الأدب: ماهيّته وغاياته / ترجمة: غزال بنت محمد الحربي

الأدب: ماهيّته وغاياته / ترجمة: غزال بنت محمد الحربي


 

         الأدب كائن معقد كالنظام الإيكولوجي، أو كعَالم الذرّة الذي لا يمكن وصفه. وهو غني وجميل ومتجدد كالثقافات العديدة الموجودة حولنا. يتم تشكيله من العالم المحيط بنا وهو يُشكل فهمنا للعالم. إنه مصنوع من اللغة التي هي وسيطته الطيّعة والسهلة والمتناهية. ومن الممكن أن يتجلى لنا الأدب في أبسط الأشكال الفنية وربما في أكثرها سذاجة. وقد يتجلى في أشكال فنيّة أخرى منحوتة بعناية وبراعة. ومن الممكن أن يكون كُتاب الأدب من الأطفال ذوو المهارات القليلة, أو من العباقرة الذين عملوا واجتهدوا لسنوات من أجل صقل فنهم. كما أن الأدب كائن أيديولوجي قوي. يمكن أن يكون هادما أو قمعيا أو مزيجا من الاثنين. الأدب قد يريحنا, وقد يخيفنا, وقد يبكينا, وقد يخلق في داخلنا القيود, وقد يوسّع إمكانات خيالنا.

      والأسباب التي تجعلنا ندْرس الأدب ونكتب مقالات حوله أو ننتقده تأتي كمحاولة منّا لفهم ما يقدمه لنا بشكل أفضل, وفهم كيفيته في نقل صورة ما هو كائن وإنساني في هذا العالم, وفهم كيفيته في توسيع تلك الصورة أيضا.

        وللأدب غايات رئيسة تختلف عن تلك الغايات التي تنهض بها النظم الأخرى. وتلك الغايات الخاصة به هي التي تشكّل كيفية تعاملنا معه.  وقد اتفق نقاد الأدب من العصور الكلاسيكية حتى اليوم على الغايات التي يعتقدون أن الأدب ينهض بها, وهي التعليم, والإمتاع, والمحاكاة.

        فكثير من المعلومات والقيم والأفكار تُنقل إلى القراء من خلال الأعمال الأدبية. وهذه المعلومات تأتي على أكثر من صيغة. فقد يتعمّد كتاب الأدب أن يعلمونا أشياء محددة، وقد لا يتعمدون ذلك؛ ففي حالات كثيرة يمكننا أن نتعلّم من أعمالهم أشياءً أخرى لم يتعمدوا بالأساس أن تكون الغاية منها تعليمية. وتلك المعرفة أو الثقافة التي يقدمها الأدب قد تكون مثلا حول المجتمع الذي يصوره العمل على أنه متحامل تجاه المرأة, أو عن القيم الدينية للمجتمع والتي تتغلغل في كل الأشياء التي تحدث فيه.  وقد تكون معرفة بالأفكارالمحددة التي يتم طرحها في العمل؛ فمن الممكن أن ندرك مثلا أن الأفكار المتعلقة بشخصية البطل في العمل الأدبي ترتبط بأفكارالكاتب أو الكاتبه حول الفن، ويصلنا هذا الإدراك بطريقة لم يكن الكاتب يتوقع بأن ندركها.  وقد تكون المعرفة حول العالم المادي الذي يتم وضع القصة أو العمل الأدبي فيه؛ حيث يمكننا, كقراء, أن نصنع الروابط بين أشياء معينة وبين أفكار العمل مثلا, وبين الأشياء والمشاعر. وهذا ,مما لا شك فيه, يساعدنا على معرفة الكثير من الأمور عن العالم من حولنا, وعن الشخصيات, وعن الحدث الرئيس الذي يتم تمثيله في العمل الأدبي.

     وقد يكون من المهم للقارئ أو للناقد الأدبي أن يفرّق بين التأثير المقصود والتأثير غير المقصود في الأعمال الأدبية. فمن المثير للاهتمام دائمًا، على سبيل المثال، أن تقرأ ما يحاول المؤلف قوله في العمل, ثم تقيس خلافا على ذلك المعرفة التي تعتقد أنك فعليا قد حصلت عليها. ولكن نظرًا لأن وسيلة الأدب هي اللغة، ولأن القراء هم أفراد في أوضاع ثقافية واجتماعية مختلفة، ولأن قراءة الأدب تتم في أوقات وأماكن متباينة، فإن تأثير العمل الأدبي يكون خارج سيطرة المؤلف.  وهذه هي الأسباب التي تجعلنا نرجع باستمرار إلى النصوص نفسها؛ فهي ليست متشابهة أبدا وليس لها التأثير نفسه.  كما أن العذوبة المستمرة للأعمال الأدبية المميزة تعني أيضًا أن لدينا أسئلة مثيرة للاهتمام لا نهاية لها حول ما تعنيه الأعمال الأدبية المعقدة، وهذا هو سبب استمرارنا في كتابة المقالات حول ماهية الأدب ونقده.

       الغاية الثانية للأدب هي الإمتاع. ويعني خلق البهجة في نفس المتلقي, وبالتالي فإن التأثير هنا عاطفي. ولكن عاطفة المتعة لا تنحصر فقط في بهجة المرح.  بل يمكننا أن نستمتع بالحزن أيضا، أو بالرعب. ولهذا نجد أن بعض الناس يدفعون أموالا مقابل مشاهدة أفلام الرعب أو تلك المستدرّة للدموع. ولعل من بين الأشياء التي نقدرها أكثر من أي أمر آخر في الفن خاصة, وفي التسلية عموما, هي شدة العاطفة؛ نحن مثلا نحب البكاء الجيد، ونحب اندفاع الأدرينالين, ونحب الضحك من قلب، ونحب رعشة الخوف. وقد يكون لدى علماء النفس والأعصاب إجابة تفسر لنا السبب في ذلك. ربما لأن تلك المشاعر تعمل على تمرين العواطف التي تساعدنا على اتخاذ إجراء ما حيال مواقف حياتية مختلفة, أو ربما لديها القدرة على تعزيز الاتصال وإشباع احتياجات نفسية معينة, والتي لا تقل أهمية عن أهمية البقاء في حالة جسدية جيّدة. وربما كانت قراءة الأدب، ومشاهدة المسرحيات والأفلام، والاستماع إلى الموسيقى ضرورية لراحتنا كالفيتامينات والمعادن.

      الغاية الثالثة للأدب هي محاكاة الواقع. الأدب ينتج للقارئ نسخة من عالم واقع أو من عالم محتمل, ويحاول ان تكون تلك النسخة قابلة للتصديق. وقد يكون العالم الذي يحاكيه الأدب عالمًا داخليًا (أفكار ومشاعر كائن محدد، عادة ما يكون شخصًا، ولكن في بعض الأحيان قد يكون كائنًا حيوانيًا أو ماديًا)، وقد يكون عالم يختص بمجموعة من الناس في ثقافة مجتمع بأكمله. وقد يكون عالما حقيقيا كان موجودا أو مازال موجودا بالفعل. وربما يكون عالما رائعا  تسكنه مخلوقات غريبة ذات قوى سحرية, أو قد يكون عالما مثاليا وهميا, حيث الكائنات الجميلة التي تمتلك جوهر الخفة وتطفو بدون جهد فوق العالم الذي نعيش فيه.  وينصب اهتمام نقاد الأدب هنا في التركيز على فهم كيفية بناء هذه العوالم في الأعمال الأدبية, وفي كيفية تجربة وتلقي القراء لهذه العوالم. بينما نهتم نحن, عامة القراء, بالفرص والقيود التي تعرضها عوالم الأدب المختلفة لإنتاج أنواعا من الأفكار والمشاعر الخاصة بنا داخل تلك العوالم. فعلى سبيل المثال، يمكن لأدب الخيال العلمي أن يقدم فهماً مختلفًا لجسم الإنسان ,وتجربة مختلفة لقدراته مقارنة بالرواية الواقعية في القرن الثامن عشر في قرية صغيرة في إنجلترا.

      نحن  مهتمون أيضًا بكيفية إخراج الكُتاب للعوالم الأدبية من اللغة. فعندما نتصوّر هذا الفن على أنه  بيت من الثلج, أو حلوى من القرنبيط, فإننا ندرك بأن هناك سحرية مغمورة في أخذ الرموز, والشخبطة على الصفحة، وتحويلها إلى شيء ملون، قابل للتصديق، ومحسوس، ونابض بالحياة وآسر.


المصدر

writing Essays About Literature – Katherine O. Acheson  

error: