إنقاذا للسواء: المستهلك الذكي – آلن فرانسيس / ترجمة سارة اللحيدان

إنقاذا للسواء: المستهلك الذكي – آلن فرانسيس / ترجمة سارة اللحيدان

إنقاذا للسواء: المستهلك الذكي - كاهن دلفي / ترجمة سارة اللحيدان

غلاف الكتاب

ترجمة للفصل الثامن من كتاب (إنقاذا للسواء) – نسخة PDF


“اعرف نفسك”

كاهن دلفي

عندما نأتي لمسألة المعاناة من اضطراب نفسي، فإننا في أفضل وأسوأ الفترات على حد سواء. فهي الأفضل لأن هناك العديد من العلاجات الفعالة، والعديد من الأطباء المهرة. أما الأسوأ، فمردّه إلى المغالاة في علاج أفراد ليسوا بحاجة للعلاج، يقابل ذلك تقصير في علاج من هم بحاجة فعلية للعلاج. يضاف لذلك، ما يقدمه عديد من الأطباء -ممن تعوزهم المهارة الكافية- من تشخيصات تفتقر للدقة، وعلاج غير مناسب للمريض. لا يمكنك أن تثق بأن نظام الرعاية الصحية النفسية سيلائمك جيدا وبشكل تلقائي، وذلك لأنه يعرض خليطا مجنونا من الخيارات الجيدة والسيئة، وهو أي شيء إلا أن يكون نظاما منظما بشكل حسن. إن معالجة تضخم التشخيص تتطلب وقتا لكي تعمل عبر تغييرات مهنية وتنظيمية، ولن يحدث الأمر بسرعة، وربما لن يحدث على الإطلاق.

إذن، أين موقعك في هذ المزيج بين الفرصة والمخاطرة؟ أرى أن يكون لديك ذلك السلوك المشكك “حذر المشترِ” الذي من المفترض أن يملكه كافة المستهلكين الأذكياء والعقلاء. عليك أن تعطي أهمية لبدء العلاج وكأنك بصدد شراء سيارة، منزل، أو اختيار صديق أو شريك. إن قرار تناول دواء نفسي أو البدء بعلاج نفسي هو قرار سيغير حياتك، فلا تبدأه بشكل عرضي أو على جهل منك.

لا ترتعب من دورك الهام الذي تلعبه في البحث عن العلاج الذي تحتاجه، وتجنب علاج لست بحاجته. اعتدت أن تقوم بخيارات استهلاكية ذكية وصعبة في جميع الجوانب الأخرى من حياتك، ولن يختلف هذا عنها بشيء. لقد تكاثرت مجموعة خيارات تشخيص وعلاج الأمراض النفسية جنبا إلى جنب مع بقية الخيارات الاستهلاكية التي تميز حياتنا الحديثة. فعندما تضطر لاختيار أي كاميرا، تلفاز، شامبو، وبالأخص أي حبوب إفطار من بين تلك الأنواع المرصوفة على الجدار العظيم، ستجد أمامك عشرات الخيارات المتوفرة. إن وجود كثير من الخيارات أمر جيد وسيء في نفس الوقت، فالمزيد يعني غلبة السيئ فيها. سأعرض نصائحي حول كيفية تجاوز ما قد يبدو متاهة مربكة من خيارات الرعاية (و اللا رعاية)  حتى تجد ما هو ملائم لك.

العمل مع الأطباء

يتطلب التشخيص النفسي تعاونا بينك وبين طبيبك النفسي. فهو لا يستطيع أن يقوم بالأمر وحيدا. لا توجد فحوص مخبرية موضوعية في الطب النفسي، لذلك من المستحيل أن تُشخص مشكلتك من قبل أي أحد دون مساعدة منك. إليك هذه الأمور لتفعلها وتحصل على أفضل نتيجة.  أولا: كن صادقا مع نفسك ومع طبيبك. ليس هناك متعة في الحديث عن أعراض نفسية، خاصة مع شخص غريب. لكن التشخيص يعتمد كليا على انفتاحك الكامل مع الطبيب واستعدادك لمشاركة أكثر الأفكار، المشاعر، والسلوكيات المحرجة. مهما كان انكشافك صادما ومخزيا بالنسبة لك، كن متأكدا أن هذا جزء من الوضع البشري، وأن الأطباء قد سمعوا أوصافا مشابهة (وأكثر غرابة وإحراجا) قبل مجيئك. إن أكبر رهان آمن في العالم هو أنك ستحكم على نفسك أضعاف ما قد يحكم عليك أي طبيب نفسي.

مفتاح التشخيص النفسي هو التقرير الذاتي، وهو مستحيل دون مراقبة ذاتية دقيقة ومستمرة. ابدأ بكتابة مذكرات يومية مع وصف لأعراضك كما تظهر. لاحظ تحديدا نوع العرض، وقت بدايته، شدته، ومدته، ومستوى الضعف الوظيفي كالإجهاد، بجانب الأشياء التي تجعلك تشعر بتحسن أو سوء خلال اليوم. ابذل ما بوسعك كي تقدم سجلا على أكمل وجه، يحتوي على بياناتك الماضية التي ربما تشي بشيء عن حالتك الحالية. من الأهمية بمكان أن تحصل على نسخ من سجلاتك النفسية والطبية. إلى وقت قريب، كان من الصعب الحصول على السجلات لكن الحال لم يعد كذلك. قد تكون السجلات مزعجة أحيانا أو غير دقيقة، لكن اقرأها بقوة وتسامح. ولكي تعلم أيضا إن كان هناك أخطاء فلديك الحق في تصحيحها. عادة ما يكون الحصول على السجلات أمرا محبطا ومضيعة للوقت، لذلك وجودها مسبقا قد يمنحك الأسبقية.

عندما تكون السجلات السابقة ضخمة، من المفيد أن تبقي على قائمة محدثة ومرتبة زمينا لكل الأدوية النفسية التي تناولتها، بتاريخها، جرعتها، دواعي استعمالها، استجابتك لها، وأعراضها الجانبية. أيضا ضع قائمة بالأدوية الطبية الأخرى التي تتناولها الآن أو تناولتها في السابق. أخيرا احتفظ بقائمة أسماء مرتبة زمنيا، بأرقام الهواتف، وعناوين البريد الإلكتروني لكافة الأطباء النفسيين الذين زرتهم لأي إقامة طبية أو نفسية في المستشفى. إن حفظ هذه الكشوفات سيضع أمورك في نصابها الصحيح ويضمن لك عدم ضياع أهم التفاصيل. كما يوفر وقتا ثمينا ومكلفا لتركز أنت وطبيبك على جوهر ما يحدث الآن، بدلا من إعادة سرد للأحداث الماضية كارثة وراء كارثة.

لا ينبغي عليك ولا على طبيبك الحالي المضي بصورة عمياء خلف الانطباعات التشخيصية والخطط العلاجية للأطباء السابقين، فربما تكون خاطئة في أساسها، أو ربما فات عليها الحول. لكن مهما كان قصورها، فالسجلات السابقة تحتوي في الغالب على مواد تلقي الضوء على ما يحدث في الوقت الحالي. فالوقت الذي تقضيه في جمع وتحديث سجلك سيكون مكافأة غنية لك.

اعرف كل ما يجب عليك معرفته عن تاريخ مشاكلك، أكثر مجموعات معايير الدليل التشخيصي صلة، والتشخيصات المتباينة المحتملة. يشعر الطبيب أحيانا بالتهديد أو الدفاعية إذا بدا أنك تعرف الكثير، لكن مالم تكن بغيضا بهذه المعرفة، فربما تكون مشاعره إشارة إلى أنك ستكون أفضل حالا مع طبيب مختلف. أفضل تكهن لنتيجة العلاج الجيد هي العلاقة الجيدة. إعجابك بطبيبتك والشعور بأنها تفهمك وتفهم مشاكلك لا يضمن لك مقدرتها على مساعدتك، لكنها بداية جيدة. إذا كنت لا تشعر بالراحة مع الطبيب، جِد شخصا آخر يمكن أن تتواصل معه. وتذكر دائما أن التعاون دائما يكون باتجاهين لتحصل على أفضل نتيجة، عليك أن تبذل جهدا كافيا. أدرك صعوبة وجود مشكلة نفسية لديك، لكن ليس من الضروري أن تجعل الأمر مأسويا. إن من يأخذون أمر البحث عن المعلومات، العمل، والنهج التعاوني لخطة التشخيص والعلاج بصورة جدية يحصلون في النهاية على أفضل النتائج.

كيف نتأكد من صحة التشخيص؟

ربما أسهل طريقة وأقلها كلفة هو أن تتحقق من التشخيص بنفسك. كنت أوصي بمراجعة معايير الدليل التشخيصي والإحصائي للتحقق، لكن إيمانهم بالدليل التشخيصي بطبعته الخامسة قد انخفض لأن الكثير من مقترحاته تقود لتجاوزات في التشخيص، أو هكذا اعتقدت. يوجد على الإنترنت معلومات غزيرة، لكن عديدا من المواقع قد أظهرت علامات تجاوز في التشخيص، غالبا بسبب تأثير شركات تسويق الأدوية. هناك عدة كتب مرشدة للتشخيص النفسي للأطباء والمرضى، وهي أكثر موضوعية. كتبت أحدها بنفسي، ويفترض أن تكون تصحيحا لتجاوزات الدليل التشخيصي والإحصائي الطبعة الخامسة. إن أهم الأمور التي يجب التحقق منها هي ما إذا كانت أعراضك تقارب وصف الاضطراب بصورة وثيقة، وهل دامت فترة كافية لتقارب الوصف، هل تسبب لك كربا أو ضعفا ملحوظا، وهل تشعر أنها مجرد ردة فعل مؤقتة لأحداث مزعجة أو أنها أكثر ثباتا في حياتك اليومية. وليس عليك أن تعطي رأيا بشكل مباشر. ابقِ على مذكرتك اليومية، ارسم المسار، ولاحظ كيف تتطور الأمور. إذا تحسنت أعراضك من تلقاء نفسها خلال وقت معقول، ستجيب الأسئلة عن نفسها. لكن تأكد من اتخاذ المساعدة اللازمة عندما تطرأ الأعراض مجددا، وتسوء حالتك، وتستمر بخلق المشاكل لك.

افترض أن طبيبك توصل لتشخيص غير مقنع لك، بالنظر لما بحثت عنه. قد يكون على خطأ، خاصة إذا كان تشخيصا خاطفا بعد زيارة موجزة. أو ربما فاتك شيء لم يفته. عندما يكون هناك تضارب، لاتكن خجولا واسأل الطبيب بأدب ليشرح لك منطقية التشخيص وكيف استوفى تشخيصك المعايير. أحيانا يختلف الأطباء على تشخيص، وغالبا ما يصعب معرفة من هو على صواب. الخلاف مرجح خاصة إذا كنت صغيرا، فالأعراض ليست تقليدية، أو إذا كانت مشكلتك على حد مع السواء النفسي. من السهل دائما أن تضرب الكرة عندما تكون الكرة في منتصف الملعب بدلا من محاذاتها الزاوية.

كلما شعرت بالشك، احصل على رأي ثان من طبيب مختلف، أو رأي ثالث، أو رابع. انظر أيضا لما تظنه عائلتك. الرأي الثاني مفيد، خاصة إذا كان العلاج الأول غير صالح لك، أو إذا كان هناك أي شك على الإطلاق في تشخيصك. من خلال تجربتي، يقوم بعض الأطباء بنفس التشخيص وإعطاء نفس العلاج لكل مريض يراه. وآخرون يُظهرون حماسا عابرا لتشخيص معين بعد حضورهم لمؤتمر، أو لقاء مع بائع أدوية. ينجرف عديد من الأطباء خلف تيار آخر بدعة في التشخيص أو أحدث “الأعاجيب” التي دخلت سوق الأدوية. ولعلك تكون مفيدا في كبح هذا التأثير. توقع دوما أن طبيبك سيقدم لك مبررات وتفسيرات منطقية لأي قرار تشخيصي واسأله على الدوام إن لم يقدمها لك. إذا كان الطبيب لا يملك عقلية منفتحة، يغضب مثلا، أو إذا لم يفلح بشرح التشخيص لك بشكل منطقي، ربما من الأفضل أن تحصل على رأي آخر.

أي نظام يؤدي لتشخيص أفضل؟

غالبا ما يطرح هذا السؤال علي. بلهجة أخرى، هل من المهم أن أرى طبيبا نفسيا لتشخيصي أو هل يمكن أن أثق بمعالجي؟ الجواب معقد، لا يوجد نظام يحتكر التشخيص الجيد او السيء. في المتوسط، يتبع التدريب ومهارة التشخيصيين سلما هرميا:

(1) الأطباء النفسيين، (2) الأخصائيين النفسيين (3) ممرضات ممارسات للطب النفسي (4) الإخصائي الاجتماعي (5) المستشار النفسي (6) المعالج النفسي المهني. لكن أسوأ التشخيصات كانت من أطباء نفسيين، وأفضلها من ممرضات وأخصائيين اجتماعيين. لذلك يمكنك أن تنجح فقط بشهادة الدبلوم. هناك الكثير من التباين في المهن أكثر من تباين عبر المهن. كل الأسباب التي تجعلك مستهلكا ذكيا، هي أن تدرس المشاكل بنفسك، بحيث تكون أنت و (عائلتك) تحت تأثير تقديم رأي ثان مطلع ومراقب جيد للعملية.

من الصعوبة أن نضع أطباء الرعاية الأولية في التسلسل الهرمي للتشخيصيين. بعضهم بارعون بجدارة في التشخيص النفسي، لكن بعضهم يفتقر العلم الكافي، وآخرون لا يسعهم تقديم المزيد. وهذا أمر جلل لأن أطباء الرعاية الأولية هم من يصفون معظم الأدوية النفسية. إذا كان طبيب الرعاية الأولية يعرفك جيدا وقضى معك فترة كافية قبل أن يعطيك العلاج، فهناك أمل معقول بمنطقية فعلته. لكن كن مشككا دائما بشأن التشخيص وخطة العلاج عندما يعرض عليك وصفة طبية بعد زيارة مدتها سبع دقائق، أو حينما يقدمها الطبيب لك كأدوية عينات مجانية. لا يوجد شيء مجاني، وقرارات الطبيب ربما كانت تحت تأثير بائعي الأدوية، أو برغبة إخراجك من المكتب بأسرع مما يمكن. كن مدركا أن أطباء الرعاية الأولية يصفون العديد من الأدوية بشكل عام، وفضفاضين بشكل خاص مع مضادات القلق ( زاناكس) ومضادات الذهان ( سيروكيل، أبيليفي)، خذ برأي ثان قبل تناولها.

أقترح دائما أن ترى طبيبا نفسيا إذا كانت مشكلتك شديدة، أو إذا كان لديك مشاكل طبية.

هل التشخيص النفسي مسألة عائلية؟

نعم دائما، وأحيانا لا يكون مسألة عائلية. من الفطري عند الإنسان أن يكون لديه تحيزات وبقع عمياء في طريقة رؤيته للأمور. وأسوأ التحيزات والبقع العمياء تحدث عندما ننظر في المرآة. حتى الآن، قمنا بوصف استعمالات التشخيص الذاتي، ولكن علينا أن ندرك قصوره وإساءاته الممكنة.

إن انعدام الوعي الذاتي طبيعة للوحش البشري، لكن يمكن أن تكون مشكلة خاصة للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية. ضعف البصيرة الشديد هي سمة متأصلة لبعض الاضطرابات النفسية (مثال: الفصام، الهوس، الاكتئاب الضلالي، فقدان الشهية، العته، الشخصية المعادية للمجتمع والشخصية النرجسية). لكن يمكن للبصيرة أن تضعف بطرق أكثر دهاء في الاضطرابات الأقل حدة. ربما تكون آخر من يعلم أن اكتئابك (أو القلق، فرط الكحول) تتسبب بضعف بصيرتك، وآخر ما تريده هو الحصول على المساعدة. تذكر أن ثلثي الأشخاص ممن يعانون من اضطرابات نفسية يفشلون في الحصول على المساعدة التي من الممكن أن تحدث فرقا كبيرا في حياتهم.

هنا يأتي دور العائلة، من السهل أن يملأ الأحباء فجوات المعلومات ويغرسون الحاجة التي غالبا ما تكون ضرورية قبل أن يطلب الشخص المساعدة. وفي الغالب يقدمون الوعي باستمرار، والذي من شأنه أن يخفض تطور الأعراض وتأثيرها الوظيفي، وتأثيرها على العلاقات الشخصية. لهذا السبب، أحاول دائما أن أُدخل العائلة في كل تقييم تشخيصي لمريض جديد، متى ما كان ذلك الأمر متوفرا وجاهزا، وأيضا متى ما كان المريض مستعدا. إذا كانت الجغرافيا تعيق الزيارة الشخصية، فالاتصال الهاتفي، السكايب، أفضل من لا شيء. يستطيع كل فرد من أفراد العائلة تقديم معلومات ورؤى فريدة يمكن أن تقود في مجملها إلى تشخيص دقيق أكثر من استنتاجات شخص واحد. من المفيد أيضا حينما يشارك كل فرد من أفراد العائلة مراقبة طبيعة و مسار شدة الأعراض، وإذا كان الجميع يعمل من أساس معرفي واحد في تحقيق العلاج.

هناك استثناءان للقاعدة، أوضاع يكون فيها تدخل العائلة في التشخيص ليس بالأمر الجيد، ويمكن لوحده أن يسبب مجموعة من المشاكل. أشدها تأثيرا عندما تكون العائلة ليست مُحبة، وتعمل على منافع متضادة. يمكن أن يستخدم الوصم في النزاعات العائلية كأسلحة خطيرة. وهذا حقيقي خاصة عندما يكون الطفل أو قضايا الحضانة جزءا من النزاع. تحتاج العائلة أن تحلّ النزاع قبل أن يكون تدخلها ذا منفعة لتشخيص أي فرد من أفرادها. وأحيانا، يكون علاج الشخص بمفرده ناجحا في الحد من الصراع، (الذي قد يكون سببه مشكلة نفسية له)، وهنا يمكن للأسرة أن تلعب دورا بناء في هذه الحالة.

هناك استثناء ثان، للشباب الذين يكافحون ليصبحوا أكثر استقلالية، ربما يحتاجون ترتيب أمورهم بأنفسهم دون تدخل من عائلاتهم. لكن هذه الاستثناءات نادرة، ففي معظم الحالات تكون العائلة عنصرا مصيريا في التشخيص الدقيق.

متى يجب إعادة تقييم التشخيص النفسي؟

الانطباع الأول في التشخيص النفسي، مثل انطباعات الحياة، ليست دقيقة دائما. هنا ثلاث حالات يجب فيها النظر للتشخيص النفسي الأولي على أنه ليس أكثر من مجرد نظرية مؤقتة، ليس حقيقة ثابتة.

الأولى وهي الأكثر شيوعا، عندما يكون لخطة العلاج المعدة خصيصا للتشخيص نتائج غير مُرضية بعد تجربة عادلة (مثال: جرعة ومدة كافيتين). يمكن أن يحدث فشل العلاج حتى مع وجود تشخيص واضح ودقيق وعلاج مناسب تماما. السؤال الأول يجب أن يكون، هل تناولت العلاج الذي وصف لك بالفعل، أو قمت بأداء الواجبات النفسية المفروضة عليك؟ لا ينبغي الحكم على فشل العلاج إذا لم يأخذ تجربة عادلة. لكن حتى التجارب العادلة لها متوسط الثلث من معدل الفشل. ربما يدعو هذا إلى تجربة أخرى لعلاج بديل لنفس التشخيص. لكن يجب أن تكون هناك احتمالية أخرى متاحة، أي أنه بسبب عدم دقة أو اكتمال التشخيص الأولي كان هناك خيار علاجي أقل من الأمثل. يعتبر التشخيص والعلاج دون المستوى الأمثل من الأسباب المحتملة لاستجابة علاجية أقل من المقبولة. التغيير في التشخيص، ووجود علاج جديد وملائم أحيانا يكون له مفعول العجائب.

غالبا ما يفشل التشخيص نتيجة الدور المسبب أو تعقيدات استعمال الدواء (خاصة عند صغار المرضى ) أو المشاكل الطبية، أو أعراض الأدوية الطبية (عند كبار السن ). لكن إخفاق وعدم دقة التشخيص يمكن أن تحدث لأي سبب من الأسباب، اختصاصي تشخيص غير كفء، مريض ممتنع، وقت غير كاف للتقييم، أو حالات يكون استقرار التقييم فيها منخفضا. متى ما كان العلاج الأول لا يعمل بصورة جيدة، فمن المفيد إعادة النظر في مدى دقة المعايير التشخيصية للتشخيص، وما إذا كان هناك أمر مفقود من البداية. يجب أن يتم هذا الأمر مع طبيبك، لكن من الجيد أيضا أن تتحقق من الأمور بنفسك، أو تأخذ برأي ثان أو ثالث.

هناك احتمال ضعيف أن تكون التشخيصات التي أجريت في بداية الأعراض النفسية دقيقة وثابتة مقارنة بتلك المبنية على سجل طويل. هذا الأمر صحيح خاصة مع تشخيص الأطفال (لأن عوامل النمو يمكن أن تؤدي إلى تغيرات سريعة)، وعند المراهقين ( حيث تلعب المخدرات، ضغط الأقران، المشاكل العائلية، مشاكل النمو دورا معقدا ). كن مترددا بشأن كافة المظاهر النفسية لصغار السن، باستثناء الواضحة، فلا يمكنك أن تفترض دائما أن ” التشخيص لمدى الحياة” (مثال: اضطراب ثنائي القطب، التوحد )، سيبقى مدى الحياة، خاصة عندما يكون مبنيا على معلومات غير مكتملة، مسار قصير، وأعراض حدثت مبكرا في حياة الفرد.

عملية التشخيص عبارة عن فيلم، وليست لقطة. عملية التشخيص يجب ألا تكون ساكنة أو متجمدة عند الانطباع الأول. التشخيص الأولي هو فقط تشخيص أولي، هي فرضية تختبر بواسطة تراكم الخبرات. إن أخذ مسار الأعراض بعين الاعتبار جزء مهم من العملية التشخيصية، وغالبا ما ينكشف المسار كليا بمرور الوقت. لذلك ابقِ على عقل مفتوح ويقظ، وعين ساهرة على تطور الأعراض وما تقوله عن التشخيص.

تبدو بعض مظاهر التشخيص النفسي خارج مجموعة معايير الدليل التشخيصي والإحصائي. مثل الأمثلة المرجعية الكلاسيكية لتشخيص معطى، والتي لا يمكن أن تغيب عن أي طبيب ويمكن أن تعلم عنها بنفسك. لكن بعض المظاهر تبدو أقل وضوحا وتتطلب مهارة طبية كافية لاستخلاصها. هناك بعض المظاهر، حتى هذه اللحظة، تبدو مربكة ولا يمكن لأمهر طبيب تشخيصي أن يستخلصها. كلما كان مظهر العرض أصليا كلما زادت الثقة في التشخيص والعلاج الملائمين (وليس هذا بالأمر القطعي). وكلما زاد تشوش العرض كلما كان التشخيص مؤقتا وكلما أضفى على نهج العلاج ميزة فردية.  في الغالب يكون مرور الوقت أكبر بيان، وتعلن الطبيعة الحقيقية للاضطراب عن نفسها كلما انكشف مسارها تدريجيا.

القاعدة الأساسية أن تسعى لوضوح التشخيص، لكن ليس إلى درجة فرضه فوق ما تسمح به الأدلة المتوفرة. تغيير التشخيص في منتصف العلاج غالبا ما يسبب زعزعة، لكن التمسك بتشخيص غير دقيق أعظم ضررا بكثير. يجب أن تشعر أنت وطبيبك بالراحة في اختبار التشخيص مع إعادة تقييم منهجي ومتكرر. وعندما تكون الأمور غير واضحة، تقبل أنها غير واضحة بدلا من القفز إلى نتيجة غير دقيقة وسابقة لأوانها.

مخاطر التشخيص الذاتي

حتى الجهود المبذولة لتصبح مستهلكا عاقلا تحمل في ثناياها فخاخا ومخاطر. أوضحها أن النتيجة النهائية يمكن أن تصبح أنت مستهلكا سيئا ومخدوعا، مما يؤدي لاحتمالية تجاوز أو قصور في التشخيص، أو تشخيص خاطئ. من الحكمة دائما أن تبقى مشككا بشأن التشخيص الذاتي، وتبقي على عقلية منفتحة، وتفحصها مع أفراد العائلة، ومهنيّ الصحة النفسية.

أكثر الأسباب شيوعا لتجاوزات التشخيص هو افتراض أن وجود عرض أو (بعض الأعراض) النفسية يعني أن لديك اضطرابا نفسيا شاملا. العديد من الناس لديهم بعض الأعراض، بعضها أو كلها تكون جزءا من حياتهم، وليست اضطرابا نفسيا. تذكر، يجب أن يكون لديك مجموعة كاملة من الأعراض على مستوى كاف من الشدة، وثابتة لمدة كافية قبل أن تحكم أن لديك اضطرابا نفسيا.

أما أكثر الأسباب شيوعا لقصور التشخيص فهي المعلومات غير الكافية. وهذا أسهل ما يمكن تصحيحه. كل ما عليك هو أن تدرس أكثر، وتكون أكثر شمولية في مراجعة التشخيصات المحتملة. لكن أكثرها خطورة هو قصور التشخيص الناجم عن العار، الإنكار، أو كونك رزينا بشكل غير عادي، أو شخص ميؤوس منه. حينها يمكن أن تواجه مشكلة في التغلب على كل ذلك بنفسك، لذا حاول أن تقبل المساعدة سواء من الأحباب او الأطباء.

السبب المحتمل للتشخيص الخاطئ هو التقليل من شأن الكحول، المخدرات وكونها مسببا لأعراضك. ربما لم تلحظ الصلة أو ربما تشعر برغبة عارمة لإنكارها لأنك لا ترغب بمواجهة فكرة التقليل منها. أما الخطأ الشائع الثاني المؤدي للتشخيص الخاطئ فهو تغييب حقيقة أن مرضك النفسي (أو العلاج الذي تأخذه لأجله) ربما يكون مسببا لأعراضك النفسية. وهذه حقيقة معقدة وصعبة لتفككها لوحدك، والعمل عليها يتطلب تعاونا من كل من أطبائك وأطبائك النفسيين.

الخطر التالي للتشخيص الذاتي نادر، لكن ضرره شديدا. إن السعي للحصول على المعلومات، عند البعض، يكون أحيانا مغذيا لتوهم عاطفي. حاول أن تتذكر دوما أن الأعراض الفردية للاضطراب النفسي شائعة للغاية، وتشكل جزءا لا مفر منه من الحياة اليومية. كل شخص لديه أوقات عرضية من القلق، الاكتئاب، تشتت الانتباه، فقدان للذاكرة، أو فرط في الأكل (وإلى ما دون ذلك من قائمة بعشرات الأعراض). لكن معظم الأشخاص ليس لديهم اضطراب نفسي. إذا بدا أن لديك كل اضطراب في الدليل، الأرجح أنك لا تعاني من أي منها على الإطلاق وأنك أفرطت في قراءة الدليل التشخيصي.

أخيرا، القليل من المعرفة يمكن أن يشكل خطرا عظيما. قد تجد تسلية في وصم ليس ذاتك فقط، بل وعائلتك أيضا، أصدقائك، وعلى وجه الخصوص رئيس عملك. قد يؤدي ذلك إلى تراشق رخيص خاصة في خضم حرارة المعركة. رمي التشخيصات مثل السهام يمكن أن يضر الآخر، ويجعلك تدور في حلقة مفرغة من ردود الفعل. مع ذلك، فبالنسبة للغالبية العظمى من الناس، منافع التشخيص الذاتي تفوق مخاطره.

احذر من بدع التشخيص

إذا بدأ فجأة أن لدى الجميع تشخيصا أو يبدو أنهم كذلك، (سواء كان اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، اضطراب ثنائي القطب، اضطراب ما بعد الصدمة، التوحد) دائما افترض أنه أمر مبالغ به ولا تقفز لاستنتاج. وأيضا لا تكن ممن يتأثر بتشخيص أصدقائه بشكل بالغ، أو تقارير وسائل الإعلام أن مشهورا من المشاهير لديه تشخيص معين، أو أن تشخيص سُكت عنه سابقا وتبين أنه يصيب بعضا من الناس. تأتي موضات التشخيص الدورية وتذهب، مخلفة ضررا بالغا. لذا، كن مشككا على الدوام بموضة التشخيص.

حذار من شركات الادوية

ستبذل مصانع الأدوية قصارى جهدها لتضليلك. فمن ضمن خططها كسب المال وتوسيع رقعة أسواقها، وسوف تفعل كل ما بوسعها لكسب عملاء جدد. تغرم شركات الأدوية باستمرار بسبب نقل معلومات خاطئة بلا ضمير للمستهلكين والأطباء، لكنهم يستمرون بفعلها لأنها مريحة للغاية.

كن حذرا بشكل خاص من إعلانات الأدوية المبتكرة خصيصا لأجل تسويق منتج عن طريق التوسع في التشخيص، وغالبا ما يلاحقون الأشخاص الذين لا يريدون المنتج. لا تقع في هذا الفخ ولا تدع أطفالك يقعون فيه أيضا. تعامل مع شركات الأدوية بالطريقة الصحية المشككة التي تتعامل بها مع بائع سيارات مستعملة. ولا تفترض أن “أسأل طبيبك” ستوفر لك حماية من الضرر. طبيبك أيضا قد يكون تحت تأثير ذراع طويلة لتسويق الأدوية. حذار من الأطباء الذين لديهم شعار شركات أدوية على مكاتبهم، أقلامهم، وأكوابهم، ومن يتساهلون بشأن العينات المجانية. كن مشككا، لا ساخرا. واستخدم الدواء الصحيح، فقد يكون مفيدا وشافيا.

العلاجات العشبية الخاصة بالصحة النفسية أقل تنظيما حتى من الأدوية. لأنها لم تفحص من قبل هيئة الغذاء والدواء، إن مروجي العلاجات العشبية يمكن أن ويقومون بالفعل بادعاءات فظيعة لا تستند على أي دليل إطلاقا. ولا توجد أي طريقة لمعرفة ما إذا كانت منتجاتهم نقية، آمنة، أو فعالة. فمن العدل افتراض أن جميعها زائفة.

الإنترنت هو أفضل وأسوأ مصدر للمعلومات التي تختص بشأن التشخيص النفسي. اختر موقعك. بحذر وبتشكيك.  فبعض المواقع أدوات لتسويق شركات الأدوية. أما المواقع الأخرى فقد تتأثر وبطرق أقل وضوحا، بتسويق شركات الأدوية الخفي والتمويهي. تفحص الأمور مرتين وثلاثة قبل أن تؤمن بها.

 

الشفاء الطبيعي

الوقت والمرونة دائما إلى جانبك. الأعراض الخفيفة والإجهاد المتعلق بها ربما تكون جزءا من الحياة وستتحسن من تلقاء نفسها، أو إذا قمت بأمور بسيطة أو قليلا من التوافق النفسي. لن يكون تحذيري كافيا حينما أقول لا تقفز إلى استنتاج أنك مريض فقط لأنك حزين أو قلق. أعط نفسك الوقت لفرز الأشياء، وانظر كيف تأخذ الطبيعة مجراها.  وافعل الأشياء المفيدة بشكل واضح، التي يعلم معظم الناس أنه يجب عليهم فعلها ولكن لا يفعلونها. تمرن، تمرن، ثم تمرن لأنه من أعظم طرق الشفاء لمشاكلك الجسدية والنفسية. تأكد من حصولك على قسط وافر من النوم، فالحرمان من النوم يسبب أعراضا نفسية. قلل أو اقطع تناولك للكحول والمواد المخدرة. تواصل مع الأصدقاء والعائلة. اسع للمساعدة الروحانية. اكتشف ما يحلو لك فعله وأضف مزيدا من الوقت له في يومك. حدد المشاكل التي تسبب لك الحزن ثم اكتشف الحلول. فرغ أي ضغط يمكنك أن تفرغه بأمان، كل ذلك قد يبدو مبتذلا وبديهيا لكن الحلول التافهة والبديهية تخدمنا في حياتنا اليومية.

المرونة الطبيعية والحلول البسيطة لن تجدي إذا كانت أعراضك مستمرة وشديدة. تحتاج الاضطرابات النفسية الحقيقية إلى انتباه من قبل الأطباء النفسيين، احصل على المساعدة المهنية عندما تحتاجها، وتجنبها عندما لا تحتاجها.

 

 

error: المحتوى محمي