اختلال التوازن: رؤية جديدة في التوتر المزمن، والاكتئاب، والمناعة / ترجمة: العنود العتيبي

اختلال التوازن: رؤية جديدة في التوتر المزمن، والاكتئاب، والمناعة / ترجمة: العنود العتيبي


الخلاصة: يرتبط  التوتر المزمن عادةً مع خلل جهاز المناعة, بما في ذلك ضعف الاستجابة المناعية ضد الأمراض المعدية وتأخر شفاء الجروح. وقد أشارت دراسة حديثة إلى أن التوتر والاكتئاب يمكن أن يعززان من إنتاج السيتوكينات المنشطة للالتهابات وهي مادة تجعل مناعة الجسم قابلة للاستجابة للعدوى والإصابات.  وتم تزويد هذا البحث بإطار شامل يربط التوتر والاكتئاب ضمن مجموعة الأمراض التي قد يكون ظهورها و انتشارها متأثرًا بالسيتوكينات المنشطة للالتهابات، و سيتوكين الإنترلوكين-٦ على وجه التحديد، وقد ظل سيتوكين الإنترلوكين-٦ مرتبطًا بطيف الأمراض المزمنة لكبار السن.

يمكن للتوتر المزمن والاكتئاب تحفيز إنتاج السيتوكينات المنشطة للالتهابات مباشرةً والتي تؤثر في تلك الحالات وغيرها، وقد تم طرح السبيل الأساسي الذي  يؤثر من خلاله التوتر المزمن والاكتئاب على العوائد الصحية بما في ذلك السيتوكينات المنشطة للالتهابات، وعرض أدلة العلاقة بين العوامل النفسية و السيتوكينات المنشطة للالتهابات وأهم النتائج الصحية لهذه الاكتشافات.

 إن الفكرة المعروفة في مجال المناعة العصبية النفسية (دراسة التفاعلات بين الجهاز العصبي وجهاز المناعة) هي أن التوتر المزمن يُحدث خللًا في جهاز المناعة. وفي استعراض جديد للأبحاث خلال الثلاثين سنة الماضية حول التوتر والمناعة نتج عنه أنه تم ربط أكثر الضغوطات المزمنة بأكثر الأدوية المثبطة للمناعة شمولًا. ( Segerstrom Miller ،،٢٠٠٤، ص. ٦١٨).  ولقد أظهر هذا البحث أن هناك علامات سريرية للخلل المناعي المرتبط بالتوتر المزمن منها ضعف استجابة جهاز المناعة ضد الأمراض المعدية وتأخر شفاء الجروح.

وقد بدأ الباحثون مؤخرًا بتغيير تفكيرهم بشأن العلاقة بين التوتر المزمن والاكتئاب والمناعة، ففي بحث جديد أظهر أن التوتر المزمن والاكتئاب قد يعززان من حدوث استجابات معينة للجهاز المناعي. و استجابة المناعة التي نحن بصددها هي الالتهاب, وهو مصطلح فضفاض يشير إلى عمليات المناعة الناتجة عن تلف في الخلايا والأنسجة، ويحدث هذا التلف بطرق محتلفة منها العدوى والإصابات، حيث يبدأ جهاز المناعة بالاستجابة إلى الالتهابات الحرجة لعلاج العدوى وإصلاح الأنسجة التالفة.

 والتركيز على دور التوتر المزمن والاكتئاب المعززللالتهاب يشير إلى تغير مهم في تصور الباحثين حول التفاعلات المعقدة بين الدماغ والسلوك وجهاز المناعة. وتشير الأدلة المستعرضة هاهنا إلى نمط أكثر تعقيدًا مرتبط سريريًا بالتوتر المزمن والاكتئاب ينتج عنهما خلل في جهاز المناعة بدلًا من دعمها نمط التوتر المزمن والاكتئاب الذي ينجم عنه قمع شامل لجهاز المناعة. وينظم الجسم عادةً الاستجابة المتوازنة عندما يواجه تحديات مناعية، ولكن في هذا النمط الجديد،  يخل التوتر المزمن والاكتئاب بهذا التوازن ويضعف بعض الاستجابات المناعية ويعزز غيرها. وقد ينجم عنه أضرارًا بليغة لصحة الفرد الجسدية متضمنةً خللًا في الخلايا والأنسجة الممتدة وزيادة القابلية بالإصابة بالأمراض الحادة والمزمنة حتى قبل سن الشيخوخة.

 

السيتوكينات وتنظيم جهاز المناعة:

إن المواد الأساسية  لتنيظم الاستجابات ضد الالتهابات والعدوى والإصابات هي السيتوكينات. حيث تطلق بواسطة خلايا مختلفة، فالسيتوكينات هي بروتينات تعمل كإشارات بين الخلايا لتنظيم الاستجابات المناعية. كما تقوم السيتوكيات في الكثير من هرمونات جهاز الغدد الصماء بنقل الرسائل عن طريق التفاعل مع المستقبلات في أسطح الخلايا وإيصالها إلى أنحاء بعيدة في الجسم. ويمكن التفريق بين السيتوكينات بفئتين شاملتين في تأثيرها الأساسي على الاستجابات المناعية وهي: الستوكينات المنشطة للالتهابات (تعزز الالتهاب) والستوكينات المقاومة للالتهابات (تمنع الالتهاب).

وتتضمن السيتوكينات المنشطة للالتهابات سيتوكين الإنترلوكين ١ وإنترلوكين-٦ وعامل نخر الورم ألفا، حيث يتم إنتاجهم عن طريق الخلايا في مكان العدوى أو الإصابة (أنظر إلى الشكل ١).  بعد ذلك تقوم السيتوكينات المنشطة للالتهابات بجذب الخلايا المناعية الأخرى إلى المكان المصاب وتقوم بتنشيطها وتحضرها للاستجابة. كما تقوم  السيوكينات المقاومة للالتهابات مثل الإنترلوكين-٤ والإنترلوكين-٥ والإنترلوكين-١٠ والإنترلوكين-١٣ بالحد من استجابة جهاز المناعة ومنع وظائف خلاياه كاستنساخ سيتوكينات أخرى أو امتزاجها ببعض أو تنشيطها.

 وتبدأ السيتوكينات المنشطة للالتهابات بإصدار إستجابات مختلفة تنظم الالتهاب بالإضافة إلى تحفيز إنتاج الستوكينات الأخرى. وعلى وجه التحديد تعمل سيتوكينات معينة منشطة للالتهابات في الدماغ كما هو موضح في الشكل ١، مؤثرةً بدورها على جهاز الغدد الصماء وعلى السلوك، على سبيل المثال تحفز السيتوكينات المنشطة للالتهابات المحور الوطائي النخامي الكظري (HPA) وهي سلسلة من هرمونات الغدد الوطائية والنخامية التي ينتج عنها إنتاج هرمون القشرة الكظرية (الكورتيزول). وهرمونات القشرة الكظرية هي هرمونات ستيرويدية تقوم بإنتاجها قشرة الغدة الكظرية و يمكن أن يكون لها فاعلية في مقاومة الالتهابات بالحد من امتزاج السيتوكينات المنشطة للالتهابات، وهكذا فهي تكمل حلقة من الاستجابات تساعد في السيطرة على الالتهاب. كما تؤدي السيتوكينات المنشطة للالتهابات اضطرابًا في السلوك ومجموعة من الأعراض مثل الحمى ونقص الشهية وانخفاض النشاط الحركي الذي يسهل تنظيم الطاقة (Maier ، Watkins، ١٩٩٨). تعتبر الموارد البدنية (الطاقة والحرارة) التي يحتاجها الجسم مهيئات لمساعدة الكائن الحي في مقاومة الأمراض المعدية عند رفعها إلى أقصى حد.

Screenshot 2017-03-04 20.24.45

الشكل١: في الحالات الطبيعية تستجيب السيتوكينات المنشطة للالتهابات للعدوى والإصابات. وتدل الأسهم على مسارات تحفيزية وتدل الخطوط في الجهة اليسرى مسارات تثبيطية. تقوم العدوى والإصابات بتحفيز الخلايا لتفرز السيتوكينات المنشطة للالتهابات منها إنترلوكين-١ وعامل نخر الورم ألفا وإنترلوكين-٦. حيث تقوم هذه الستوكينات بجذب الخلايا الأخرى إلى المكان وتحفزها على الإستجابة. بالإضافة إلى أن السيتوكينات المنشطة للالتهابات تسافر إلى الدماغ لتحفز المحور الوطائي النخامي الكظري (HPA)، مما ينتج عنه إنتاج الكورتيزول الذي يساعد في السيطرة على الالتهاب ويمنع جهاز المناعة من فرط الاستجابة. كما أن السيتوكينات المنشطة للالتهابات تؤدي إلى خلل في السلوك الذي يساعد الجسم في رفع الموارد الجسدية إلى أقصى حد لمقاومة العدوى.

 يركز هذا البحث على السيتوكينات المنشطة للالتهابات وإنترلوكين-٦ الذي له آثار متعددة على جهاز المناعة وجهاز الغدد الصماء وأنسجة وأعضاء بعض الأجهزة الأخرى، وبالتالي فهي تكون مؤشر جيد للالتهابات المزمنة. كما أن ارتفاع إنتاج الإنترلوكين-٦ مرتبط بالأمراض المزمنة الأساسية مثل الأمراض القلبية الوعائية وبعض أنواع مرض السرطان و الصحة الجسدية (Papanicolaou،Wilder، Manolagas، Chrousos ،١٩٩٨). علاوةً على ذلك فهو يرتبط أيضًا بعوامل نفسية بما فيها الاكتئاب والتوتر المزمن.

 

العوامل النفسية والسيتوكينات المنشطة للالتهابات:

 ترتبط عدة عوامل اجتماعية ديموغرافية وسلوكيات صحية برفع السيتوكينات المنشطة للالتهابات. على عكس المكونات الأخرى لجهاز المناعة التي تندرج تحت العمر مثل مستويات إنترلوكين-٦ التي تزيد مع زيادة العمر(Papanicolaou et al، ١٩٩٨). وبشكل عام  يظهر الرجال مستويات أعلى للإنرلوكين-٦ مقارنةً بالنساء، وربما يكون ذلك بسبب تأثير هرموني الأستروجين والأندروجين (Ershler،Keller، ٢٠٠٠). وبحسب إحصائيات العوامل الاجتماعية الديموغرافية والسلوكيات الصحية ترتبط المستويات المرتفعة لإنترلوكين-٦ بالعادات الصحية السيئة مثل التدخين وقلة النشاط و السمنة، كما أن ارتفاع مستوى الإنترلوكين-٦ يرتبط مع ارتفاع الحالات المرضية والوفيات (Ferrucci et al، ١٩٩٩).

وكما ذكرنا سابقًا ركزت البحوث خلال الثلاثين سنة الماضية حول التوتر المزمن والاكتئاب على خلل جهاز المناعة،  وبالتالي فمن المتوقع أن التوتر المزمن والاكتئاب يرتبطان بخلل إنتاج السيتوكينات المنشطة للالتهابات. ولكن دليلًا تجريبيًا أشار إلى أن الاكتئاب الشديد وأعراضه والتوتر المزمن يمكن أن يقوموا بتعزيز إنتاج السيتوكينات المنشطة للالتهابات.

ويرتبط الاكتئاب الشديد بالمستويات المعززة للسيتوكينات المنشطة للالتهابات بما فيها إنترلوكين-٦ الذي يمكن أن يمنع نجاح العلاج بالأدوية المضادة للاكتئاب (Kenis،Maes، ٢٠٠٢). كما أن ارتفاع أعراض الاكتئاب ترتبط أيضًا بارتفاع مستوى السيتوكينات المنشطة للالتهابات (e.g., Miller, Stetler, Carney, Freedland Banks, ٢٠٠٢). ومؤخرًا تم ايجاد أن ارتفاع مستوى أعراض الاكتئاب يرتبط بارتفاع مستوى الإنترلوكين-٦ عند كبار السن (Glaser, Robles, Sheridan, Malarkey, Kiecolt-Glaser، ٢٠٠٣). والأهم من ذلك هو أن الأشخاص الذين لديهم أعراضًا أكثر للاكتئاب يظهرون ارتفاعًا في مستوى الإنترلوكين-٦ بعد إسبوعين من تعرض جهاز المناعة للقاح فيروس الإنفلونزا، بينما كان هناك تغيرًا بسيطًا في الإنترلوكين-٦ عند الأشخاص الذين لا يعانون من أعراض الاكتئاب أو لديهم أعراض بسيطة  كما هو موضح في الشكل٢. وبشكل عام فإن أعراض الاكتئاب في هذا النموذج منخفضة جدًا عند البالغين  مما يدل على أنه حتى الأعراض البسيطة للاكتئاب قد تكون كافية في فرط حساسية جهاز المناعة ضد التحديات المناعية بسبب الإنتاج الكبير للإنترلوكين-٦. قد يكون هناك نتائج صحية مهمة ناتجة عن التحسيس للإستجابات ضد الالتهابات مثل الاستجابات الكبيرة والممتدة التي تتبع العدوى والتحديات المناعية الأخرى يمكن أن تسرع من تقدم نطاق الأمراض الأمراض الناتجة عن تقدم العمر. وتشير هذه المعلومات عمومًا إلى الآلية الأساسية للسيتوكينات المنشطة للالتهابات التي يمكن أن يعمل من خلالها  الاكتئاب الشديد وأعراض الاكتئاب  كمدخل إلى منظومة شاملة للمشاكل الصحية.

 كما أن الضغوطات المزمنة مرتبطة بارتفاع انتاج الإنرلوكين-٦. ووجدت دراسة أن النساء اللاتي يعتنين بشخص قريب لديه مرض الزهايمر يكون لديهن مستوى أعلى للإنترلوكين-٦ وحتى النساء اللاتي يحاولن تذكر مواقع منازلهن أو عايشن نساء أخريات لديهن هذا المرض (Lutgendorf et al، ١٩٩٩). وقد كانت هذه الدراسة جديرة بالملاحظة وذلك لأن متوسط أعمار اللاتي قمن بالرعاية أصغر بست إلى تسع سنوات مقارنة بالنساء في المجموعتين الأخرى. مما يعطينا استنتاجًا أن مستويات الإنرلوكين-٦  بشكل عام تزيد مع زيادة العمر. إذًا ماهو أثر التوتر المزمن في زيادة الإنترلوكين-٦ الناتج عن زيادة العمر؟

Screenshot 2017-03-04 20.26.54

الشكل٢: مستويات الاإنترلوكين-٦ ووظيفته في أعراض الاكتئاب في الشكل لـ ١١٩شخص من كبار السن. تمثل الخطوط البيضاء مستويات الإنترلوكين-٦ قبل تلقي المشاركين للقاح فيروس الإنفلونزا، والأعمدة السوداء تمثل مستوى الإنتزلوكين-٦ بعد أسبوعين من تلقي اللقاح. كما تم قياس أعراض الاكتئاب باستخدام مقياس بيك للاكتئاب (BDI_SF). يظهر الأفراد الذين لديهم أعراض للإكتئاب ارتفاعًا في الإنترلوكين-٦ بعد أسبوعين من أخذ اللقاح مقارنة بالأفراد الذين لا يعانون من الاكتئاب أو لديهم أعراض بسيطة. أما الخطوط التي في أعلى الأعمدة فهي تشير إلى متوسط العدد.Glaser, R., Robles, T.F., Sheridan, J., Malarkey, W.B., ،Kiecolt-Glaser, J.K. (٢٠٠٣).

وقد وجهنا هذا السؤال لكبار السن تحت سن الشيخوخة الذين عانوا من التوتر المزمن لست سنوات وبتقديرالتغيرات المتعلقة بالعمر في مستويات الإنترلوكين-6 خلال هذه الفترة (Kiecolt-Glaser et al. ، ٢٠٠٣). أما البالغون الذين عانوا من التوتر المزمن بسبب اعتنائهم بزوج مصاب بمرض الزهايمر أظهروا  معدل زيادة سنوي للإنترلوكين-٦ بأربعة أضعاف الذين لم يقدموا رعاية. لم يكن هناك فروقات بين المجموعات من حيث المشاكل الصحية المزمنة و الأدوية و التصرفات الصحية الصحيحة في إمكانية زيادة الإنترلوكين-٦ بشكل سريع لدى مقدمي الرعاية.  بالإضافة إلى ذلك أن متوسط التغيرات السنوية للإنترلوكين بين مقدمي الرعاية السابقين لم يختلف عن مقدمي الرعاية الحاليين حتى بعد عدة سنوات من موت الزوج المريض. وعلى هذا الأساس تمت الإشارة إلى أن التوتر المزمن يمكن أن يكون قادر بقوة على زيادة انتاج السيتوكينات المنشطة للالتهابات بسبب زيادة العمر، و لكن قد يحدث التوتر المزمن لجهاز المناعة قبل سن الشيخوخة.

 

 العوامل النفسية وآلية السبل:

بعيدًا عن تأثير السلوكيات الصحية وكيف يمكن لهذه العوامل أن تساهم في رفع انتاج السيتوكينات المنشطة للالتهابات و يصف الشكل ٣ أربعة سبل محتملة. تتضمن العديد من السبل (مثل أ ,ج ،د) قمع للإشارات بسبب جهاز الغدد الصماء و المحور الوطائي النخامي الكظري على وجة التحديد. ويتسبب التوتر الناتج عن نشاط المحور الوطائي النخامي الكظري (HPA) في رفع مستوى هرمونات القشرة الكظرية بما فيها الكورتيزول. وكما ذكرنا سابقًا تقوم هرمونات القشرة الكظرية بمنع امتزاج السيتوكينات المنشطة للالتهابات وهي بذلك تساعد جهاز المناعة في منع فرط الاستجابة المناعية أو رفع مستوى انفعاله والذي يمكن أن يسبب خلل في الخلايا والأنسجة مثل خلل في المناعة الذاتية للأمراض مثل مرض التصلب المتعدد أو مرض التهاب المفاصل الروماتيزمي.

إذا كانت إشارات هرمونات القشرة الكظرية معطلة فإن النتيجة قد تكون في منع كبح جهاز المناعة وفرط إنتاج السيتوكينات المنشطة للالتهابات. في الشكل ٣ يصف المسار أ تعطيل التوتر المزمن والاكتئاب لإرسال إشارات هرمونات القشرة الكظرية في الدماغ عن طريق تغيير وظيفة مستقبلات هرمونات القشرة الكظرية  (Raison Miller، ٢٠٠٣)، ويصف المسار ب في الشكل ٣ تقليل التوتر المزمن والاكتئاب لاستجابة الأنسجة المرادة للكورتيزول. مثال ذلك يرتبط التوتر المزمن بنقص حساسية الخلايا المناعية لمقاومة الالتهابات التي تؤثر في هرمونات القشرة الكظرية (e.g., Miller, Cohen, Ritchey،٢٠٠٣

Screenshot 2017-03-04 20.29.06

الشكل٣: يصف النمط النظري مدى تأثير العوامل النفسية والشيخوخة في قمع المناعة. وتدل الأسهم على مسارات تحفيزية وتدل الخطوط في الجهة اليسرى مسارات تثبيطية، وتدل الخطوط المنقطة على سبل إرسال الإشارات. ويساهم التوترالمزمن والاكتئاب والشيخوخة في هذا النمط في رفع السيتوكينات المنشطة للاكتئاب (الإنترلوكين-١ وعامل نخر الورم ألفا والإنتزلوكين-٦) بأربع طرق: أ/ عوامل نفسية قد تساهم في تعطيل وظائف هرمونات القشرة الكظرية (مثل الكورتيزول) في الدماغ عن طريق تقليل عدد مستقبلات هرمونات القشرة الكظرية في مناطق معينة في الدماغ أو تعطيل وظيفة المستقبلات مما يسبب في قمع المحور الوطائي النخامي الكظري (HPA). ب/ عوامل نفسية قد تساهم في تعطيل مستقبلات هرمونات القشرة الكظرية في في الخلايا المنتجة للسيتوكين وذلك بجعل حساسيتها قليلة في تأثير مقاومة الالتهاب في الكورتيزول. ج/ عوامل نفسية قد ينتج عنها ضعف في جهاز المناعة. د/ قد تقوم السيتوكينات المقاومة للالتهابات بتقليل عدد مستقبلات هرمونات القشرة الكظرية في الدماغ أو تقوم بتعطيل وظيفتها. وجميع هذه الطرق قد تقود إلى ارتفاع انتاج السيتوكينات المقاومة للالتهابات ومع مرور الزمن قد تؤدي إلى الأمراض المزمنة والفيزيولوجيا المرضية.

كما أن هناك سبيل آخر يمكن أن تساهم من خلاله العوامل النفسية في تعزيز إنتاج السيتوكينات المنشطة للالتهابات متضمنة على التوتر المتعلق بضعف المناعة (انظر للشكل ٣ المسار ج). ويعيق التوتر المزمن استجابة جهاز المناعة ضد العدوى مما يزيد خطر الإصابة بالأمراض المعدية والإصابة بالمرض لفترات طويلة وتأخر شفاء الجروح وزيادة خطر الجروح المعدية بعد الإصابة. وبالتالي يساهم ضعف المناعة في تكرار الإصابة بالعدوى أو الجروح المزمنة أو تأخر الشفاء منها، مما يعزز إفراز السيتوكينات المنشطة للالتهابات وهي عملية يمكن أن تعمل في كبح بعض جوانب الاستجابات المناعية. أخيرًا إن ارتفاع إنتاج السيتوكينات المنشطة للالتهابات قد يضعف إرسال إشارات الكورتيزول وتنظيم المحور الوطائي النخامي الكظري عن طريق تغيير وظائف مستقبلات هرمونات القشرة الكظرية  في الدماغ (انظر للشكل ٣ خانة د). وكنتيجة عن ارتفاع السيتوكينات المنشطة للالتهابات تضعف قدرة المحور الوطائي النخامي الكظري (HPA) لتنظيم العمليات الالتهابية وتعزيز انتاج السيتوكينات المنشطة للالتهابات.

 

النتائج الصحية:

 في الحالات الطبيعية فإن ارتفاع مستوى السيتوكينات المنشطة للالتهابات يكون حرجًا للقضاء على الخلل الناجم عن العدوى والإصابات. ولكن العدوى المزمنة يمكن أن ينتج عنها مقاومة لتحفيز المناعة واستجابات السيتوكينات المنشطة للالتهابات مما يؤدي إلى آثار مرضية (Hamerman, Berman, Albers, Brown, Silver, ١٩٩٩). على سبيل المثال فإن انخفاض مستوى مقاومة الالتهاب قد ينتج عنه عدوى مزمنة مثل أمراض اللثة وعدوى المسالك البولية وأمراض الرئة و الكلى المزمنة وجميعها تحفز جهاز المناعة باستمرار. كما تقوم الأمراض المزمنة بدورها  برفع السيتوكينات المنشطة للالتهابات بما فيها الإنترلوكين-٦ الذي يلعب دورًا قويًا في إلحاق الضرر بالصحة متضمنة على طيف أمراض سن الشيخوخة. تتضمن هذه الحالات الأمراض القلبية الوعائية وهشاشة العظام والتهاب المفاصل والنوع الثاني من مرض السكري وبعض أنواع مرض السرطان (منها  الورم النخاعي المتعدد اللمفوميا والتهاب الدرقية اللمفاوي المزمن) ومرض الزهايمر وأمراض اللثة (Ershler، Keller، ٢٠٠٠).

 لقد لاقت العلاقة بين الأمراض القلبية الوعائية وسيتوكين الإنترلوكين-٦ عناية كبيرة خلال العقد الماضي بسبب الدور الأساسي الذي يلعبه في تعزيز إنتاج البروتين المتفاعل-C الذي تم التعرف علية كأحد أهم عوامل الخطر التي تؤدي إلى احتشاء عضلة القلب (Papanicolaou et al., ١٩٩٨). كما أن ارتفاع مستويات الإنترلوكين-٦ والبروتين المتفاعل-C ترتبط بخطر الإصابة بالأمراض القلبية الوعائية واحتشاء عضلة القلب والوفاة وحتى على صعيد صحة البالغين الذين لا يعانون من أي أمراض (Taubes, ٢٠٠٢).

 قد يكون الارتفاع المزمن في السيتوكينات المنشطة للالتهابات عمومًا آلية بيولوجية أساسية تدعم انتكاس الوظائف البدنية مؤدية إلى الوهن والعجز والموت في نهاية الأمر. وقد أظهرت تحليلات الإحصائيات أنه حتى بعد السيطرة على عوامل الخطر مثل ارتفاع معدلات الكوليسترول وارتفاع ضغط الدم والسمنة  والانتاج المزمن لستوكين الإنترلوكين-٦ فهي تواصل كونها مؤشرات لانتكاس البدن بين الصغار (Ferrucci et al., ١٩٩٩).

ولهذه الأسباب فإن دور التوتر المزمن والاكتئاب في تعزيز انتاج الإنترلوكين يجب أن يكون له علامات سريرية. إن ارتفاع السيتوكينات المنشطة للالتهابات بسبب التوتر قد تكون مضرة لكبار السن تحديدًا. مثال ذلك في دراستنا عن التوتر المزمن الذي يسبب ارتفاعًا في سيتوكين الإنترلوكين-٦ فقد وصل متوسط مقدمي الرعاية  لمستويات الإنترلوكين-٦ الذي ضاعف خطر الوفاة في سن 75 سنة، كما أن معدل المتوسط  في الدراسة لم يحقق معدلات مشابهة حتى ٩٠ سنة (Kiecolt-Glaser et al., ٢٠٠٣).

 

 الخاتمة:

 في هذا البحث تم تحديد الآليات الأساسية التي يعزز من خلالها التوتر المزمن والاكتئاب من تطور الأمراض المزمنة وسرعة ضعف جهاز المناعة في رفع السيتوكينات المنشطة للالتهابات. كما يظهرهذا البحث التغيير في مجال المناعة العصبية النفسية بعيدًا عن التركيز على التوتر المزمن وضعف المناعة فقط, ودمج التوتر المزمن وقمع جهاز المناعة في نمط يؤكد على التوازن بين آليتيين مهمتين و مهيئتين هما: الاستجابات للالتهاب ومقاومة الالتهاب.

و الاكتئاب والتوتر المزمن ودورهم في تعطيل الاتصالات ثنائية الاتجاه بين الدماغ وجهاز المناعة الذي يقوم بتعطل كبح الاستجابة ضد الالتهاب وتمهد الطريق لزيادة انتاج السيتوكينات المنشطة للالتهابات من خلال عدة آليات مختلفة. وقد تزيد أعراض الاكتئاب من انتاج السيتوكينات المنشطة للالتهابات والعدوى والإصابات. بالإضافة إلى ذلك يساعد التوتر المزمن والاكتئاب الناجم عن زيادة العمر في زيادة إنتاج السيتوكينات المنشطة للالتهابات وذلك يجعل من الضغوطات النفسية مشكلة لدى كبار السن. وقد أكمل هذا البحث تعزيز العلاقة بين  التوتر المزمن والاكتئاب والسيتوكينات المنشطة للالتهابات. ويجب أن تؤكد البحوث في المستقبل أن السيتوكينات المنشطة للالتهابات وسيط أساسي بين العوامل النفسية والأمراض المزمنة. ويتطلب هذا دراسات مطولة ومتتابعة ليست عن التوتر المزمن و الاكتئاب والالتهابات، بل أيضًا عن تقييمات عن المؤشرات السريرية للأمراض المزمنة مثل تكلس الشريان التاجي في التصلب الشرياني. أخيرًا تداخل الدراسات مهم لتحديد ما إذا كان علاج التوتر المزمن والاكتئاب يمكن أن يعيد توازن جهاز المناعة ويؤثر في الصحة.

 

 


المصدر