استحواذ كوهوت على مفهوم النرجسية – مارك إدموندسن / ترجمة: سارة اللحيدان

استحواذ كوهوت على مفهوم النرجسية – مارك إدموندسن / ترجمة: سارة اللحيدان

 

مارك إدموندسن- أستاذ الإنجليزية في جامعة فيرجينيا

د. مارك إدموندسن، أستاذ الإنجليزية في جامعة فيرجينيا


تقول الحكاية، في يوم من الأيام رأى صبي جميل انعكاس صورته في بركة الماء. بعد ذلك، لم يستطع أن ينصرف عن هذا المشهد الفاتن. توقف عن الأكل، ولم يتنازل حتى للشرب. في نهاية الأمر هلك ذاك الصبي ومات. وحيثما سقط نبتت زهرة لطيفة، هي ما نسميها زهرة النرجس.

 احتوت قصيدة ‘التحولات’ أحد أعظم قصائد أوفيد عن الحب والتغير، على قصة نارسيس كواحدة من أعظم القصص الخرافية. في ورقته التي نشرت عام ١٩١٤ ‘مقدمة حول النرجسية’ أخذ فرويد قصة نارسيس وترجمها إلى لغة التحليل النفسي، وعيّن هذه القصة على أنها المنطلق الأساس لفهم النفس الإنسانية حال الحب. لماذا نقع في الحب؟ كان جواب فرويد جوابا ساخرا بقسوة وقصد به: إننا نقع في الحب عندما تكون طاقة الإثارة (الليبدو) التي تُستثمر من قبل الأنا مرتفعة عند درجة معينة. فلو قمنا بكبح هذه الطاقة المتزايدة، سينتهي بنا الأمر إلى المرض أو القلق.

 على هذا الأساس، الحب ليس سخيا حال خروجه من النفس واحتضانه لكل جميل ومثالي، كما آمن بذلك شيلي، بل هو عوضا عن ذلك مصلحة شخصية، وحفظا لطاقة حب البقاء. ألمح فرويد إلى أن الحالة المثالية هي في مقدرتنا على الاحتفاظ بأقصى حد من حب الذات دون إضرار بأنفسنا، وبذا نتفادى الحزن الحتمي الذي نشعر به حينما نبحث عن الحب خارج ذواتنا. رغم ما نتصوره عن مدى إخلاصنا للآخرين، ورغم محاولة الورقة الفرويدية أن تبقي على مثالية ‘حب الآخر’ يؤمن فرويد بأن نسل الإنسان نرجسي، يحب نفسه أولا وآخرا على الدوام.

غلاف الكتاب

غلاف الكتاب

  قدم فرويد تلك الاستعارة ‘الذات على أنها شخصية نارسيس’ لكنه لم يعمل على كافة الاحتمالات المختلفة كما فعل مع بقية أفكاره الأخرى. تُركت تعقيدات هذه الاستعارة في التحليل النفسي للمحلل هاينز كوهوت[1]. تشارلز ستروزر هو من كتب سيرة هذا المحلل عنوانها (هاينز كوهوت-صناعة محلل نفسي-Heinz Kohut-The Making of Psychoanalyst). وهو أيضا من ألف دراسة تحليلية نفسية عن الرئيس السادس عشر (سعي لينكون نحو الاتحاد- Lincoln’s Quest for Union). ولذلك كان مؤهلا بشكل كاف لكتابة هذه السيرة.

لفترة طويلة، لم يقم كوهوت إلا بعمل القليل لتمييز نفسه، إلى جانب خبرته بالتلاعب بالمبادئ. ولد في فيينا عام ١٩١٣، وقدم إلى أمريكا هربا من النازية، استقر في شيكاغو حتى أصبح في النهاية رمزا بارزا، وهو ما ألمح له ستروزر بـ ‘سيد التحليل النفسي’. لعدة سنوات كان كوهوت تقليديا، حذرا، مواظبا على التقدم في مهنته، ومتملقا لآنا فرويد وريثة والدها، ومتملقا أيضا لكبار الشخصيات في عالم التحليل النفسي. لم يقدم كوهوت عمله الأول، ولم يجد قوة إبداعه إلا بعدما بلغ الخمسينات من عمره، وقد قال عنه كاتب سيرته “إن إبداع كوهوت حقيقة غريبة، فقد ظهر عمله النظري العظيم في منتصف عقده السادس”.

نشر عام 1971 (تحليل الذات-The Analysis of the Self) وكان قد أخذ صورة الأنا النرجسية التي وضعها فرويد عام ١٩١٤ ليكشف عن مضامينها المتعددة. زعم كوهوت على لسان ستروزر، بأن الأطفال يميلون لبدء حياتهم متخيلين لأنفسهم ذواتا عظيمة وآباء مثاليين. ‘في جوهر كينونتنا، نحافظ على نسيج مشدود من المفاهيم القائلة بأنني كامل وأنك كامل ولكنني جزء منك’. مع تقدم عمر الطفل تروض هذه الأوهام وتتوحد داخل شخصية ناضجة فتقمع العظمة وتفسح المجال لتقدير الذات؛ وتصبح مثالية الآباء أساسا لأقوى قيمنا الحياتية. لكن لو أن صدمة حدثت فالنسخة النرجسية الأولى والأساسية تبقى دون تبدل، وتبقى هذه الذات العظيمة حية لم تكبت لتكون النتيجة ما أطلق عليه كوهوت مسمى اضطراب الشخصية النرجسية.

  هذا النوع من الشخصية- والذي اتخذه كريستوفر لاش ليكون سمة لعصرنا- كئيب، متعكر وحاد المزاج، ويسهل إغضابه. تعتمد الشخصية النرجسية على إثبات نفسها، وإن لم تفعل فربما تقع فريسة لمساوئ ومتاعب الحياة اليومية. في جزء منه يؤمن الشخص النرجسي بأنه نجم لامع، مشهور، أو بطل. مع هذا، تثبت التجربة، للأسف، بطلان هذه الأوهام. نتيجة لذلك، يغضب النرجسي إما ضد ذاته أو عالمه. رأى فرويد ذلك الأمر على أنه ثورة طبيعية لطاقة حب البقاء. على النقيض، نظر كوهوت إلى الغضب على أنه نتاج لجرح نرجسي، ضربة تلقاها حسّنا المثالي أو ما نحن عليه. بتحليلنا للغضب -ما الإهانات التي تسببت بغضب غير مناسب؟- ربما نصل إلى مكمن أوهامنا النرجسية، وربما نفعل شيئا حيالها.

 أبرز ستروزر ببراعة جزءا مهما ومثيرا عن كوهوت ذاك الذي يختص بامتلاكه فهما جدليا عن حب الذات. عام ١٩٦٦ في ورقة عنوانها ‘أشكال وتحولات النرجسية’ استطاع كوهوت رؤية حب الذات بصورة أعمق من مجرد مصطلحات سلبية أو مرضية، فالطموح والمثل العليا هي حس صحي بمرونة الذات، حتى التشاعر يمكن أن ينشأ من النرجسية بمجرد أن يمر بالتحول، أو بمجرد أن يتأثر بتجربة، أو محلل نفسي فطن. والتساؤل المطروح بطبيعة الحال ما إذا كان كوهوت قد نجح بتحويل نرجسيته. يشير رسم ستروزر إلى أن حب الذات كان عميقا لدى كوهوت، فقد كان مهووسا بنفسه، وفي الغالب لا يرحب بأي موضوع سوى ما يتطرق له. رغبته في الهيمنة على كل حوار كانت تقارب حد الهوس. مع هذا كان أستاذا قديرا، ومعالجا متفانيا في عمله، وقد أصر على أن التشاعر أمر أساسي في العملية العلاجية، مناقضا بذلك التحفظ الفرويدي. مع تقدم كوهوت في العمر وإصابته بالسرطان، أصبح أكثر إنسانية وسخاء. وقد جعله الشعور بدنو أجله أكثر استجابة لمعاناة وآمال الأخرين.

 

توصل هاينز كوهوت إلى الإيمان بأنه قد أعاد تشكيل التحليل النفسي ليلائم المناخ الثقافي الذي وجد نفسه فيه. تأكيد فرويد على عقدة أوديب ربما كان أمرا مناسبا لمجتمع كان يكبت الجنس باستمرار، حيث نشأ معظم المرضى في بيوت عائلية مع ثلاثة أجيال يعيشون تحت سقف نمساوي واحد، جنبا إلى جنب مع الخادمات، الممرضات، الخدم، وغايات أخرى محتملة أو إغراءات محرضة. لكن الزمن قد تبدل. في منتصف القرن في أمريكا كانت الذات هي المركز والنرجسية هي المأزق الخفي، وكان على المحللين إعادة ضبط حججهم. إن كتاب ستروزر عبارة عن دراسة مثالية لحياة محلل نفسي تعاهد بنفسه على مهمة تغيير تلك التقاليد العظيمة.

 

المصدر

 

 


هامش مترجمة:

[1] هاينز كوهوت، محلل نفسي نشأ في كنف عائلة يهودية وتشرب ثقافتها الأوربية. تدرب في جامعة فيينا قبل أن يغادرها إلى شيكاغو هربا من النازية. يذكر أنه بدل تخصصه من الأعصاب إلى الطب النفسي ليستقر أخيرا على التحليل النفسي. قضى فترة الخمسينات والستينات الميلادية متخذا له لقبا ساخرا كـ “سيد التحليل النفسي”. خلال ثورة الإبداع في الستينات وجد كوهوت نفسه وشق طريقه لاكتشاف النرجسية، لينتهي لما سماه وعرف به “سيكولوجية الذات”.

error: المحتوى محمي