اليوم بخصوص إحترام السلطة. مهما كان موقف الشخص تجاه هذه المشكلة, فمن الواضح في الحياة العامة والسياسية السلطة إما لا تلعب دورا على الأطلاق -لأعمال العنف والإرهاب الممارسة من قبل الدول الديكتاتورية وبطبيعة الحال ليس لها علاقة بالسلطة- او على الأغلب تلعب دورا منازع إلى حد كبير. هذا بكل بساطة يعني ان الناس لاتتمنى ان تطالب احدا بالسلطة او تثق بأحد لتولي مسؤلية كل شيء, واينما وجدت سلطة حقيقة انضمت مع المسؤلية لمجريات الأمور في العالم. لو ازلنا السلطة من الحياة السياسية والعامة, فإنه قد يعني انه من الآن فصاعدا المسؤليات المتساوية لمجريات الأمور بالعالم مطلوبة من الجميع. ولكنها قد تعني ايضا ان متطالبات العالم ومتطلبات النظام فيها يتم التنصل منها بوعي او غير وعي؛ ويتم رفض كل المسؤلية عن العالم, مسؤلية إعطاء الأوامر لاتقل عن طاعتها. ولاشك ان الفقد الحديث للسلطة كلا النوايا لعبت دورا و كانت في كثير من الأحيان وبشكل لاينفصل تعمل معا. وفي مجال التعليم, على العكس يمكن ان يكون هناك غموضا فيما يتعلق بخسارة السلطة في الوقت الحاضر. الأطفال لايمكنهم التخلص من السلطة التعليمية, وكأنهم في موقع الأضهاد من قبل أكثر البالغين- على الرغم من ان هذه العبثية بالتعامل مع الأطفال وكأنها اقلية مضهدة وفي حاجة الى تحرير قد تم بالفعل محاولتها في التدريب التعليمي الحديث. السلطة تم تجاهلها من قبل البالغين, وهذا يعني شيء واحد: ان الكبار يرفضون تحمل مسؤلية العالم والتي جلبوا الأطفال فيها.

      وهنالك بالطبع صلة بين خسارة السلطة في الحياة العامة والسياسية و في العالم الخاص بما قبل السياسية للأسرة والمدرسة. كلما ازداد إنعدام الثقة بالسلطة جذريا بالمجال العام, كلما اصبحت الأحتمالية الطبيعية للمحيط الخاص أعظم بأنها لن تبقى منتهكة. وهنالك حقيقة آخرى, وعلى الأغلب خادعة, انه من قديم الزمان تعودنا في تقاليدينا بالتفكير السياسي ان سلطة الوالدان تفوق الأطفال, و سلطة المعلمين تفوق التلاميذ, كنموذج لفهم السلطة السياسية. مجرد هذا نموذج, والذي نستطيع ان نجده عند افلاطون وارسطو من قديم الزمان, هو الذي يجعل مفهوم السلطة بالسياسة غامض للغاية. ويعتمد اولا على التفوق المطلق مثل مالايمكن ان يوجد بين البالغين وما لا يجب ان يوجد ابدا من وجهة نظر الأنسان. ثانيا, على غرار مثال الحضانة, فهو يعتمد ببساطة على التفوق المؤقت ولذلك يصبح متناقص ذاتيا لو طبق على العلاقات الغير مؤقته طبيعيا- كعلاقة الحاكم والمحكوم. لذلك فإنه يكمن في طبيعة الأمر- سواء في الطبيعة او الأزمة الحالية في السلطة و في طبيعة تفكيرنا التقليدي للسياسة- والتي هي خسارة السلطة التي بدأت بالمجال السياسي يجب ان تنتهي بالمجال الخاص. فمن الطبيعي وليس من قبيل الصدفة ان المكان السلطة السياسية قوض اولا, وان في امريكا, يجب ان يكون مكان الأزمة في التعليم تجعله محسوس بشكل اقوى.

      الفقدان العام للسلطة بالكاد يمكنه العثور على مزيد من التعابير المتطرفة من قبل التدخل في ماقبل المجال السياسي, حيث بدت السلطة فرضها و إستقلالها من كل التغيرات التاريخية والظروف السياسية. من زاوية اخرى, لا يمكن للأنسان المعاصر ان يجد تعبير أكثر وضوحا من عدم رضاه عن العالم, عن اشمئزازه عن الأشياء كما هي, وعن رفضه لتولي مسؤلية كل ما يخص أطفاله. وكما يقولون الآباء يوميا: “في هذا العالم حتى نحن لسنا آمنين في بيوتنا, وكيف نتحرك فيه, وماذا يجب ان نعرف, وماهي المهارات المطلوب إتقانها, هذه كلها ألغاز بالنسبة لنا. يجب عليك ان تحاول بقدر المستطاع: وعلى كل حال لايحق لك ان تحاسبنا. نحن أبرياء, غسلنا يدينا منك.”

      هذا السلوك بالطبع لا علاقة له بتلك الرغبة الثورية لنظام جديد في العالم -نظام عالم جديد- والذي أحيا أمريكا؛ بل هي اعراض الأنفصال الحديثة من العالم الذي يمكن رؤيته من اي مكان ولكن يعرض نفسه في شكل جذري وبائس تحت ظل ظروف المجتمع الجماهيري. صحيح ان التجارب التعليمية الحديثة, ليس في امريكا فقط, اخذت وضعيات ثورية, وهذا الى حد ما زاد صعوبة الاعتراف بالموقف و تسبب بدرجة من التشويش في نقاش المشكلة؛ ونقيض كل هذا السلوك يقف في الحقيقة الي لاشك فيها ان مادامت امريكا مفعمة بتلك الحيوية والتي لم تحلم ببدأ نظام جديد مع تعليم, ولكن على العكس بقت محافظة في الوسائل التعليمية. ولتجنب سوء الفهم: يبدو لي ان المحافظة, بمعنى الحفظ, هو جوهر النشاط التعليمي والذي مهمته هي دائما تعزيز وحماية شيء ما للطفل ضد العالم, والعالم ضد الطفل, الجديد ضد القديم, القديم ضد الجديد. حتى المسؤلية الشاملة للعالم والتي تفترض ضمنا موقفا متحفظا. ولكن هذا جيد فقط لعالم التعليم, او بالأحرى العلاقات بين الكبار والصغار, وليس من اجل عالم السياسة, حيث نعمل بين ومع الكبار و غيرهم. بالسياسة هذا السلوك والذي يقبل العالم كما هو, يسعى فقط للحفاظ على الوضع الراهن والذي يمكن ان يؤدي الى الدمار, لأن العالم إجمالا وتفصيلا, لارجعت فيه إلا اذا عزم البشر على التدخل والتغير وخلق ماهو جديد. كلمات هاملت “الوقت مشترك. اللعنة لأنني ولدت لأضبطه,” تقريبا ينطبق على كل جيل جديد, على الرغم من ان منذ بداية هذا القرن ربما حصلوا على صلاحيات اكثر اقناعا من ذي قبل.

      اساسا نحن نتعلم دائما من اجل عالم يصبح مشترك, لأن هذا هو الوضع الأساسي للأنسان, والذي تم إنشاؤه بأيد بشرية لخدمة البشرية لفترة محدودة كالوطن. ولأنه مصنوع من قبل البشر فأنه يتلف؛ ولأنه يغير سكانه دائما فهوا في خطر ان يصبح هالك مثلهم. ولحفظ العالم من فناء خالقيه و سكانه يجب تجديده بإستمرار. المشكلة ببساطة هي التعليم بطريقة ما ان البقاء على نهج واحد ممكن ولكنه غير مضمون. آمالنا دائما معلقة على كل مايجلبه كل جيل؛ ولكن تحديدا لأننا نستطيع ان نبني آمالنا على هذا فقط, ندمر كل شي اذا حاولنا السيطرة على الجديد واستطعنا نحن القدماء ان نملي عليه كيف سيبدوا. بالضبط من اجل كل ماهو جديد وثوري في كل طفل, التعليم يجب ان يكون محافظا, يجب ان يحافظ على هذه الحداثة ويعرفها كشيء جديد للعالم القديم, والذي يمكن ان يكون ثوري الفعل, من وجهة نظر الجيل القادم, عتيق وعلى وشك التدمر.

IV

الصعوبة الحقيقية في العالم الحديث, بغض النظر عن كل الكلام المألوف عن التحفظ الجديد, حتى الحد الأدنى للتحفظ والسلوك المحافظ من دونها التعليم غير ممكن في هذا الوقت و صعب تحقيقه للغاية. وهنالك اسباب وجيهة لذلك. ازمة السلطة في التعليم مرتبطة بأزمة التقاليد, وهذه هي الأزمة في سلوكنا اتجاه الماضي. هذا الجانب من الازمة الحديثة صعب على المعلم ان يتحمله, لأنها مهمته في التدخل بين القديم والجديد, لذلك مهنته تتطلب منه احترام استثنائي للماضي. عبر قرون طويلة, اي خلال الفترة الجامعة بين الحضارة الرومانية المسيحية, لم يكن هنالك حاجة ليصبح على بينة بهذه النوعية لأن تقديس الماضي كان جزء اساسيا من الإطار العقلي للرومان, ولم يتغير او ينهى من قبل المسيحية, ولكن ببساطة تحول إلى اسس مختلفة. وكان هذا هو اساس الطريقة الرومانية (على الرغم من ان هذا كان حقيقة كل الحضارات وحتى التقاليد الغربية ككل) لأعتبار الماضي كاماضي وكنموذج, والأجداد في كل الحالات كمثال توجيهي لأحفادهم؛ وللإعتقاد ان العظمة تكمن في ما تم, لذلك اكثر عمر مناسب هو الشيخوخة, ليكون بمثابة نموذج للعيش, لأنه بالفعل من السلف. كل هذا يناقض ليس فقط عالمنا و العالم الحديث من عصر النهضة, ولكن على سبيل المثال, للطريقة اليونانية تجاه الحياة ايضا. عندما قال غوته ان الكبر هو “الأنسحاب التدريجي من عالم المظاهر,” هذا كان التعليق الذي يدلى بروح الأغريق, والذين طابقوا الوجود والظهور. الطريقة الرومانية كانت على وجه التحديد بالشيخوخة والأختفاء ببطيء من المجتمع البشري الذي يبلغ مستواه الأكثر تميزا من الوجود, على الرغم من ان كل يتعلق بالمظاهر, هو في طريقه إلى الأختفاء؛ والآن فقط يستطيع ان يقترب من الوجود والذي سوف يكون ذو سلطة على الآخرين.

      مع هذه الخلفية الغير مشوشة لهذه التقاليد, حيث التعليم لديه مهمة سياسية (وهذه كانت حالة فريدة)؛ هو في الحقيقة سهل نسبيا لفعل الشي الصحيح في مايتعلق بالتعليم دون حتى التوقف للنظر في مايفعله الشخص, تلك تماما الروح المطلوبة لمبدأ التعليم بما بتوافق مع القناعات الأخلاقية والمعنوية للمجتمع ككل. للتعليم, على حد تعبير بوليبيوس، كان ببساطة “لتمكنك من رؤية انك تستحق اسلافك تماما.” ولهذا الشئن المربي يمكن ان يكون “زميل المتسابق” و “وزميل عمل” لأنه هو وعلى مستوى مختلف جرب الحياة بنظرة على الماضي. الزمالة والسلطة كانت في هذه الحالة وجهان لعملة واحدة, وسلطة المعلم كانت مرسخة في السلطة الشاملة للماضي على هذا النحو. واليوم لم نعد في هذا الموقف, وهذا يعطي معنى اقل للتصرف وكأننا لانزال ولم نزال قد انحرفنا عن طريق الخظأ من الطريق الصحيح وكنا احرارا في اي لحظة للعودة إليه. وهذا يعني انه حيثما تحدث الأزمة في العالم الحديث, لايمكن للمرء ان يذهب ببساطة او حتى يعود. هذا الانعكاس لن يجلب لنا اي شي ماعدا نفس الموقف الذي نشأت منه الأزمة. العودة ببساطة تكون بتكرار الاداء- على الرغم من بعض الاختلافات في الشكل, حيث لايوجد حدود للأمكانيات الفارغة والمفاهيم المتقلبة حيث يمكن اعتبارها كآخر كلمة في العلم. ومن ناحية اخرى, المثابرة الغير عاكسة سواء كان بالإستكمال في الأزمة او تحمل الروتين الذي يؤمن بتملق ان الأزمة لن تنسخ مجالا معين من الحياة لأنه تحيط نفسها بمجرى الزمن وتؤدي للخراب, لنكون اكثر دقة, زيادة هذا الجفاء من العالم الذي يهددنا من جميع الجهات. النظر في مبادىء التعليم يجب ان يأخذ بعين الأعتبار ان هذه عملية انفصام من العالم؛ حتى انها يمكن ان تعترف بأننا هنا فرضيا نواجه عملية تلقائية, بشرط الا ننسى انها تكمن ضمن قوة الفكر البشري و العمل لوقف و اعتقال مثل هذه العمليات. ازمة التعليم في العالم الحديث تكمن في حقيقة انه لايمكن التخلي عن سلطتها او تقاليدها, ولكن يجب المضي في عالم غير مبني على سلطة ولا مقيد معا من بالتقاليد. هذا يعني  ليس فقط المعلمين والمربين, انما جميعنا, طالما اننا نعيش معا في عالم واحد بأطفالنا و شبابنا, يجب ان نتخذ حيالهم سلوك مختلف جذريا من التي نتخذها حيال الآخرين. يجب علينا فصل العالم التعليمي عن العوالم الآخرى, وخاصتًا عالم الحياة العامة, والحياة السياسية, من اجل التطبيق عليه لوحده  مفهوم السلطة وسلوك نحو الماضي وهو مناسب لذلك ولكن ليس صحيح عامة ويجب ان لايدعي صحته العامة في عالم الكبار. بتجربة النتيجة الأولى سيكون هنالك فهم واضح ان وظيفة المدرسة هي تعليم الأطفال ماهو العالم وليس بأرشادهم على فن العيش. وبما ان العالم قديم, دائما اقدم منهم, التعليم حتما يتجه نحو الماضي, بغض النظر عن مقدار المعيشة في الوقت الحاضر. ثانيا, الخط المرسوم بين الأطفال والكبار يجب ان يدل على ان المرء لايستطيع تعليم الكبار ولا معاملة الأطفال وكأنهم راشدين؛ ولكن هذا الخط لا يجب ابدا السماح له بأن يصبح جدار فاصل عن مجتمع الكبار وكأنهم لم يعيشوا في نفس العالم وكأن الطفولة كانت حالة مستقلة, قادرة على العيش من خلال قوانينها الخاصة. اينما يقع الخط الفاصل بين الطفولة والبلوغ لايمكن تحديده من خلاله قاعدة عامة؛ لانه متغير عادة, بأخذ العمر بعين الاعتبار, ومن دولة الى دولة, ومن حضارة لأخرى, وايضا من فرد الى فرد. ولكن التعليم, بصفته متميزًا عن التعلم, يجب ان يحظى بغاية متوقعه. في حضارتنا هذه، قد تتزامن الغاية مع التخرج من الكلية وليس مع التخرج من المدرسة الثانوية, يعود ها إلى التدريب المهني الذي تقدمه الجامعات والمدارس التقنية, فهو نوع من أنواع التخصص, إلا أنه ذو علاقة مع التعليم. ولم يعد التعليم يهدف الى ادخال الشباب الى العالم ككل, ولكنه ,إلى حد ما, لجزء معين ومحدودة منه. المرء غير قادر على التعليم بلا تدريس بنفس الوقت؛ والتعليم فارغ من دون التعلم, ولذلك ينحل بسهولة الى خطاب عاطفي معنوي.

      ولكن يمكن للمرء بسهولة ان يتعلم بدون التدريس, والمرء يستطيع ان يستمر بالتعليم إلى اخر يوم في حياته من دون ان يصبح متعلم. كل هذه التفاصيل يجب ان تترك للخبراء والمدرسين. كل مايهمنا لايمكن ان يتحول الى علم خاص للتدريس, العلاقة بين الكبار والصغار بشكل عام, و سلوكنا تجاه حقيقة المواليد: حقيقة اننا وصلنا جميعا الى العالم من خلال الولادة وان هذا العالم متجدد بأستمرار من خلال الولادة. التعليم هي النقطة التي نقرر من خلالها ما اذا كنا نحب العالم كفاية لنتحمل مسؤليته و حمايته لنفس السبب من الخراب والذي سيكون حتميا, ماعدا التجديد, ماعدا وصول الجدد والصغار. والتعليم ايضا هي النقطة التي من خلالها نقرر ما اذا نحب اطفالنا كفاية لألا نطردهم من عالمنا ونتركهم لأجهزتهم الخاصة, او تضيع فرصة من ايديهم للقيام بشيء جديد, شيء غير متوقع من قبل الكبار, ولكن لإعدادهم مسبقا للقيام بمهمة تجديد العالم المشترك.

 


المقالة الأصلية

error: المحتوى محمي