ابن عربي – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: عبد العاطي طلبة

ابن عربي – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: عبد العاطي طلبة


حول ابن عربي ، نص مترجم للـد. وليام تشيتيك william chittick  والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة. نسخة PDF


 

 

ربما يُعَدُّ ابن عربي أعظم فيلسوف مسلم على الإطلاق، ولكنْ، شرط أنْ نفهمَ الفلسفة بمعناها الواسع والحديث، وليس على أنها مجرّد التزام فلسفيّ معيّن، كما نجدها ممثَّلَة عند فلاسفة مُبَرَّزين من أمثال ابن سينا، وملا صدرا كما عند كثيرين. ابن عربي رجل صوفي في تصنيف كثير من الدراسات الغربية والتقاليد الإسلامية، رغم أنّ ابن عربي نفسه لم يفعل ذلك، وإذا نظرنا إلى أعماله فإننا نجدها تغطِّي سلسلة طويلة من العلوم الإسلامية، لا سِيَّما تفسير القرآن الكريم، والحديث النبوي، والفقه وأصوله، والعقيدة، والفلسفة، والتصوُّف. ورغم تشابه الغزالي مع ابن عربي في كثرة التصنيف إلا أنَّ ابن عربي عادة ما يكتب في فروع بعينها لا يتعدّاها إلى غيرها، أمّا الغزالي فإنه كان يميل في كتُبه إلى التأليف بين العلوم والجمع بينها في نسق موضوعيّ واحد، والذي يتراوح طولُه بين ورقة واحدة أو ورقتين إلى عدَّة آلافِ صفحة. لاحقا، لقَّبه الوسط الصوفيّ بالشيخ الأكبر، وكان يُفْهَم هذا اللقبُ على أنَّه لا يمكن لأحد -حاضرا أو مستقبلا- أن يُحلِّل حقائقَ المصادرِ التراثيّة للإسلام بمثل هذا العمق والتَّفصيل.

بقيتْ كتاباتُ ابنِ عربي غيرَ معروفة عند الغرب حتى العصر الحديث، رغم أنَّها جابتْ العالم الإسلامي وأخذتْ في الانتشار خلالَ قرن واحد من وفاته. بدايةً، لم يُعِره المستشرقون الأوائلُ اهتمامًا، عدا واحد أو اثنين؛ ذلك لأنه لم يكن له تأثير ملموس في أوروبا. أضِفْ إلى ذلك أنَّ أعمالَه شديدةَ التعقيد جعلتْ من السَّهل جدا أنْ يُتَجَاوَز عن طريق القول أنّه كان صوفيا أو ممن يقول بوَحْدة الوجود وكفى، دون أدنى محاولة لقراءته وفهمه. بقي الأمرُ هكذا حتى جاءتْ كتبُ هنري كوربان Henry Corbin (1958) وتوشيهيكو إيزوتسو Toshihiko Izutsu (1966)، وبسببها تجاوزتْ شُهْرَتُه الآفاق، واعتُرِف به؛ أنّه مُفكِّر من طراز أصيل، وله مساهمة عظيمة في الفلسفة العالميَّة. وقد انحصر اهتمامُ هذين العالِمين انحصارا شبه كامل في نص واحد فقط من أعماله الصغيرة؛ أعني (فصوص الحِكَم). وكان اهتمامُهم لا يتعدَّى بعضَ التعليقات التقليديَّة عليه، ممّا لا يمثِّل إلا قَدْرا صغيرا جدا ممَّا كان يُعالِجُه في كتابه الضخم (الفتوحات المكّيّة). بدأ العلماءُ -مؤخّرا- النَّظرَ في هذا العمل الذي يملأ ما يقرب من 15000 صفحة في طبعته الحديثة، ولم يُترجَم منه إلا ما يقلُّ عن عشرة في المائة إلى اللغات الغربيَّة، وحتى هذا الجزء المُترجَم لم يُشرَح ولم يُفسَّر بشكل مُرْضٍ.

أشارَ عديدٌ من العُلَمَاءِ إلى أَوْجُهِ الشَّبهِ بين ابن عربي وبعضِ الشخصيَّات الأخرى مثل إكهرت Eckhart ونقولاس الكوزانيCusanus  (سيلس Sells 1994، شاه كاظمي Shah-Kazemi 2006، سميرنوف Smirnov 1993، دوبي Dobie 2009)، واقترح آخرون أنَّ ابن عربي يملكُ نزعةً توقُّعِيَّةً تقارُب اتِّجهاتٍ فيزيائيَّة (يوسفYousef   2007)، والفلسفة الحديثة كذلك (ألموندAlmond  2004، كواتيسCoates  2002، دوبيDobie  2007). وكانتْ أكثرُ المحاولاتِ جِدِّيَّة لمحاولة وضعه في النَّسَقِ الفلسفيِّ للتاريخِ الغربيِّ تطرحُ أنَّ فكرةَ البرزخ التي قال بها، تمثِّل حلًّا حيويَّا لمشكلة تعريف ما لا يُعَرَّف؛ تلك المُعْضِلة التي وَقَفَتْ حَجَر عَثْرة في طريقِ نظريَّة المعرفة منذُ أرسطو، وأدَّتْ إلى حالة من اليأس بين فلاسفة معاصرين أمثال روتيRorty  (بشير Bashier 2004). وقام آخرون بمقارنته ببعض المفكِّرين المشرقيِّين من أمثالِ شانكارا Shankara وجوانغ زي Zhuangzi ودوغين Dôgen (شاه كاظمي Shah-Kazemi 2006، إيزوتسو Izutsu 1966، إيزوتسوIzutsu  1977). ولم تكن أوجهُ التشابهِ مع الفكر المشرقيِّ مُهْمَلَةً عند علماء ما قبل العصر الحديث؛ فقد أسَّس مُسْلِمُو الصِّين -خلال القرن الثامن عشر والتاسع عشر- مدرسة صينيَّة (كتاب هان the Han Kitab) وكانتْ تستمدُّ أفكارَها من تراث ابن عربي ، كما أنَّها قدَّمَتْ رؤية إسلاميَّة للعالَم من وجهة نظر الفكر الكونفوشيوسي (مُرْتا Murata 2008). وقد قام عددٌ من العلماء والمريدين بدراسة تأثيرِه الفكريِّ على القضايا المعاصرة في مجلَّة مجتمع محيي الدين ابن عربي Journal of the Muhyiddin Ibn ‘Arabi Society، والتي نُشِرَتْ عام 1983. والآن، هذه خطوط عريضة لبعض الموضوعات التي عالجها ابن عربي .

  • حياته وأعماله

  • المنهج

  • الكلام الإلهيُّ

  • التَّأَلُّه

  • الأسماء والنِّسَب

  • الأنطولوجيا

  • وَحْدَةُ الوُجُود

  • طلاقَة الوُجُود

  • الخيال

  • البرزخ

  • الأشياء والحقائق

  • الأعيان الثَّابِتَة

  • حقيقةُ الحَقَائق

  • التَّعَيُّن

  • المَعاد

  • دائرَة الوُجُود

  • مراتِبُ الصُّعود

  • الأمران

  • الكمالُ الإنسانيُّ

  • مقامُ اللامقام

  • الإنسانُ الكامِلُ

  • الحضَرَاتُ الإلهيَّة

  • الببلوغرافيا

  • مصادر أساسيَّة

  • مصادر ثانويَّة


 

 

 

  • حياته وأعماله

كان ابن عربي يوقِّع أعمالَه باسمه الكامِل؛ أبي عبد الله محمد بن عليّ بن العربي الطائي، (تُشير الأسماء الثلاثة الأخيرة إلى شرفِ نَسَبِه العربيّ). وُلِد عام 1165 في مدينة مرسية لأسرة تعملُ في خِدْمة الدَّوْلة، وتلقّى تعليمًا مدرسيَّا عاديا ليس فيه ثمَّ اهتمام كبير بالعلوم الدينيَّة.

وفي سنِّ المراهقة وقع تحتَ تحوُّل كشَفيٍّ على يد يسوع؛ يسوع القرآنيّ لا شك، وقد قادَه هذا إلى فَتْحٍ روحيٍّ تُجاه المَمْلَكة الربانيّة. اصطحبه والده -حوالي عام 1180- لمقابلة صديقِه ابنِ رشد. وقد حكى ابن عربي ملخَّص هذا الحوار الذي حاول فيه أن يوضِّح للفيلسوف حُدُودَ الإداركِ العقليِّ. فَهِمَ كوربان Corbin هذا الحَدَثَ على أنَّه اختلافٌ رَمْزِيٍّ بين طريقَي الإسلام والغرب؛ فقد قامتْ الرُّشديّةُ اللاتينيَّة Latin Averroism ومفكِّرو الغرب باتِّباعِ مَسْلَك عقلانيٍّ خالَص، قادهم إلى صِراع بين اللاهوت والفلسفة، بين العلم والإيمان، بين الرمز والتاريخ (كوربانCorbin  1969، 13). وكان مثقَّفو المسلمين على الطَّرفِ النَّقِيضِ، حيث ُكانَ الميْل إلى تَجَاهُل ابن رشد، رغم أنَّ فلاسفة غيره ظَلُّوا يُقْرَؤون، وبقيتْ أعمالُهم تُحَقَّق، ويُعمَل على تطويرها، مثل ابن سينا والسُّهروردي وغيرهما. ولا يمكن لأحد أنْ يفوتَه أنَّ التحدِّيَ العقليَّ لابن عربي وكثير من فلاسفة المسلمين لم يكن إلا التوفيق بين العقل، والحدس الصوفيّ، والوحي.

دَرَسَ ابن عربي العلومَ الإسلاميَّة على يد عدد كبير جدا من أشياخ الأندلس وشمال إفريقيا. وسافر لأداء الحج في مكّة عام 1201 تارِكا المغربَ الإسلاميَّ الذي لم يَعُدْ إليه مرة أخرى. سافرَ مُدَّة طويلة إلى العراق والأناضول، واستقرّ به المقام أخيرا في دمشق عام 1223، حيثُ كان يربِّي مريديه، ويكتبُ بغزارة حتى توفِّي في نوفمبر عام 1240.

تعدّ الفتوحاتُ المكيَّةُ وفصوصُ الحِكَمِ أكثرَ كتبِه وأعمالِه شُهرة. وقد أصبحتْ فصوصُ الحكم النصَّ المُعتمَد لنَقْلِ أفكارِه، ووُضِع عليها ما يزيد على مائةِ شرح وتعليق على مدارِ ستَّةِ قرون تَلَتْ. وقد كانَ صدرُ الدِّين القونوي (1210-74) أكثرَ تلامذتِه الموهوبين تأثيرا وحضورا. بدأ القونويُّ عمليَّة ترتيب وتبويب لأفكارِ أستاذِه، كما قامَ بشرح آرائِه للوَسَطِ الفلسفيِّ المعاصر آنذاك، درجةَ أنْ قام بمراسلة نصير الدين الطوسي؛ واحد من أهم مجددي الفلسفة السينويَّة (القونوي-المراسلات).

 

  • المنهج

يرى القونوي أنّ المنهجَ الفكريَّ لابن عربي يختلفُ عن الفلسفة واللاهوتِ المدرسيِّ (علم الكلام)، وأطلقَ اسمَ (مَشْرَب التَّحْقِيق) على الاتِّجَاه المنهجيِّ الَّذي تَبَنَّاه ابن عربي . يمثِّل التحقيقُ حَجَرَ الزَّاوية في البِناء الفكريِّ الضَّخم لابن عربي؛ لذا فمن المهم جدا مقاربة معناه. تشتركُ مادَّةُ التَّحْقِيق مع كَلِمَتَي حقّ وحقيقة في الجذر اللغوي ذاتِه، وتعدُّ هذه الاشتقاقاتُ ذاتَ استعمال في العلوم. وكلمة الحقِّ من معانيها: الحقيقة، ما هو ثابت، أو ما هو خليق وجدير، واستخدامها المعاصر يُغاير هذه المعاني؛ لأنَّها تُستعمل في سياقِ الحَدِيثِ عن حُقوقِ الإنسان. إنَّ القرآن قد استخدم كلمةَ حق بمعنى يقابلُ مفهومَ البَاطل (الخطأ، العبث، غيرُ الثَّابت، ما ليس بجدير)؛ لذا لم تكن كلمةُ حقّ منحصرةً في اسم الله (الحقّ)، ولكن تعدَّدَتْ معانيها. وتستخدَمُ كذلك عند التعبير عن مَضَامِين الوَحي الإلهيِّ كالقُرآن والنُّصوصِ المقدسَّة الأُولى. والحقيقةُ ليستْ مصطلحا قرآنيا وإن استُخدِمَتْ في التُّراث الحَديثي، ولها حضور خَاصٌّ في الاستعمال الفلسفيّ. والتحقيق معناه قولُ الصدق، وإحقاقُ الحقِّ، وممارسة الحقيقة؛ الصواب، اليقين، الاستقامة، ما هو جدير.

ودَورُ التَّحقيق كما وجده ابن عربي يكمنُ في أنْ ينغمسَ الإنسانُ بكلِّه في الحديثِ القائلِ أنَّ لكل شيء حقا؛ فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه. وبتعبير آخر نقول: ما مِنْ موجود في هذا الكون، المجتمع، الروح إلا وله حقٌّ، ودورُ الإنسان ينحصِرُ في الاستجابة المُثلى لتلك الحقوق. ومعنى أنَّ لكلِّ شيء حقًّا: أنَّ مسؤوليَّة إحقاق الحقوق تقع على عَوَاتِق النَّاس؛ لذا عليهم مراقبة حضورها فيهم.

ولنَأْتِ إلى حديث آخر يُوَضِّح الحقَّ الرئيسَ الذي تَنْبَنِي عليه سائرُ الحقوق، كلمة (لا إله إلا اللّه) تعني أنْ لا حقَّ إلا الحقَّ وحده، وأنْ لا صادقَ إلا هو بانفراد، والتوحيدُ فَهْمُ لا إله إلا الله، أو هو الإقرار بوحدانيَّة اللهِ كما نجد في علم الكلام، ويُعَدُّ الأصلَ الأوَّلَ من أصولِ الإيمان الثَّلاثة، بل إنَّنا نجدُ مقالاتِ الفلاسفة تتدَثَّر بفكرة التَّوحيد، وإن كان حضورُها ضعيفا عند بعضهم. وحقُّ الله على الناس -كما يخبرنا هذا الحديث- هو الإقرارُ بوحدانيِّته، وإنْ تَحَقَّقَ العبادُ بهذه الوحدانيَّة؛ فإنَّ حقَّهم على الله أنْ يُحَقِّقَهم بالسَّعادة السَّرْمَدِيَّة، وقد آثَرَ الفلاسفةُ استخدامَ هذه اللفظة في ترجمة كلمة Eudaimonia، والتي تعني حرفيَّا: (Eu-الخير) – (daimonia-الروح).

أدركَ الفلاسفةُ المسلمون منذ العصور المبكِّرة أنَّ إدراكَّ الحَقِّ -الحقيقة، الصواب، الثابت- شيءٌ أساسيٌّ للتَّحَقُّقِ بالحِكمةِ وسعادةِ الرُّوح. كتب الكنديُّ في بدايةِ كتابِه الشَّهير (في الفلسفة الأولى) أنَّ غاية الفيلسوف هي امتلاكُ الحقِّ وإحقاقُه. ويستخدمُ العلماءُ كلمةَ “truth” في ترجمة “الحق” في هذا السياق وفي سياقاتِها الأُخرى المُشَابِهَة. وقد كانوا يرَوْنَ أنَّ القضيةَ هنا قضيَّةٌ منطقية وإبستمولوجيّة، في حين أنها -في الحقيقة- أونطولوجيَّةٌ ووجوديَّةٌ؛ فالغاية من مسألةِ التحقُّقِ بالحكمة لم تكنْ تعني عند الفلاسفة غير التحوُّلَ الرُّوحيَّ، ولا يمكن لهذا أن يتحقَّقَ ببساطةٍ عن طريق المنطق والحِجَاج. في الحقيقة، تُعَدُّ جملةُ الكنديّ تعريفًا مبكِّرا للتَّحقيق، وقد أصبح المصطلحُ مُشْتَهِرًا في النُّصوص الفلسفيَّة وإن لم تكنْ له الأهمّيّةُ ذاتُها كما نجد في أعمال ابن عربي . فالتَّحْقِيق عنده هو الأصل الهادي لكلِّ معرفةٍ وتَوَجُّهٍ، وهو الهَدَفُ الأسْمَى الذي يمكن للنَّفْس الإنسانيَّة أن تَتُوقَ إليه. وهو أن تعرفَ الصِّدقَ والحقَّ في الكون والرُّوح وكلِّ شَأْنٍ إنسانيٍّ على أساسٍ مُسْتَمَدٍّ من الحقِّ الأعلى، والحقُّ أنْ تعرف أعلاه درجةَ أن تَتَكَشَّفَ عينُه لكَ في أعيانِ حقائقِ كلِّ شيء، وأنْ تَسَلُك تُجاهه مَسْلكا لائقا في كلِّ وقت ومُناسبة. باختصار نقول: إنَّ أهلَ التحقيق هم الذين تحقَّقُوا كُلِّيَّا بمواهب الرُّوح الروحانيَّة والكونيَّة والإلهيَّة (تشيتيكChittick  2005، الفصل الخامس).

وقد تُفْهَمُ دلالاتُ التحقيق إذا ما قُورِنَ بالمقابلِ المفْهوميِّ له؛ أعني التَّقليد، والتقليدُ هو أن تُتَابَعَ سلطةٌ ما وأن يُقتَدَى بها. يمكن تقسيم العِلْمِ إلى قسمين: العلم النقليُّ والعلم العقليُّ، أو العلم الحصوليُّ والعلم الحضوريُّ. والنقليُّ هو كلُّ ما يمكن تعلُّمه إذا تابعنا الغيرَ فيه، مثل اللغة، والثقافة، والنُّصوص المقدَّسة، والتاريخ، والقانون، والعلم الطبيعيّ. أمَّا العقليُّ فهو ما يُمكن إدراكُه عن طريق العلمِ بالحقِّ داخلَ كلٍّ منَّا، مثل الرياضيات، والميتافيزيقا، وحتى تلك المعارف التي عُرِفت بالتقليد معرفةً أوَّليَّةً. ويُسَمَّى العلمُ العقليُّ عند مُلا صدرا بالعلم غير الآليِّ؛ لأنَّ الرُّوحَ لا تَكْتَسِبُ هذا العلمَ بشكلٍ أداتيٍّ، من خلال الإدراك الحسِّيِّ مثلا، أو الخيال، أو الحِجَاج العقليِّ، وإنَّما يَتِمُّ الكَسْبُ حالةَ انسجام الرُّوح مع العَقْل، والتي لا تكون شيئا غير بريقٍ من نورِ الحقِّ وقتَ امتلائها بالحقيقة. باختصار نقول: يتَّفق ابن عربي مع كثير من الفلاسفة الإسلاميين على أنَّ تقليد الآخرين لا يؤدِّي إلى امتلاك الحقيقة، بل لا بدَّ للإنسان أن يكتشفها عن طريق الإدراك، والإدراكُ يعني تحقيقَ المواهبِ الروحيَّةِ. يختلف ابن عربي عن كثيرٍ من الفلاسفة غيره في قوله أنَّ تحقيقَ الإدراك لا يكْتَمِلُ إلا عن طريقِ تحسُّسِ خطى النَّبيِّين.

 

2.1  الكلام الإلهيّ

يصعب علينا تقدير أهمِّيَّة النصِّ القرآنيِّ كمصدر إلهام لابن عربي (تشودكوفيتشChodkiewicz  1993).كان ابن عربي أكثر الفلاسفة واللاهوتيين بذلا للإلحاح والجهد في مقاربة الكلام الإلهيِّ، وفي محاولة أنْ يَفْنَى فيه وأنْ يُحتلَّ به، بل إننا نجد أنَّ نصوصَه تمتلِئ بالمفرداتِ والمصطلحات القرآنيَّة. يعترِي التشابهُ والغموضُ القرآنَ لأنَّه كلام إلهيٌّ، رغم وضوحه وجلائه من جهةِ التدوينِ والتِّلاوة. إنَّ الكلام الإلهيَّ لا يتجلَّى في النصِّ فحسب، ولكن في العالم والرُّوح أيضا. ولنا أنْ نُلاحظ التَّجانُسَ بين الكون والرُّوح والنَّصِّ بسهولة من خلال الرَّمْزِ القُرآنيِّ. إنَّ القرآنَ يتحدث في أكثر من آية عن تصرُّف الله الإبداعيِّ في صورة فعلِ الأمرِ (كُنْ)، ويشير إلى مخلوقاته الفرديّة على أنَّها كلماتُه. إنَّ هُويَّةَ الكلام والإبداع الإلهيِّ يُمكن ملاحظتها في الاستخدام القرآني المُتَتَابِع لمُصطلح (آية)؛ إشارةً إلى الظَّاهِرة الكونيَّة، والأحداث الداخليَّة للرُّوح، وإلى الجُمَلِ القرآنيَّةِ نفسِها. إنّ الله عندما يتكلَّم -وهو يتكلَّم؛ لأنَّ الحقَّ المُطْلَقَ لا بُدَّ أن يُظْهِرَ خصائصَه ونُعُوته- فإنّه في الحقيقةِ يُعْلِنُ عن كُتُب ثلاثة؛ كل كتابٍ يتألَّف من آيات، وكما يقول ابن عربي نفسُه: “فالوجود كلُّه حروف وكلمات وسور وآيات؛ فهو القرآن الكبير” (ابن عربي ، الفتوحات المكيَّة، طبعة 1911، 4:167.22).

يرى ابن عربي -في واحدة من أفضل تفسيراته لطبائع الأشياء- أنَّ الإبداعَ الإلهيَّ يماثل الكلام الإنسانيَّ؛ فكما نخلق الكلماتِ والجملَ من قِوامِ النَّفَس، كذلك يخلق اللهُ العالَمَ عن طريق التَّلَفُّظِ بالكلماتِ في نَفَسِ الرَّحمن، مِمَّا يعني انبساطَ الوُجود؛ والوجود في حقيقتِه مرادِفُ الرَّحْمة. ومن بين العديد من تصوُّرات ابن عربي الكونيَّة يأتي هذا التصوُّر المُعَقَّد الذي يرسم فيه المراتبَ الرئيسةَ لهذا الانبساط الوجوديِّ في شكلٍ يوافقُ فيه كلُّ حرفٍ من الأحرفِ العربيَّةِ الثمانية والعشرين شكلا من أشكال الوُجود المنطوق. (بوركهارتBurckhardt  1977، تشيتيكChittick  1998). وتأتي أهميّة القرآن المقروء المحوريَّة في حقيقة أنَّه يكشِفُ عن الأسماء والآيات الإلهيَّة بلُغة الإنسان، وبالتَّالي يمكننا حيازة المفتاح الذي به تُفْتَحُ مغاليقُ الكتابين الآخرين. إنَّنا حين نُفسِّرُ القرآن؛ فإنَّنَا نُفسِّرُ الكون وأنفسنا معه أيضا. يبدأ ابن عربي -عادة- أيَّ نقاش بآية أو آيتين، ثمَّ يتوسَّلُ استنباط كل معنى يتَّصِل بالآية مهما يكن السياق. ويصِرُّ ابن عربي على أنَّ التأويل لا بدّ أن يتماشى مع اللغة العربية كما يتحدَّث بها القومُ الذين نزل فيهم الكتابُ، ورغم ذلك، فإنَّه في أحايينَ كثيرةٍ يُقَدِّم لنا تفسيرات مُفاجِئَة وغاية في الابتكار. ولكن، عند إمعان النظر فيها نجد أنها لا تخالف قوانين اللغة، حتى وإنْ كانتْ تُعارضُ الذَّوْقَ العام. إنَّ قدرتَه على التمسُّك بالمصادرِ النقليَّة والإتيان بمعانٍ جديدةٍ -عند الوهلة الأولى قد تعتقِدُ أنَّها تعتمد على دليلٍ ذاتيٍّ- أقنعتْ التقاليدَ المتأخِّرةَ ببراعتِه الاستثنائيَّة. يخبرنا ابن عربي أنَّ مُؤَلِّف القرآن يريد كلَّ معنى ينجلي للقارئ، ويذكِّرُنا أيضا أنَّ مؤلِّفي البشر لا يملكون تلك النِّيَّة أو الإرادة، بل لو أنَّ أحدا أعادَ قِرَاءَةَ آيةٍ من القرآن ثمَّ فهم المعنى نفسَه الذي فهمه في المرَّةِ الأُولى، فإنَّ قراءتَه تكونُ زائفةً، ويكون قد أضاع حقَّ الكلم الإلهي؛ لأنَّ المعاني التي تتكشَّف في الكتب الثلاثة يستحيل عليها التَّكْرار.

وكلام الله سريع التبدُّد، مثل كلامنا نحن البشر؛ لذا فالأنفاسُ الإلهيَّةُ تُجَدِّدُه على الدَّوام. ومعنى هذا أنَّ كلَّ شيء خلا الله (الكون كلّه بتعريفِه المعهود) يتجدَّد خلْقُه في كلِّ آن، وكلَّ شيء خاضعٌ للصَّيرورة. تُعَدُّ فِكرَة أنْ لا تَكرار في التَّجَلِّي مبدأ أساسا في فكر ابن عربي ما دام يراها تحقيقا صريحا للتوحيد. وعن طريق الإقرار بوَحدة الحقِّ نستطيع أن نقارب الواحديَّة والتفرُّد في كلِّ فِعل؛ ممَّا يعني أنَّ كلَّ مخلوق، بل كلَّ لحظة من كلِّ شيء متفرِّدَة ذاتُ أصالة؛ فلا شيء يتكرَّر أبدا مثلما كان من قبل بسبب تمايُز الأشياء وطلاقَةِ الألوهة.

 

2.2 التَّأَلُّه

إنَّ الفكرة الرئيسة التي تسيطر على فكر ابن عربي كلّه هو تحديد إمكانات الإنسان؛ وضرورة التَّمييز بين الحقِّ والباطل -الصِّدق والكذب، الصَّواب والخطأ- وتوجيه قُرَّائه نحوَ الكمال عن طريق التَّحَقُّق بالحَقِّ على قدر الطَّاقة البشريَّة، بالتعبير الَّذي يُفَضِّله الفلاسفة. و يتطَلَّب هذا بدوره التَّحَقُّقَ بأسماء الله، وقد ناقش الغزاليُّ هذا الأمر من بين كثيرين، وأسماه ابنُ سينا باسم التَّأَلُّه؛ أنْ تكون على صورة الله. خلقَ اللهُ الإنسانَ على صورة اسمِ الله ذاته، المعروف بالاسم الجامِع؛ لأنَّ كلَّ الأسماء الإلهيَّة الأخرى تعودُ إليه. والإدراكُ يعني العمل على التحقُّق بمعرفة الكتب الثلاثة، وتزكيةِ النفس من خلال التَّنَاغُم مع الحقِّ. ويظهر هذا الوِئام في التغَيُّر الخُلُقِيِّ، وتَجَلِّي الفضيلة. لا يُعالج علمُ الأخلاق مسألةَ تهذيب السُّلوك الإنسانيِّ فحسب، ولكنَّه يهدف إلى فهم أصول الرُّوح في الأسماء الإلهيَّة، وبيان الطريق نحو التَّخَلُّق بها. يرى القرآنُ محمدًا أُنْموذجا كاملا لهذا الأمر؛ فيقول: “وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ” (68:4). وهذا التَّخَلُّقُ لا يصدُق إلا عن طريق التَّحَقُّقِ التَّامِّ بالكلام الإلهيِّ؛ ولهذا قالتْ عنه زوجُه عائشة: “كان خُلُقُه القرآنَ” كما يرى ابن عربي .

 

2.3 الأسماء والنِّسَب

يتحدَّث القرآنُ كثيرا عن أسماء الله، وذكر قَدْرا لا بأس به منها لا يوافق العدَدَ التقليديَّ؛ التسعة والتسعين. ويتراوح عددُ هذه الأسماء بين السبعين وضعفِها إذا ما تابعنا الشروط الموضوعة لِحَصْرِها. وتشَكِّل الأسماءُ التي تُعرَف -عادة- بالصفات نقاطًا مرجعيَّة لعلم الكلام. يُفَرِّق ابن عربي بين أسماءِ الأسماء التي تظهر في لغة الإنسان، وبين الأسماء في ذاتها، والتي هي حقائق الألوهة. كتب اللاهوتيُّون عددا كبيرا من الكتب في تعداد هذه الأسماء وبيان أهمِّيَّتِها الإلهيّة والكونية والرُّوحيَّة. وقد كرَّسَ ابن عربي بابا طويلا من الفتوحات لهذه الأسماء خصِّيصا، وقام بتصنيف كتاب مُسْتَقِلٍّ يُلَخِّصُ فيه أدوارَها في الصَّيْرُورة الإنسانيَّة (ابن عربي ، كتاب كشف المعنى).

والأسماء ضرورة في طَلَبِ التَّأَلُّه؛ فالحقُّ في ذاته معروف لذاته؛ وآياتُ الغَيْرِ مُدَوَّنَةٌ في كتبه الثَّلاثة، وهم يعرفون الذَّاتَ بقدر ما يكشف عن نفسه لهم. وبتعبير آخر: إنَّ صفحةَ الوجود رغم أنَّها هي وجهُ الله، “فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ” (القرآن 2:115)، فإنَّه حتى نتَعَرَّف على الوجوه التي يظهر عليها كُلِّيُّ الوجود فعلينا أن نعرفَ أسماءَها وأنْ نتحقَّق بحقائقِها.

واستُخدِمَتْ كلمةُ (ذات) للدلالة على الحقِّ، وتعني (صاحب)، وهي في أصلها اختصار لتعبير (ذات الأسماء)؛ لذا كان المصطلح المرادفُ هو  (المُسَمَّى). يشير القرآنُ إلى الذَّاتِ عن طريق الضمير (هو)، والَّذي لا يَلْفِت انتباهنا إلا إلى حقيقة أنَّ ثَمَّة شيئا هناك. وكلمة الذَّات يمكن ترجمتُها إلى اللغة الإنجليزية بكلمة (it)؛ لأنَّ الذَّات تعلو فوق التَّذكير والتَّأنيث، وقواعد العربية تُقَسِّم كلَّ الأسماء والضمائر إلى قسمين اثنين؛ مذكرة ومؤنَّثة. (ومن المؤكَّد أنَّ ابن عربي وآخرين -أثناء الحديث عن الذَّات- استخدموا الضمير (هي)؛ لأنَّ الذات مؤنَّثة، بل أحيانا يناقشون السبب وراءَ كونِ التأنيث أكثر رجحانا من التذكير. مُرْتاMurata  1992، 196-99). إنَّ كلَّ ما نعرفه من أسمائه أنَّه/أنَّها رحيم، عالم، حيّ، وغير ذلك، وتبقى الذاتُ غيرَ معروفة في ذاتها بعد ذلك. يَدُلُّ كلُّ اسم على صفة مُحَدَّدة تتجلَّى في الظهور في تلك اللحظة التي يتحدَّث فيها الحقُّ والخَلْق. ومن أجل ذلك يقول ابن عربي أنَّ الأسماء الإلهيَّة يمكن أن تُسَمَّى بالنِّسَب.

تأتي هذه الخصائص الفريدة للإنسان من قدرته على تسمية الأشياء، التي نتجتْ عن حقيقةِ أنَّه وَحْدَهُ المخلوق على صورة الاسم الجامع. ودليل ذلك قوله: “وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا” (القرآن 2:30). ولا ينطبق هذا الأمرُ على أسماء الجُزْئِيَّات فحسب -آيات الله في الكتب الثلاث- وإنَّما تدخل فيه الأسماء الكلِّيَّة أيضا، والتي يدعوها القرآن باسم (الأسماء الحسنى). يملك الإنسانُ موهبةَ معرفةِ الأسماء كلِّها على أيِّ حال، لكنَّه لا يستطيعُ معرفةَ الجوهر الذي تَتَضَمَّنُه هذه الأسماء. نعم، يمكن للواحد منا أنْ يعرفَ الشَّيءَ في ذاته فقط؛ أعني حقيقةَ وُجودِه، لكنَّنا لا نستطيع أنْ نعرفَ أيَّ شيء هو، أو أن ندرك ماهيَّتَه. وبقدر ما تتطابق الأسماءُ مع الذَّات، بقدر ما تَتَحَجَّب معانيها، وعِنْدَئِذ تُصبِحُ مَعْلَما من مَعالم التَّعَالِي والتَّزيه. وكلَّما كانتْ تشيرُ إلى صفة مثل الرحمة، والعلم، والحياة، والغفران، والانتقام، كلَّما أشارتْ إلى المحايثة والتشبيه. باختصار نقول: إنَّ رؤيةَ ابن عربي اللاهوتيَّة تجمعُ بين مُقَارَبَتَي نفي الصِّفات وإثباتها.

 

  1. الأنطولوجيا

الوجود، يُعَدُّ الوجود من أهم المصطلحات التي يُوَظِّفُها ابن عربي ، تلك الكلمة التي أَخَذَتْ مَكَانَة فلسفيَّة في الخطاب الفلسفيِّ مع ابن سينا. والوجود -قُرْآنيَّا وفي استخدام العرب- يعني الوِجْدان، العثور على الشيء، الوعي بالمتعة والجَذْب. وتُسْتخدم بمعنى العِلم بالموجود؛ لأنَّ ما يُوجَدُ هو الشيء الواقع هناك، وما يمكن اختباره. إنَّ فعل الوجود -الإدراك، المعرفة، الوعي- عند ابن عربي لم يغِبْ أبدا عن حقيقة كونه موجودا. وإنْ كان ابن عربي قد استخدم اللغة السينويَّة أثناء حديثه عن الوجود من جهة الإمكان والوجوب؛ فإنَّه في الوقتِ ذاتِه عالج الوجودَ بمفاهيمَ تأسَّستْ في الوَعْيِ الصُّوفي مثل تحقيق العِلم بامتلاء الله الحضوريِّ، ومعرفة الوعي الإنسانيِّ (دوبيDobie  2007).

من بين الأسماء الإلهيَّة القرآنيَّة اسم (النُّور)؛ فالله “نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” (24:35). واتِّصاف الله بالنورانيَّة يعني اتِّصافَه بالوجود، وكما يشرح القونويُّ: “اعلم أنَّ النُّور الحقيقيَّ يُدْرَكُ به ولا يُدْرَك”، تماما مثلما تَتَكَشَّفُ الأشياء بالموجود الحقِّ ولكن لا يظهرُ هو ولا يَتَبَدَّى. يتابعُ القونويُّ قائلا أنَّ النورَ الحقَّ “عينُ ذات الحقِّ من حيث تَجَرُّدِها عن النِّسَب والإِضافات” (القونوي، الفكوك، 225).  وبتعبير آخر: النورُ الحقُّ هو الوجودُ المطلق الذي يُعْلِن نفسَه في الوجود المُقَيَّد. هذا النُّور بالتَّحديد هو الَّذي يَتَأَتَّى به الإيجادُ والوعيُ والإدراكُ. فلا موجودَ بحقٍّ إلا الله، ولا مُوجِدَ بحقٍّ إلا هو، ولا مُوجَدَ بحقٍّ إلا هو، ويوضِّح ابن عربي هذه الفكرة قائلا: “واعلمْ -أيَّدكَ الله- أنَّ الأمرَ يُعطِي أنَّه لولا النور ما أُدْرِك شيئٌ، لا معلوم ولا محسوس ولا مُتَخَيَّل أصلا. وتختلف على النُّور الأسماءُ الموضوعةُ للقوى؛ فهي عند العامَّة أسماء للقوى، وعند العارفين أسماء للنور المُدْرَك به، فإذا أدركتَ المسموعاتِ سَمَّيْتَ ذلك النورَ سمعا، وإذا أدركتَ المُبْصَرَاتِ سميتَ ذلك النورَ بصرا، وإذا أدركتَ المَلموسات سمَّيتَ ذلك المُدْرَك لمْسا، وهكذا المُتَخَيَّلات؛ فهو القوَّة اللامِسَة ليس غيره، والشامَّة والذَّائِقَة والمُتَخَيِّلَة والحافِظَة والعَاقِلَة والمُفَكِّرَة والمُصَوِّرَة، وكلُّ ما يقع به إدراك فليس إلا النُّور. وأما المُدْرَكَات، فلولا أنها -في نفسها على استعداد به- تَقْبَل إدراكَ المدرِك لها ما أُدْرِكَتْ، فلها ظهور إلى المُدرِك، وحينئذٍ يتعلَّق بها الإدراك. والظهور نور؛ فلا بد أن يكون لكلِّ مُدرِك نسبة إلى النور بها يستعدُّ إلى أن يُدْرِك؛ فكلُّ معلوم له نِسْبَة إلى الحقِّ، والحقُّ هو النُّور؛ فلا معلوم إلا الله على الحقيقة”. (ابن عربي ، الفتوحات المكيَّة، طبعة 1911،3:276-77 ).

 

3.1 وحدة الوجود

عادة ما يَعُدُّ كثيرون ابن عربي مُؤسِّسَ عقيدة وَحْدَة الوُجود، أو واحديَّة الوجود، ولكن، هذا قَوْلٌ مُضَلِّل؛ فابن عربي لم يستخدم هذا التعبير مُطْلَقا، بل إنَّ المقاطع التي تمُتُّ إلى هذه العقيدة بصِلة ليستْ ذاتَ أهميَّة خاصَّة، وليس لها تلك المكانة عند من يَنْزِع إلى القول بوَحْدَةِ الوُجُود الضروريِّ في الفلسفة واللاهوت المُعَاصِرَين. والسبب وراء اختيار وحدة الوجود بالذات في محاولة تأطير ابن عربي فلسفيَّا ليس واضحا. قد يكون السببُ تركيزَه على التَّوحيد كمبدأ هادٍ له، وإعطاءَه الوجودَ مكانة خاصَّة في لغته. ومن تمام الوضوح عنده أنْ لا موجود بحق إلا الله، وما من شيء غيره إلا وهو زيف. ولكن، لا يُعَدُّ هذا القولُ إلا طريقة أخرى للتعبير عن ما قاله ابنُ سينا قبل ذلك؛ أنَّ كلَّ الأشياءِ ممكنةٌ أو مُحَتَمَلةُ الوجود؛ من أجلِ حِفظ الموجود الضروريِّ. باختصار نقول: إنَّ ابن عربي وحتى أتباعه -كالقونوي- قد ركَّزُوا على الوجود الحقِّ؛ الواحد المتفرِّد الذي يستمدُّ منه كلُّ وجودٍ وجودَه. وعندما استخدمَ بعضُ أتباعِه -في مناسبات- نادرة تعبيرَ وَحْدة الوُجُود لم يُعْطوه معنىً فَنِّيَّا. وأوَّل من نَسَبَ القول بوَحدة الوجود إلى ابن عربي هو الحنبليُّ المُتَكَلِّمُ ابنُ تَيَمِيَّة (توفي 1328)، والذي عَدَّ هذا القولَ أشنعَ من الكفر. ووَفقا له، تعني هذه العقيدة أنْ لا وجود لثمَّة تَغَايُر أو مُفَارَقَة بين الله والعالَم. وقد أثار هجومُه جدلا طويلا حول هذا المُصْطَلَح، ولم يحاول أحدٌ تعريفه إلا قليلا.

نُسِبتْ إلى هذه العقيدة سبعةُ معانٍ مختلفة في الأدبيَّات اللاحِقة، وحَذا المستشرقون حَذْوَها مُعْلِنين اختراع ابن عربي لهذه العقيدة، وبالتالي كانوا يفسِّرونها تفسيرا سلبيا على مثال ابن تيميّة، وكانَ الأقلُّ شيوعا أن تُفَسَّرَ بشكل إيجابيٍّ، (مثلما فعل عبد الرحمن الجامي (توفِّي 1492)؛ أوَّل المدافعين عن ابن عربي ، وأوَّلُ مُعْتَنِقِي هذا التعبير) (تشيتيك Chittick 1994).

 

3.2 طلاقة الوجود

وتسمية الموجود الحقِّ بالواحد يعني الحديث عن وَحْدَة الذَّات. وبلغة أخرى يمكن القول أنَّ الموجود -النُّور في ذاته- مُطَلَق؛ لا يُقَيِّدُه زمان أو مكان، لا يُعَرَّف ولا يَتَعَرَّف، واضح في خفائه، خفيٌّ في وضوحه. وكلُّ موجود سواه على نقيضِ ذلك، مُدْرَك ومُعَرَّف ومُقَيَّد. ورغم أنْ ليس للحقِّ كفوًا أحدٌ وأنَّه العَلِيُّ، إلا أنَّه يَتَجَلَّى في كل شيء؛ ومن أجل ذلك يُشَابِه ويُحَايِث. بل إنَّه يَحُوز تمام الطَّلاقة التي لا يُقَيِّدها ثمَّة إطلاق. يقول ابن عربي : “واعلم أنَّ الله تعالى لَمَا كان له مُطْلَقُ الوجود، ولم يكن له تقييدٌ مانِعٌ من تقييد، بل له التَّقييداتُ كلُّها؛ فهو مطلق التَّقييد، لا يحكم عليه تقييد دون تقييد، فافهم معنى نسبةِ الإطلاقِ إليه” (ابن عربي ، الفتوحات المكيَّة، طبعة 1911، 3:162.23).

 

3.3 الخيال:

يلعب الخيالُ -كما يُوَضِّح كوربانCorbin – دورًا كبيرًا في كتاباتِ ابنِ عربي . على سبيل المثال، يقول ابن عربي في فتوحاتِه مُتَحَدِّثا عنه: “وليس بعد العِلمِ بالأسماءِ الإلهيَّة ولا التَّجَلِّي وعُمُومِه أتمُّ من هذا الرُّكْن” (ابن عربي ، الفتوحات المكيَّة، طبعة 1911، 2:309.17). وكثيرا ما وجَّه ابن عربي سِهام نقده ضِدَّ الفلاسفة واللاهوتيِّين بسببِ  عَجْزِهِم عن إدراكِ الحَاجَةِ المعرفيَّةِ إليه. يرى ابن عربي أنَّ العقلَ كلمةٌ مأخوذَةٌ من العِقَال؛ لذا ليس له غير أنْ يُقَيِّدَ أو يُحَدِّدَ أو يُحَلِّلَ فقط. ولِلعقل أنْ يُدْرِك الفَرْقَ والتَّبايُن، وله أنْ يستوعِبَ تَعَالِيَ اللهِ ومخالفَتَه للحوادث. في مقابل العقل، نجد أنَّ الخيالَ الصَّحيحَ المُنْضَبِط يملكُ قدرةً على معرفةِ التَّجَلِّي الذَّاتيِّ لله في كتبه الثلاثة جميعِها. ولا يُمكِن بحالٍ تأويل اللغة الرمزيَّة والأسطوريَّة للكتاب المُقَدَّس -مثل التَّجَلِّي الذَّاتيِّ للرُّوح والكون، الدائم الاستمرار، غير المُتَكَرِّر أبدا- بِمَعْزِل عن العَقْلِ المُقَيَّد. إنَّ ما أسماه كوربانCorbin  بالخيال الإبداعيِّ (مصطلح لا نجد له مُكَافِئًا يساويه في لغة ابن عربي) لا بُدَّ له أنْ يَتَكَامَلَ مع الإدراكِ العقليِّ. إنَّ مُسْتَقَرَّ الوعيِ والمعرفة هو القلب في اللغة القرآنيَّة، والقلب كلمة لها نفسُ الحِسِّ اللُّغَوي للتقَلُّب وعدم الثَّبَات. والقلب -عند ابن عربي- له عينان؛ العقل والخيال، وتَغَلُّبُ أحدِهما على الآخر يُؤدِّي إلى انحِراف الوعي والإدراك. إنَّ المَسْلَكَ العقليَّ للفلاسفة واللاهوتيِّين في حاجةٍ إلى أنْ يخطُوَ تُجاهَ الكمالِ عن طريق حَدْسِ الصُّوفيَّةِ الرُّوحيِّ، أو الكَشفِ الذي يَسْمَحُ برُؤْيَةٍ خَيَالِيَّة غيرِ تَخْيِيليَّة. وعلى القلب، الواحِديِّ الوعي أنْ يتناغمَ مع تَقَلُّبِه الخاصِّ؛ فيدرك الله -في إحدى نَبَضَاتِه- مُفَارِقا لمخلوقاتِه بعينِ العَقْلِ، ثم يراه بعد ذلك مُشَابِها بعينِ الخَيَال. ولنا أنْ نُقارِبَ هاتين الرؤيتين عن طريق اسمي القرآنِ الرئيسَيْنِ؛ القرآن (الجَمْع)، والفرقان (الفَصْل). هذان المعنيَان يحدِّدان الملامِح الأنطولوجية والإبستمولوجيَّة؛ فالاسمُ الأوَّلُ يُلمِّح إلى توحيد الوجود الواحديِّ (المُتَصَوَّر بالخيال)، ويفصِل الثاني بين المعارِف والإدراكاتِ المُتَعَدِّدةِ (المُدْرَكَة بالعقل). والحقُّ في حقيقته -كما يوضِّح ابنُ عربي كثيرا- هو الواحِدُ الكثير؛ الواحدُ في ذاتِه، الكثيرُ في أسمائِه، وأسماؤه هي أصْلُ التعدُّدِ والتَّقييدِ والحَدِّ. يرى القلبُ بعين الخيال واجبَ الوجودِ حاضرًا في كلِّ شيء، ويَلْحَظُ بعين العقل عُلُوَّه وتَعَدُّدَ الوُجُوه التي يَظْهَر عليها.

“فمن وقفَ مع القُرآنِ من حيثُ هو قرآن، كان ذا عينٍ واحدةٍ أَحَدِيَّةِ الجَمْع، ومن وقفَ معه من حيث هو مجموع كان في حقِّه فرقانا؛ فشاهَدَ الظَّهرَ والبَطنَ، والحَدَّ والمَطْلَع، فقال لكل آية ظهر وبطن، وحدٌّ ومَطْلَعٌ، وذلك الآخر لا يقول بهذا، والذوق مختلف. ولمَّا ذُقْنَا هذا الأمر الآخر، كان التَّنَزُّل فرقانيا، فقلنا هذا حلال وهذا حرام وهذا مباح، وتَنَوَّعتْ المشاربُ، واختلفتْ المذاهبُ، وتميَّزَتْ المِراتِبُ، وظهرتْ الأسماءُ الإلهيَّةُ والآثارُ الكونيَّةُ، وكثرتِ الأسماءُ والآلهةُ في العالَم” (ابن عربي ، الفتوحات المكيَّة، طبعة 1911، 3:49.16).

عندما يتحدَّثُ ابن عربي عن الخيال على أنَّه إحدى عيني القلب، فإنَّه يستعملُ اللغة التي وضعها الفلاسفة أثناء حديثهم عن قوى الرُّوح. ورغم ذلك، نجدُ أنَّه كانَ أكثر عناية بالحالَة الوجوديَّة للخيال، والتي لم يُلْقِ لها الفلاسفةُ الأوائلُ بالا، إلَّا قليلا. وقد كان استخدامُه للخيال ينسجمُ مع معناه الحياتيِّ الذي يُداني الصُّورةَ أكثر من الخيال. وقد وُظِّف للإشارة إلى انعكاس الصور، والخيالات، والأمور المُفْزِعة، وكلِّ ما قد يتبدَّى في الأحلام والرُّؤى، و يُعَدُّ بهذا المعنى مُرَادِفا لمصطلح المِثَال الَّذي فَضَّله كثيرٌ من الكُتَّاب المُتَأَخِّرين. يُلِحُّ ابن عربي على أنَّ الصُّورةَ تَجمَعُ بين جانبين اثنين، وتعمل على توحيدهما في واحدٍ أَحَدٍ؛ لذا يتشابهان ويختلفان في الآن نفسِه. وانعكاس الصُّورة يعني المِرْآةَ والموضوعَ المُنْعَكِس معا، أو أنَّه لا يَعْنِي المرآة ولا الموضوع. والحُلم هو الرُّوح والمَرْئِيُّ معا وإلا ما هو الرُّوح وما هو المرئيُّ. والصُّوَرُ بطبيعتها هي/لا هي. وبعينِ العقل، لا تكونُ الفكرةُ إلا صحيحةً أو خاطِئةً، أمَّا عين الخيال، فإنَّها ترى المفاهيمَ صورا، وتقول بخطئها وصوابها في آن واحد، أو بانعدام الخطأ والصواب معا. ولا تظهر تطبيقاتُ هذه الأنطولوجيا إلا عندما ننظر إلى عوالم الخيالِ الثَّلاثة.

والصُّورَة/الخيال -بمعناه الواسع- يَصِفُ كُلَّ ما عدا الله؛ الكون كلَّه، باعتبار عرضيَّتِه وفنائه. وهذا ما أَسْمَاه ابن عربي بالخيالِ المُطْلَق. وإنَّ كلَّ كلمة مُطلقة منطوقَة في أنفاس الرحمن لا تنكَشِف إلا في شكلِ موجودٍ مُقَيَّد. وما من شيء إلا وهو وَجْه من وجوه الله؛ إعلان لأسماء إلهيَّة بعينها، وفي الوقت ذاتِه يكون حجابَ الله في حالة تَحَجُّب أسمائه الأخرى. ولا يعني وجودُ شيء إلا وجودَ الحقِ حقيقةً، وعدم وِجدانه يعني أنْ يكونَ أيَّ شيء غير الحقِّ. وكلُّ شيء -بتعبير ابن عربي المُوجَز- هو /لا هو، حق/لا حق، موجود/معدوم، متجلٍّ/محتجب. “فالغَيْرُ على الحقيقةِ ثابت لا ثابت، هو لا هو” (ابن عربي ، الفتوحات المكيَّة، طبعة 1911، 2:501.4). والخيال -بمعناه الضَّيِّق- يدلُّ على ما أسماه كوربانCorbin  بعالَم الخيال. والإسلام -مثل معظم التقاليد- يَتَصَوَّر الكون على تَسَلْسُل هيْكَلِيٌّ للعوالِم؛ عالمين أو ثلاثة عادة، والقرآنُ يُقابِلُ بين عالَمي الغيْب والشَّهادة، ويُسَمَّى الأوَّلُ عالَم الأرواح، والثاني عالمَ الأجسام، أو العالَم المعقولَ والمَحْسُوسَ بلُغةِ الفلاسفة. والقرآنُ يتحدَّث عن “السماء والأرض وما بينهما”، وقد أبرزَ ابن عربي الآثارَ الكاملة لعالَمِ ما بينهما في إحدى مُسَاهَمَاتِه؛ فالعالَم يُعَدُّ من جانبٍ غَيْبِيَّا ورُوحِيَّا ومَعْقُولا، ومن جانبٍ آخرَ هو مشهود وعيْنيٌّ ومَحْسُوس. هذا هو عالَم الخيال بالضَّبْط؛ حيثُ تَتَجَسَّدُ الموجوداتُ الرُّوحيَّة، مثلما تَجَلَّى جبريلُ لمريمَ العذراء في صورة إنسان، وحيثُ يمكن للعَيْنيَّاتِ أن تصير أرواحا، مثلما نختبِرُ اللذائذَ والآلامَ الجِسْمِيَّة في عالَمِ ما بعد الموت. وعالمُ الخَيال حقٌّ. والعالَم البرَّانيُّ لكتاب الكونِ أكثر واقعيَّة من عالم المشهوداتِ والمحسوساتِ والأجسام، ولكنه أقلُّ واقعيَّة من العالَم الغيبي والمَعْقُول والرُّوحانيِّ. وتحقيق وجودِه هو ما يمكنه وحْدَه أنْ يُفَسِّرَ التَّجَلِّيَ الملائكيَّ والشَّيْطَانيَّ، والبعثَ الجِسمانيَّ، واختبار الرُّؤى، وكلَّ الظَّواهر الأخرى غير الحسِّيَّة، فالفلاسفة -عادة- لا يعملون إلا على تفسير الحِسِّيَّة منها فحسب. وقد كان تقديم ابن عربي لعالَم ما بينهما بمثابَة عامل من بين عواملَ كثيرة أنقذتْ الفلسفة الإسلاميَّة من الوقوع في فخِّ ثنائيَّة العقل/الجسد أو التصوُّرِ الثَّنويِّ للعالَم.

ينتمي العالَمُ الثالثُ للخيال إلى كتاب الإنسانِ المُصَغَّر الذي يتآلَفُ مع النفس، وهو محَلُّ التقاء الرُّوح والجِسم. إنَّ الخِبرَة الإنسانيَّة دائما ما تكون خياليَّة أو نفسانيَّة، وبذلك يمكن القول أنَّها روحيَّة وجسديَّة في الوقت نفسِه. والصَّيْرُورَةُ الإنسانيَّةُ لا تنفكُّ عن التَّذَبْذُبِ بين الروح والجسم، والنُّور والدُّهْمَة، والصَّحْو والمَحْو، والمعرفة والجَهل، والفضيلَة والرَّذيلَة. ولأنَّ الرُّوح تقطن عالَم ما بينهما؛ فإنّها تملك قُدرَةَ المُجاهَدَةِ من أجل التَّحَوُّل والمعرفة. والحقُّ الخياليُّ وحده هو الذي يطيق أن يتعالَى تُجاه نورانيَّة الرُّوح أو أنْ يَتَسَفَّلَ نحو ظُلَمَةِ المادَّة.

 

3.4 البرزخ

يستخدم ابن عربي مصطلح البرزخ (الحاجز، الحد) -غالبا- في خِضَمِّ مُناقَشَتِه الدَّورَ الوُجوديَّ للصُّورة/الخيال، والبرزخ في القرآن يعني المانِعَ الذي يمنع البحرين؛ العَذْب والمالِح أنْ يبغيَ أحدُهما على الآخر (25:53، 55:20)، وهو الحاجِزُ الذي يحجز الأرواحَ المتوفَّاة عن الرُّجوع إلى العالَم. بشكل عام نجد أنَّ اللاهوتيِّين فهموا البرزخَ على أنَّه مُسْتقرُّ الرُّوح ما بين الموت إلى البعث. يُوَظِّفُ ابن عربي هذا المفهوم للدَّلالة على أيِّ شيء يجمع ويُفَرِّق بين شيئن في الوقتِ نفسِه دون أنْ يكون ذا وجهين في ذاتِه، كالخطِّ الحاجِز بين الظِلِّ ونورِ الشَّمس. ويرادِف البرزخُ الأعلى -في استخدام ابن عربي- الخيالَ المُطْلَقَ. بتعبير آخر، هو الكون؛ عالَم المُمْكِنات التي ليستْ ضروريَّة في ذاتها أو مُسْتَحِيلة، وليستْ مُطْلَقَة أو غير مُطلَقَة. ولعلَّه يكونُ نَفَسَ الرَّحمن الذي ليس بموجود مطلق ولا  كلمات منطوقَة. “فالحقُّ هو النُّورُ المَحْضُ، والمُحال هو الظُّلْمَة المَحضَة؛ فالظُّلْمَة لا تنقلِبُ نورا، والنُّور لا ينقلِب ظُلْمَة أبَدا. والخَلْق بين النُّور والظُّلمَة برزخ لا يَتَّصِف بالظُّلْمَة لذاته ولا بالنُّور لذاتِه، وهو البرزخ والوسط الذي له من طَرَفَيْه حكم. ولهذا جعل للإنسان عينين وهداه النجدين (القرآن، 90:8-10)؛ لكونه بين طريقين، فبالعين الواحِدَة من الطَّرِيق الواحِدَة يقبل النُّور وينظر إليه بقَدْر استعداده، وبالعين الأخرى من الطريق الأُخرى ينظر إلى الظُّلْمة ويُقبل عليها، وهو في نفسه لا نور ولا ظُلمَة” (ابن عربي ، الفتوحات، طبعة 1911، 3:274.28).

 

  1. الأشياء والحقائق

تأتي الأسماءُ الإلهيَّةُ للدَّلالَةِ على الصِّفاتِ الكُلِّيَّةَ التي تحوي الوجود، مثل الحياة والعلم والإرادة والقدرة والكلام والجُود والقِسْط (وغالبا ما يسميها باسم “الأئمة السبعة” تمييزا لها عن الأسماء الأُخرى). وتوجد هذه الصفات في كلِّ شيء؛ لأنها مُتَعَلِّقَةٌ بالجوهر الحقيقي للحقِّ، وتحمل تجلِّيَها الذَّاتيَّ في نفسها. ورغم ذلك تبقى متحجِّبَة بشكل كبير؛ لأنَّه ما مِنْ شيء إلَّا وله استعداده أو قابليَّته، ولأنه لا شيء يرى الحقَّ في حَدِّ ذاته، ورغمَ أنَّ كلَّ شيء وجه، وكلَّ شيء حجاب هو/لا هو أيضا.

“وقوله: وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا؛ أي ممنوعا، يقول أنَّ الله يُعْطِي على الدَّوام، والمَحَالُّ تقبل على قَدْرِ حقائقِ استعداداتِها، كما تقول أنَّ الشمسَ تنبسِطُ أنوارُها على الموجودات وما تَبْخَل بنورِها على أحد، وتقبل المَحَالُّ ذلك النُّور على قَدْرِ استعدادها” (ابن عربي ، الفتوحات، طبعة 1911، 1:287.10).

ما الذي يحدد قَدْرَ الاستعداد إذن؟ هذا السُّؤال يعودُ بنا إلى بَحْثِ حقيقةِ الشَّيء وماهيَّتِه الَّتي لا يمكن تحديدها بتعاريفنا، ولكن بعلم الله وحده الذي يعلم الشَّيء دائما وأبدا، سواء كان موجودا في الكون أم لا. يُسَمِّي ابن عربي الحقائقَ -غالبا- باسم الأشياء؛ جمع شيء، أو الأعيان؛ جمع عَيْن. وهذه الأشياء/الأعيان لا وجود لها في ذاتِها على الحقيقة؛ لأنَّ الوجودَ الحقَّ لا يكون إلا للحقِّ؛ لذا فهذه الأشياء هي المَعْدُومَات. وبِلُغَة الفلسفة، الشيء هو المُمْكِن، الذي يمكن أن يوجد أو لا، أمَّا الحق فهو على خِلافه؛ لأنه واجب الوجود، ولا يمكن عَدَمُه.

ما هي الأشياء على الحقيقة؟ إنها لوازمُ واجبِ الوُجود، أو هي إمكانات تجَلِّي الكامِن في الاحتمال المُطلَق، أو هي القيودُ دائمةُ الاستمرار للمُطلق. ومعنى أنَّ شيئا أصبح موجودا في الكون؛ أنَّ الموجود الحقَّ قد تكشَّف فيه على وَجْه خاصٍّ، وأنَّه وَجْه من وجوه الله، وأنَّه كلمة منطوقة في أنفاسِ الرَّحمن، لونٌ خرج إلى الوجود بتألُّق النُّور.

“فلا وجود حقيقي لا يقبل التبديلَ إلا الله؛ فما في الوجود المُحَقَّق إلا الله، وأما ما سواه فهو الوجودُ الخياليُّ…. فكلُّ ما سوى ذات الحق فهو في مقام الاستحالة السَّريعة والبطيئة، فكلُّ ما سوى ذات الحق خَيَال حَائِل وظِلٌّ زَائِل؛ فلا يبقى كونٌ في الدُّنيا والآخرةِ وما بينهما، ولا روح ولا نفس، ولا شيء ممَّا سوى الله -أعني ذات الحق- على حالة واحدة، بل تَتَبَدَّل من صورة إلى صورة دائما أبدا، وليس الخيالُ إلا هذا؛ فهذا هو عينُ معقوليَّةِ الخيال…. فهو هو، وما هو هو”. (ابن عربي ، الفتوحات، طبعة 1911، 2:313.12)

جادل الفلاسفة كثيرا في موضوع عِلم الله بالجزئيات، وقد كرَّر القرآن مرارا أنَّ الله يعلم كلَّ شيء، “وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ”، يقول: “إِلَّا يَعْلَمُهَا” (6:59). يعتقد ابن عربي أنَّ عِلْمَ الله بالجزئيَّاتِ والكليَّات يتعلَّقُ بالذَّات ولا يتَغَيّر أبدا؛ فالله يعلمُ الورقةَ التي تسقط دائما وأبدا، وعندما يحين وقتُ سقوطها يقول لها: اسقطي! وهكذا كلُّ الأشياء: “إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ” (القرآن 36:82). والأشياء المعروفة معدومة في حدِّ ذاتها (مثل الأفكار التي لا وجود لها خارج العقل)، وتبقي كذلك حتى يُصْدِر اللهُ الأمرَ التكوينيَّ (كن)، عندها لا بُدَّ للشيء أن يكون. يُسَمِّي ابن عربي شَيْئيَّةَ الأشياءِ في عِلْمِ الله باسم شيئيَّاتِ الثُّبُوت؛ لأنَّ الأشياء لا تتغيَّر في ذاتها. وعلى الرغم من ظهورها إلا أنَّ الأمر التكوينيَّ لا يُزيل عنها حُكْمَ الثُّبوت؛ لأنَّ الحقَّ وحده هو الظَّاهرُ الحقُّ، وعلى الرغم من كونها مُقيَّدة ومعرَّفة بشيئيَّة الأشياء. والضَّوْء هو المثال المُشتهر هنا، فعندما يلقي الضوءُ شعاعَه على قطعة من الزجاج المُلَوَّن، يبدو ملوَّنا، ولا يظلُّ ظاهرا حقَّا إلا الضَّوْء.

 

4.1 الأعيان الثابتة

من أكثر الأفكار التي يناقشها ابن عربي شهرة هي أنَّ الأشياء التي يعلمها الله تسميَّ بالأعيان الثابتة. وقد آثر المترجمون الأوائل استخدام تعبيرات مثل الراسخة، الدائمة “المثال الخالِص” أو “الجوهر”، دون أن يلاحظوا عدم وجود فرق ماهويّ بين الأعيان الثابتة والأعيان الموجودة. إنَّ الأعيان الثابتة هي الأشياء التي يعلمها الله رغم كونها معدومة في حد ذاتها؛ فالأعيانُ الموجودةُ هي الأشياءُ ذاتها في وجود خياليٍّ أو  مُقَيَّد بعينِه طبقا للأمر التكويني. وليستْ الأعيانُ الثابتةُ أمثلةَ الأعيانِ الموجودةِ ولكنَّها عينُها، وليستْ هي الجواهر إذا ما عَنَيْنَا بهذا أيَّ شيء آخر غير ماهيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ للأعيان. استطاع ابن عربي -من خلال القول بثبات الأعيان في العِلْمِ الإلهيِّ- أنْ يقولَ أنَّ الخلافَ القائِمَ بين علماءِ الكلامِ والفلاسفة تعود أصولُه إلى كيفية فهمِهم للأعيان. مثلا، الذي يقول بِقِدَمِ العَالَمِ قد فهم أنَّ الحق لا يتَّصِف “بأنه لم يكن يراه -يعني العالم- ثم رآه”، أما من يقول أنَّ العالم مُتَّصِفٌ بالحُدُوث فإنَّه “نظر إلى وجود العالم في عينه لنفسه”؛ والذي لا يكون إلا معدوما، وعندئذ يدرك ضرورة أن يخرج العالم حيثُ الوجود. (ابن عربي ، الفتوحات، طبعة 1911، 2:666.35)

يفرِّق أتباعُ ابن عربي -أحيانا- بين الأسماء الإلهية والأعيانِ عن طريق تَسْمِيَةِ الأسْمَاءِ الأُولَى بالأسماء الكلِّيَّة واللاحقةِ بالأَسماءِ الجُزئيَّة. يَضَعُ ابن عربي في الحسبانِ القاعدةَ الكلاميَّة التي تقولُ أنَّ الأسماءَ الإلهيةَ توقيفيةٌ؛ مما يعني أنَّه لا ينبغي أنْ نُسَمِّيَ اللهَ إلا بما سَمَّى به نفسَه في النُّصوص الإلهيَّة. ومع ذلك يُقَرِّرُ ابن عربي أنَّ كلَّ شيء مُفْرَد هو اسم إلهي؛ فكلُّ اسم يُشير إلى الطلاقة وراءَ كل مقيَّد مُعيَّن. وبهذا المعنى يكون كلُّ شيء وعَيْن وجها خاصًّا لله يميِّزه عن أغياره. وبعد أن اقتبس ابن عربي الحديثَ القائل أنَّ لله تسعة وتسعين اسما، بيَّنَ أنَّ هذه الأسماء تُعَدُّ أمَّهاتِ الأسماءِ، التي يتولَّد عنها كلُّ اسم آخر، ثمَّ يتابع قائلا:

“ثم إنه لكل عين من أعيان الممكنات اسم إلهي خاص ينظر إليه هو يعطيه وجهه الخاص الذي يمتاز به عن غيره والممكنات غير متناهية فالأسماء غير متناهية لأنها تحدث النسب بحدوث الممكن” (ابن عربي ، الفتوحات، طبعة 1911، 4:288.1).

 

4.2 حقيقة الحقائق

الشَّيءُ -عند ابن عربي- من أَنْكَرِ المُنْكَرَاتِ؛ فكلمة شيء تَعْنِي أيَّ شيء سواء كان موجودًا أو معدومًا، حقًّا أو ليس بِحَقٍّ. أضِفْ إلى هذا، أنَّه يقول بتجنُّبِ استخدامِها أثناء الحديثِ عن الله؛ لأنَّ اللهَ لم يستعملْها مُسَمِّيًا بها نفسَه. وابن عربي يُطلِق على الله اسمَ العَيْن، رغم أنَّه -عادة- في بعض سياقاته يذكِّرنا بما أسمتْه التقاليدُ المُتَأَخِّرةُ باسمِ عقيدةِ وَحْدَةِ الوُجُود، لا سيّما عند استخدامِه تعبيرَ “العين الواحدة”. على سبيل المثال:

“فأظهرَ الكلَّ بالكُلِّ وضربَ الكلَّ في الكل؛ فظهرْنا به له ولنا، فنحن به من وجه وما هو بنا؛ لأنه الظاهر ونحن على أصلنا، وإن كنا أُعْطِينا باستعدادنا في أعياننا أمورا لها سَمِيّ بما يظنه المحجوب أسماء لنا من عرش وكرسي وعقل ونفس وطبيعة وفلك وجسم وأرض وسماء وماء وهواء ونار وجماد ونبات وحيوان وإنسان وجانّ، كل ذلك لعين واحدة ليس إلا” (ابن عربي ، الفتوحات، طبعة 1911).

في الحقيقة، أشار ابن عربي إلى الله مستخدما كلمةَ شيء في فِقرة واحدة، وفي عَمَلٍ من أعمالِه المُبَكِّرة، وقَدْ جذبَ هذا الأمرُ انتباهَ كثير من المُحقِّقين؛ فهو يذكر هناك “الشَّيءَ الثَّالِث”، ويبدو أنَّ تلك الفكرةَ تُلْقِي الضَّوْءَ على مقارَبَتِه كلِّها. (تاكيشيتا Takeshita 1982، بشيرBashier  2004). يظهرُ في البداية أنَّه يَتَكلَّم باللغة السِّينويَّة التقليديَّة فيما يتعلَّق بالضَّرورة والاحتمال، ولكنه بعد ذلك يستحضر مفهومَ البرزخ لشرحِ كيف يُمكن أنْ يجتمعا معا. يرى ابن عربي أنَّ الأشياء على ثلاثِ مراتب. يتَّصِف النوع الأول بالوجود بذاته، وهذا هو الموجود الضروريّ؛ الله، ولا يكون إلا مطلَق الوجود، وعنه يفيضُ إلى الوجود كلُّ شيء. أما النَّوع الثَّاني فهو الموجودُ بالله؛ وهو الوجود المُقَيَّد المُعَبَّر عنه بالعالَم؛ كلُّ ما سوى الله. يكتبُ ابن عربي عن الشَّيء الثَّالث قائلا أنَّه:

“لا يتَّصِف بالوجود ولا بالعدم، ولا بالحدوث ولا بالقدم…. وعن هذا الشَّيء الثَّالث ظهرَ العالَم؛ فهذا الشيءُ هو حقيقةُ حقائقِ العالَمِ الكلِّيَّة المعقولة في الذِّهن…. فإنْ قلتَ هذا الشَّيء هو العالَم صدقتَ، وإنْ قلتَ إنه الحقُّ القديم سبحانه صدقتَ، وإنْ قلتَ إنه ليس العالَمَ ولا الحقَّ تعالى وإنَّه معنى زائد صدقتَ” (ابن عربي ، إنشاء الدوائر، 16-17).

وإذا قرأنا المقطع الذي أوردناه كاملا وأَنْعَمْنَا النظرَ في الوَصفِ المُفَصَّل للشَّيء الثَّالث، نجد أنَّ ابن عربي يناقشُ الخيالَ المطلقَ على أنَّه البرزخ الأعلى. ورغم ذلك، نرى أنَّ الشَّيء الثَّالِث لم يتأسَّسْ كمصطلح فنيّ، على غِرارِ المترادفة التي يذكرها في نفسِ المقطع؛ أعني حقيقة الحقائق، والتي تُسَمَّى أيضا الحقيقةَ الكُلِّيَّة والحقيقة المُحَمَّدِيَّة. والحقيقةُ -كما ذكرنا قبل ذلك- تستخدمُ بمعنى العينِ والجوهرِ والشَّيءِ والمُمْكِنِ، رغم شيوع استخدامها على نطاق أوسع من ذلك. و الأسماء الإلهية القرآنية -من أجل ذلك- تُسَمَّى بالحقائق، لا الأعيان أو الأشياء.

“ذلك أنَّه ما مِن موجود سوى الله مِن المُمْكِنات إلا وهو مُرْتَبِط بنِسْبَة إلهيَّة وحقيقة ربَّانيَّة تُسَمَّى أسماء حُسْنَى؛ فكلُّ مُمْكِن في قَبْضَةِ حقيقة إلهيَّة” (ابن عربي ، الفتوحات، طبعة ،1911، 2:115.27).

وإذا ما ذُكِرتِ الحقائقُ الكليَّةُ عند الحديثِ عن الشَّيء الثَّالث؛ فإنَّ ابن عربي يعني بها الأسماءَ والصِّفاتِ الإلهيةَ، والتي تجلَّتْ في الحقائق الجُزئيَّة أو الأعيان. وإنَّنا نجد في نَسَقِهِ نُسْخَة من شَجَرة فرفوريوس، رغم عدم استخدامه هذا التعبير أبدا. كلُّ فَرْد (ورقة) عضْو في نَوْع (غُصن) ينتمي بدوْرِه إلى جِنْس (فَرْع)، وهكذا، حتى تنتهي جميعُها في نهايةِ الأمر مندرجةً تحت جِنْسِ الأجناس؛ حقيقةِ الحقائق. هذه الحقيقة ليستْ واجبَ الوجود وليستِ العالَمَ أيضا. وهي العلمُ الإلهيُّ للأشياء بالنِّسْبة إلى الله، وعندئذ تكون قديمة، أما بالنِّسْبة إلى العالَم؛ فهي الكُلُّ دائمُ التغيُّرِ للخلْقِ الذي يزول. واستنادا إلى مصطلح يستخدمه في مكانٍ آخر، أطلقَ أتباعُه على هذه الحقيقة بالنسبة إلى الله اسمَ “الفَيْض الأقْدَس”، ويُعَرِّفُونَه على أنّه التَّجَلِّي الذاتيّ لله، لذاتِه في ذاتِه، أو هو العلم الذَّاتيُّ الذي يَعْرِفُ من خلاله لوازمَ أزليَّتِه. ويقابلونه بمُصْطَلَحِ”الفَيْض المُقَدَّس”؛ الفِعْل الخلَّاق الذي به تتجلَّى كلُّ الحقائق.

 

4.3 التَّعَيُّن

كانَ القونويُّ سببًا في الذُّيوع الكبير للمُصْطَلَح الفنِّيِّ؛ “التَّعَيُّن”، والذي يَلعب دورًا رئيسًا في الجَدَلِ الدائرِ حولَ حقيقةِ الحقائق بين أتباع ابن عربي . اشتُقَّتِ الكلمةُ من “عَيْن” التي تعني أنْ تصير عينا. ولأنَّ العينَ شيءٌ؛ فلنا ترجمة الكلمة إلى reification التجسُّد، ليس بالمعنى الذي يمكن أن يتبادرَ إلى الذِّهن البشريِّ، لكنْ بمعنى الدَّلالة على الطريقةِ التي يسلكها المُطْلَقُ في أن يصيرَ قَيْدَ الحدِّ والتقدير والتَّعريف والتَّشَيُّء، في عمليةِ إعلانِ ذاته ككلِّ شيء سوى الله. وهكذا، فإنَّ كلَّ شيء تعيُّن وتحديد وتقدير للحقِّ المُطلَق، الذي يُسمَّى باللاتَعَيُّن. وحقيقةُ الحقائق هي التعيُّنَ الأول، وكلُّ تعيُّن آخر يَخْطُو خُطَاه.

ولسعاد الحكيم عمل مُسهَب (المعجم الصُّوفي، الحكمة في حدود الكلمة )، ورغم كونه بعيدا عن أن يكونَ دراسةً كاملة للمُصطلحات الفنِّيَّة عند ابن عربي ، إلا أنَّها قامَتْ بتَعْدَاد أربعين مترادِفَة لحقيقة الحقائق تحتَ عنوان الإنسان الكامل. يمكن فهمُ حقيقة الحقائق في السِّياق الغربيِّ على نحو أتمٍّ إذا ما استخدمنا كلمة “اللوجوس” الذي به جاء كلُّ شيء إلى الوُجود. تحتلُّ هذه الفكرةُ مكانا مركزيًّا في رؤية ابن عربي للعالَم، وهي المفهوم الجامع لأبعادِ رؤيَتِه تلك المُتَبايِنَة. لم تذكر سعاد الحكيم الشَّيءَ الثَّالِثَ ضِمن هذه المترادفات، ولكنَّ الاستمرار في قراءة المقْطَع الذي أوردناه قبل ذلك عن الشَّيءِ الثَّالثِ يُوضِّحُ لنا أنَّ حقيقةَ الحقائِق هي -بالتَّأكيد- حقيقةُ الإنسان الكامل، أو عينُه الثَّابتة.

“والإنسان ذو نِسبتَينِ كاملَتين؛ نسبة يدخل بها إلى الحضرة الإلهيَّة، ونسبة يدخل بها إلى الحضرة الكيانيَّة…. فكأنَّه برزخ بين العالم والحقِّ، وجامع لخلق وحقٍّ، وهو الخطُّ الفاصِل بين الحضرة الإلهيَّة والكونيَّة، كالخطِّ الفاصل بين الظِّلِّ والشمس وهذه حقيقته، فله الكمال المطلق في الحدوث والقِدَم، والحقُّ له الكمال المُطلَق في القدم وليس له في الحدوث مَدْخَل يتعالَى عن ذلك، والعالَم له الكمال المطلق في الحُدُوث وليس له في القِدَم مدخل يخْسَأ عن ذلك؛ فصار الإنسانُ جامِعًا، ولله الحمد على ذلك” (ابن عربي ، إنشاء الدوائر، 22).

 

  1. المعاد

يبقى -بعد التوحيد- ركنان أساسيَّان من أركان الإيمان الإسلامي؛ هما النبوَّة والمعاد، ويُتَرْجِمُ العبضُ كلمةَ المعاد بشكل غير دقيق إلى eschatology علم الآخرة. ركَّز الفلاسفةُ والصوفيَّةُ كلاهما -أثناء تناوُلهم مَبْحَث النُّبوَّة- على التَّأَلُّه الإنسانيِّ، وقد قادتِ القضايا التي عالجُوها علماءَ الكلام والفِقه إلى أنْ يتَّهموهم بادِّعاء أنهم يَفْضُلُونَ الأنبياء، وقد كان لابن عربي النصيبُ الأكبرُ من هذا الاتهام على وجه الخصوص، بل كان مَحَلَّ جَدِل طويل بسببِ كلامه المُتَعَلِّق بالنُّعوت التي يختصُّ بها كلٌّ من النبي والوليِّ (شودكيفيتش Chodkiewicz 1993)

ولكلا المدرستين الكثير لتقوله حول مبحث المعاد الذي عُولِجَ عن طريق وجهتي نظر؛ الأولى تقول بالرُّجوع الاضطراريّ والأخرى بالرُّجوع الاختياريِّ. يرى القائلون بالرُّجوع الاضطراري أنَّ الكون يتجلَّى عن طريق قانونه الحتْميِّ الخاصِّ، وفيه يعود الإنسان إلى الله في سلسلة من المراحلِ التي تعكسُ مراحل التَّطوُّر الكونيِّ. أما القائلون بالرُّجوع الاختياريِّ، فيرونَ أنَّ حريَّة الإرادة تجعلُ الإنسانَ قادرا على أنْ يلعبَ دَوْرًا في تحديد مَسَار صيرورتِه الخاصَّة؛ فالإنسان يشارك -إلى حدٍّ ما- في خَلْق رُوحِه الذَّاتيَّة وعَوَالِم ما بعد الموت، بل يمكن له اختبار ذلك، بلغة الكارما، عن طريق سلسلة من الأسباب التي تتأَسَّسُ على أفهامِهم الفردية الخاصَّة وأخلاقِهم الشخصيَّة وسلوكيَّاتِهم. ويمثِّل ابن عربي نقطة تحوُّل في معالَجَة كلا النوعين من العَوْدَة، وليس أقلُّها تفسيراتِه لعالَم الخيال الذي مكَّنَه من طرْح حُجَج عقلانيَّة لقضايا مثل البعث الجسماني الذي لا يمكنُ فهمُه عن طريق العقل، بل لا بد من قبولِه عن طريق الإيمانِ ليس غير، فيما يرى ابنُ سينا. (ابن سينا، الشفاء، 347-48 – ابن سينا، النجاة، 3:291). وقد توسَّعَتْ أطروحاتُ ابن عربي على يد المفكِّرين فيما بعد، لا سيّما معالَجَة ملا صدرا المُسْهَبَة في كتابه الرابع من رائعَتِه: الأسفار الأربعة، عندما تعرَّضَ لموضوع النَّفس وانبساطها.

 

5.1 دائرة الوجود

عندما عالَج المتكلمون المعادَ، حاولوا إثباتَ دِقَّة التَّصوير القرآنيِّ ليوم البَعْث، الجنة والنَّار فقط، عن طريق التوسُّل بسُلْطَةِ الكلام الإلهي. ولم يكن في حوزتِهم الكثيرُ لقولِه حول الطَّبيعةِ الحقيقيةِ للنَّفس، أو قِوَام هذا العالَم، أو الحالة الأنطولوجيَّة لعوالِم ما بعد الموت. وفي مقابل هؤلاء، كان الفلاسفةُ والصوفيَّة؛ هؤلاء الذين مثلتْ لهم مثلُ هذه القضايا محورَ اهتماماتِهم جنبا إلى جنب مع السؤال التَّكميليِّ المُتَعَلِّق بالمَبْدَأ. شكَّل المَبْدأُ والمعادُ الموضوعَ الأساسيَّ في كلا المدرستين، إلا أنَّ الصوفيَّة سلَّطُوا الضَّوء على الدور المثاليِّ لمُحَمَّد، خلافا للفلاسفة. لذلك، على سبيل المثال، قامُوا برسم تلك الصُّورة الأَثِيرَة، اعتمادا على آية قرآنيَّة تتعلَّق برِحلة النبي الليليَّة؛ المسمَّاة برحلة الإسراء والمعراج، عندما عُرِجَ به إلى السماوات العُلَا لرؤية الله؛ “فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى” (53:9) والقَوْس في العربية يعني نِصف دائرَة؛ تماما مثل الكلمة اللاتينيَّة arcus، والكلمة الإنجليزيَّة bow؛ لذا يُمكن فهمُ القوسين في الآية على ظاهرهما. وقد سُمِّيَ القَوْسُ الأوَّلُ بالقَوْسِ النُّزوليّ، ويعني الطريق الذي فيه يزداد القَيْدُ والظُّلْمَة، وبه يتمُّ الابتعاد عن المَبْدَأ، أمَّا القَوس الصُّعوديّ؛ فيعني التجرُّدَ الخالِصَ وإشراقةَ الرُّوح في طريقها إلى المَعاد.

 

5.2 مراتب الصعود

ذكرنا من قبل أنَّ ابن عربي يصِف العالَمَ عن طريق ثمانية وعشرين حرفا تُكَوِّن الكلماتِ المنطوقة في نفس الرَّحمن، وأنَّ هذه الرؤية تُعَدُّ طريقا واحدا من الطُّرُق التي يفهم بها ابن عربي العالمَ. يَتَطَابق واحد وعشرون حرفا مع مَرَاتِبِ القوس النزولي، والذي يصِلُ إلى أدنى مَرَاتِبِه مع العناصر الأربعة. وتدلُّ الحروف المتبقية على مَرَاتِبِ القوس الصُّعوديِّ، بَدْءًا بالمعادِن مُرورا بالنَّباتات والحيوانات والملائكة والجنِّ ثُمَّ الإنسان أخيرا، وهو الحرف السابع والعشرون. والحرف الثامن والعشرون هو الحرفُ الأخيرُ الذي يدلُّ على المراتب والمراحل والمقامات؛ درجاتِ الكمال غير المرئيِّ المُتَحَقَّق عَبْرَ انبساط النفس الإنسانية في طريق المعاد.

إنَّ الفرق الحقيقيَّ بين الإنسان والحيوان لا يكمن في النُّطق أو العقل، بل في حقيقةِ أنَّ الإنسانَ مخلوقٌ على صورة الله؛ الله كما يَدُلُّ عليه الاسمُ الجامع. وكلُّ ما سوى الإنسان قد خُلِق تحتَ عناية أسماء في مرتبة أدْنى من الاسم الجامع. إنَّ صورةَ آدمَ الإلهيَّةَ هي الوَجْهُ الكُلِّيُّ لله؛ حقيقةُ الحقائقِ التي يَنْدَرِجُ تحتها النِّطاقُ الكاملُ للتَّعَيُّنات المُمكِنَة لمطلَق الوجود. والإنسان -كعالَم صغير- يملكُ القدرة على الإدراك، والتَّحقُّق بحقيقةِ أنَّ كلَّ شيء حاضرٌ في كتابِ العالَم والكتاب النَّصِّيِّ. ومثلما خرج العالَمُ المرئيُّ المادِّيُّ إلى الظهور من خلال مراحل عِدَّة من التَّعّيُّن، بَدءًا من حقيقة الحقائق، نزولا إلى طريق العوالِم الخَفِيَّة، وُصولا إلى المعادن، تأتي المراحل والمراتب والمقاماتُ إلى حيِّز الوجود عن طريق الاستمرار في التَّجَلِّي الذاتيِّ للموجود الحق، في عوالم القوس الصُّعودي الخفيَّة، ومن ثمَّ يمكن جَنْيُ ثمارِه من خلال العَوْدَة إلى المبدأ. تلك هي النُّقْطَة التي تكتمل عندها الدَّائِرة، حيثُ يختفي الخطُّ الإلهيُّ، وحيثُ ينمحي الفصلُ المُتَوَهَّم بين الحقِّ والخلق. إنَّ الأمر كما يقول ابن عربي :

“فكان قاب قوسين، وما أظهر القوسين من الدائرة إلا الخطُّ المُتَوَهَّم. وكفى بأنَّك قلتَ فيه المُتَوَهَّم، والمُتَوَهَّم ما لا وجود له في عينه…. فالعالَم في جَنْبِ الحقِّ مُتَوَهَّمُ الوجود، لا موجود؛ فالموجود والوجود ليس إلا عين الحق. وهو قوله: أو أدنى؛ فالأدنى رفع هذا المُتَوَهَّم، وإذا رُفِعَ من الوهم لم يبق سوى دائرة، فلم تتعين القوسان” (ابن عربي، الفتوحات المكية، طبعة 1911، 4:40.9).

ويشكل التجسُّدُ الإنسانيُّ في مرحلتِه المَرْئِيَّة مرحلةً جَوْهَرِيَّةً في ظهور حقيقة الحقائق، ولكنَّ فهمَ هذه الحقيقة يحدث داخل النَّفس على المستوى الخياليِّ والرُّوحيِّ. وتعدُّ الإمكاناتُ المُتَمَثَّلَةُ عن طريق النباتات والحيوانات مُقَيَّدَةً نِسْبِيًّا؛ فالشَّكْل الخارجي يكشف أسرارَه للمُلاحِظ، ولا نجدُ من يحتارُ مثلا في تمييز الملفوف من الجزر، أو الحصان من الحمار. أما الوجودُ الإنسانيُّ، فلا نجد مثل هذا؛ لأنَّ المَظْهَر الخارجيَّ الواحِد للإنسانِ يُخفي تنوُّعًا داخليًّا لا حَدَّ له. ولا يمكننا أنْ نُحَاكِمَ المعالِمَ الرُّوحيَّة والخياليَّة للنَفْس الإنسانِ، ووعيه وسِماتِه الذاتيَّة كذلك عن طريق المَظْهَر الجسمانيِّ؛ لأنَّ الفضيلة والرَّذيلة الإنسانيَّة يتعلَّقان بالعوالِم غير المَرْئِيَّة. وليست الثقافةُ والفنُّ والأدب والسياسيةُ والعلوم والتكنولوجيا وكلُّ إنجازٍ إنسانيٍّ آخر إلا تجليات للرُّوح. وابن عربي -رغم ذلك- لا يُلقي بالا لكلِّ إمكان إنسانيٍّ؛ لأنَّ الطُّرُق التي تُبعِد عن الإدراك الكامل والمتوازِن للصُّورة الإلهيَّة مُتَكاثِرَةٌ جدا. يريد ابن عربي -بدلا من ذلك-  أنْ  يُوَضِّحَ المعالِمَ الكُلِّيَّة لكمالاتِ التَّألُّه، والتي من خلالها يمكن التناغمُ مع الحقِّ في عوالِم ما بعد الموت. وفي هذا المستوى حتَّى، يستحيل بأيِّ حال حصرُ هذه الكمالاتِ، المُعطاةِ في نماذج يبلغُ عددها 124000 كما يخبرنا ابن عربي نفسه؛ تماشيا مع عدد الأنبياء مُذْ آدم.

 

5.3 الأمران

يشير ابن عربي -غالبا- إلى التفرُّد الكونيِّ للإنسان عن طريق مفهوم الأمر، والذي يُعَدُّ مفهوما قرآنيَّا له حضورُه القويّ عند المتكلِّمين والفلاسفة إذا ما عالجوا قضايا مثل الجبر والحرية، أو الطَّبْع والتَّطَبُّع. قلنا سابقا أنَّ الأمر التكوينيَّ هو الكلمة الخلَّاقة “كُن”، وأنَّها تُحيل ما هو معدوم إلى موجود. يوجِّه اللهُ هذا الأمرَ إلى كلِّ الموجوداتِ دونَ استثناء، وما منْ شيء إلا وله طائعٌ. ولا يُمِدُّنا هذا الأمرُ بأيِّ وسيلة يمكن الفصلُ بها بين الحقِّ والباطل، والخير والشر، والأصلح والأسوأ؛ لأنَّ كلَّ شيء موضوع بالتَّمامِ على الوجْه الذي لا بُدَّ أن يكونَ عليه. وكلَّ شيء مُظْهِرٌ الحقَّ، وليسَ كُلٌّ إلا وَجْها مُعَيَّنًا من وجوه الله، له حقُّه. وعلى هذا، ليس في الوجود باطل أو خطأ أو شَرٌّ أو زَيْف.

 وعلى الرغم من حقيقةِ أنَّ الإنسان مخلوق على صورة اسم الله الجامع إلا أنَّه مُواجَه بالخيارات دائما. يعجز التَّحقيقُ العقلانيُّ عن اختيار الخير على الشَّر، و الصواب على الخطأ، والجمال على القبح، والحقِّ على الباطل؛ لأنَّ العقل دون مَدَدٍ خارجيٍّ يستحيل عليه أنْ يتعالى على صُوَرِ العالَم الزَّائلة التي تُشَكِّل  مظهرَه. ويستحيل عليه الوصولُ إلى الشُّروط الكاملة التي من خلالها يملكُ قدرةَ التعرُّفِ على حقِّ الأشياء وصوابها وصدقها وحقيقتِها، وتناسُبها في الوقت نفسه، وجْهًا لوَجْهٍ مع الحقِّ. وبتعبير آخر: يستحيلُ فهمُ الكُتُبِ الإنسانيَّةِ والكونيَّةِ بالحقِّ دونَ هدايةٍ من الحقِّ؛ صاحبِ الأمرِ التكوينيِّ. هداية الخلق بواسطة أوامر الله ونواهيه الصَّادرة عنه هي وظيفة الأنبياء على وجه التَّحديد. ويُسَمَّى هذا الصُّدور الإلهي باسم “الأمر التَّكليفي”؛ لأنَّه يضع المبادىءَ والإرشاداتِ التي لا بُدَّ من اتِّباعها من أجل معرفةِ حقائقِ الأشياء، ومن أجل أن نسلك مسلكا سديدا.

بالأمر التكوينيِّ يأتي العالمُ إلى الوُجود، ولكنَّ الأسماءَ الإلهيةَ تَطْلُبُ ما يعلو على مجرَّدِ الحياة والوَعي والرَّغبة والقوَّة، وكلِّ صفة أخرى يمكن افتراضها إذا ما تعلَّق الأمر بوجود المعادن والحيوانات والنباتات. ومن بين الإمكاناتِ الأنطولوجية -التي لها وجودٌ حقيقيٌّ في الجَوْهَرِ، وظهورٌ حقيقيٌّ في العالَم- الرحمةُ والحبُّ والعطف والمغفرة والعدل والإِنصافُ والحِكمة وسِمَاتٌ أخلاقيَّةٌ وخُلُقِيَّةٌ أخرى، لا تظهر أهمِّيَّتُها جَلِيَّةً إلا في النَّشاطِ الإنسانيِّ وتفاعلاتِه. ولا يَتَأَتَّى ظهور كامل لكلِّ هذه الصفات الأنطولوجيَّة إلا عن طريق الأمر التكليفيٍّ الذي  يُرشِدُ الناس إلى حقِّ الحُبِّ والرَّحمة والإِحسان والعَطْف، وغيرِ ذلك من السِّمات. ولا يكونُ التَّحَقُّق بالأسماءِ الإلهيَّة بمُجَرَّدِ الاستسلام لمجرى الأمور، ولكنَّه يَتَطلَّبُ تدخُّل الإرادة الإنسانية. وعن طريق اختيار الحقِّ على الباطل، الصواب على الخطأ، الخير على الشر، يمكن للإنسانِ أن يدرك الإمكاناتِ الكاملة لتَألُّهِهِ الخاصِّ.

ولأنَّ الهداية جائِزَة، يتضمَّنُ الأمرُ التَّكليفيُّ جوازَ الخطأ والضَّلال. وبعبارة أخرى: تلك هي الحالةُ المناسبة من أجل تحقيق إمكاناتٍ عديدةٍ للوجود والصَّيْرورة التي تَتَطَلَّبُها الصِّفاتُ الإلهيَّةُ مثل الشِّدَّة والغضب والفخر والانتقام؛ فالحديث هنا لا يتعلَّق بالعَفْوِ والمغفرة مثلا. على أيِّ حال، يلعبُ الإنسانُ دورًا في تحقيق الإمكاناتِ الإلهيَّةِ المُطلقة عن طريق حرِّيَّتِه الخَاصَّة، ولولا ذلك ما كانت هناك عِلَّةٌ لهذا الوجود، والجنَّة والنَّار هما أوضح مثال على هذا الأمر. والتمييز بين الأمرين الإلهيَّين يسمح لنا أنْ ندرك الفرقَ بين الحقيقة والقيمة، بين الشَّيء على ما هو عليه، وما ينبغي أن يكون عليه. هذا وجهان لتَجَلٍّ ذاتيٍّ واحدٍ للحقِّ. يُقَدِّمُ الحقُّ عواملَ سببيَّةً للإنسان عن طريق إصدار الأوامر والنَّواهي التي تُجبرُ الإنسانَ على أن يحمِلَ على عاتقه مسؤوليَّةَ ما سيكون على المستويين؛ الأخلاقي والرُّوحي. ولذلك قال ابن عربي أنَّ الإنسان “مجبور في اختياره”. والدرجة التي تتلاءم مع الحرف وروح الأمر التكليفي هي التي تُحدِّد المراتبَ، المقاماتِ، المراحلَ التي سيصلون إليها  في القوس الصُّعودي للمَعاد، وبذلك تتمايز درجاتُهم ومراتبهم فيما بعد الموت في مراتبِ القوس النُّزوليِّ للجحيم. وبدون الإنسان أو الشَّبيه، الجامع، حرُّ الإرادة، ما وَجَدَتِ الإمكاناتُ الأنطولوجيةُ لغير المتناهي تَحَقُّقَها، أو كما يقول ابن عربي : “ولولا نحن، ما تميَّزتْ آخرة عن دنيا” (ابن عربي ، الفتوحات المكية، طبعة 1911، 3:253.21).

 

  1. الكمال الإنساني

وابن عربي مثله مثل الفلاسفة؛ يرى أنَّ الرُّوح الإنسانيَّة إمكانٌ مُطْلَقٌ، وفَهِمَ أنَّ غايةَ الحياة تكمُن في تحقيق ذلك الإمكان. لخَّصَ ابنُ سينا هذه الرُّؤيَةَ الفلسفيَّة في فقرة وُجِدَتْ في عملين من أعماله الهامَّة، يقول:

“إنَّ النَّفسَ النَّاطِقَة، كمالُها الخاصُّ بها أنْ تصير عالَما عقليَّا، مُرْتَسِمًا فيها صورة الكلِّ، والنظام المعقول في الكلِّ، والخير الفائِض في الكُلِّ…. فتَنقلِب عالَما معقولا، مُوازيا للوجود كلِّه؛ مشاهِدا لما هو الحُسْن المُطلق، والخير المطلق، والجمال الحق، ومتَّحِدا به، ومُنْتَقِشًا بمثاله وهيئته، ومُنْخَرِطا في سِلكه، وصائِرا من جوهره” (ابن سينا، الشِّفاء، 350، النجاة، 3:293).

يوافق ابن عربي على هذه الصُّورةِ العامَّة، ولكنَّه يعدُّها قاحلة في نفس الوقت؛ لأنَّها لا تضع في اعتبارها أبعادَ تلك الحقيقة؛ أعني هذا الكمَّ الهائلَ من الأَبْعَادِ، كما هي في ناظِرَيْه، والتي لا تنتمي كثيرا إلى عالم التَّعَقُّل؛ فالعوالمُ الوسيطةُ كلُّها -هي في أساسها- خياليَّةٌ لا مَعْقُولَة، وليس حديثُنا هنا عن العالمِ المحسُوسِ نفسِه. يُصِرُّ ابن عربي -في الحقيقة- على أنَّ “الخيال أوسع المعلومات”؛ لأنَّه ” يحكم بحقيقتِه على كلِّ شيء وعلى ما ليس بشيء، ويتَصَوَّر العَدَمَ المَحْضَ والمُحَالَ والواجِب والإِمكان، ويجعل الوجودَ عدَمًا، والعدمَ وجودًا” (ابن عربي ، الفتوحات المكية، طبعة 1911، 1:306.17، 306.6).

يصف ابن عربي -في أكثر من فقرة- صعودَ الروح إلى الله عَبْر المِعْراج. ومن ذلك، الباب السابع والستون ومائة من فتوحاته، والذي عنونه باسم “في معرفةِ كيمياء السَّعادة”. يقارنُ ابن عربي في هذا البابِ بين معراجينِ متوازيَيْنِ لصاحبِ نَظَرٍ وتَابِعِ نَبِيٍّ. يقابلُ المُقلِّدُ – في كلِّ سماء- ما قابلهُ مُحَمَّدٌ في رحلة الإسراء والمعراج، أمَّا صاحب النَّظر؛ فإنَّه لا يجد إلا ما يسمحُ له به علمُه بالعالَمِ الطَّبيعيِّ. نقول باختصار: عندما يسْعَى السَّالِكون خلالَ عوالِم صُّعودِ عالَمِ الخيال، فإنهم يُحَصِّلون ما يتوافق وتَهَيُّئَهم المعْرفيَّ الخاصَّ. على سبيل المثال، تَلَقَّى المُقَلِّدُ آدمَ في السَّماء الأولى، الذي علمه اللهُ الأسماءَ كلَّها؛ فتَعَلَّم منه عِلمَ ما دونه وعِلمَ ما فوقَه من الأَمْكِنَة، أمَّا صاحِبُ النَّظَر، فإنَّه لم يتلقَّ غيرَ روحانيَّة القمر. وفي كلِّ سماء يتلقَّى التابعُ نبيَّا، ويحوز عِلمَه، أمَّا صاحِبُ النَّظَر؛ فإنه لا يتلقَّى إلا جِرما سماويَّا (ابن عربي ، الفتوحات المكيَّة 1997). تجدُر الإشارة إلى أنَّ ابنَ سينا نفسَه قد دوَّنَ تفسيرا لرحلة الإسراء والمعراج بلُغة فلسفيَّة تَتَشَابَه كثيرا مع ما ينسبه ابن عربي إلى صاحبِ النَّظر هنا، لكنْ، يستحيلُ أنْ يكون ابن عربي قد طالَعَهُ؛ لأنَّ هذا النصَّ قد دُوِّنَ بالفارسيَّة (هيث Heath 1992).

 

6.1 مقام اللامقام

يُمَثِّلُ كل مقام ومرتبة ومنزلة تحقيقا لإمكانِ التَّأَلُّه، أو شاهدا على التَّخَلُّقِ باسمٍ واحدٍ أو عِدَّةِ أسماء إلهية. وتُشَكِّلُ كل صفة إلهية، وكل مِثَال نبويٍّ مقامًا يستطيع الإنسان من خلال التوقُّف فيه أن يراقبَ طبائعَ الأشياء. ولا تَنْحَصِرُ مقاماتُ العِلمِ والكمال الروحي، بل إنَّ كلُّ مَقَام يَهَبُ سماتٍ شخصيَّة معيَّنة، ويمنحُ وجهات نظر أيضا. يخبرنا ابن عربي -أحيانا- أنَّ هذا الباب أو ذاك من الفتوحات يتعلَّق بموقف موسى أو عيسى أو إبراهيم. وهكذا، يُقَسِّمُ ابن عربي فصوصَ الحِكم إلى سبعة وعشرين فصلا؛ كلُّ فَصْلٍ مُكَرَّسٌ لنبيٍّ أو وليٍّ، ويقوم بتقديمِه على أنَّه كَلِمَة (لوجوس) تضمَّنَتْ حِكْمَةَ اسمٍ إلهيٍّ مُعَيَّن. والغايةُ الرئيسَةُ من وصف هذه المواقِفِ المُتعَدِّدَة تَسْليطُ الضَّوْءِ على “مقام اللامقام” والذي أسماه أيضا “المقام المُحَمَّدِيّ”. في هذا المقام يحدُثُ تحقُّقٌ كامِلٌ لحقيقةِ الحقائقِ التي ينضوي تحتها كلُّ مَقَام وموقف دُون أن تُحَدَّ أو تُعَرَّف. “أهل الكمال الذين تحقَّقُوا بالمقامات والأحوال، وجاوزوها إلى المقام الذي فوق الجمال والجلال؛ فلا صفة لهم ولا نعت” (ابن عربي ، الفتوحات المكية، طبعة 1911، 2:133.19).

يقفُ الإنسانُ الكامل في مَقَامِ اللامقام، وهو أثرُ الشَّبَه الإنسانيِّ للموجود المٌطلَق؛ الذي به يتقيَّد كلُّ شيء دونَ أنْ يتقيَّدَ هو. يُسَمِّي القُونوي هذا المقامَ أحيانا باسم “نقطةُ مركزِ دائرةِ الوُجودِ”؛ لأنَّه لا بُعد له في نفسِه، وكلُّ ظهورٍ حقٍّ يَتَرَتَّبُ بالرَّجوع إليه. يشْرحُ القونويُّ هذا المفهومَ -أحيانًا- عن طريق المُقَابَلَةِ بين الحقِّ والجوهر (العين الثَّابِتَة). وكلُّ ما سوى الإنسانِ الكامِلِ له ماهيَّة مُحَدَّدَة، تُمَيِّزُه عن غيره؛ لذا يمكن القولُ أنَّ الواحدَ منَّا مُنْحَصِرٌ في مرتبة، ومقام، ومنزلة. أما الإنسان الكامل، فرغم أنَّه يُظهِر الحقَّ في حَدِّ ذاتِه؛ إلا أنَّ ماهيَّتَه تُطابِقُه، ولا تُطابق هذا أو ذاك، يقولُ القونويُّ:

“ولا يذوق هذا السفر، ويصل إلى محتده إلا من انطلقتْ ذاتُه؛ فانحلَّتْ قيودُ الأحكام الإمكانيَّة والأحوال والصفات والمقامات والنشآت والأفعال والاعتقادات، ولم ينحصر في شيء منها؛ فسرى بذاته في كلِّ شيء سريان الوجود في حقائق الأشياء التي قلنا أنها الشُّئون الذاتيَّة المسمَّاة بحقائق الممكنات، سراية أبديَّة بأحكام أزليَّة…. ورأيتُ في هذا المشهد العظيم لمَّا أشهدنيه الحقُّ سبحانه أنْ ليس لصاحبِ هذا المَشْهَدِ عين ثابتة ولا حقيقة” (القونوي، النفحات، 265)

 

6.2 الإنسان الكامل

ويمثِّلُ الإنسانُ الكاملُ النَّموذَجَ الأمْثَل للإمكانِ الإنسانيِّ؛ فالإنسانُ الكامِلُ هو الفرد الذي اجتازَ دائرةَ الوُجود، ووَصَلَ إلى مُنْتَهَى مقامِ القوسين، وعادَ إلى مَبْدَئِه؛ حقيقةِ الحقائق. والتَّحَقُّق بمقام اللامقام يعني أن يكون هو/ لا هو، قديما/مُحْدَثا، أبديَّا/لا أبديًّا. الإنسانُ الكامِلُ وحده هو القادر على شَغْلِ وظيفةِ خليفةِ اللهِ أو مُمَثِّلِه؛ أنْ يكون الوسيط بين الحقِّ والخَلْق، وهذا هو الدور نفسُه الذي من أجله خُلِق آدمُ (القرآن 2:30). يقول القونويُّ:

” إنّ الإنسانَ الكاملَ الحقيقيَّ هو البرزخُ بين الوجوب والإمكان، والمرآةُ الجامعةُ بين صفات القِدَمِ وأحكامه وبين صفات الحدثان، وهو الواسطة بين الحقِّ والخلق…. ولولاه من حيثُ برزخيَّته التي لا تغاير الطَّرَفين لم يَقْبَل شيء من العالَم المَدَدَ الإلهيَّ الوحدانيَّ لعدم المناسبة والارتباط” (القونوي، الفكوك، 248)

وبتعبير آخر: الإنسانُ الكامل هو الرُّوح التي تَسْرِي العالَم كلَّه. وهذا هو موضوعُ الفَصِّ الأول من فصوص الحكم لابن عربي؛ يشرح فيه الطريقةَ التي تَظْهَرُ بها حِكمةُ الاسمِ الجامعِ عن طريقِ آدَم؛ الإنسان. وبشكل موازٍ يكتُبُ في فتوحاته:

“العالم كلُّه تَفْصيلُ آدمَ، وآدمُ هو الكتابُ الجامع؛ فهو للعالَم كالرُّوح من الجَسَد، فالإنسانُ روح العالَم والعالَم الجَسَد؛ فبالمجموع يكونُ العالَمُ كلُّه هو الإنسانُ الكبير، والإنسان فيه، وإذا نظرتَ في العالَم وحده دونَ الإنسان وجدتَه كالجِسْمِ المُسَوَّى بغير روح” (ابن عربي ، الفتوحات المكية، طبعة 1911، 2:67.28)

 

6.3 الحضرات الإلهيَّة

يلخِّص أتباع ابن عربي -غالبا- فكرةَ الإنسان الكامل عن طريقِ اللجوء إلى منظومةٍ عُرِفَتْ باسِمِ “الحَضَرَات الإلهيَّة الخمس”. يوظِّف ابن عربي كلمة الحضرة للدلالة على أيِّ عالَم يَظْهَرُ الحقُّ فيه (إيجادا ووجودا) تحتَ عنايةِ الطَّبيعةِ العامَّة، وبهذا المعنى، فإنَّها تَتَرَادَف إلى حدٍّ كبير مع كلمة عالَم أو مَرتَبَة. على سبيل المثال، نجد ابن عربي في فقرة واحدة يشرح أنَّ الكونَ يتكوَّنُ من عالَمَيْن أو حُضُورَيْن؛ الغيب والشَّهادة، يقول: “والحضرةُ حضرتان، وإنْ كان قد تولَّد بينهما حضرةٌ ثالِثَةٌ مِنْ مَجموعهما؛ فالحضرةُ الواحدةُ حضرةُ الغَيْب، ولها عالمٌ يُقَالُ له عالمُ الغيب” (ابن عربي ، الفتوحات المكية، طبعة 1911، 3:42.5).

والمشهور -كما نجد في الباب الذي يتناول فيه الأسماء الإلهية في فتوحاته- أنَّه يستخدمُ الحضورَ للدَّلالَةِ على تَأثيرِ عالَمِ الاسم، ثمَّ يتناولُ بالوَصْفِ الطُّرُقَ التي تظهرُ بها خصائصُ الاسمِ وآثارُه في الكَوْن والإنسان، ولك أنْ تقول أنَّه يصف كيفيَّةَ تشارُكِ الأشياء بمفاهيمَ أفلاطونيَّة. والحضرة الإلهيَّة هي أكثر هذه الحضرات شمولا، وهي العالَم القابِع تحتَ قَهْرِ الاسمِ الجامع، وعنه يكتب ابن عربي : “ما في الوجود إلا الحضرة الإلهية، وهي ذاته وصفاته وأفعاله” (ابن عربي ، الفتوحات المكية، طبعة 1911، 2:114.14).

يبدو أنَّ القونوي هو أول مَنَ تحدَّث عن الحضرات الإلهية الخمس، وسرعان ما أصبح هذا التعبيرُ مَأْلُوفًا رغم أنَّه طُرِحتْ عدَّةُ أنساق أُخرى تُخالفة. والقونويُّ يستخدم هذا المفهوم للإبانة عن الكيفيَّة التي تتضمَّنُ بها حقيقةُ الحقائق؛ التعيُّن الأول، كلَّ تعيُّن آخرَ، ولهذا يظهر في عوالمَ أساسيَّة خمسة. والحضور الأول هو حقيقة الحقائق في الألوهة، وتتضمَّن العلمَ الإلهيَّ للكون. أما الحضور الثاني والثالث والرابع، فهو هو نفسُ العوالِم الثَّلاثة التي تناولها ابن عربي من قبل وهي: الغيْب (الرُّوحي)، الخياليُّ، المَرْئيُّ (المَادِّيُّ). أمَّا الحُضور الخامس فهو الإنسان الكامل في انبساطِ اسم الله الجامع، ويتضمَّن الحضراتِ الأربعَ الأخرى معه في كُلٍّ مُرَكَّب؛ فعينُه الثَّابتة تطابقُ حقيقةَ الحقائق، وروحُه عالمَ الغَيْب، ونفسُه عالَمَ الخيال، ومادَّتُه العالَمَ المرئيَّ (تشيتيكChittick  1984). وفهمُ الإنسان على هذه الصُّورة يوضِّح لنا الدَّور الذي تلعبه الكلمةُ في ولادة الكون. يلخِّص القونوي كل هذا في قوله أنَّ الإنسان الكامل هو “الحقيقة الإنسانيَّة الكماليَّة الذاتيَّة هي الألوهة من بعض مراتبها، والموجودات مظاهر كيفيَّاتها وأحكامها التفصيليَّة” (القونوي، النفحات، 66-67).

 

 

 

 


 الببلوغرافيا

مصادر أساسية

نصوص لابن عربي

  • ‘Anqâ mughrib fî khatm al-awliyâ’ wa shams al-maghrib, G. T. Elmore (trans.), Islamic Sainthood in the Fullness of Time: Ibn al-‘Arabî’s Book of the Fabulous Gryphon, Leiden: E. J. Brill, 1999.
  • Fusûs al-hikam, A. ‘Afîfî (ed.), Beirut: Dâr al-Kutub al-‘Arabî, 1946.
  • Fusûs al-hikam, R. W. J. Austin (trans.), Ibn al’Arabî: The Bezels of Wisdom, Ramsey: Paulist Press, 1981.
  • Fusûs al-hikam, C. K. Dagli (trans.), The Ringstones of Wisdom, Chicago: Kazi, 2004.
  • al-Futûhât al-makkiyya, Cairo, 1911; reprinted, Beirut: Dâr Sâdir, n.d.
  • al-Futûhât al-makkiyya, 14 volumes, O. Yahia (ed.), Cairo: al-Hay’at al-Misriyyat al-‘Âmma li’l-Kitâb, 1972–91.
  • al-Futûhât al-Makkiyya: Textes choisis/Selected Texts, M. Chodkiewicz, W. C. Chittick, C. Chodkiewicz, D. Gril, and J. Morris (trans.), Paris: Sindbad, 1989; also available as The Meccan Revelations, 2 vols., New York: Pir Press, 2002–4.
  • al-Futûhât al-makkiyya, Chapter 167, L’alchimie du bonheur parfait, S. Ruspoli (trans.), Paris: Berg International, 1997.
  • Inshâ’ al-dawâ’ir, in H. S. Nyberg, Kleinere Schriften des Ibn al-‘Arabî, Leiden: E. J. Brill, 1919.
  • Inshâ’ al-dawâ’ir, “The Book of the Description of the Encompassing Circles”, P. B. Fenton and M. Gloton (trans.), in Muhyiddin Ibn ‘Arabi: A Commemorative Volume, Hirtenstein, S. and M. Tiernan (eds.), Shaftesbury: Element, 1993, pp. 12–43.
  • al-Isfâr ‘an natâ’ij al-asfâr, D. Gril (ed. and trans.), Le dévoilement des effets du voyage, Combas: Editions de l’Éclat, 1994.
  • Ittihâd al-kawnî: The Universal Tree and the Four Birds , Angela Jaffray (trans.), Oxford: Anqa, 2006.
  • Kitâb kashf al-ma‘nâ ‘an sirr asmâ’ Allâh al-husnâ, P. Beneito (ed. and trans.), El secreto de los nombres de Dios, Murcia: Editora Regional de Murcia, 1997.
  • Mashâhid al-asrâr al-qudsiyya, S. Hakim and P. Beneito (ed. and trans.), Las Contemplaciones de los Misterios, Murcia: Editora Regional de Murcia, 1994.
  • Mashâhid al-asrâr al-qudsiyya, P. Beneito and C. Twynch (trans.), Contemplation of the Holy Mysteries, Oxford: Anqa, 2001.

 

مصادر أساسيَّة أخرى

  • Avicenna (Ibn Sînâ), al-Najât, M. S. al-Kurdî (ed.), Cairo: Matba‘at al-Sa‘âda, 1938.

  • –––, al-Shifâ’: The Metaphysics of The Healing: A Parallel English-Arabic Text, M. E. Marmura (ed. and trans.), Provo: Brigham Young University Press, 2005.
  • Qûnawî, Sadr al-Dîn, al-Fukûk, M. Khwâjawî (ed.), Tehran: Mawlâ, 1992.
  • –––, al-Murâsalât: Annäherungen: Der mystisch-philosophische Briefwechsel zwischen Sadr ud-Dîn-i Qônawî und Nasîr ud-Dîn-i Tûsî, G. Schubert (ed.), Beirut: Franz Steiner Verlag, 1995.
  • –––, al-Nafahât al-ilâhiyya, M. Khwâjawî (ed.), Tehran: Mawlâ, 1996.
  • –––, “al-Nusûs: The Texts,” William C. Chittick (trans.), An Anthology of Philosophy in Persia, vol. 4: From the School of Illumination to Philosophical Mysticism, S.H. Nasr and M. Aminrazavi (ed.), London: I.B. Tauris, 2012, pp. 416-34.

 

مصادر ثانويَّة

  • Addas, C., 1993, Quest for the Red Sulphur: The Life of Ibn ‘Arabî, Cambridge, England: The Islamic Texts Society.
  • Almond, I., 2004, Sufism and Deconstruction: A Comparative Study of Derrida and Ibn ‘Arabi, London: Routledge.
  • Asín Palacios, M., 1931, El Islam cristianizado, Madrid. French trans. as L’Islam christianisé: Étude sur le Soufisme d’Ibn ‘Arabî de Murcie, Paris: Guy Trédaniel, 1982.
  • Bashier, S., 2004, Ibn al-‘Arabî’s Barzakh: The Concept of the Limit and the Relationship between God and the World, Albany: State University of New York Press.
  • –––, 2012, The Story of Islamic Philosophy: Ibn ‘Arabî, Ibn Tufayl, and Others on the Limit between Naturalism and Tradition, Albany: State University of New York Press.
  • Böwering, G., 1994, “Ibn ‘Arabî’s Concept of Time”, in God is Beautiful and He Loves Beauty: Festschrift in Honour of Annemarie Schimmel, Alma Giese and J. Christoph Bürgel (eds.), New York: Peter Lang, pp. 71–91.
  • Burckhardt, T., 1977, Mystical Astrology According to Ibn ‘Arabi, Gloucestershire: Beshara Publications.
  • Chittick, W. C., 1982, “The Five Divine Presences: From al-Qûnawî to al-Qaysarî”, The Muslim World72, pp. 107–28.
  • –––, 1989, The Sufi Path of Knowledge: Ibn al-‘Arabî’s Metaphysics of Imagination, Albany: State University of New York Press.
  • –––, 1994a, Imaginal Worlds: Ibn al-‘Arabî and the Problem of Religious Diversity, Albany: State University of New York Press.
  • –––, 1994b, “Rûmî and Wahdat al-wujûd”, in Poetry and Mysticism in Islam: The Heritage of Rûmî, A. Banani, R. Hovanisian, and G. Sabagh (eds.), Cambridge, England: Cambridge University Press, pp. 70–111.
  • –––, 1996, “Ibn ‘Arabî” and “The School of Ibn ‘Arabî”, in History of Islamic Philosophy, S. H. Nasr and O. Leaman (eds.), London: Routledge, pp. 497–523.
  • –––, 1998, The Self-Disclosure of God: Principles of Ibn al-‘Arabî’s Cosmology, Albany: State University of New York Press.
  • –––, 2004, “The Central Point: Qûnawî’s Role in the School of Ibn ‘Arabî”, Journal of the Muhyiddin Ibn ‘Arabi Society35, pp. 25–45.
  • –––, 2005, Ibn ‘Arabi: Heir to the Prophets, Oxford: Oneworld.
  • –––, 2013, “Ibn ‘Arabî on the Ultimate Model of the Ultimate”, Models of God and Alternative Ultimate Realities, Jeanine Diller and Asa Kasher (ed.), Dordrecht: Springer, pp. 915-29.
  • Coates, P., 2002, Ibn ‘Arabi and Modern Thought: The History of Taking Metaphysics Seriously, Oxford: Anqa.
  • Chodkiewicz, M., 1993a, An Ocean Without Shore: Ibn ‘Arabî, the Book, and the Law, Albany: State University of New York Press.
  • –––, 1993b, The Seal of the Saints, Cambridge, England: The Islamic Texts Society.
  • Corbin, H., 1958, L’imagination créatrice dans le soufisme de Ibn ‘Arabî, Paris: Flammarion; trans. Ralph Manheim, Creative Imagination in the Sûfism of Ibn ‘Arabî, Princeton: Princeton University Press, 1969; re-issued by Princeton University Press as Alone with the Alone, 1998.
  • Dobie, R. J., 2007, “The Phenomenology of Wujudin the Thought of Ibn ‘Arabi”, in Timing and Temporality in Islamic Philosophy and Phenomenology of Life, A. T. Tymieniecka (ed.), Dordrecht: Springer, pp. 313–22.
  • –––, 2009, Logos & Revelation: Ibn ‘Arabi, Meister Eckhart, and Mystical Hermeneutics, Washington, D.C.: Catholic University of America Press.
  • Hakîm, S. al-, 1981, al-Mu‘jam al-sûfî, Beirut: Dandara.
  • Heath, P., 1992, Allegory and Philosophy in Avicenna (Ibn Sînâ), With a Translation of the Book of the Prophet Muhammad’s Ascent to Heaven, Philadelphia: University of Pennsylvania Press.
  • Izutsu, T., 1966, A Comparative Study of the Key Philosophical Concepts in Taoism and Sufism, Tokyo: Keio University; second ed., Sufism and Taoism, Los Angeles: University of California Press, 1983.
  • –––, 1977, “The Concept of Perpetual Creation in Islamic Mysticism and Zen Buddhism”, in Mélanges offerts à Henry Corbin, S. H. Nasr (ed.), Tehran: Institute of Islamic Studies, pp. 115–48; reprinted in Izutsu, Creation and the Timeless Order of Things, Ashland, Oregon: White Cloud Press, 1994, pp. 141-73.
  • Knysh, A. D., 1999, Ibn ‘Arabi in the Later Islamic Tradition: The Making of a Polemical Image in Medieval Islam, Albany: State University of New York Press.
  • Mayer, T., 2008. “Theology and Sufism”, The Cambridge Companion to Classical Islamic Theology, T. Winter (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, pp. 258-87.
  • McAuley, D. E., 2012, Ibn ‘Arabî’s Mystical Poetics, New York: Oxford University Press.
  • Morris, J., 1986–87, “Ibn ‘Arabi and his Interpreters”, Journal of the American Oriental Society106, pp. 539–51 and 107, pp. 101–19.
  • –––, 2003, “Ibn ‘Arabî’s Rhetoric of Realisation: Keys to Reading and ‘Translating’ the ‘Meccan Illuminations,’” Journal of the Muhyiddin Ibn ‘Arabi Society33, pp. 54–99, and 34, pp. 103–45.
  • –––, 2005, The Reflective Heart: Discovering Spiritual Intelligence in Ibn ‘Arabî’s Meccan Illuminations, Louisville: Fons Vitae.
  • Murata, Sachiko, 1992, The Tao of Islam: A Sourcebook on Gender Relationships in Islamic Thought, Albany, State University of New York Press.
  • –––, Chittick, W. C., and Tu Weiming, 2008, The Sage Learning of Liu Zhi: Islamic Thought in Confucian Terms, Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press.
  • Nettler, R. J., 2003, Sufi Metaphysics and Quranic Prophets: Ibn ‘Arabi’s Thought and Method in the Fusus al-Hikam, Oxford: Islamic Texts Society.
  • Rosenthal, F., 1988, “Ibn ‘Arabî between ‘Philosophy’ and ‘Mysticism ’”, Oriens31, pp. 1–35.
  • Sells, M. A., 1994, Mystical Languages of Unsaying, Chicago: University of Chicago Press.
  • Shah-Kazemi, R., 2006, Paths to Transcendence: According to Shankara, Ibn Arabi, and Meister Eckhart, Bloomington: World Wisdom.
  • Smirnov, A. V., 1993, “Nicholas of Cusa and Ibn ‘Arabî: Two Philosophies of Mysticism”, Philosophy East and West43, pp. 65–86.
  • Stelzer, S., 1996, “Decisive Meetings: Ibn Rushd, Ibn ‘Arabî, and the Matter of Knowledge”, Alif16, pp. 19–55.
  • Takeshita, M., 1982, “An Analysis of Ibn ‘Arabî’s Inshâ’ al-Dawâ’irwith Particular Reference to the Doctrine of the ‘Third Thing’”, Journal of Near Eastern Studies 41, pp. 243–60.
  • –––, 1987, Ibn ‘Arabî’s Theory of the Perfect Man and its Place in the History of Islamic Thought, Tokyo: Institute for the Study of Languages and Cultures of Asia and Africa.
  • Yousef, M. H., 2007, Ibn ‘Arabi—Time and Cosmology, London: Routledge.
  • Zargar, C. A., 2011, Sufi Aesthetics: Beauty, Love, and the Human Form in the Writings of Ibn ‘Arabi and ‘Iraqi, Columbia, S.C.: University of South Carolina Press.

مصادر على الشَّبكة

 

[1] Chittick, William, “Ibn Arabi”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2014 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2014/entries/ibn-arabi/>.

error: