الأخلاقيات النسوية – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: زينب صلاح

الأخلاقيات النسوية – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: زينب صلاح

د. روزميري تونغ، بروفيسورة أخلاقيات الرعاية الصحية في قسم الفلسفة بجامعة نورث كالورينا

د. روزميري تونغ، بروفيسورة أخلاقيات الرعاية الصحية في قسم الفلسفة بجامعة نورث كالورينا

نانسي ويليامز

د. نانسي ويليامز، محاضرة في قسم الفلسفة في كلية ووفورد

نسخة PDF


مقدمة: هذا نص مترجم لد. روزميري تونغ ونانسي ويليامز، حول المقاربات المختلفة للأخلاقيات النسوية، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


 

إن الأخلاقيات النسوية محاولة تنقيح الأخلاقيّات التقليدية، وإعادة صياغتها أو إعادة التفكير في مدى انتقاصها من قدر خبرة النساء الأخلاقيّة أو الحط من قيمتها. وضمن آخرين، تعيب الفيلسوفة النسوية أليسون جاغر على الأخلاقيات التقليدية تقليلَها من شأن المرأة بخمسة طرق متصلة ببعضها البعض؛ فتقول أنها: أولا، تبدي اهتماما أقل بقضايا المرأة واحتياجاتها مقارنة بالرجل. ثانيا، تعرض القضايا الأخلاقية التي تنشأ فيما يسمى بالعالم الخاص في صورة مبتذلة، فهو ذلك العالم الذي تقوم فيه المرأة بأعمال المنزل، وترعى الأطفال والعجَزة وكبار السنّ. ثالثا، تفترض ضمنا أن النساء عموما غير ناضجات أخلاقيا أو عميقات مثل الرجال. رابعا، تبالغ في تقدير السمات المذكّرة ثقافيا كالاستقلال والحكم الذاتي والفكر والإرادة والحرص والتسلسل الهرمي والسيادة والثقافة والتفوق والإنتاج والتنسُّك والحرب والموت، بينما تحقّر السمات المؤنثة ثقافيا كالاتكالية والاجتماعية والطبيعة والارتباط والمشاركة والعاطفة والجسد والثقة وغياب التسلسل الهرمي والطبيعة والذاتية والعملية والمتعة والسلام والحياة. خامسا -وأخيرا-، تفضّل طرق المنطق الأخلاقي “الذكورية” التي تشدّد على القواعد والحقوق والعالمية والموضوعية، على طرق المنطق الأخلاقي “الأنثوية” التي تشدّد على العلاقات والمسئوليات والخصوصية والتحيّز ( Jaggar, “Feminist Ethics,” 1992).

كان النسويّون قد طوروا مقاربات أخلاقية واسعة النطاق ترتكز على الجنوسة/الجندر، ينصبّ كل منها على واحدة أو أكثر من الطرق التي فشلت فيها الأخلاقيات التقليدية أو أهملت فيها النساء. وشدّد بعض النسويين الأخلاقيين على القضايا التي تتعلق بسمات وتصرفات النساء خصوصا قضايا الرعاية، وعلى النقيض شدّد آخرون على الدوافع السياسية والشرعية والاقتصادية والأيديولوجية وأثرها في وضع النساء كجنس آخر. وأيا تكن هذه التشديدات، فكل النسويين الأخلاقيين يتشاركون نفس الهدف وهو خلق أخلاقيات جندرية تهدف إلى إزالة اضطهاد أي مجموعة من الناس ـ والنساء خصوصا، أو تخفيفه على أقل تقدير (Jaggar, “Feminist Ethics,” 1992).

 

  1. الأخلاقيات النسوية: خلفية تاريخية

  2. المقاربات الرعائية النسوية للأخلاق

                  1.2 أخلاقيات الرعاية النسوية: الصوت المختلف

                 2.2 الرعائية: العلاقات الأخلاقية النموذجية (الباراديمية)

  3. المقاربات النسوية المرتكزة على البطريركية للأخلاق

                  1.3 المقاربات الليبرالية، والراديكالية، والماركسية/الاشتراكية، ومتعددة الثقافات، والعالمية، والبيئية

                 2.3 مقاربات الوجودية، والتحليل النفسي، وما بعد الحداثة، والموجة الثالثة

  4.  الخلاصة

  •  المراجع

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر إضافية على شبكة الأنترنت

  • مواد ذات صلة

 

 


1. الأخلاقيات النسوية: خلفية تاريخية

ليست المقاربات النسوية للأخلاق أو الجدال حول الطبيعة الجندرية للأخلاق تطورا جديدا، فخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تكلّم العديد من المفكرين في موضوعات متعلقة بـ “أخلاق النساء”، منهم: ماري ولستونكرافت، وجون ستيوارت مِل، وكاثرين بيتشر، وكارلوت بيركن جيلمان، وإليزابيث كادي ستانتون.كل من هؤلاء المفكرين أثار أسئلة مثل: هل سمات النساء “المؤنثة” ناتجة عن الطبيعة البيولوجية أم أنها حصيلة التكيّف الاجتماعي؟، هل تتصل الفضائل الأخلاقية والسمات الجنوسية/الجندرية بعواطف المرء وقدراته الإدراكية أم بفسيولوجيته وسيكولوجيته؟ إذا كان الأول، فهل علينا أن نقبل ببساطة حقيقة أن الرجال والنساء لهم فضائل أخلاقية وسمات جنوسية مختلفة ونتصرف وفقا لذلك؟ وإذا كان الثاني، فهل علينا أن نبذل ما في وسعنا لنجعل الرجال والنساء يلتزمون نفس الأخلاقيات، أخلاقيات واحدة تلائم كل البشر؟

استنتجت ماري ولستونكرافت وهي تسأل نفسها أسئلة كالموضّحة أعلاه أن الفضائل الأخلاقية وحدويّة، وقالت أن النساء ملزَمات بممارسة نفس أخلاقيات الرجال، إذ إنها أخلاقيات إنسانية. ورغم أنها لم تستخدم مصطلحات مثل “الأدوار الجنوسية المؤسسة اجتماعيا”، إلا أنها أنكرت أن يكون محكوما على النساء بطبيعتهنّ أن يكنّ أقل فضيلة من الرجال (Wollstonecraft, A Vindication of the Rights of Women, p. 105). وفي ظل حرمانهن من الفرص الوافية لتطوير قدراتهن العقلية، ينهي النساء كونهن أفرادا عاطفيين، ومرهفي الحس، ونرجسسين، ومطلقي العنان لشهواتهم. قالت ولستونكرافت أنه لا عيب في النساء بما في ذلك صفاتهن الأخلاقية الضعيفة التي لا يستطيع التعليم الصارم -ذلك التعليم الذي يهدف إلى تطوير قدرات الطلبة العقلية- أن يعالجها افتراضيا. فالرجال لديهم اهتمامات ودوافع والتزامات سواء كانت ثانوية أو ذات أهمية لأنهم يتلقون تعليما مناسبا، تقول ولستونكرافت “أعطوا النساء تعليم الرجال ولن تكون النساء أقل من الرجال في كونهن أناسا ناضجين أخلاقيا” (Wollstonecraft, A Vindication of the Rights of Women, p. 105).

عرّفت ولستونكرافت العقل -بدلا من الحس- بأنه الصفة التي تميز بين الإنسان والحيوان، فهي تفرّق بين قواعد السلوك التي تجعل المرء يتصرف بلا عقل مثل إنسان آلي يستطيع أي شخص التحكم فيه، وبين الأخلاق التي تتطلب تفكيرا ناقدا، فبينما يعلّم الآباء الأولاد الأخلاق، نجدهم يعلمون البنات قواعد السلوك[2]، على حد قولها. وبشكل أكثر شمولية، فإن المجتمع ككل يشجع النساء على تنمية السمات السيكولوجية السلبية مثل المكر، والغرور، والطيش، وكل ذلك يعيق تطور النساء الأخلاقي. والأسوأ من هذا أن المجتمع يحوّل مزايا النساء إلى نقائص، وتحديدا تدّعي ولستونكرافت على سبيل المثال أن الرقّة -وهي سمة سيكولوجية إيجابية للنساء- سرعان ما تتحول إلى خضوع، تقول ولستونكرافت: “عندما يكون تصرف التبعية الخاضع هو الداعم للضعف الذي يحب لأنه يريد الحماية، ويتسامح لأنه لابد أن يتحمل الإهانات في صمت، لن تكون جرأته على التبسم للجَلد الذي يواجهه مستغربة” (Wollstonecraft, A Vindication of the Rights of Women, p. 117).

مثبّطة بالسمات النفسية السلبية الأنثوية المعاصرة لها، خصوصا الموجودة في الطبقة الوسطى، أوضحت ولستونكرافت أن أفضل طريق يسلكه النساء ليصبحن عوامل كاملة النضج أخلاقيا هو أن يفكرن ويتصرفن مثل الرجال، ولم يحدث أن تساءلت ولستونكرافت عما إذا كانت أخلاقيات الرجال في الحقيقة إنسانية أم لا، كل ما عرفَته في المقابل هو أن أخلاقيات الرجال تبدو أفضل من أخلاقيات النساء وبالتالي فهي مرشح أسمى للقب “الأخلاقيات الإنسانية الصحيحة”.

أكدت ولستونكرافت أن نساء عصرها يحتجن تعليما أفضل، ولكنها فشلت في تقديم عرض تعريفي لتزويدهن بتعليم الرجال. فأحيانا تلمّح أن الهدف من تعليم النساء هو ببساطة مساندة الرجال “بمتابعة عقلانية”، أي: “ببنات يقظات أكثر، وأخوات عطوفات أكثر، وزوجات وفيّات أكثر، وأمهات حصيفات أكثر.” (Wollstonecraft, A Vindication of the Rights of Women). ومع ذلك، تقترح في أحيان أخرى أن النساء يحتجن التعلم مثل الرجال كي يصبحن راشدات يتمتعن بالعقلانية والمسئولية والاستقلال. ولاحظت أنه إذا كانت النساء حقا “متميزات ونافعات”، فمن الضروري أن يستقللن اقتصاديا عن الرجال (Wollstonecraft, A Vindication of the Rights of Women).

لم تنته المناقشات عما يجعل الإنسان جيدا عند ولستونكرافت، بل استمرت حتى القرن التالي. وفي واحدة من سخريات التاريخ، اعتُبرت النساء أكثر أخلاقا من الرجال خلال القرن التاسع عشر -مع كونهن أقل فكرا أيضا-، مما أقلق الفيلسوف النفعي جون ستيوارت مِل، فقد رأى أن المجتمع مخطئ في تأسيس مقياس أخلاقي مزدوج تُفرض وفقا له أخلاق النساء خلافا لأخلاق الرجال. وانعكاسا على سمو أخلاقيات النساء المزعوم، استنتج مِل أن أخلاقيات النساء ناتجة ببساطة عن التكييف الاجتماعي الممنهج، فامتداح النساء لأجل “إنكارهن ذواتهن المعقدة”، ليس إلا ثناء على المجتمع الذي غرس في النساء تلك السمات السيكولوجية التي تخدم الحفاظ عليه (J.S. Mill, The Subjection of Women, p. 32). تعلمت النساء أن تعيش لأجل الآخرين، لكي تعطي دائما ولا تأخذ أبدا، تعلمت أن تستسلم وتسمع وتطيع، لكي تعاني على طول المدى، وتعلمن أيضا الاعتراض على الرجال، لأنهن لسن ذكيات وقويات مثلهم. فالحال أن مزايا النساء ليست نتاج خيارهن الاستقلالي، وإنما نتيجة النظام الاجتماعي. ولا يوجد في الأصل إلا فضيلة واحدة، لابد من دفع النساء والرجال للالتزام بمقاييسها، وهي الفضيلة الإنسانية، وبعد ذلك فقط، سيكون المجتمع مستقيما ومزدهرا لأقصى حد ممكن (J.S. Mill, The Subjection of Women, 1970).

على النقيض من ولستونكرافت ومِل، أنكر مفكرون آخرون من مفكري القرن التاسع عشر أن تكون الفضيلة -أو ينبغي أن تكون- واحدة لكلا الجنسين. وقدّموا -بدلا من ذلك- نظرية منفصلة للفضيلة ولكنها مكافئة، يختلف الرجال فيها عن النساء وفقا لها نوعا ما. أو أنهم شرحوا نظرية للفضيلة منفصلة وغير مكافئة، تعتبر فضيلة الأنثى في الأساس أفضل من فضيلة الذكر. وهذه المجموعة المخالفة من المفكرين لا يتوافقون مع بعضهم البعض على كيفية تقييم الصفات المرتبطة بالنساء كالتربية والحنان والشفقة والتضحية بالنفس والعطف، فقد تساءلوا عما إذا كانت هذه الصفات “المؤنثة” أو “الأنثوية”:

1ـ فضائلَ أخلاقية أصيلة ينبغي أن يطورها الرجال والنساء.

2ـ سماتٍ سيكولوجية إيجابية ينبغي أن تطورها النساء وحدها.

3ـ سماتٍ سيكولوجية سلبية لا ينبغي أن يطورها أحد.

وكانت كاثرين بيتشر من بين هذه المجموعة من المفكرين، وكانت تعتقد أن مكان النساء هو البيت، وأن عمل المرأة بمفهوم إنشاء الأسَر القوية التي تزدهر فيها الفضيلة الأخلاقية والحفاظ عليها، مهم لبناء المجتمع، خلافا لبعض معاصريها. وفي محاولة منها لمساعدة المجتمع على احترام عمل النساء المنزلي، طورت بيتشر تهذيب “العلم المنزلي”. وشددت على أن عمل النساء المنزلي يتطلب الكثير من الذكاء والكثير من المهارات التنظيمية والمهنية. ربما تكون إدارة أعمال المنزل، مثل إدارة عمل صغير على سبيل المثال.

وأكدت بيتشر أيضا أن أهم أعمال النساء هو أن يجعلن أفراد أسرتهن مثل المسيح، الذي مات موتا مؤلما ليخلّص البشر من أوضاعهم الساقطة المذنبة. فمن المفترض أن تكون النساء في وضع أفضل للترشح للتشبه بالمسيح في فضيلة “خيرية إنكار الذات” وأن يؤدين أدوارا يحتذى بها لأسرهن، عندما يكنّ منعزلات في عالمهن الخاص، إذ من المفترض أن يكنّ صمّاوات عن النداءات الفاتنة للثروة العالمية، والقوة، والمكانة. وكلما كانت النساء أكثر صفاء وكمالا، كلما كان المجتمع أفضل. وقد كانت بيتشر مقتنعة بأن النساء مسئولات عن رجال وأطفال كاملين أخلاقيا، ولم تسأل نفسها أبدا لماذا حمّل الله النساء دون الرجال هذه المسئولية فارضا عليهن الاختصاص بفضيلة خيرية إنكار الذات. على كلٍّ، بما أن المسيح كان رجلا، أما كان ينبغي للربّ أن يختار الرجال ليكونوا حُماة فضيلة المجتمع؟ (Beecher and Stowe, The American Woman’s Home, 1971).

في الوقت الذي كتبت فيه بيتشر، كانت إليزابيث كادي ستانتون أيضا ترى اختلافات بين أخلاقيات النساء والرجال. وعلى الرغم من أن ستانتون لم تكن متأكدة من أن ما تدركه عن تشعب مزايا وعيوب الرجال والنساء كان نتيجة التلاعب الاجتماعي أم الحتمية البيولوجية، إلا أنها كانت تعرف أن أخلاقيات الرجال التي ترى فيها رأيا سيئا عموما، كانت قد أرست مقياسا للتعامل في العالم العام. تقول ستانتون أن الحل لهذه الأمور المؤسفة هو حل بسيط نسبيا، وهو دفع النساء بأخلاقياتهن السامية للعالم العام. فالنوع الإنساني لا يستطيع أن يتحمل غياب النساء في العالم الخاص -كما تتمنى بيتشر-، باذلات أثرهن المحمود هناك، وهناك فقط (Buhle and Buhle, eds., The Concise History of Women’s Suffrage, 1988).

أعْلت ستانتون قيمة خيرية إنكار النساء لذواتهنّ، إذ تربّت على الدين المسيحي مثل بيتشر. ومع ذلك، فقد كانت تعتقد أن ثمة فضيلة أعلى ينبغي للنساء تطويرها، تدعى: تطوير الذات. وفي سياق تفسيريّ لفقرة من الكتاب المقدّس امتُدحت فيها أرملة مسكينة على أعمالها الخيرية، وافقت ستانتون على أن إيماء المرأة النبيل للعطاء كان جديرا بالثناء. ومع ذلك، فقد حذرت ستانتون النساء من أن نبلهنّ -استعدادهن للعمل في سبيل الرعاية والعطاء أكثر من الرجال- قد يسهم في وضع النساء بالمرتبة الثانية. ورغم أن أعمال التضحية بالنفس مطلوبة تجريديا، إلا أن الوجوب يتضمن الاستطاعة[3] واقعيا. فلا تتحمل النساء أن تكون دوما متوجهة للآخرين كليا، كما تقول ستانتون، فهن يحتجن إلى التركيز على الذات أحيانا كي يرعين أنفسهن، ويصنعن تقدما في الحصول على نفس امتيازات وقدرات الرجال السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

ورغم أن كارلوت بيركنز جيلمان لم تحاول أن تمد خط المنطق الذي رسمته ستانتون عمدا، إلا أنها تخيلت مجتمعا نسائيا كليّا، والمسمى بـ هيرلاند HerLand)[4)]، تستطيع فيه النساء وبناتهن -اللاتي نشأن عن طريق التوالد العذري- أن يمارسن أخلاقيات سامية. فـ هيرلاند هو مجتمع نسائي أمومي أعيد فيه رسم الخطوط التي تصل بين العالم الخاص والعالم العام جذريا. والنساء في هيرلاند يظهرن في محاكم القانون ومراكز المؤسسات التجارية تماما كما يظهرن في دور الرعاية والمدارس. وتختفي المقاربات التنافسية والفردانية في هيرلاند حيث يستطيع النساء أن يرتبطن تعاونيا لأنهن يشعرن أن لا حاجة للسيطرة على بعضهن البعض.

ولا عجب بعد ذلك ألا يعلم ثلاثة من الرجال المستكشفين ” تيري وجيف وفان” ماذا يفعلون بالمدينة (هيرلاند) حين وصلوا إليها، فقد كانوا يستهزئون بالمدينة الخيالية قبل وصولهم، مفترضين أنه لابد أن يكون فيها رجال، لأن النساء لا يمكن أن تكون لهنّ الأهلية الكافية لإدارة أمّة دون مساعدة الرجال. وعندما رأوا كيف تدار هيرلاند بنجاح، كان واحد منهم فقط أمينا بما يكفي ليعترف أن سكانها الذين هم جميعا من النساء هم مجموعة من البشر البارعين استثنائيا. ولأنه رأى ذلك، غرست النساء في هيرلاند أفضل الفضائل الأنثوية وأفضل الفضائل الذكورية، فالفضائل التي تتحد معا تكون على امتداد الفضيلة الإنسانية. ومن ثم، إذا أراد أي مجتمع في العالم الحقيقي أن يكون فاضلا، فعليه أن يجعل هيرلاند مثله الأعلى (Gilman, Herland, 1979).

إن هيرلاند يوتوبيا خيالية بالتأكيد، تسمح فيها الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية المتخيَّلة للنساء بالتطوير في الطرق الجيدة أخلاقيا والسليمة سيكولوجيا. ولكن تعترف جيلمان أن الأوضاع تختلف كثيرا بالنسبة للنساء في العالم الحقيقي. فقد كتبت في كتابها “النساء وعلم الاقتصاد” (Women and Economics 1966 ) أنه ما دامت النساء يعتمدن على دعم الرجال الاقتصادي، سيظل النساء يعرفن بخضوعهن، والرجال يعرفون بغطرستهم. تحتاج النساء إلى المساواة الاقتصادية بالرجال قبل أن يستطعن تطوير فضيلة إنسانية أخلاقية يمتزج فيها الفخر بالتواضع، تدعى: احترام الذات!

 

  1. المقاربات الرعائية[5] النسوية للأخلاق:

لقد أسهم مفكري القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مثل ولستونكرافت، ومِل، وبيتشر، وستانتون، وجيلمان بجلاء في تطوير مقاربات نسوية واسعة النطاق للأخلاق، تركز على مواطن التشابه والاختلاف بين الأخلاقيات “الذكورية/المذكرة” والأخلاقيات “الأنثوية/المؤنثة”. وفي أثناء ذلك، افتتحوا نقاشا عن الاختلافات الوجودية (الأنطولوجية) والمعرفية (الابستيمولوجية)، التي شكّلت هذه الأنواع من الأخلاقيات. وتحدوا -في العموم- الافتراض الأنطولوجي بأنه كلما كان انفصال الذات من الآخرين، كلما كانت تلك الذات مكتملة التطور. وقد شكّوا أيضا في الافتراض القائل بأنه كلما كانت المعرفة عالمية، وتجريدية، وموضوعية، وعقلانية، كلما عكست الحقيقة بدقة. وبدلا من هذه الافتراضات الموجودة -قطعا- في معظم الأخلاقيات التقليدية، اقترحوا الافتراض الأنطولوجي بأنه كلما اتصلت الذات بالآخرين، كلما كانت أفضل. واقترحوا أيضا الافتراض الابستمولوجي بأنه كلما كانت المعرفة خاصة، وواقعية، وجزئية، وعاطفية، كلما مثّلت الطريقة التي يَخبُر الناس بها العالم فعليا. ومن ثمّ، فليس غريبا أن تحلّ “المرأة الكوميونية/ الطائفية” محلّ “الرجل المستقل” تدريجيا في المقاربات النسوية للأخلاق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر (Tong, Feminine and Feminist Ethics, 1993).

لقد استمر مجموعة من النسويين الأخلاقيين في القرن العشرين في استخدام “المرأة الكوميونية/الطائفية” لتطوير العديد من مقاربات الرعاية النسوية للأخلاق، بناء على وصية الكثير من المفكرين الذين سبقوهم. وخلافا لمقاربات الرعاية غير النسوية للأخلاق، تناغم نظراؤهم النسويون مع قضايا الجنوسة/الجندر. فقد لاحظوا سريعا مراحل خضوع الأنثى ونزعات المجتمعات البطريركية/الأبوية إلى عدم احترام طرق النساء في التفكير، والكتابة، والعمل، والحب.

 

1.2 أخلاقيات الرعاية النسوية: الصوت المختلف

شدد مؤيدو أخلاقيات الرعاية النسوية -ومن بينهم كارول غليغان ونيل نودينغ- على أن نظريات الأخلاق التقليدية، ومبادئها، وممارساتها، وسياساتها ضعيفة إلى الحد الذي يجعلها تُعوز القيم والفضائل المتعلقة بالنساء ثقافيا، وتتجاهلها وتسفّهها. فعرضَت غليغان عملها كنقد للنظرية الفرويدية القائلة بأن الرجال جيدو التطور أخلاقيا، بينما النساء لسن كذلك. ويعزو فرويد مركب النقص الأخلاقي المفترض عند النساء إلى التطور النفسي الجنسي للفتيات، فبينما يقطع الأولاد صلتهم بأمهاتهم خوفا من أن يخصيهم آباؤهم إن فشلوا في فعل هذا، تبقى الفتيات مرتبطات بأمهاتهن لأن التهديد بالخصي ليس له نفوذ عليهن. ونتيجة لهذا الاختلاف المُنَظَّر بين الذكر والأنثى، من المفترض أن تكون الفتيات أكثر بطئا من الأولاد في تطوير شعورهن بأنفسهن كعوامل أخلاقية مستقلة، ومسئولة شخصيا عن عواقب تصرفاتها، مثل الأشخاص الذين يجب عليهم اتباع قواعد المجتمع أو مواجهة عقوباته. وبعبارة أخرى، فإن الأولاد والرجال يحترمون القانون أكثر من الفتيات والنساء.

ووفقا لغليغان، فإن فرويد -ببساطة- واحد من المفكرين التقليديين الذين صوروا النساء كتابعات للرجال أخلاقيا. وقد انتقَت السيكولوجي التعليمي لورانس كولبرغ لنقد موسّع. فقد ادّعى كولبرغ أن التطور الأخلاقي هو عملية تتكون من ست مراحل. الأولى هي “التوجه للعقاب والامتثال”، فالأطفال يفعلون ما يقال لهم لتجنّب ألم العقاب أو الوصول لسعادة المكافأة. والثانية هي “التوجه للنسبية الآلية”، فالأطفال يجابهون احتياجات الآخرين، فقط إذا جابه الآخرون احتياجاتهم، بناء على نظرية المقابلة “حُكّ ظهري وسوف أحكّ ظهرك”، والثالثة هي توجه “الولد الجيد، والبنت اللطيفة”، فالمراهقون يلتزمون بالقواعد العامة ليحصلوا على حب الآخرين واستحسانهم. والرابعة هي “توجه القانون والنظام”، فالمراهقون يطورون الشعور بالواجب، وينزلون عند حكم السلطة، ويدافعون عن النظام الاجتماعي، كي يحظوا بإعجاب الآخرين واحترامهم. والخامسة هي “توجه العقد الاجتماعي القانوني”، فالراشدون يتبنون وجهة النظر النفعية الأخلاقية التي يفعل الأفراد ما يسعدهم وفقا لها دون أن يؤذوا الآخرين. والسادسة هي ” توجه المبدأ الأخلاقي العالمي”، فالراشدون يتبنون منظورا أخلاقيا كانطيّا، يتجاوز كل الأخلاقيات التقليدية. فلم يعد الاهتمام الشخصي أو آراء الآخرين أو الخوف من العقاب هو ما يحكمهم، وإنما المبادئ العالمية المفروضة (Kohlberg in Mischel, ed., Cognitive Development and Epistemology, 1971).

ورغم أن غليغان تقرّ بأن التدرج الأخلاقي عند كولبرغ يروق لكثير من دارسي الأخلاقيات التقليدية، فقد أشارت إلى أن القبول الواسع لنظرية التطور الأخلاقي ليس بالضرورة مقياسا لحقيقيّتها. وتتساءل عما إذا كانت مراحل كولبرغ الستة للتطور الأخلاقي عالمية، وثابتة، ومتسلسلة هرميا. فهي تسأل -على وجه الخصوص- لماذا من النادر أن تقفز النساء للمرحلة الثالثة، بينما ينتقل الرجال للمرحلة الرابعة أو حتى الخامسة روتينيا في مخطط كولبرغ للأشياء؟ هل يعني هذا الاختلاف الجندري/الجنوسي أن النساء أقل تطورا أخلاقيا من الرجال؟ أو أنه يعني -بدلا من ذلك- أن هناك خطئا في منهجية (methodology) كولبرج، كبعض الانحياز الذي يسمح للرجال بتحقيق أهداف للتطور الأخلاقي أعلى من النساء؟

تعتقد غليغان أن منهجية كولبرغ منحازة للذكر. تنصت آذانها لأصوات الذكر الأخلاقية دون الأصوات الأخلاقية للأنثى. ومن ثم، فقد فشلت في تسجيل الصوت المختلف الذي تدّعي غليغان أنها قد سمعته خلال دراستها لتسعة وعشرين امرأة يفكّرن جديّا في قرار الإجهاض. وهذا الصوت الأخلاقي المميز -كما تقول غليغان- يتحدث بلغة الرعاية التي تشدّد على العلاقات والمسئوليات. ويبدو أن هذه اللغة غامضة إلى حد كبير بالنسبة للباحثين الكولبرغيين الذين يتحدثون اللغة الأخلاقية السائدة للأخلاقيات التقليدية، أي لغة العدالة التي تشدد على الحقوق والقواعد.

ورغم إشارة غليغان إلى أن لغات الرعاية والعدالة المحترمة ليست جندرية/جنوسية بأي حال، ليكون تحدث كل النساء بلغة الرعاية فقط وتحدث كل الرجال بلغة العدالة فقط، إلا أن الأمثلة التي استخدمتها كانت تقوض إنكارها هذا. فقد وضحت في دراستها للإجهاض حركة النساء فقط داخل وخارج الأطر الأخلاقية المرجعية الثلاثة التي تشكل معا أخلاقياتها الاتصالية: ففي المستوى الأول تعظم النساء اهتماماتهن الشخصية، وفي المستوى الثاني يعظمن اهتمامات الآخرين، وفي المستوى الثالث ينسجن اهتماماتهن مع اهتمامات الآخرين. وعلى ذلك، فالمرأة في المستوى الأول تتخذ قرار الإجهاض من منطلق الأفضل لها، وفي المستوى الثاني تتخذه من منطلق الأفضل للآخرين، وأما في المستوى الثالث فمن منطلق الأفضل لها مع اعتبار الآخرين ذوي الصلة بالنسَب. فالنساء في المستوى الثالث يطبقن نوعا من التفكير النسوي تماما (في الصوت المختلف – Gilligan, In a Different Voice, 1982).

لقد استُحسنت رعاية غليغان الأخلاقية وأقِرّت على نطاق واسع، ولكنها انتُقدت أيضا. فقد رأى بعض النقاد أن المستويات التي طرحتها غليغان لا تقدم أي تطوير للأخلاقيات الإنسانية أكثر من المراحل التي وضعها كولبرغ، بيد أن كولبرغ يركز على الخبرة الأخلاقية للرجال، وغليغان تركز على الخبرة الأخلاقية للنساء. وإذا فحصنا هذا الاعتراض جديّا، سنجد أن غليغان أجرت دراسات عديدة على خبرة الرجال الأخلاقية. وكان هدفها المركزي هو اكتشاف الطرق التي يكبت بها المجتمع -في الولايات المتحدة على سبيل المثال- حساسيات الأولاد والرجال الأخلاقية، ويشجعهم على عدم اكتمال تنشئتهم الإنسانية لينجحوا في العالم التنافسي العام. وتشدد غليغان على أن أولاد اليوم ورجاله ما زالوا يستصعبون جدا تبيين اهتماماتهم الأخلاقية بأي وسيلة سوى لغة العدالة والحقوق الأخلاقية، بخلاف نساء اليوم اللاتي يستطعن تحدث تلك اللغة بنفس الطلاقة التي يتحدثن بها لغة الرعاية والمسئوليات. فالهدف الأوّلي لدراسات غليغان الحديثة هو إثبات أن المستوى الثالث للتفكير هو الذي ينبغي أن يوجِّه المداولات الأخلاقية.

بينما أكد نقاد آخرون أنه حتى إذا كانت الرعاية فضيلة أخلاقية أصيلة، فهي أقل أهمية من العدالة. ويدعي هؤلاء النقاد تحديدا أن التعامل من منظور مبدأ أخلاقي عام مثل “مساعدة المحتاجين” أفضل من التعامل وفق شعور الرعاية الخاص عند شخص محدد. ويقولون أن المبادئ الثابتة مرشدات أكثر وثوقية للأفعال من المشاعر العابرة. ويروجون أيضا لفكرة أنه عند تعارض العدالة والرعاية، ينبغي أن ترجح اعتبارات الموضوعية على اعتبارات التحيّز، فحقوق أطفالي الأساسية واحتياجاتهم الجوهرية ليست أولى من حقوق أطفال الآخرين واحتياجاتهم.

ويدعي نقاد آخرون -علاوة على ذلك- أنه لا يوجد شيء جديد حقا بشأن “الصوت المختلف” الذي تسمعه غليغان. ويؤكدون أن العمل الخيري (الذي يقصد به الرعاية) لا يقل حضورا عن العدالة في الأخلاقيات التقليدية. فمن العمل الخيري تتدفق أفكار مثل الوصول إلى أقصى حد ممكن من النفع، وعدم إيذاء أحد، وعدم التدخل في حرية الآخرين. ومن العدالة تتدفق مفاهيم المساواة في احترام الأشخاص وكذلك أمام القانون. ولكن -دفاعا عن غليغان- ما تعنيه بعض الأخلاقيات التقليدية بـ”العمل الخيري” ليس هو ما تعنيه غليغان بـ “الرعاية”. فقد طلب منا الفيلسوف لورانس أ. بلوم أن نعتبر المبدأ المحدد القائل “احموا أطفالكم من الخطر” مبدأ نابعا من المبدأ الأخلاقي للعمل الخيري. وكما يرى بلوم، فإن كثيرا من الآباء سيؤيدون هذا المبدأ، ولكن الآباء الذين “يرعون” أبناءهم فقط -أي يشعرون بهم ويدركون اهتماماتهم واحتياجاتهم الخاصة- هم من سيعرفون متى وكيف يواجهونها.

ومع أن أغلب الفلاسفة التقليديين يتفقون مع بلوم في أن الآباء الراعين غالبا ما يتعاملون بنبل فعليا أكثر من غير الراعين، فإنهم يختلفون معه في كون الآباء الراعين فقط هم القادرون على مثل هذا التعامل. ويقررون بدلا من ذلك أن الشعور الأساسي بالواجب كفيل بأن ينتج فعلا أخلاقيا، بغض النظر عما إذا كان مصحوبا بمشاعر الرعاية أم لا. ويعتقد بلوم -ككثير من الأخلاقيين الذين يطورون مقاربات أخلاقيات الرعاية- أن على الأخلاقيين من الناس أن يفعلوا أكثر من مجرد اتباع المعنى الحرفي للقانون. فيجب عليهم أيضا أن يقدموا التعبيرات، والعواطف، والمشاعر المناسبة لتأدية فعل أخلاقي نبيل تماما (Blum, Friendship, Altruism, and Morality, 1980).

وبالإضافة للانتقادات غير النسوية الموجهة لغليغان، وجهت إليها العديد من الانتقادات النسوية، تؤكد أقواها تلك التي تشدّد على أنه حتى إذا كانت النساء راعيات أفضل من الرجال، فربما يكون من الحمق أن ترتبط النساء بالقيمة الرعائية معرفيا، وأخلاقيا، وسياسيا. فربط النساء بالرعاية هو بمثابة تعزيز فكرة أن النساء مسئولات عن الرعاية، والأسوأ من ذلك، أن الرعاية تجب على النساء مهما كلفهنّ ذلك، لأنهن من يستطعنها.

وفي كتابها “الأنوثة والهيمنة” Femininity and Domination 1990)) احتجّت ساندرا لي بارتكي بأن خبرة النساء في بناء غرور الرجال وتضميد جراحهم تضعف النساء في النهاية، وأكدت أن “العمل العاطفي” الذي تمارسه النساء في بعض الخدمات المهنية يقطعهن عن مشاعرهن وعواطفهن الخاصة. فمثلا، دفعها لأن تكون مبتهجة دوما، حتى إذا كان العملاء، أو المرضى، أو الزبائن، وقحين، أو بذيئين، أو متعسفين، يعني حملها على أن تكون لطيفة حتى إذا كانت لا تشعر بذلك. لكن الواحدة منهن تتظاهر باللطف ما دامت لا تعرّض قدرتها على إدراك الفرق بين اللطف المصطنع واللطف الحقيقي للخطر.

واعترفت بارتكي بأن النساء يشعرن بالنشاط بدلا من الاستنزاف بممارسة العمل العاطفي. فكثير من الزوجات والأمهات يعتقدن أن خبرة الرعاية للأزواج والأولاد تعني العطاء مهما كان ذلك صعبا. وكلما كانوا أكثر رعاية كلما بدوا أشخاصًا يجمعون كل شيء لأجل أناس آخرين. ولكن -كما تقول بارتكي- ليست مشاعر الهيمنة الذاتية مثل الحقيقة الموضوعية لامتلاك القوة في النهاية. فتتضايق بعض النساء عندما يفشلن في إسعاد الرجال في حياتهم مثلا. على أن الرجال قد لا يلحظون قدر الألم الذي تسببه كلماتهم وأفعالهم أحيانا في حياة النساء، ويبدو الرجال أقل قلقا بشأن مشاعر النساء مقارنة بالعكس، ومن ثم، فرعاية النساء للرجال -وفقا لبارتكي- قد تقود إلى “عبودية المرأة التامة للرجل، فهي إثبات لسلطة الذكر التي لا يمكن استبدالها” (Bartky, Femininity and Domination, 1990).

عبّرت بارتكي عن أمر آخر بشأن رعاية النساء للرجال خصوصا، وهو أن النساء قد يضحين بنزاهتهن الأخلاقية في سبيل تلك الرعاية. وضربت المثل بـ “تريزا ستناجل” زوجة قائد تريبلينكا “فرتز ستانجل”، فمع وعيها بحقيقة أن زوجها كان يلقي بآلاف اليهود إلى حتفهم في معسكره المحشود، ظلت تعتني باحتياجاته بإخلاص، أو حتى بحُبّ. وبفعلها هذا -كما تقول بارتكي- فإنها قد تواطأت معه في شرّه مقارنة بامرأة لم تستطع أن تسكت في وجه الشر وظلت تحتفظ بصلاحها سليما تمام السلامة. ولأن الشر يبقى شرّا حتى وإن ارتكبه شخص نحبّه، يحتاج النساء إلى تحليل “مزالق ومغريات تقديم الرعاية نفسه” قبل أن يعتنقن أخلاقيات الرعاية بإخلاص (Bartky, Femininity and Domination, 1990).

دعمت ميولت تحفظات بارتكي حول أخلاقيات الرعاية، وميّزت بين الرعاية المشوهة وغير المشوهة، فكما ترى ميولت، لن تكون المرأة في وضع تقديم الرعاية لأحد حقا إذا كانت مجبرة على تقديمها اقتصاديا، واجتماعيا، وسيكولوجيا. وتحديدا، لا يمكن أن تتم الرعاية الحقة تحت شروط فرضها سيطرة الذكر وخضوع الأنثى. فقط إذا تمتعت النساء بالمساواة الكاملة مع الرجال، عندئذ يستطعن تقديم الرعاية للرجال دون خوف من أن يستغل الرجال أعمالهن الحنونة، ويشعرن بأنه لا حاجة لردّ جميلهن بالمثل. وما دام النساء يؤدين قدرا زائدا على حصتهن العادلة من تقديم الرعاية، سيظل كلا الجنسين محروما أخلاقيا. ومع ذلك، فالرعاية الزائدة عن الحد تعرّض لخطر الذّل، والتقصير في الرعاية يعرّض لخطر الأنانية التي تجعل قلب المرء متحجرا دوما، فالرعاية المناسبة هي التي تكون جيدة وبتأمل.

وفي تقدير النسويين الرعائيين، كانت عناية بارتكي وميوليت بالرعاية جديرة بالاهتمام، لكنهم لم يكونوا بالقوة الكافية ليشككوا في عمل غليغان خصوصا، إذ أنها أطلقت بمفردها مشروع الرعاية النسوية عموما. فحتى إذا كانت الرعاية في مجتمع بطريركي محفوفة بالأخطار، ستبقى الرعاية جزءا من أي أخلاقيات موثوقة، فحالة الرعاية المتنازع عليها تنادي بتطوير أخلاقيات نسوية رعائية أكثر قوة تشمل الرجال والنساء، ولا تنادي -طبعا- بنبذ الرعاية.

واستجابة لدعوات التطوير للأخلاقيات الرعائية النسوية، طورت نيل نودنيغ أخلاقيات تعلي قيمة الفضائل والقيم التي ترتبط عادة بالنساء، فالأخلاقيات حسب نودينغ هي بمثابة علاقات خاصة بين طرفين: “الراعي” و “المرعي”. فالرعاية الحقة لا تتألف من إعلان الحب العالمي لكل البشر، أو إرسال المساعدات لضحايا الحروب، أو المجاعات، أو الكوارث البشرية. واقعيا، لا تستطيع امرأة من الولايات المتحدة أن ترعى أطفال السودان كما ترعى أطفالها، فالرعاية الحقة تتطلب لقاءات فعلية بأفراد مخصوصة، ولا يمكن أن تُمنح من أفراد بعيدين عموما.

وأكدت نودينغ أننا كأطفال نتصرف من منطلق رعاية طبيعية تحفزنا على مساعدة الآخرين لأننا -ببساطة- نريد مساعدتهم. وبعد ذلك، عندما نصير مشغولين أو “مهمين” لدرجة أننا نعتقد بأنه لا وقت لدينا للرعاية، فإن التأمل فيما يسمى بـالرعاية الأخلاقية يحفّز العفوية للرعاية الطبيعية، فنحاول أن نكون في متناول شخص ما حتى عندما تكون قائمتنا مليئة بالاجتماعات والمواعيد، ونسترجع ذكريات تلك الأيام التي كانت الرعاية فيها سهلة علينا، حينما كان لدينا الوقت دوما لمن يحبوننا أو يحتاجوننا. فحسب نودينغ، مهما بلغت قيمة الرعاية الأخلاقية، لن تكون أساسية مثل الرعاية الطبيعية، فالرعاية الطبيعية هي شرط إمكانية الرعاية الأخلاقية، فالمعتلون اجتماعيا لا يمكنهم الرعاية الأخلاقية، لأنهم لا يستطيعون الرعاية الطبيعية. ومن المحتمل، أن يكونوا قد ولدوا في هذا العالم دون الترابط الذي يجعلهم يطورون سلوك الرعاية.

ورغم أن نودينغ تقر أن الرجال يستطيعون الرعاية، بل وتجب عليهم، إلا أنها تستخدم النساء غالبا في أمثلتها لمن يقدمون الرعاية. واعتقد بعض ناقدي نودينغ أنها تعلي قيمة النساء اللاتي يقدمن الرعاية لدرجة تعريض هويتهن، ونزاهتهن، وحتى حياتهن للخطر، فأكدت نودينغ أن ناقديها أساءوا فهمها، فهي تعتقد مثلهم أن من يرعى الآخرين عليه أيضا أن يرعى ذاته. فمازال ممكنا أن تقوم حجة معقولة وهي بأن نودينغ تعتقد في الأساس أن المرأة الراعية ينبغي أن ترعى ذاتها لكي تستطيع رعاية الآخرين بشكل أفضل. إن الحفاظ على العلاقات بقدر الإمكان له أولوية كبيرة عند نودينغ، فتحطيم علاقة دون العمل بجد لإيجاد طريق للحفاظ عليها مدعاة للقلق بالنسبة لها، واقترحت نودينغ أنه عندما يحطم الشخص علاقة، خاصة إذا كانت قريبة، فإنه/إنها يخاطر بكونه “منحط أخلاقيا” (Noddings, Caring: A Feminine Approach to Ethics and Moral Education, 1984).

نشرت نودينغ مبادئها لأخلاقيات الرعاية النسوية في حلبة السياسة العامة في كتابها “البدء من المنزل: الرعاية والسياسة الاجتماعية” (Starting at Home: Caring and Social Policy, 2002)، وأكدت أن الشعور القوي بالعدالة الاجتماعية يستند إلى الدروس التي تدرّس في ميدان خاص، ردا منها على هؤلاء الذين انتقدوا أخلاقيات الرعاية النسوية كـ “نظرية محلية جيدة” لا يمكنها أن تعالج التعقيدات الأخلاقية للقضايا والسياسات الاجتماعية الأعم. فمن وجهة نظرها، إذا كان علينا حقا أن نطور سياسات اجتماعية مؤثرة كالتشرد، والمرض العقلي، والتعليم، فلدينا الكثير لنتعلمه عن طريق “البدء داخل المنزل” حيث تمد أصول الرعاية جذورها.

أخذت فيونا روبنسون الفكرة العامة التي طرحتها نودينغ عن العلاقة بين الأخلاقيات الخاصة والعامة، ووفقا لروبنسون، لا يمكن في عالم العلاقات الدولية أن يتحقق إنجاز حقيقي لمعالجة مشكلة مثل الفقر دون الأخلاقيات النقدية النسوية للرعاية. وأشارت روبنسون إلى أنه لولا الجهود التي بذلها المنظّرون التقليديون عن الحقوق والواجبات الأساسية لتحفيز الأمم من أجل تطهير العالم من فروق الدخل الضخمة، لظل الفقر مشكلة أكبر من ذي قبل. وتعتقد روبنسون أن المقاربات الأخلاقية التقليدية تجريدية جدا وتعميمية لدرجة تجعلها لا تتمكن من تشجيع العمل الكافي لإزالة المعاناة الفعلية التي يسببها الفقر. على الأخلاقيات أن تجعل الوعي بالفقر جزءا من الحياة اليومية لمن ليسوا فقراء على الإطلاق. وأكدت روبنسون أننا نحتاج إلى الأخلاقيات النقدية النسوية للرعاية كي تساعد الأثرياء على فهم كيفية ارتباط ترفهم بفقر من ليسوا أثرياء. ما لم يخصص الأثرياء شيئا من مصالحهم لتعزيز التغيرات الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية الموثوقة، فالمشاركات الخيرية التي يقومون بها هنا وهناك لتقليل شقاء الإنسانية ليس في جملتها إلا لبث شعور جيد نحو أنفسهم (Robinson, Globalizing Care: Ethics, Feminist Theory, and International Relations, 1999).

 

2.2 الرعائية: العلاقات الأخلاقية النموذجية (الباراديمية)

 تشترك كل من سارة روديك، وفرجينيا هيلد، وإيفا كيتاي مع غليغان ونودينغ في الكثير، فقد أكدّن أن العلاقات الإنسانية لا تقوم بين أشخاص متساوين في التكوين أو القوة، بل بين أشخاص غير متكافئين ويعتمد كل منهم على الآخر. فحينما يتعامل والد مع طفل، أو مراهق واثق من نفسه ومنظم مع صديق كئيب ومضطرب مثلا، فإنهم لا يتعاملون كشركاء في العمل يعقدون تفاوضا، وإنما كأشخاص مختلفين في المكانة، يحاولون معالجة قضية لهدف مشترك. ينبغي أن تؤسس الأخلاقيات على نموذج يلائم أسس الحياة التي يمارسها الجميع يوميا في الغالب. وليس على الافتراضات، أو الاستعارات، أو الصور المتعلقة بإجراء تعاقد، وإنما الصور المرتبطة بممارسات مثل الأبوة/الأمومة هي التعبير الأمثل عن ديناميكية الحياة الأخلاقية في رأي روديك، وهيلد، وكيتاي.

أعلنت روديك في أخلاقياتها النسوية للرعاية أنه ينبغي على المجتمع أن يعلي من قيمة ما أطلقت عليه “الممارسة الأمومية”. تمتلك الممارسة الأمومية طريقتها الخاصة في التفكير وكذا مصطلحاتها ومنطقها الخاص، وأهدافها ومراميها الخاصة، كأي ممارسة إنسانية. وفي حالة التفكير الأمومي، فإن هذه الأهداف تتمثل في الحماية، والنمو، وقبول أطفال الفرد (Ruddick, Maternal Thinking, 1989).

فحماية حياة الطفل هي السمة الأولى للممارسة الأمومية حسب روديك، فليس على وجه البسيطة إنسان معرض للهجوم مثل الرضّع، فالرضّع لا يستطيعون العيش دون شخص يطعمهم، ويكسوهم، ويحميهم. ولبيان مدى اعتماد الرضّع على القائمين على رعايتهم، قدمت روديك مثالا بـ “جولي”، وهي أم شابة غارقة في الديون، ومعها طفلها المحتاج، فحينما وجدت رعايتها برضيعها تزداد صعوبة، فكرت في أن تقتله، وحين أفزعتها تلك الخاطرة ركبت أحد أتوبيسات المدينة مع رضيعها، وقضت ليلتها في الأتوبيس، معللة ذلك بأنها لن تؤذي رضيعها ما دامت تحت نظر العامة.

تحكي روديك قصة جولي لتؤكد أن الأمومة ليست سهلة، ليست كل أم تجد نفسها مضطربة مثل جولي، ولكن تأتي أيام على معظم الأمهات يتمنين فيها -ولو سرّا- لو لم يكُنّ أمهات. ولكي يستطعن معاملة أطفالهن جيدا في هذه الأيام العصيبة، فإنهن يحتجن إلى غرس فضائل مثل التأمل (القدرة على رؤية الأشياء من منظور معين)، والتواضع، والابتهاج. وسيستطيع الأولاد المتسلحون بهذه الفضائل التكيّف مع الضربات التي توجهها الحياة للأطفال والكبار على السواء.

السمة الثانية للممارسة الأمومية عند روديك هي تعزيز نمو الأطفال، وتعزيز نمو الطفل لا يعني فرض نوع من مخطط الحياة المثالية عليه، فلا ينبغي على الأمهات أن يحاولن جعل أطفالهن كاملين، وعليهن بدلا من ذلك مساعدة أطفالهن ليدركوا أن المهم في الحياة هو محاولة أن يكون المرء شخصا أفضل رغم عيوبه ونقاط ضعفه.

والسمة الثالثة والأخيرة للممارسة الأمومية لروديك هي التوجيه، فمثلما تعمل الأمهات بجدّ لجعل أطفالهن اجتماعيين، عليهن مساعدتهم ليصبحوا مواطنين يحترمون القانون. لكن ربما ترفض بعض الأمهات ذات الضمير الحي الانصياع لاحتياجات أو ممارسات المجتمع في بعض الأوقات. فمثلا، ترفض الأم ذات الضمير الحي أن تجهز ولدها للحرب لأجل قضية جائرة، أو أن تنقص ابنتها من وزنها لتشبه المراهقات في لباسها. فيتجاذبها طرفان، قيم المجتمع التنافسي الفرداني المهووس بالقوة من ناحية، وقناعتها الداخلية الخاصة بأن هذه القيم معيبة أساسا من ناحية أخرى. فإذا درّبت الأم ولدها على مسارات العالم، ربما يحظى بالنجاح فيه، لكن ربما أيضا يصبح صاحب عمل مغرور يضرب بموظفيه عرض الحائط. وعلى النقيض، إذا ربّت الأم ولدها لكي يصبح “شابا شريفا”، ربما ينشأ بصفة “الخاسر” في أنظار المجتمع. تقول روديك أنه يجب على الأم ذات الضمر الحي -ككل الأمهات- أن تقرر ما إذا كانت قيمها هي ما ينبغي أن يرشد ممارسات طفلها الناشئ أم قيم المجتمع العام. هل الأهم أن يلتحم طفلها بمعايير المجتمع أم أن يحاكمها نقديا؟

كان أقصى طموح روديك أن تقدّم تفكيرا أموميا للعالم العام، أن تجعل رجالا ونساء أكثر يفكرون في قضاياهم “أموميًّا”. فأشارت -مثلا- إلى أن من يفكرون مثل الأمهات جديرون بفهم ما تعنيه الحرب واقعيا لا نظريا، فالحرب لا تعني التأكد أن بلدك تأتي على قمة أي شيء بالنسبة للمفكرين الأموميين، ولكنها تعني المخاطرة بحياة الطفل الذي قضيت سنوات في حمايته، ورعايته، وتوجيهه. بالنسبة للمفكرين الأموميين، الحرب تعني الموت، تعني فقدان “ناتج/حصيلة” الممارسات الأمومية، إنها تعني فقدان أثمن شيء بالنسبة للفرد.

ومثل روديك، رأت فيرجينيا هيلد في العلاقة بين الأشخاص الأموميين وبين الأطفال نموذجا ممتازا للعلاقات الإنسانية عموما. وقد أقلق هيلد أن الأخلاقيات التقليدية لا تهمل أخلاق النساء فحسب، وإنما تقدم ما بَلغته أخلاق الرجال على أنها أخلاق جندرية/جنوسية محايدة. وأعلنت أنه إذا كانت الأخلاقيات التقليدية محايدة جندريا حقا، لما آثرت نماذج كنموذج التعاقد الذي يتحدث إلى خبرة الرجال أكثر من خبرة النساء. ففي تقدير هيلد، كثير من الأخلاقيين التقليديين يعتبرون العلاقة الإنسانية أخلاقية بقدر ما تخدم المصالح المختلفة للمتعاقدين الفرديين العقلانيين، بيد أن الحياة أكبر من كونها صراعا، أو منافسة، أو نزاعا بشأن الحصول على ما يريده المرء، إنها -كما يعلم الأموميون- تدور حول التعاون، والاتفاق، والوحدة، حول مواجهة حاجات الآخرين. وتتفكر هيلد في أنه لو كانت العلاقة بين شخص أمومي وطفل، بدلا من العلاقة بين متعاقدَين عقلانيين، هي النموذج للعلاقة الإنسانية الجيدة، لبدا المجتمع مختلفا (Held, “Feminism and Moral Theory,” 1987).

ومع ذلك، تقرّ هيلد أن علاقة الأمومة والطفولة ليست خالية من المشكلات، فعلاقة الأب بابنه أو الأم بابنتها قد تكون غاشمة كعلاقة المدير بالموظف. وبعض العلاقات العاطفية أكثر تعسفا وقسوة من بعض العلاقات الرسمية بالتأكيد. فالنجاة من مدير متعسف أسهل بكثير من النجاة من زوج متعسف!

وأكدت هيلد أن تأييدها للأخلاقيات الأمومية لا يشير إلى رفضها للأخلاقيات التقليدية بالجملة، ببساطة لأن كون الأخلاقيات النسوية الرعائية تستطيع معالجة القضايا التي تفوق “الحد الأدنى الأخلاقي” من احترام حقوق الأفراد لا يعني بالضرورة أنها تهوّن من هذا “الحد الأدنى الأخلاقي”. فالأموميون يجب أن يكونوا ـ-الإضافة إلى الرعاية- مفكرين ناقدين ورقيقين عاطفيا أيضا، يستطيعون أن يضعوا قوانين عامة حول مبادئ العلاقات الإنسانية ويستخلصون صفاتهم المميزة على حد سواء. فالعلاقات معرضة للتقييم مثل المبادئ، فيها ما هو جيد، أو أجود، أو الأجود مطلقا، وكذلك (سيء، وأسوأ، والأسوأ مطلقا)، فإذا كانت المبادئ السيئة لا ينبغي أن تُتبع، فإن العلاقات السيئة لا ينبغي أن تستمر.

وتعتقد هيلد -كغيرها من النسويين الذين فعّلوا أخلاقيات الرعاية- أن القيم التي ترتكز عليها أخلاقيات الرعاية النسوية ينبغي أن تحضر في العالم العام كحضورها في العالم الخاص. وحينما سئلت عن أيّ منهما -الرعاية أم العدالة- له قيمة إنسانية أساسية أكثر من الأخرى، لم تتردد هيلد أن تجيب بأنها الرعاية. فالرعاية -كما ترى هيلد- يمكن أن توجد دون عدالة، لكن العدالة لا يمكن أن توجد دون رعاية. لم يكن مقصد هيلد واضحا تماما، ولكن فكرتها الرئيسية تتمثل في أنه قبل تكوّن المدن، كانت هناك أسر، وبعضها لم تكن عادلة في تمييز الرجال عن النساء أو تفضيل الكبير على الصغير، لكنها بقيت بسبب وجود قدر كاف من الرعاية لأفراد تلك الأسر فيما بينهم ليعتنوا بالحاجات الإنسانية الأساسية، وليحموا المصالح الضرورية لبعضهم البعض. فلو لم يكن هذا النوع من السلوك الرعائي موجودا بين الأسر، لم تكن المدينة لتوجد أبدا بقواعدها، وقوانينها، واتفاقياتها، ومقاييس العدل فيها. تقول هيلد: “لا يمكن أن توجد عدالة بلا رعاية … فدون الرعاية، لم يكن طفل ليبقى على قيد الحياة، ولن يكون هناك أشخاص ليُحترموا” (Virginia Held, The Ethics of Care 2006, p. 17).

ومثل روديك التي تتحدث عن المفكرين الأموميين، وهيلد التي تتحدث عمن يمثلون دور الأم، تهدف إيفا فيدير كيتاي إلى تجنب تهمة ماهوية الأنثى* (female essentialism)، وترجع أخلاقياتها النسوية للرعاية إلى “العلاقات الاعتمادية” بدلا من “العلاقات الأمومية” و “الأمهات”. فبالنسبة لكيتاي، يتمثل نموذج المعتمد عليه في شخص قريب، أو صديق، أو عامل مدفوع الأجر، يأخذ على عاتقه مسئولية يومية لبقاء المعتمِد، ومهمة المعتمَد عليه تتسم بالرعاية، والاهتمام، والتواصل مع المعتمِد، وهي (الأم باعتبارها معتمد عليها) تعاني من العواقب الشخصية والاحترافية السلبية نتيجة القيام بأعمالها الضرورية. فالمعتمَد عليه -وفقا لكيتاي- ملزم بالمعتمِد، لأنها أنسب من يواجه احتياجاته. فمثلا، مصدر إلزام الأم الأخلاقي بطفلها ليس حقوق المعتمِد كشخص، وإنما طبيعة العلاقة بين شخص في حاجة، وآخر مناسب لتلبية تلك الحاجة. فالتعريف المميز لهذه العلاقة الموجهة اجتماعيا إلى حد كبير هو أنها ليست اختيارية غالبا، ولكنها معطاة بالفعل في روابط العائلة، أو فاعلية الصداقة، أو شروط العمل.

وللأهمية، تؤكد كيتاي أن نموذج العلاقة الاعتمادية ينبغي أن يوجه السياسة العامة للمساواة الإنسانية. فمن وجهة نظرها، نحن جميعا متساوون لأننا جميعا نتاج كفاح الأمهات/المعتمد عليهن. ولأن كل شخص هو طفل لأم، فكل شخص لديه خبرة في الاعتماد على آخر، أن يعتمد على شخص جذريا حتى في مجرد وجوده. ومن العدل أن يرعى المجتمع كل المعتمَد عليهم، بما فيهم الأمهات الحقّة. وإذا فعل المجتمع أي شيء سوى ذلك، لن يكون ظالما للمعتمَد عليهم فحسب ولكن للمعتمِدين أيضا. سيكون هذا بمثابة نقض تدريجي للنسيج الكامل الذي يربط المجتمع ببعضه. ومن ثم، فتؤكد كيتاي أن أول هدف للسياسة العامة لابد أن تكون تقوية/تمكين من يعتمد عليهم المجتمع إذا أراد المجتمع أن يحافظ على ترابطه (Kittay, Love’s Labor: Essays on Women, Equality, and Dependency, 1999).

 

  1. المقاربات النسوية المرتكزة على البطريركية للأخلاق

اعتنت المقاربات النسوية المرتكزة على البطريركية للأخلاق بأسئلة عن القوة -التي هي السلطوية والخضوع-، قبل التوجه للسؤال عن الخير في مقابل الشر، أو الرعاية في مقابل العدالة، أو التفكير الأمومي في مقابل التفكير الأبوي، وليس النسويون المرتكزون على البطريركية أقل أو أكثر نسوية من النسويين الرعائيين، إنما تأكيدات هؤلاء تختلف عن تأكيدات أولئك فحسب.

قدّم الأخلاقيون النسويون المرتكزون على البطريركية خضوع المرأة الممنهج للرجل بطرق كثيرة ومختلفة، فقدم كل من النسويين الليبراليين، والراديكاليين، والماركسيين/الاشتراكيين، ومتعددي الثقافات، والعالميين، والبيئيين مجموعة مختلفة من التفسيرات والحلول لوضع “الجنس الآخر” للمرأة، وكذلك النسويون الوجوديون، ونسويو التحليل النفسي، وما بعد الحداثة، ونسويات الموجة الثالثة. وأكد أنصار تلك المدارس التي تتبنى الفكر النسوي أن تدمير كل الأنظمة، والبُنى، والعادات، والممارسات التي تصنع أو تدافع عن القوة الحاقدة المميزة بين الرجال والنساء شرط لازم لتحقيق المساواة الجندرية/الجنوسية، وفي بعض الأحيان يبدو أنهم يعتقدون -على النقيض من هيلد- أن العدالة تفوق الرعاية.

 

1.3  المقاربات الليبرالية، والراديكالية، والماركسية/الاشتراكية، ومتعددة الثقافات، والعالمية، والبيئية

كان لدى النسويين الليبراليين جذورهم التاريخية متمثلة في دفاع ماري ولستونكرافت عن حقوق النساء، وكتاب جون ستيوارت مِل “خضوع النساء“، وحركة حق المرأة في الانتخاب في القرن التاسع عشر. ومن ضمن المنظمات التي ينحاز لها الليبراليون النسويون المعاصرون بشدة، المنظمة الأممية للنساء (National Organization of Women). وأكد الليبراليون النسويون أن السبب المبدئي في إخضاع النساء للرجال هو مجموعة من المعايير الاجتماعية والقوانين الرسمية التي تصّعب النجاح على النساء في العالم العام، فلو لم يحصل النساء على نفس فرص الرجال، لن يكنّ قادرات على تحقيق أقصى جهدهن في التعليم، والمنتديات، وساحات السوق، وغرف العمليات، وما إلى ذلك. ورغم أن كثيرا من الناس يعتقدون أن النسوية الليبرالية عتيقة، وأن القضايا الأخلاقية التي شغلتها قد حُلّت، فالحقيقة أن وثيقة حقوق النساء التي أعلنتها (NOW) عام 1967 في الولايات المتحدة -مثلا – لم تُحقّق بالكامل حتى عام 2009، فحقوق نساء الولايات المتحدة في الإنجاب ما زالت غير آمنة، وتحسين الحقوق المتساوية لم يَسرِ بعد. والأكثر من ذلك، أنه في عام 2009 ما زال معدل كسب الأنثى العاملة في الولايات المتحدة أقل من معدل كسب الذكر العامل بنسبة 20% (Maher, The Wall Street Journal, 2008)، فقط 17 من أعضاء مجلس النواب المائة من النساء (Confessore and Hakim, NYTimes, January 21, 2009)، وفي ديسمبر 2008 كان نصيب النساء 13 فقط من مجموع 500 رئيس تنفيذي (CNNMoney.com, 2009). فإذا كان هدف النسوية الليبرالية هو دفع قوة النساء الكاملة إلى العالم العام ورفعهن إلى أعلى مداراته، فإن عملها بعيد عن التطبيق، فالنساء يتجهن إلى ممارسة الوظائف الاعتمادية -التي ركزت عليها إيفا فيدير كيتاي-، ولهذا العمل الذي يقدم الرعاية مكانة منخفضة وأجر زهيد في العالم العام.

يعتقد النسويون الراديكاليون أن الأجندة النسوية الليبرالية ركزت أكثر من اللازم على إصلاحات ضعيفة لـ “الفعل الإيجابي” مثل مفهوم (الأجر المتساوي للعمل المتساوي)، أو إجازة الولادة. ستظل النساء جنسا آخر -في تقديرهم- حتى يأتي الوقت الذي يكتسبن فيه سيطرة كاملة على قدرتهن الإنجابية وشهواتهن الجنسية. في البداية، كان النسويون الراديكاليون يخالفون “الليبرتاريين” في مفاهيمهم عن الجنس والإنجاب، فقد شجعوا النساء أن يجربن كل أنواع الجنس الذي يحصل برضى الطرفين، بما في ذلك الأنواع المثيرة للجدل أخلاقيا مثل السادية الماسوشية، وحثوا النساء أيضا على أن يلدن الأطفال بأقل ألم ممكن، فلم الخوض في تجربة حمل متعب وولادة مؤلمة إذا كنتِ تستطيعين استخدام أم بديلة، وأفضل من ذلك استخدام رحم صناعي لتحصلي على طفل لكِ؟ وفي النهاية، دفع النسويون الراديكاليون ” الليبرتاريون” النساء ليصبحن خنثويات قدر المستطاع، فكلما قلت محاولة النساء في تجسيد صفات “المرأة” كما وجهها المجتمع، كلما كانت النساء أكثر حرية ومساواة بالرجال.

وفيما بعد، بدأت الشكوك تنتاب بعض النسويين الراديكاليين بشأن الحقوق الليبرتارية للنساء، وتُعرف هذه المجموعة من النسويين الراديكاليين أحيانا بالنسويين “الثقافيين”، فتعجبوا من أن تكون الرغبة في الجنس الآخر مؤذية وحتمية بالنسبة للنساء أكثر من كونها مفيدة وقائمة على التراضي، ودافعوا عن أن الرغبة في الجنس الآخر -التي تبدو كمفهوم- لها هدفها من التحكم في شهوة النساء الجنسية لإشباع الرجال وتشييئها. وأوضح النسويون الثقافيون الراديكاليون أن وسائل الإنجاب الصناعية/التكنولوجية تمثل تهديدا للنساء، لأنها تعني حرمان النساء تدريجيا من قدرتهن الخاصة على الإتيان بحياة جديدة للعالم، ومن شأن حرمان النساء من تلك القدرة أن يجعل قيمتهن في كونهن “أداة للجنس” بالدرجة الأولى. وأخيرا، وفي مواجهتهم للنموذج “الخنثوي” المثالي للإنسان الخيّر، رفضوا الطرق “الذكورية/المذكّرة” للوجود، والتفكير، والتصرف كناقصات، لماذا تحاولين التشبه بالرجل ذلك الفرد العدواني، الأناني، تاجر الحرب، إذا كان بإمكانك أن تكوني امرأة، تلك المتعاونة، الراعية، صانعة السلام؟ (Tong, Feminist Thought, 2009).

ورغم وجود مشكلات بين التشكلات المتطرفة للنسوية الراديكالية الليبرتارية من ناحية، والتشكلات المتطرفة للنسوية الراديكالية الثقافية من ناحية أخرى، إلا أن الفكر النسوي الراديكالي قد أنتج بعض الدراسات الأخلاقية المفيدة جدا، فما تسمى بالأخلاقيات المثلية -مثلا- ثريّة بشكل خاص، رغم الإضافة المثيرة للجدل للنظرية الأخلاقية النسوية، فهي تنازع الطبيعية الناجمة من الحقيقة التي قد طورتها أساسا لتخدم تمركز النساء حول النساء، وفي بعض الروايات، لتخدم النساء المثليات فقط.

فوفقا للفيلسوفة سارة لوشيا هواجلاند -إحدى مطوري الأخلاقيات المثلية المعروفين-، فالسؤال الأخلاقي الجوهري للمثليات هو “هل هذا يتماشى مع إبداعي وحريتي وتحرري؟” بدلا من: “هل هذا خير؟”، أو: “هل أنا خيّرة؟” (Hoagland, Lesbian Ethcs, 1989). وتثنية لفكرة هواجلاند، أكدت مارلين فري أن الأخلاقيات التقليدية مليئة بالأسئلة عن الخير لأن لدى أنصارها رغبة راسخة ليس فقط في أن يكونوا خيّرين، ولكن في أن يجعلوا الآخرين خيّرين أيضًا. فعلى سبيل المثال، يؤسس الذكر الأمريكي الأبيض المسيحي ذو الطبقة الوسطى الراغب في الجنس الآخر تصوره عن نفسه كصاحب سلطة، أو قائد، أو زعيم على دفاعه عن أنه على حق في كونه يعرف ما فيه خير للآخرين ولنفسه على حد سواء، وما دام النساء يقبلن تصور الوساطة الأخلاقية هذا، سيبقين -مثل الرجال- يعتقدن أن الأخلاقيات هي في معرفة ما هو الأفضل لكل شخص ومن ثمّ فرض هذا الأفضل عليهم بغض النظر عن ثبوت كونه مؤلما أو ضارا (Frye, “A Response to Lesbian Ethics: Why Ethics?”, 1991).

معلنتين أن الأخلاقيين المثليين لا يهتمون بفرض الجيّد من وجهة نظرهم على الآخرين، نظّرت هواجلاند وفري لأن القدر الذي تُعنى به المثليات هو أن ممارسة الاختيار في حد ذاتها تجعل الشيء أو الفعل جيدا، وهذه القضية هي التي أثارت تعليقا من النقاد أكثر من أي قضية أخرى للأخلاقيات المثلية، فقد شككوا في أن يكون الاختيار الحر للمرأة المثلية في فعل شيء ما تسويغا أخلاقيا لها في فعله.

ولدى هواجلاند رد على هذا الاعتراض، فقد لاحظت أن المجتمع فرض الكثير من الحدود والحواجز على خيار المثلية الذي ربما يكون خيارا له أهمية أخلاقية للمثليات أكبر من الأمور التي يخترنها. لكن هواجلاند ليست مستعدة تماما لتعلن أنه لا توجد حدود على خيار المثلية، ففي إحدى نقاط تحليلها لما ينشئ الوكالة الأخلاقية أو التفاعل -على سبيل المثال-، لاحظت هواجلاند أنه أثناء اختيار المرأة المثلية لنفسها فإنها تختار لصالح المثليات، اللاتي بدورهن يخترن لصالحها. فالمثليات لا ينسجن القيمة في عزلة عن بعضهن، وإنما ينسجنها معا، فالأخلاقيات ليست مطالبة فردية بقيمة أخلاقية منبثقة من أعماق المرء أو خارجة عنه. على النقيض، تنبثق القيمة الأخلاقية -بالمعنى الشخصي- مما سمّته هواجلاند بـ”السياق المثلي” من مجال للطاقة قادر على مقاومة الاضطهاد. ومن ثم، فالمقاربة المثلية للأخلاق هو عن أن تصبح المثليات نوعا من البشر يرفض أن يتسلّط أو يُتسلّط عليه (Hoagland, Lesbian Ethics, 1989).

لا يتفق النسويون الماركسيون/الاشتراكيون عموما مع النسويين الليبراليين، فقد أكدوا أنه من الصعب -إن لم يكن من المحال- على المضطهدين -وخصوصا النساء- أن يعملن جيدا في نظام طبقي. والطريق المؤثر الوحيد لإنهاء خضوع النساء للرجال هو استبدال الأنظمة الرأسمالية بأنظمة اشتراكية يتمتع فيها النساء والرجال بأجور عادلة لعملهم. يجب على النساء المساواة الاقتصادية بالرجال قبل أن تساويهم في القوة.

ومما له دلالته، أن النسويين الماركسيين/الاشتراكيين المعاصرين لا يدينون بالفضل للرؤية الماركسية التقليدية بأن مقياس الوضع الاجتماعي المتدني للنساء هو فقط ما إذا كانت المرأة جزءا من القوى العاملة المنتجة مدفوعة الأجر. وعبر السنين، وباتحاد كثير من الأفكار الراديكالية النسوية بنظريتهم وتطبيقهم، تزايدت الأعمال التي ينتجها النسويون الماركسيون/الاشتراكيون مثل “ملكية النساء” لجوليت ميتشل الذي تحتج فيه بأن أربعة من البنى الاجتماعية-الاقتصادية تحدد وضعية النساء، وهي تحديدا: دور المرأة في الإنتاج، والإنجاب، والجنس، والتنشئة الاجتماعية للأطفال، فدور المرأة في كل من هذه البنى لابد أن يتغير إن كنّ يردن المساواة بالرجال. والأكثر من ذلك، كما تضيف ميتشل في التحليل “النفسي والنسوية“، لابد أن يتبدل عالم النساء الداخلي (العقل/النفس)، لأنه لن يستطيع التغييرُ في عالم النساء الخارجي تحريرهن كليا إلا إذا كنّ واثقات من قيمتهن.

يؤكد أرباب النسوية متعددة الثقافات (Multicultural feminists) الكثير من أفكار المدارس النسوية الأخرى عن وضع النساء، لكنهم عابوا عليهم كونهم لم ينتبهوا بشكل كامل إلى تلازم بُنى وأنظمة النوع والعرق والطبقة. فكما يرون، لا ينبغي أن يركز النسويون حصرا على اضطهاد النساء كنساء، أو عاملات، أو أعضاء في مجموعة تفتقر للعرق أو الأصل. وبدلا من ذلك، عليهم استيعاب أن كل شيء عن المرأة -لون بشرتها، وما تملكه من مال، واتجاه رغباتها الجنسية، وعمر شهادة ميلادها- يفسر وضعها في المجتمع. فحتى لو كانت العنصرية، والميل الجنسي، والطبقية، أمورا قابلة للانفصال نظريا، فهي ليست كذلك في الحقيقة، فكثير من النساء ضحايا “الأخطار المضاعفة” و”أنظمة القمع المتشابكة” (bell hooks, Yearning: Race, Gender, and Cultural Politics, p. 59). على سبيل المثال، عمل امرأة غير موثقة من أصل لاتيني في الولايات المتحدة كمساعدة منزلية بأجر زهيد لامرأة بيضاء تعمل محامية بأجر كبير هو اضطهاد مضاعف، فهي تظهر على هيئة متطفلة، وأجنبية، وغريبة، وواحدة من هؤلاء الذين ليس لهم “الحق” أن يكونوا في الولايات المتحدة، وربما تشعر بشعور سيء حيال نفسها، فهويّتها ونظرتها لنفسها كامرأة تعمل بمسئولية بقدر الإمكان في ظروف شاقة ربما تتآكل، فالاضطهاد المضاعف له ضريبة روحية/نفسية على الناس بالإضافة للضريبة المادية.

رغم أن النسويين العالميين (Global feminists) وما بعد الكولونياليين يمتدحون بشكل كبير عمل النسويين متعددي الثقافات إلا أنهم يعتبرونها نقاشات غير مكتملة عن اضطهاد النساء، فهم يؤكدون أن النساء فيما يعرف ببلدان العالم الأول (التي تقع في نصف الكرة الشمالي) يحتجن إلى إدراك وضع وحال النساء فيما يعرف ببلدان العالم الثالث (التي تقع في نصف الكرة الجنوبي). وغالبا، يركز النسويون على نسق كلّي في السياسات الجندرية/الجنوسية في بلادهم. ومن ثم، بينما يناضل النسويون في الولايات المتحدة لسنّ قوانين تمنع التحرش الجنسي في أماكن العمل، تُرجَم النساء حتى الموت في بلدان أخرى لأجل العهر أو التعرض للختان (بما في ذلك الختان الفرعوني في بعض الحالات). وبالمثل، بينما تشكوا نسويات الولايات المتحدة من الصيادلة الذين يملي عليهم ضميرهم الاعتراض على الإجهاض فيصعّبون على بعض النساء الحصول على حبوب منع الحمل الضرورية، لا تتوفر لكثير من النساء في بلدان أخرى خدمات تنظيم الأسرة، فيلاقين حتفهن نتيجة الإجهاضات الغير شرعية الفاسدة أو المتابَعة السيئة للحمل والولادة. أرعت نسويات مابعد الكولونيالية (global and postcolonial feminists) مزيدا من الاهتمام لحقيقة أن نساء العالم الأول يحظين بمزايا مادية أكثر من نساء العالم الثالث، وأكدن أيضا حقيقة أن بعض ممتلكات النبيلات من نساء العالم الأول اشتُريت على حساب نساء العالم الثالث اللاتي يصدّرن لنساء العالم الأول للعمل كمساعدات في رعاية المنزل أو خادمات أو مربيات بأجور زهيدة.

 تتفق نسويات البيئة (Ecofeminists) مع نسويات العالمية ومابعد الكولونيالية في أهمية أن تفهم النساء التقارب والتباعد بين اهتماماتهن. ومع ذلك، فقد عابوا عليهم وعلى كثير من النسويين أنهم لا ينتبهون إلى مسئوليات البشر تجاه الحيوانات، فقد طورت بعض نسويات البيئة أخلاقيات غليغان للرعاية كأساس لنظرية الدفاع عن الحيوان. ومثل الأخلاقيات النسوية، نشأت النظرية النسوية لرعاية الحيوان كردّة فعل ناقدة للأخلاقيات النفعية القائمة على الحقوق (Singer, Animal Liberation, 1974; Regan, The Case for Animal Rights, 1983). تحتج الانتقادات بأن هذه الأنظمة غير ملائمة لأنها تدافع عن أهمية المركزية البشرية (كلما كانت الحيوانات أكثر شبها بنا، كلما تمتعوا باعتبارات أخلاقية أكثر) والنتيجة هي الفشل في رؤية الحيوانات في نطاقها تتمتع بأولويات وحاجات وحقائق مميزة. يقوم نقد آخر من المقاربات المتعلقة بالعدالة على إنكارهم الواضح أو تقليلهم من شأن دور التعاطف في تداولنا الأخلاقي بشأن إساءة الحيوانات، فعندما يعتبر المرء الشح في الاستجابة العاطفية لمعاناة الحيوان سببا رئيسا في استمرار الإساءة، فإنه من التناقض أن نستبعد الرعاية عند معالجة المعاملة الخاصة للحيوانات (Donovan and Adams, Feminist Care Tradition in Animal Ethics, 2007). وهذا لا يعني أنه يجب علينا الاستغناء عن النماذج النفعية والقائمة على الحقوق، إنها تقدم مناقشات مفيدة للمعاملة الأخلاقية للحيوانات. الفكرة -وفقا لـ جوزفين دونوفان- هي أنه “من الممكن أيضا بل من الضروري اعتبار ما هو أخلاقي في التداول العاطفي والروحي مع طرق حياة الحيوانات، ومن خلال ثقافة النساء العقلانية للرعاية والحب، تنبثق أسس الأخلاق النسوية لمعاملة الحيوانات، فلا ينبغي أن نقتل الحيوانات أو نأكلها أو نعذّبها أو نستغلها لأنها لا تريد أن تُعامل بهذه الطريقة، ونحن نعلم أننا لو استمعنا إليها لسمعنا ذلك” (Donovan, Signs, p. 375). تتكون المقاربة الأخلاقية لرعاية الحيوان من طريقة عطوفة لاستيعاب مأزق الحيوانات الفردية في النظام البطريركي والرأسمالي. يؤكد الأنصار أن الاستجابة الودية والتعاطف والرعاية تستطيع وينبغي أن تفهمنا لماذا تقع على كاهلنا مسئولية تحرير الحيوانات من سيطرة الإنسان، فمعاملتنا مع العالم الطبيعي شيء آخر. تقول نسويات البيئة أن جزءا من سبب تميّز عالمنا بالظلم، وقلة الرعاية، والتباين الطبقي بين الناس، هو أننا نتعامل مع العالم الطبيعي بلامبالاة، وأحيانا باحتقار، فنحن نختزن أسلحة الدمار الشامل، ونستهلك مصادر الطاقة كأنها لانهائية، ونلقي النفايات في ماءنا، ونذبح الحيوانات لأجل اللحم الذي لا نحتاج أكله بالفعل، وبذلك، نبرهن على اعتقادنا أنه من حقنا التحكم في الطبيعة لنخلق عالما أفضل لأنفسنا، لكننا موهومون في محاولتنا المحمومة للسيطرة على الطبيعة -كما تقول ينسترا كينغ-، فالطبيعة متمردة، والنوع الإنساني يحفر قبره بيديه بمَساعٍ مثل اقتلاع الغابات والقضاء على الحيوانات (Ynestra King, “Healing the Wounds: Feminism, Ecology, and Nature/Culture Dualism,” 1995).

 

2.3 مقاربات الوجودية، والتحليل النفسي، وما بعد الحداثة، والموجة الثالثة:

انبثاقا من نماذج الفكر النسوي التي تشدد على النتائج المادية لوضع الجنس الآخر، ركزت النسويات الوجوديات على النتائج النفسية/السيكولوجية. فقد كتبت سيمون دي بوفوار في كتابها “الجنس الآخر” أن الرجل منذ البداية سمى نفسه “النفس” وسمى المرأة “الآخر”، فلو كان الآخر تهديدا للنفس، فإن النساء تهديد للرجال، وإذا أراد الرجال أن يبقوا أحرارا، فعليهم -ليس فقط إخضاع النساء لهم- ولكن إقناعهن أيضا بعدم استحقاقهن معاملة أفضل. ومن ثم، إذا كان على النساء أن يكنّ ذواتا حقيقية، يجب عليهن تعريف أنفسهن كعوامل مستقلة تخطط لمسار أقدارها بحرية. على النساء أن يرفضن تعريف أنفسهن تبعا للرجال وأن يسلكن سبيلهم ببساطة.

تسعى نسويات التحليل النفسي -مثل النسويات الوجوديات- إلى تفسير وضع النساء في خبايا نفوسهن. فعندهن أن الأولاد والبنات ينشؤون اجتماعيا بطرق مختلفة لأن تربية الأطفال تكاد تكون محصورة على النساء، ينشأ الأولاد على رغبة الانفصال عن الآخرين وعن القيم الأنثوية المرتبطة ثقافيا بأمهاتهم وأخواتهم. وعلى النقيض، تنشأ الفتيات كـ “نساء صغيرات”، يقلدن سلوك أمهاتهن، ويردن البقاء في ارتباط بهن وبالآخرين. والأكثر من ذلك، بسبب الطرق التي تشكّل بها الأنظمة والبنى البطريركية/الأبوية القيمَ الإنسانية، يشرع الأولاد والبنات في الاعتقاد بأن القيم الذكورية ظاهريًّا مثل العدالة والوعي -والتي يربطونها بالثقافة- تامّة الإنسانية أكثر من القيم الأنثوية ظاهريًّا مثل الرعاية والتعاطف، التي يربطونها بالطبيعة.

وسعيا لتحرير النساء من جرعات الجنس النفسي التي تجعل النساء تبدو للنساء والرجال أقل قيمة من الرجال، تعتقد بعض نسويات التحليل النفسي أن السبب في تلك النظرة الخاطئة للنساء متجذرة في اعتماد المجتمع على النساء في القيام بمهام تقديم الرعاية، وعلى الرجال في القيام بمهام بناء العالم، وادّعوا أنه إذا كرّس الرجال أوقاتا كثيرة للأبوة كالتي تكرسها النساء للأمومة، وإذا عملت النساء بجدّ في عالم المغامرة كما يعمل الرجال، فلن يصنّف الأطفال البيت على أنه للنساء والعمل على أنه للرجال، ولكنهم سينشئون معتقدين أن والديهم شخصان يقدّران -بمقياس متساو نسبيا-فوائد كلا من حياة البيت وحياة العمل.

وعموما، ليس كل نسويات التحليل النفسي يعتقدن أن تنظيمات الأبوة المزدوجة/العمل المزدوج هي علاج عقدة أوديب (Oedipus complex) المشينة الموضحة أعلاه، فخلال تلك العقدة، يندمج الولد بالثقافة تماما، وفي محاولته التخلي عن أمه -موضع حبه الأول-، لا يهرب الولد من الخصي على يدي أبيه فقط، إنه يتحكم في القوى اللامنطقية لكل من الطبيعة والنساء. وبصفتهن غير قادرات على تخطي عقدة أوديب مثل كما فعل الأولاد، لا تنفصل البنات -اللاتي لا يملكن عضوا ذكريا كي يخشين فقدانه- عن أمهاتهن كليا، ونتيجة ذلك أن اندماج البنات مع الطبيعة لن يكتمل أبدا. تظهر النساء على حدود المجتمع وهوامشه على أنهن المحكومات لا الحاكمات. ومن ثم، فالطريق الوحيد لتغيير وضع المرأة في المجتمع في تقدير بعض نسويات التحليل النفسي هو رفض وجهة النظر القائلة أن البشر سيظلون في وضعهم الطبيعي إذا لم يتجاوزوا عقدة أوديب. نصحت لوس أريغاراي وجوليا كريستيفا النساء أن يبقين فيما سمتاه الخيال الافتراضي (Imaginary)، حيث المكان الذي تتحد فيه الأم بطفلها في تناغم تام، فمغادرة هذا المكان لدخول ما يسمى الترتيب الرمزي -عالم لغة الرجال وقواعدهم وقوانينهم- يبدو قليل المعقولية عند المرأة. وبدلا من دخول هذا العالم الذي هن فيه مضطهدات ومقموعات لا محالة، عليهن البقاء في الخيال الافتراضي حيث يتمتعن باختلافهن عن الرجال ويعشن حياة وفقا لمنطلقاتهن. لن تنهدم المدنيّة إذا بقيت النساء في الخيال الافتراضي، ولكن البطريركية ستقوّض.

وأخيرا، كما ترى نسويات الموجة الثالثة وما بعد الحداثة، كل المحاولات الفردية لتفسير اضطهاد المرأة باءت بالفشل، فلا توجد كينونة واحدة تدعى “المرأة” ينطبق عليها هذا الوصف، فالنساء أفراد، لدى كل منهن قصة فريدة ترويها عن نفسها. وبناء على ذلك، فأي تفسير فردي لوضع “المرأة” هو مماثلة أخرى لما يسمى بالفكر “الفالوغوسنتري”، وهو نوع من “التفكير الذكوري” الذي يصر -كحقيقة مطلقة- على رواية قصة واحدة، وواحدة فقط، عن الحقيقة. وفي تقدير نسويات الموجة الثالثة وما بعد الحداثة، يجب على النساء كشف اختلافاتهن لبعضهن البعض لكي يستطعن مقاومة النزعة البطريركية لتمركز وتحجر الفكر بصدد حقيقة صارمة، كانت دوما، وتكون، وستبقى كذلك إلى الأبد. ولكي يثبت النساء أنفسهن، يجب عليهن أن يتقبلن التناقض بسرور، حتى التناقض الذاتي، فليس هناك ما يضطرهن لاتباع أي نص، بما في ذلك ما فُرض عليهن طوال حياتهن.

 

    4. الخلاصة

لا تفرض مقاربات الرعاية النسوية أو المقاربات النسوية المرتكزة على القوة للأخلاق مقياسا معياريا واحدا على النساء. وإنما تعرض عليهن طرقا متعددة لفهم الطرق التي يؤثر بها الجندر، والعرق، والطبقة وما إلى ذلك على قراراتهن الأخلاقية. ولأن المقاربات النسوية للأخلاق تميل إلى كونها خنثوية وحساسة للجندر على حد سواء، تحتج الانتقادات الغير نسوية على هذه المقاربات بأنها “منحازة للإناث”. وتؤكد تلك الانتقادات أن الأخلاقيات لا يمكن أن تبدأ من نقطة انطلاق خاصة -من المرأة في هذه الحالة- ثم تظل معتبرة كأخلاقيات. وعلى النقيض، تنطلق الأخلاقيات التقليدية من افتراض أن القيم والقواعد تطبق على كل العقلاء بالتساوي. بيْد أن معظم نظريات الأخلاقيات التقليدية تبدو مؤسسة على خبرة الرجال الأخلاقية -الخبرات القوية غالبا- في مقابل النساء.

تحتج النسويات اللاتي يطورن مقاربات الرعاية والمقاربات الوضعية النسوية للأخلاق بشكل آمن بأنهن يحاولن فعل ما كان ينبغي أن تفعله الأخلاقيات التقليدية في المقام الأول، وهو أن تعير اهتماما أكثر لخبرة النساء الأخلاقية كالذي تعيره لخبرة الرجال. وبنفس الطريقة التي تجاهل بها المؤرخون ضغط وجهد وصراعات العالم الخاص للأطفال، والكنيسة، والمطبخ ليركزوا على الثورات الاقتصادية والانقلابات السياسية والاحتلالات المسلحة للعالم العام، ركز الأخلاقيون التقليديون على اهتمامات الرجال الأخلاقية، وقضاياهم، وقيمهم، متجاهلين المرأة. وبناء على ذلك، فعندما تؤكد إحدى أنصار الأخلاقيات النسوية أهمية أخلاق النساء، فهي تقوم ببعض العمل الإصلاحي، فتضيف خبرات النساء الأخلاقية إلى التقليد الأخلاقي المنحاز للرجال، والذي يحتاجها على نحو خطير.

ومع ذلك، فربما تفعل أكثر من هذا، ربما تقترح أنه لا يكفي الأخلاقيات التقليدية أن تمزج اهتمامات النساء وقضاياهن وتعترف بهن كعوامل أخلاقية ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار بجدية. فعلى النقيض، ربما تناقش الأخلاقيات التقليدية في إعادة النظر في الفروض الأنطولوجية والابستمولوجية التي تأسس عليها تفكيرهم، وأن تعتبر الإمكانية البعيدة عن كونهم مصادر تحرر الإنسان، ومبادئهم، وقواعدهم، وضوابطهم، وأعرافهم، ومعاييرهم، تخدم في النهاية أنماطا من الهيمنة والخضوع تعيد بناء أخلاق كل شخص.

إذا كانت الأخلاقيات تُعنى بتحرر البشر، فملخص أليسون جاغر عن الأسس الأربعة للأخلاقيات النسوية لا يعلى عليه في أي طريقة ذات مغزى. فوفقا لجاغر، تسعى كل المقاربات النسوية إلى (1) تقديم انتقادات أخلاقية للأعمال والممارسات التي تديم إخضاع المرأة. (2) وصف طرق مقبولة أخلاقيا لمقاومة هذه الأعمال والممارسات. (3) تصور بدائل مرغوبة لهذه الأعمال والممارسات. (4) أخذ خبرة المرأة الأخلاقية على محمل الجد، لكن ليس بلا نقد (Jaggar, “Feminist Ethics,” 1992). ينبغي أن يهدف الأخلاقيون النسويون أولا وقبل كل شيء إلى تحسين حالة المرأة على وجه الخصوص، وأيضا حالة الضعفاء مثل الأطفال، وكبار السن، والعجزة، والمعاقين، والمتخلفين عقليا.

رغم التفسيرات المختلفة للنسويات الأخلاقيات لما يمكن اعتباره خيارا تطوعيا ومقصودا، أو ممارسة غير شرعية أو شرعية للسيطرة، أو علاقة صحية أو ممرضة، فإن المجتمع الفكري والأخلاقي يطمأن إلى أن النسوية بعد كل شيء ليست أيديولوجية متجانسة تصف طريقا واحدا فقط لكل النساء، هذه الطريقة في التفكير هي أيضا المناسَبة لما يمكن اعتباره انقساما سياسيا بين النسويات. فإذا أتينا لطاولة السياسة وطلبنا التعبير عن وجهة النظر النسوية لقضية أخلاقية ما، فسيستطيع كل خبير أخلاقي نسوي أمين أن يقول أن وجهة النظر تلك لا وجود لها، وإذا كانت النسويات لا يملكن موقفا واضحا وملائما وموحدا للقضايا الأخلاقية الرئيسية، فإن وجهات النظر الأقل ملاءمة للنساء قد تملأ الفجوة.

رغم أنه من المحتم على النسويين الأخلاقيين أن يؤكدوا -على سبيل المثال- كيف أن السياسة التي تفيد مجموعة من النساء قد تضر مجموعة أخرى في الوقت نفسه، ربما كان من خطأهم عدم تأييد سياسات قادرة على خدمة أهم المصالح لأوسع نطاق من النساء. ولهذا السبب، يعتقد كثير من الأخلاقيين النسويين أن عليهم لزاما الاستماع أولا لوجهات النظر المختلفة للنساء، ثم صياغة رؤية مُجمع عليها، بغض النظر عما إذا كان تحقيق هذا الهدف مؤكدا أم لا. ومع هذا كله، مازال على الأخلاقيين النسويين الالتزام بمهمة دفع النساء نحو هدف المساواة الجنوسية بالرجال. وسيشهد القرن الحادي والعشرون -بلا شك- تقدما جديدا في الأخلاقيات النسوية لأنه يواجه تحدي العيش في عالم معولَم.

 

 

 


المراجع:

  • Abel, Emily K. and Margaret K. Nelson, (eds.), (1990). Circles of Care: Work and Identity in Women’s Lives, Albany: SUNY Press.
  • Bartky, S.L. (ed.), (1990). Femininity and Domination, New York: Routledge.
  • Bartlett, K.T. (1991). “Feminist legal methods”. In K.T. Bartlett & R. Kennedy (eds.), Feminist Legal Theory: Readings in Law and Gender, Boulder, CO: Westview Press, 370-403.
  • Beasley, Chris. (1999). What is Feminism?: An Introduction to Feminist Theory, London: Sage Publications.
  • Beecher, C.E. and Stowe, H.B. (1971). The American Woman’s Home: Principle of Domestic Science, New York: Aeno Press and The New York Times.
  • Blum, C.P. (1966). Friendship, Altruism, and Morality, London: Routledge and Kegan Paul.
  • Brownmiller, S.(1993). Against Our Will: Men, Women, and Rape, New York: Fawcett Columbine.
  • Buhle, M.J., Buhle, P. (eds.) (1978). The Concise History of Women’s Suffrage, Urbana: University of Illinois Press.
  • Bulbeck, Chilla. (1998). Re-Orienting Western Feminisms: Women’s Diversity in a Postcolonial World, New York: Cambridge University Press.
  • Butler, Judith. (1990). Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity, New Your: Routledge.
  • Card, Claudia. (1999). On Feminist Ethics and Politics, Lawrence, KS: University Press of Kansas.
  • Chodorow, N. (1999). The Reproduction of Mothering: Psycholanalysis and the Sociology of Gender, updated edition, Berkeley: University of Calfornia Press.
  • Confessore, N.and D. Hakim. (2009). “Paterson picks Gillibrand for Senate seat”.NYTimes.com, January 23, URL = <http://www.nytimes.com/2009/01/24/nyregion/24senator.html?pagewanted=2&_r=1>.
  • Copjec, Joan. (2002). Imagine There’s No Woman: Ethics and Sublimation, Cambridge, MA: MIT Press.
  • Daly, M. (1978). Gyn/ecology: The Metaethics of Radical Feminism, Boston: Beacon Press.
  • ––– (1984). Pure Lust: Elemental Feminist Philosophy, Boston: Beacon Press.
  • de Beauvoir, S. (1952). The Second Sex, Toronto: Vintage Books.
  • Donovan, Josephine. (2003). Feminist Theory: The Intellectual Traditions, 3rd ed., New York: Continuum.
  • ––– (1990). “Animal Rights and Feminist Theory”. Signs, 15 (2): 370-375.
  • Donovan, Josephine and Carol Adams. (2007). Feminist Care Tradition in Animal Ethics: A Reader, New York: Columbia University Press, 1-20.
  • Eisenstein, Z. (1981). The Radical Future of Liberal Feminism, Boston, MA: Northeastern University Press.
  • Firestone, S. (1970). The Dialectic of Sex, New York: Bantam Books.
  • Friedan, B. (1997). Feminist Mystique, New York: W.W. Norton & Company.
  • ––– (1998). The Second Stage, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Frye. M. (1991). “A response to Lesbian Ethics: Why ethics?” In C. Card (ed.), Feminist Ethics, Lawrence, Kans.: University Press of Kansas, 52-59.
  • Gilligan, C. (1982) In A Different Voice: Psychological Theory and Women’s Development, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • ––– and D.A.J. Richards (2008). The Deepening Darkness: Patriarchy, Resistance, and Democracy’s Future, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Gilman, C.P. (1979). Herland: A Lost Feminist Utopian Novel, New York: Pantheon.
  • ––– (1966). Women and Economics, New York: Harper and Row.
  • Hanigsberg, Julia E. and Sara Ruddick, (eds.), (1999). Mother Troubles: Rethinking Contemporary Maternal Dilemmas, Boston: Beacon Press.
  • Held, V. (1983). “The obligations of mothers and fathers”. In J. Trebilcot (ed.) Mothering: Essays in Feminist Theory, Totowa, NJ: Rowman and Allanheld, 9-20.
  • ––– (1987). “Feminism and moral theory”. In E. Kittay and D. Meyers (eds.), Women and Moral Theory, Savage, Md.: Rowman and Littlefield.
  • ––– (1993). Feminist Morality: Transforming Culture, Society, and Politics, Chicago: University of Chicago Press.
  • ––– (ed.), (1995). Justice and Care: Essential Readings in Feminist Ethics, Boulder, CO: Westview Press.
  • ––– (2006). The Ethics of Care: Personal, Political, and Global, Oxford: Oxford University Press.
  • Heywood, Leslie and Jennifer Drake, (eds.), (1997). Third Wave Agenda: Being Feminist, Doing Feminism, Minneapolis: University of Minnesota Press.
  • Hoagland, S.L. (1988). Lesbian Ethics, Palo Alto, Calif.: Institute of Lesbian Studies.
  • Howard, Judith A. and Carolyn Allen. (2000). Feminisms at a Millennium, Chicago: The University of Chicago Press.
  • Jaggar, A.M. (1983). Feminist Politics and Human Nature, Totowa, NJ.: Allenheld.
  • ––– (1991). “Feminist ethics: Projects, problems, prospects”. In C. Card (ed.), Feminist Ethics, Lawrence, KS: University Press of Kansas.
  • ––– (1992). “Feminist ethics”. In L. Becker and C. Becker (eds.), Encyclopedia of Ethics, New York: Garland Press, 363-364.
  • ––– (1994). Living with Contradictions: Controversies in Feminist Social Ethics, Boulder, CO: Westview Press.
  • King, Y.(1995). “Engendering a peaceful planet: ecology, economy, and ecofeminism in contemporary context”. Women’s Studies Quarterly, 23: 15-25.
  • Kittay, E. F. (1999). Love’s Labor: Essays on Women, Equality, and Dependency, New York: Routledge.
  • ––– and E.K. Feder (2003). The Subject of Care: Feminist Perspectives on Dependency, Lanham, MD: Rowman & Littlefield.
  • Kohlberg, L. (1971). “From is to ought: How to commit the naturalistic fallacy and get away with it in the study of moral development”. In T. Mischel (ed.), Cognitive Development and Epistemology, New York: Academic Press, 151-235.
  • Kourany, J., Sterba, P., and Tong, R. (eds.), (1987). Feminist Philosophies: Problems, Theories, and Applications, Englewood Cliffs, NJ.: Prentice Hall.
  • Lindemann, Hilde, Marian Verkerk, and Margaret Urban Walker.(2009). Naturalized Bioethics: Toward Responsible Knowing and Practice, Cambridge, MA: Cambridge University Press.
  • Lugones, M. (1987) “Playfulness, ‘world’-traveling, and loving perception”. Hypatia, 2: 3-19.
  • Lugones, M. and Spelman, M. (1983). “Have we got a theory for you! Feminist theory, cultural imperialism, and the demand for ‘the woman’s voice’”. Women’s Studies International Forum, 6(6): 573-581.
  • Maher, K.(2008). “Campaign ’08: Obama puts spotlight on women’s pay gap”. The Wall Street Journal, September 25: A15.
  • Mero, J. (2008). “The myths or catching-up development”. In M. Mies and V. Shiva(eds.), Ecofeminism, Chicago: University of Chicago Press. 125: 55-69.
  • Mies, M. and Shiva, N. (1993). “Fortune 500 women CEOs”. In Fortune, URL = <http://money.cnn.com/galleries/2008/fortune/0804/gallery.500_women_ceos.fortune/>.
  • Mill, J.S. (1970). “The subjection of women”. In A.S. Rossi (ed.), Essays on Sex Equality, Chicago: University of Chicago Press. 123-242.
  • Millet, K. (1970). Sexual Politics, Garden City, NY: Doubleday.
  • Mitchell, J. and S.K. Mishra (2000). Psychoanalysis and Feminism: A Radical Reassessment of Freudian Psychoanalysis, New York: Basic Books.
  • Mullet, S. (1988). “Shifting perspectives: A new approach to ethics”. In L. Code, S. Mullet, and C. Overall (eds.), Feminist Perspectives: Philosophical Essays on Method and Morals, Toronto: University of Toronto Press.
  • Narayan, U. (1997). Decentering the Center: Philosophy for a Multicultural, Postcolonial, and Feminist World, Bloomington, IN: Indiana University Press.
  • ––– and S. Harding(2000). The Subject of Care: Feminist Perspectives on Dependency, Lanham, MD: Rowman & Littlefield.
  • Noddings, N. (1984). Caring: A Feminine Approach to Ethics and Moral Education, Berkeley: University of California Press.
  • ––– (2002). Starting at Home: Caring and Social Policy, Berkeley, CA.: University of California Press.
  • ––– (1989). Women and Evil, Berkeley, CA.: University of California Press.
  • Nussbaum, Martha. (1999). “The Feminist Critique of Liberalism”. In A. Jeffries (ed.), Women’s Voices, Women’s Rights: Oxford Amnesty Lectures, The Oxford Amnesty Lecture Series. Boulder, CO: Westview Press.
  • ––– (2003). “Capabilities and Functional Entitlements: Sen and Social Justice”. Feminist Economics, 9 (2-3): 33-59.
  • Puka, B. (1991). “Interpretives Experiments: Probing the Care-Justice Debate in Moral Development”. Human Development, 34: 61-80.
  • Regan, Tom. (1983). The Case for Animal Rights, Berkeley, Calif.:University of California Press.
  • Rich, Adrienne. (1970). Of Woman Born, New York: Norton.
  • Robinson, F. (1999). Globalizing Care: Toward a Politics of Peace, Boston, MA: Beacon Press.
  • Ruddick, S. (1983). “Maternal thinking”. In J. Trebilcot (ed.), Mothering: Essays in Feminist Theory, Totowa, NJ: Rowman and Allanheld, 213-30.
  • ––– (1989). Maternal Thinking: Toward a Politics of Peace, New York: Ballantine Books.
  • Schroedel, J.R. and Peretz, P. (1995). “A Gender Analysis of Policy Formation: The Case of Fetal Abuse”. In P. Boling (ed.), Expecting Trouble, Boulder, CO.: Westview Press, 85-108.
  • Sher, G. (1987). “Other Voices, Other Rooms? Women’s Psychology and Moral Theory”. In E. Kittay and D. Meyers (eds.), Women and Moral Theory, Lanham, MD.: Rowman & Littlefield, 178-189.
  • Sichel, B.A. (1991). “Different strains and strands: Feminist contributions to ethical theory”, Newsletter on Feminism, 90 (2): 90.
  • Singer, Peter. (1975). Animal Liberation, New York: Harper Collins Books.
  • Sterba, James P., (ed.), (2000). Ethics: Classical Western Texts in Feminist and Multicultural Perspectives, New York: Oxford University Press.
  • Taylor Mill, H. (1970). “Enfranchisement of women”. In A.S. Rossi (ed.) Essays on Sex Equality, Chicago: University of Chicago Press.
  • Tong, R. (1993). Feminine and Feminist Ethics, Belmont, Calif.: Wadsworth.
  • ––– (2009). Feminist Thought: A More Comprehensive Introduction, 3rd edition, Boulder, CO: Westview Press.
  • Walker, Margaret Urban. (2007). Moral Understandings: A Feminist Study in Ethics, 2nd ed. New York: Oxford Univerity Press.
  • Warren, K.J. (2000). Ecofemnist Philosophy: A Western Perspective on What It Is and Why It Matters, Lanham, Md: Rowman & Littlefield.
  • Wollstonecraft, M. (1988). A Vindication of the Rights of Women, M. Brody (ed.), London: Penguin.
  • Ziarek, Ewa Plonowska. (2001). An Ethics of Dissensus: Postmodernity, Feminism, and the Politics of Radical Democracy, Stanford, CA: Stanford University Press.

 

[1] Tong, Rosemarie and Williams, Nancy, “Feminist Ethics”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2016 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2016/entries/feminism-ethics/>.

[2] أو ما يعرف بالإتيكيت

[3] (ought implies can) هو مبدأ أخلاقي قال به كانط ـ وقد انتُقد عليه ـ ويعني اختصارا أن الشيء لا يكون واجبا أخلاقيا على شخص إلا إذا كان باستطاعته فعله.

[4] (HerLand) هي رواية كتبتها جيلمان، تتحدث خلالها عن مدينة افتراضية كل سكانها من النساء.

[5] الرعائية هو مصطلح استخدمته للدلالة على المقاربات النسوية الأخلاقية التي ترتكز على الرعاية (care-focused approaches to ethics).

error: المحتوى محمي