أي الجروح جديرة بالقلب الأرجواني؟ – مايكل ساندل / ترجمة: مروان الرشيد

أي الجروح جديرة بالقلب الأرجواني؟ – مايكل ساندل / ترجمة: مروان الرشيد

Sandle

غلاف الكتاب


الحلقة الثانية – الفصل الأول من كتاب “العدالة” لمايكل ساندل

أي الجروح جديرة بالقلب الأرجواني؟

حضور مسائل الفضيلة والشرف، في بعض القضايا، أسطع من أن ينكر. انظر إلى الجدل القريب حول من المؤهل لنيل القلب الأرجواني. فمنذ العام ١٩٣٢ منح الجيش الأمريكي هذه الميدالية للجنود الذين أصيبوا أو قتلوا في ميدان المعركة على يد العدو. وتمنح الميدالية أصحابها، إضافة للشرف، امتيازا خاصا في المستشفيات العسكرية.

منذ بدأت حروب العراق وأفغانستان – التي ما تزال جارية – شُخِّص العديد من الجنود بمتلازمة إجهاد ما بعد الصدمة[1]، وتمت معالجتهم منها. تضمنت الأعراض كوابيسا متكررة، واكتئابا حادا، وميلا للانتحار. على الأقل ثلاثين ألف جندي عانوا من متلازمة إجهاد ما بعد الصدمة، أو من حالات اكتئاب خطيرة. ويدعو أنصار هؤلاء الجنود أن يكونوا هم أيضا مؤهلين للحصول على القلب الأرجواني، وكانت حجتهم هي أن الإصابات النفسية، كالإصابات الجسدية، تؤدي لإعاقة المصاب بها؛ مما يجعل الجنود المصابين بها مستحقين للميدالية.

بعدما أجرت مجموعة استشارية تابعة للبنتاجون دراسة على هذه المسألة، أعلن البنتاجون عام ٢٠٠٩ أن القلب الأرجواني لن يمنح سوى للجنود المصابين جسديا، ولن يكون الجنود المصابين بإصابات ذهنية أو صدمات نفسية مؤهلين للميدالية، رغم أنهم مؤهلين لتلقي العلاج المدعوم حكوميا وكذلك مستحقين لإعانات الإعاقة. قدم البنتاجون سببين لاتخاذ هذا القرار، هما: أن الإصابات النفسية لا يتسبب بها العدو قصدا، وأنه يصعب تشخيصها موضوعيا.

هل اتخذ البنتاجون القرار الصائب؟ لم تكن الأسباب مُقنعة، ففي حرب العراق كانت الإصابة الأكثر شيوعا، والتي تؤهل للحصول على القلب الأرجواني، هي انثقاب طبلة الأذن، التي تتسبب بها الانفجارات من مدى قريب. وهذه الانفجارات، على خلاف الرصاص والقنابل، ليست تكتيكا يتبعه العدو للإصابة أو القتل، فهي – كمتلازمة إجهاد ما بعد الصدمة – أثر جانبي للمعركة. ورغم أن متلازمة إجهاد ما بعد الصدمة قد تكون أصعب تشخيصا من عضو مكسور، فإن أثارها أبعد مدى وأشد وطأة من الإصابات الظاهرة.

أظهر الجدل الواسع حول القلب الأرجواني أن السؤال الحقيقي هو عن معنى الميدالية والفضائل التي تشرفها. إذن ما هي هذه الفضائل؟ إن القلب الأرجواني يجازي، خلافا للميداليات العسكرية الأخرى، على التضحية، لا الشجاعة؛ فهو لا يتطلب أفعالا بطولية، فقط إصابة يتسبب بها العدو. والسؤال هو أي الإصابات جديرة بالاعتبار.

عارضت مجموعة عسكرية تسمى المجموعة العسكرية للقلب الأرجواني منح الميدالية للمصابين إصابات نفسية، مدعية أن هذا “يزري” بشرفها؛ وقال المتحدث باسم المجموعة إن “إهراق الدم” يجب أن يكون المؤهِّل الرئيس للحصول على الميدالية. لكنه لم يبيِّن لم لا يجب اعتبار الإصابات التي بلا دم غير مستحقة للميدالية. لكن تايلور إي. بودراو، وهو قائد سابق في البحرية يدعم منح الميدالية للإصابات النفسية، قدّم تحليلا مقنعا للخلاف. إذ نسب المعارضة إلى سلوك منغرس في العسكرية يرى متلازمة إجهاد ما بعد الصدمة ضربا من الضعف: “إن الثقافة التي تطالب بأن يتحلى المرء بقوة العقل، هي نفسها التي تشك في إمكانية أن تؤذي الحرب أكثر العقول عافية… ومن دواعي الحزن أنه ما دامت ثقافتنا العسكرية تحمل احتقارا صامتا للجروح النفسية الناتجة عن الحرب، فمن المستبعد أن يحصل هؤلاء الجنود على القلب الأرجواني أبدا”.

إذن فالجدل حول القلب الأرجواني أكبر من مجرد جدل طبي أو سريري عن مدى بلاغة الإصابة، ففي قلب الخلاف تصورات مختلفة عن ماهية الخصال المعنوية والبسالة العسكرية. فأولئك الذين يرون أن الجروح الدموية هي المستحقة للميدالية يعتقدون أن متلازمة إجهاد ما بعد الصدمة علامة على ضعف في الشخصية ليس جديرا بالتشريف. أما الذين يرون استحقاق الجروح النفسية للميدالية يجادلون أن الجنود الذين أصيبوا بها، وعانون من صدمة واكتئاب طويل الأمد، قد ضحوا من أجل وطنهم بشرف وبسالة، كما فعل الذين فقدوا أحد أطرافهم.

الجدل حول القلب الأرجواني يوضّح المنطق الأخلاقي لنظرية أرسطو في العدالة؛ فلا مناص لنا، حتى نحدد من يستحق ميدالية عسكرية، من أن نسأل عن ماهية الفضائل التي تشرّفها الميدالية. ولأجل الإجابة على هذا السؤال لا بد لنا من تقويم مختلف مفاهيم التضحية والشخصية.

قد يقول قائل، أن الميداليات العسكرية هي حالة استثنائية في عودتها إلى المفاهيم العتيقة للشرف والفضيلة. وأغلب النقاشات حول العدالة، في أيامنا تجري إزاء توزيع ثمرات الازدهار، أو توزيع أعباء العمل، أو تعريف الحقوق الأساسية للمواطنين، وفي هذه المجالات تسيطر اعتبارات الرفاه والحرية. ولكن غالبا ما تُعيدنا الجدالات حول الحقوق وسوءات النظم الاقتصادية إلى سؤال أرسطو عن الاستحقاق الأخلاقي الذي للناس وأسبابه.

 

 


Post-traumatic stress disorder [1]

error: المحتوى محمي