“اعرف ذاتك”: نصيحة قد تهلكَك! – بينس ناني / ترجمة: جيهان البلادي

“اعرف ذاتك”: نصيحة قد تهلكَك! – بينس ناني / ترجمة: جيهان البلادي

4313730_orig بينس ناني

د. بينس ناني، بروفيسور الفلسفة في جامعة أنتويرب، كما يعمل باحثًا في جامعة كامبريدج


من أعمق المفاهيم الفلسفية إلى أسخف كتب تطوير الذات، نجد مقولة لا يُستهان بها حاضرة على الدوام، إنه مقولة “اعرف ذاتك!”، تعود جذور هذه المقولة المتداولة بين الفلاسفة منذ عهد سقراط وحتى يومنا هذا إلى عهد مصر القديمة حيث عُثر عليها منحوتة في فناء معبد أبولو المقدَّس في دلفي. ومنذ ذلك الحين، كان عند غالبية الفلاسفة شيئًا ليقوله حيالها.

إن لنصيحة “اعرف ذاتك” جاذبية الاعتماد على الذات. هل هدفك هو تقبلك لذاتك؟ حسنًا، عليك معرفة ذاتك أولاً. أو إن هدفك هو وتخاذ القرارات المناسبة لشخصك أنت. جددًا نقول أنها ليست بالمهمة السهلة إلَّا في حال معرفتك لذاتك جيدًا. فالمعضلة ليست أن أيًّا من هذا مبنيّ على صورةٍ واقعيةٍ للذات أو في كيفية صناعةِ القرار؛ فموضوع “معرفة الذات” كله ليس بالسهل كما يبدو. في الواقع، قد يكون تشويشًا فلسفيًا، إن لم ين نصيحة رديئة.

فلنأخذ مثالا من حياتنا اليومية، لماذا تذهب كلَ يومٍ إلى المقهى، وتطلب نوعًا محددًا من القهوة؟ هل هي مجرد نزوة؟ أم لتجربة شيئًا جديدًا؟! لو علمت أن مالكة هذا المقهى إيطالية الجنسية، وقد تتتجهم إذا طلبت الكابتشينو بعد الساعة الحادية عشر مثلًا، هل ستطلبه؟ أم أنك مجردُ شخصٍ يفضل هذا النوع من القهوة؟

أظن أن آخر هذه الخيارات يعكس أفضل اختياراتك، فأنت تفعل الكثير مما تفعله لاعتقادك بأنه ينسجم مع شخصيتك. فمثلا، تطلب طبق البيض المخفوق بطريقة معينة لأنك تفضله، وتعتبره جزءً من شخصيتك، وهذا ما ينطبق على العديد من خياراتك اليومية. فأنت تذهب إلى قسم الفلسفة في المكتبة، وقسم التجارة العادلة في المتجر لأنك فيلسوف تهتم بالعدالة العالمية، وهذا ما تعتقد أنه يجب عليك فعله.

ولحسنِ الحظِ، أننا جميعًا نمتلكُ بوضوحٍ أفكارًا أصيلةً عن ذواتنا، فلا نحتاجُ إلى التفكيرِ الطويل عندما نطلبُ القهوةَ كلَ صباحٍ مثلًا. وترتبط معرفتنا بما نحن عليه بمعرفة ما لسنا عليه، فأنا لن أقومَ بالشراء من ذلك المتجر لأني لست ذلك الشخص الذي يبتاع منه حاجاته، وهكذا (التفكير في نفسك بهذه الطريقة قد يجعلك تنجرف بسهولةٍ إلى إضفاء الطابع الأخلاقي على تفضيلاتك، ولكن من الأفضل أن نتركها جانبًا الآن).

 تظهرُ إشكالياتٍ تتعلقُ بالتصورِ الأصيلِ للذات، وهي أن الناسَ تتغير. نعم، هناك تغييراتٌ كبيرةٌ يدركها المرءُ عند حدوثها كـالوقوعِ في الحب، والإنجاب والطلاق، فتدرك أنك بدأتَ تفضلُ أوقاتَ الصباحِ بعد الإنجاب مثلًا. لكن معظمَ التغييراتِ تكون بشكلٍ تدريجيٍ وصارم، وفقًا للأحداثِ التي تتجددُ بشكلٍ مستمرٍ في حياتنا. فننسجمُ مع هذه التغييرات، ولا نستطيع فهمَ سوى القليلِ منها مثل ظاهرة “تأثير مجرّد التعرّض” (mere exposure effect)، والتي تتحدثُ عن أن الشخصَ يألفُ وجودَ ما يتعرضَ له بشكلٍ أكبر ويميل إلى حبه. وأمَّا الأخرى، وهي مشكلة أكثر، فهي تلاشي الاهتمامات وفقدانها تدريجيًا نتيجةً لعدم القدرة على الحصول عليها. وشيء آخر مشكل أكثر، وهو أنه كلما زاد اضطرابك بسبب رغبتك في شيء ما، كلما نزعنت أكثر إلى كرهه. وتحدث تغيرات كهذه تدريجيًا بدون أن نلحظها في الغالب.

والإشكال هو كالتالي: إذا ما تغيرنا في حين أن تصوّرنا لذواتنا باقٍ على حلّه، ستوجد إذا هوّة عميقة بين ما نحن عليه وما نظن أننا عليه، وهذا يقود إلى صراع.

ومما يَزيدُ الطينُ بلةً هو قدرتنا الاستثنائية على التغاضي عن مجرد الاحتمال حتى بأننا قد نتغير، بل نعتقد أن صورتنا الحالية ستبقى كما هي بعد خمسِ أو عشرِ سنوات، وينكر هذه الظاهرةَ علماءُ النفسِ، ويصفوها بـ “نهاية وهمِ التاريخ“. فنحن سنتغيرُ كثيرًا بلا شك، وفي مستقبل ليس بالقريب جدًا

ولم هذه معضلة من الأساس؟ قد يبدو الأمر يسيرًا عندما يتعلق باختيارنا لقهوة الإسبيريسو، فقد تفضل الآن الكابوتشينو أكثر بقليل، لكنك تتصور نفسك بأنك شخص يفضل الأسبريسو، وبهذا تستمر في طلب الأسبيريسو. فهانت الآن تستمتع بمشروبك الصباحي بنسبة أقل بقليل، وهو ليس بالأمر الجلل

بيد أن ما ينطبقُ على الإسبيريسو ينطبق على الكثيرِ من قيمنا وأولوياتنا في الحياة. فمن الممكن أن تكون مخلصًا جدًا للفلسفة يومًا ما، إلا أنك لم تعدْ كذلك. ستظل فيلسوفًا في مخيلتك لأن هذا ما تحب، غير أن هناك فرقٌ بين ما تحب وما تفعل. فلا تفرض تفضيلاتك نفسها على ما تفعل، بل بأي نوع من الناس تظن نفسك

إن الأذى الحقيقي في حالات كهذه ليس بصرفك الكثير من وقتك على فعل شيء لا تحبه على وجه الحديد، بل يكمن الأذى في أن العقل البشري لا يحب تناقضات صارخة من هذا النوع. فيعمل بقّضه وقضيضه على إخفاء هذا التناقض في ظاهرة تعرف بـالنشوز المعرفي

إن إخفاء فجوة كهذه يستهلك قوى الدماغ لكي يكون قادرًا على إخفاء قيامك بعملٍ قد تنفر منه من الأساس، فلا يتبقى الكثير من الطاقة لينفقها الدماغ على الأنشطةِ الأخرى؛ فيصبحُ تشغيلُ التلفازِ أو تصفحُ مواقعَ التواصلِ الاجتماعي لوقتٍ قصيرٍ هو كلُ ما يمكنُ للدماغِ أن يفعله بالطاقةِ المتبقية.

وإذا تعلمنا عن أهميةِ التغيير في حياتنا وأخذناه على محمل الجد، فإن هذا ليس خيارًا متاحًا. قد تكون قادرًا على معرفة ما تظنه عن نفسك في لحظة ما، بيْد أن ما تظنه عن نفسك مختلف تماماً عما أنت عليه في الحقيقة، وقد يتغير هذا كله في غضون أيام أو أسابيع.

تشكلُ معرفةُ الذاتِ عائقًا أمام الاعتراف والاستسلام للتغييرات التي قد تطرأ عليها بشكلٍ مستمر؛ لأن خياراتك ستكون متاحةً طبقًا لرغباتك حينها، لكن ما إن تترسخ هذه الخيارات في صورتك عن ذاتك، ستتقيَّدُ حريتك كثيرًا لو عرفت أنك هذا الشخصُ أو ذاك. فقد تختار أن تُفضِّلَ شربَ إسبريسو، أو أن تكون متبرعًا للجمعياتِ الخيرية، لكن ما إن تدخلْ هذه الاختيارات في تصورك عن ذاتك، يتقلص حيز تدخلك في مجريات أمورك. وأيُ تغييرٍ إما أن يكون ملاحظًا، أو يؤدي إلى نشوزٍ معرفي كما ذكرنا سابقًا. وقد أشار “أندريه جيد” في عملِه الأدبي أوراق الخريف (Autumn Leaves (1950)) إلى مثلِ هذا المعنى: ” لن تصبحَ اليرقةُ التي تسعى إلى البحث عن ذاتها يومًا فراشةً.”

 

المصدر

 

error: المحتوى محمي