أوروبا والإسلام – برنارد لويس / ترجمة: عبد الباسط منادي إدريسي

أوروبا والإسلام – برنارد لويس / ترجمة: عبد الباسط منادي إدريسي


مستخلص:

         يقول برنارد لويس: إن الغرب اليوم يعيش مرحلة الهجوم الإسلامي عليه الأشد فتكا. فمنذ خروجه من الجزيرة العربية، كانت السيطرة على دار الكفر وتقويض حياتها السياسية هدفه الأول. لا يقول لويس بالعطب الجيني للمسلمين الذي تفوه به مستشرقو القرون المتأخرة التي سبقت الهجوم الإمبريالي الغربي على الشرق والجنوب. لكنه لا يتورع عن القول بفاشية المسلمين في عدائهم لليهود وبشيوعيتهم في سخطهم على أمريكا.

         إن أوروبا اليوم تشهد الهجوم الثالث على أسلوب عيشها وحياتها السياسية اللتين طالتهما تراخي قدرتهم العدائية للإسلام، وتفريطهم في الحماس الحضاري اللازم لحماية أنفسهم ضد هذا النزوع الإسلامي المدمر. وفي المقال تفصيل في هذا الشأن.


يُنسى أحيانا أن محتوى التاريخ، أو شغل المؤرخ، هو الماضي وليس المستقبل. أتذكر أنني حضرت لقاء دوليا للمؤرخين في روما، وأثناءه جلس مجموعة منا يناقشون مسألة: هل على المؤرخ محاولة التنبؤ بالمستقبل؟ خضنا في هذا النقاش، وأثناءه أدلى كل منا، مع اختلافنا، بدلوه. حدث ذلك يوم كان الاتحاد السوفيتي لا زال قائما وعلى خير ما يرام. تدخل أحد زملائنا السوفيات أخيرا قائلا: «إن أصعب امتحان لنا نحن المؤرخين في الاتحاد السوفيتي هو التنبؤ بالماضي».

لست أنوي تقديم أي توقعات لمستقبل أوروبا والإسلام. لكن من حق الجميع أن يتوقع شيئا واحدا من المؤرخ، وهو تحديد الميول والمسارات التاريخية، أي أن ينظر إلى ميول في الماضي ومنحاها في الحاضر، وإلى الإمكانات والخيارات التي سيواجهها في المستقبل.

هنالك سبب خاص على قدر مهم من الأهمية عند النظر إلى التاريخ في المواضيع التي تخص العالم الإسلامي، وهو أنه على غير العادة حريص على وعيه بتاريخه، على الضد مما هو عليه الحال في أمريكا وأوروبا بشكل خاص. تمتد المعرفة التاريخية في البلاد الإسلامية والشرق الأوسط على وجه الخصوص إلى مجيء الإسلام في القرن السابع بشكل واسع، وإن كانت غير دقيقة إلا أنها تتسم بالحيوية والتفصيل. فأثناء الحرب التي دارت رحاها بين القوتين الإسلاميتين العراق وإيران من 1980 إلى 1988. كانت الدعاية الحربية، الموجهة إلى شعبي الدولتين وإلى العدو مليئة بالتلميحات التاريخية، تلميحات لا تحيل على قصص واردة في التاريخ، بل تلميحات سريعة وعابرة، أحيانا تشير فقط إلى اسم شخص أو مكان أو حدث. وقد استُعمل هذا التكتيك بعلمٍ يقينيّ مفاده أن هذه الإشارات ستُلتقطُ وتُفهم حتى من قبل قسم كبير من المتلقين المستهدفين الذين كانوا أميين. أحالت إشارات عديدة على أحداث القرن السابع من الحقبة المشتركة: أحداث لا زالت حية في الذاكرة وعلى قدر مهم من العمق. ينبغي أن نشير إلى أن المعرفة بالتاريخ أساسية إن أراد المرء فهم الخطاب العمومي للقادة الإسلاميين في الوقت الحاضر، سواء أكان الأمر يخُصّ الموطن أو المنفى، أو يخُصّ الحكومة أو المعارضة.

إن إحدى التيمات المفضلة لدى المؤرخ هي تقسيم الزمن إلى حِقب. فالتقسيم على الأرجح راحة للمؤرخ في مهمّتي الكتابة أو التدريس. ومع ذلك، ثمة مراحل في تاريخ المغامرة البشرية الطويلة حيث نكون إزاء نقطة تحول أو تغير كبير: كنهاية حقبة، وبداية أخرى جديدة. وقد ازددت اقتناعا أكثر فأكثر بأننا على مشارف حالة مشابهة اليوم، وتهُمّ تغييرا في التاريخ يقارن بسقوط روما وانتشار الإسلام واكتشاف أمريكا.

يبدأ تاريخ الشرق الأوسط بالتأكيد مع نهاية القرن الثامن عشر، عندما استطاعت قوة بحرية فرنسية صغيرة تحت قيادة جنرال شاب يدعى نابليون بونابّرت إخضاع مصر وحكمها دون مقاومة. كانت صدمة شديدة الوقْع أن جزءا من قلب الأراضي الإسلامية يمكن اجتياحه دون مقاومة فعالة تذكر. أتت الصدمة الثانية  بضع سنوات بعد ذلك مع ترحيل الفرنسيين عن مصر، وهو ما لم يأت نتيجة لمقاومة مصرية، بل من إنجاز فرقة صغيرة من القوى البحرية البريطانية تحت قيادة أدميرال شاب يدعى هوراسيو نلسون (Horacio Nelson)، الذي أخرج الفرنسيين من مصر.

كانت هذه الأحداث ذات مغزىً رمزي عميق. فمنذ بداية القرن التاسع عشر فصاعدا لم تعد البلاد الإسلامية المركزية تحت حكم قادة مسلمين. لقد كانوا، أي المسلمين، تحت هيمنة مباشرة أو غير مباشرة، وفي أغلب الأحيان تحت سيطرة خارجية أتت من دول مختلفة من أوروبا، أو الدول النصرانية كما وسموها. أصبحت أوروبا تعرف بالاسم ‘أوروبا’ فقط آنذاك، وهو اسم كان إلى ذلك الحين غير معروف في الشرق الأوسط الإسلامي، وهذا تغيير في اللفظ أكثر من المعنى.

أصبحت القوى المسيطرة في بلاد المسلمين قوى خارجية. كانت قرارات تهم شؤونهم الداخلية تؤخذ بعيدا عن دوائر القرار في بلدانهم. وكانت المنافسة الخارجية هي ما منحهم خيارات العمل السياسي.

         كانت محاولة الاستفادة من المنافسة بين القوى الخارجية هي اللعبة السياسية التي استطاعوا لعبها، أو اللعبة الوحيدة التي كانت متاحة أمامهم، وأعني استغلال طمع القوى الخارجية في أرضهم ضد بعضهم البعض. فخلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين بدا هذا هو حالهم، واستمر ذلك حتى بداية القرن الواحد والعشرين. نرى على سبيل المثال كيف أن الشرق الأوسط لعب هذه اللعبة خلال الحرب العالمية الأولى والثانية والحرب الباردة مع درجات نجاح متفاوتة.

ولزمن طويل اشتعلت المنافسة بين القوى الإمبريالية الأوروبية: بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا وإيطاليا في المرحلة الأخيرة من القرن العشرين. اكتسبت هذه المنافسة طابعا إيديولوجيا واضحا، دول الحلفاء ضد دول المحور خلال الحرب العالمية الثانية، والغرب ضد السوفيات خلال الحرب الباردة. كان من الطبيعي بالنسبة للشعوب المستعمرة أن تشارك سادتها منافستهم الإمبريالية وبعد ذلك الإيديولوجية عملا بمبدأ «عدو عدوي صديقي». ونجد أمثلة واضحة على هذا في الصراع بين أنصار النازية وبعد ذلك أنصار السوفيات من الشعوب الخاضعة للإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية تحت قيادة نفس القادة أحيانا. يبدو من المثير للاهتمام عدم تواجد حركة لأنصار الغرب ضمن الشعوب المسلمة الخاضعة للحكم السوفيتي. كان السوفيات ذوو مهارة مذهلة في الدعاية والاستبداد أكثر من الإمبراطوريات الغربية الأكثر انفتاحا.

لقد انتهت تلك اللعبة الآن. فقد أنهى المرحلة التي بدأها نابّليون ونلسون كل من ريغان وغورباتشيف. لم يعد الشرق الأوسط تحت حكم أو سيطرة قوى خارجية. ويواجه الشرق أوسطيون اليوم صعوبة في تعديل أمزجتهم مع هذا الوضع الجديد، أي في تحمل مسؤولية أفعالهم ونتائجها. أتذكر سؤال سيدة إيرانية وهي توجه الكلام إلي بنبرة انتقاد مُرّة للحكومة في بلدها: «لماذا قررت القوى الإمبريالية فرض نضام ثيوقراطي إسلامي في إيران؟» لكن بوادر التغيير بدأت تظهر،  فقد أخذ البعض تحمل مسؤولية أفعالهم اليوم، وقد عبر عن هذا التغيير أسامة بن لادن بوضوحه وصراحته المعهودتين.

مع نهاية مرحلة السيطرة الخارجية اليوم، نلاحظ عودة ميول قديمة في تاريخ الشرق الأوسط إلى الظهور، وهذه ميول كانت مغمورة وضعيفة خلال قرون السيطرة الغربية. إنها تعود إلى الظهور اليوم مجددا. يتشكل أحد هذه الميول من الصراعات الداخلية، والإثنية، والإقليمية بين قوى مختلفة داخل الشرق الأوسط. لقد استمرت هذه  الأخيرة، لكنها لم تكن ذات أهمية إبان المرحلة الامبريالية. لقد عادت إلى الظهور الآن وتزداد قوة كما يبدو من خلال الصراع بين الإسلام السني والشيعي على مستوىً لم يسبق له مثيل خلال قرون.

هنالك تغيّر آخر ذي صلة بالموضوع الحالي، وهو عودة المسلمين إلى تصور يفيد بأن هناك صراعا كونيا بين الدينين الأكثر حضورا: المسيحية والإسلام. هناك عدة ديانات في العالم، لكن على حد علمي هناك اثنتيْن فقط ممن لا تدّعيان كونية حقائقهما فقط، (ولدى كل الديانات ادعاء مماثلا) بل تعتبر كل واحدة حقائقها حكرا عليها: إنهما المسيحية والمسيحيون من جهة والإسلام والمسلمون من جهة أخرى. فقد حضوا، كما يرون، بامتياز استقبال رسالة الرب الأخيرة للإنسانية، والتي يعتبرون أن من واجبهم ليس فقط أن يحتفظوا بها لأنفسهم، كما التابعين للمِللِ الطوائف الإثنية والمحلية الأخرى، بل أن يبلغوها إلى بقية البشر، وسيتم ذلك كما يرون من خلال تحييد كل العوائق التي قد تواجههم في سبيل ذلك. هذه النظرة التي تشترك فيها النصرانية والإسلام قادت إلى الصراع الطويل الأمد، والذي تجري أطواره لأكثر من أربعة عشر قرنا، والذي يدخل اليوم مرحلة جديدة. يمكن القول بأن هذا الموقف المتعالي في العالم المسيحي اليوم في بداية القرن الواحد والعشرين من زمنه لم يعد مسيطرا، بل أصبح همّ أقليات تعد على أصابع اليد. أما في العالم الإسلامي اليوم في قرنه الخامس عشر فلا زال الانتصار للدين قوة مهمة وجدت معبّراً عنها في الحركات المجندة.

إنه لمن المثير للاهتمام أن أزمنة مبكرة شهدت رفض كلا الجانبين اعتبار صراعهم على أنه صراع بين الأديان لمدة طويلة، أي أن تعتبر إحداهما الأخرى على أنها ديانة كونية منافسة. لقد اعتبر كل جانب بالأحرى على أن الصراع صراعٌ بين الدين، بمعنى الدين الحق، وبين الكفرة به. لقد فضل كلا الجانبين لمدة طويلة تسمية أحدهما الآخر بتسميات لا تمت إلى الملة بصلة. فمثلا أطلق المسيحيون على المسلمين تسميات الموريسكيين، والسراسنة، والتّتر، والأتراك، حتى أن من تحول منهم من بني جلدتهم إلى الإسلام كانوا يقولون عنه على أنه «أصبح تركيا». كما سمّى المسلمون من جهتهم خصومهم في العالم المسيحي الرومان، والفرنجة، والسلافيّون وهلم جرا. أما التسميات الدينية (كالنصارى والمسلمين) فقد ظهرت في وقت متأخر فقط، واتّسمت تلك التسميات في معظم الأحيان بالتحقير والبُعد عن الدقة. كان من المعهود في الغرب تسمية المسلمين محمّديّين، وهو الاسم الذي لم يتخذوه أبدا، وقد كان هذا مؤسسا على الافتراض الخاطئ تماما بأن المسلمين يعبدون محمد بنفس طريقة عبادة المسيحيين للمسيح. أما الاسم الإسلامي المعتاد للمسيحيين فقد كان ‘النّصراني’، ويُحيل على المعتقد المحلي في مكان يدعى الناصرة.

أتى إعلان الخصومة تقريبا مع بداية الإسلام حسب رواية مبكرة، حوالي السنة سبعة للهجرة أي ما يطابق 628 ميلادية، حيث أرسل الرسول ستة مبعوثين مع رسائل لإمبراطوري بيزنطة وفارس وملك الحبشة وحكام وأمراء آخرين يخبرهم فيها بنبوته ويدعوهم إلى اعتناق دينه أو تحمل عواقب الرفض. إن صحة هذه الرسائل النبوية محط شك، لكن محتواها دقيق بمعنى أنه يعكس نظرة مسيطرة عند المسلمين منذ أوقات مبكرة.

لدينا دليل قاطع بعد ذلك بقليل، وأعني قاطع بالمعنى الحرفي، في مخطوطات تخصّ هذا الشأن. فأحد المناظر الشهيرة في القدس هو مبنى مهم معروف ب’قبة الصخرة’، وهو مهم من مناحي عديدة. وقد بُني على جبل المعبد. والأخير مكان مقدس في التقليد اليهودي المسيحي. يُشبه أسلوب معمار المبنى المذكور معمار الكنائس المسيحية القديمة، ويُعتبر أحد أقدم المباني الدينية الإسلامية خارج جزيرة العرب، ويعود بناؤه إلى نهاية القرن السابع، وقد بناه خليفة مبكر اسمه عبد الملك. وأهم ما فيه رسالة منقوشة على المبنى تقول: «قل هو الله احد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد»، ومن الواضح أن محتواها تحدّ صارخِ لبعض المبادئ الأساسية للدين المسيحي.

من المثير للاهتمام أن الخليفة أعاد نقش الرسالة نفسها في صك عملة ذهبية. فحتى ذلك الحين، كان ضرب العملة الذهبية امتيازا رومانيا، ثم بيزنطيا حصرا بعد ذلك، ولم يصل التقليد إلى الخلافة الإسلامية ودول أخرى إلا في وقت متأخر. ضربت الخلافة الإسلامية العملة الذهبية مخلة بذلك بامتياز روماني محفور في الذاكرة، واضعة النقش نفسه عليها. وقد فهم الإمبراطور البيزنطي التحدي المزدوج وخاض الحرب في سبيل ذلك دون تأثير يُذكر.

أخذ الهجوم الإسلامي على النصرانية والصراع الناتج والذي ثار من تشابه الاثنين أكثر من اختلافهم لحد الآن ثلاثة مراحل: المرحلة الأولى تعود إلى البدايات الأولى للإسلام عندما خرج الدين الجديد من شبه الجزيرة العربية حيث ولد، إلى الشرق الأوسط وما وراءه. آنذاك احتلت الجيوش العربية سوريا، وفلسطين، ومصر وشمال إفريقيا، وكلها آنذاك جزء من العالم المسيحي، وبدأت مسار الأسْلمة والتّعريب. ومن هناك تقدم المسلمون نحو أوروبا، محتلين إسبانيا والبرتغال وصقلية والمناطق القريبة من جنوب ايطاليا، حيث أصبحت كلها جزءاً من العالم الإسلامي، ووصلوا بعد ذلك حتى جبال البّيريني، وسيطروا لوقت قصير على أجزاء من فرنسا.

         بعد صراع طويل ومرير استطاع المسيحيون استعادة السيطرة على جزءٍ من الأراضي التي فقدوها، وليس كلها. لقد نجحوا في السيطرة على أوروبا، وبمعنى ما تحددت أوروبا بحدود نجاحهم. أخفق الأوروبيون في إعادة السيطرة على شمال إفريقيا والشرق الأوسط الذين فقدتهم المسيحية. لقد فشلوا كما يُلاحظُ، من خلال ما سبق، في إعادة بسط سيطرتهم على الأراضي المقدسة في سلسلة الحملات المعروفة بالحملات الصليبية.

لم تكن تلك نهاية الصراع. ففي ذات الوقت، وبعد أن فشل العالم الإسلامي في السيطرة على أوروبا أولا، كان يتحضر لهجوم ثان، لم يأت الهجوم هذه المرة قبل العرب، والموريسكيين، ولكن من قبل الأتراك، والتّتر. ففي منتصف القرن الثالث عشر تحول المغول المحتلين لروسيا إلى الإسلام. وتقدم الأتراك الذين كانوا  قد احتلوا آسيا الصغرى نحو أوروبا وسيطروا على القسطنطينية، وكانت مدينة مسيحية قديمة. بسطوا سيطرتهم على البلقان ولوقت قليل حكموا نصف بلغاريا، كما وصلوا مرتين إلى فيينّا التي أحكموا عليها الحصار في 1529 ومرة أخرى في 1683. أما على الجانب الآخر من المتوسط، فقد هاجم قراصنة بارباري ( شمال إفريقيا)، المعروفون جيدا لدى مؤرخي الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، حيث توجهوا نحو إيسلندا، وهي الحد الأقصى لهجومهم شمالا، في سنة 1627، وأماكن أخرى عديدة في أوروبا الغربية. ومن الملاحظ ضمن هذه الهجومات غارة على بالتيمور (الأصلية في إيرلندا) سنة 1631. وبحوزتنا اليوم قائمة ب 107 محتجزين كانوا قد أُخذوا من بالتيمور إلى الجزائر ومن ضمنهم رجل يُدعى شيني.

أتى رد أوروبا ناجعا وسريعا هذه المرة. فقد نجح المسيحيون في استعادة روسيا وشبه الجزيرة البلقانية، وتقدموا نحو الأراضي الإسلامية في عقب حكامهم السابقين شرقا. وخلال هذه المرحلة من الهجوم الأوروبي المعاكس، تم اختراع مصطلح جديد، وهو ‘الإمبريالية’. عندما هاجمت شعوب آسيا وإفريقيا أوروبا لم تعتبر تلك إمبريالية، من سخرية الأقدار أن هجوم أوروبا على آسيا وإفريقيا سُمّي إمبريالية. لقد شكل لفظ الإمبريالية هذا مصدرا مزدوجا للاستياء من جانب، وللشعور بالذنب من الجانب الآخر. للغرب دون شك، بسبب تقليده اليهودي المسيحي، تاريخ طويل في الشعور بالذنب وجلد الذات. فالإمبريالية، والجنسية والعنصرية كلها مصطلحات غربية ليس لأن الغرب اخترعها ، لأنها في النهاية جزء من من إرثنا الإنساني وربما الحيواني المشترك، بل لأن الغرب كان السبّاق إلى تحديدها، وتسميتها وشجبها، وإعلان الحرب ضدها مع درجات نجاح مهمة.

شكّل هذا الهجوم الأوروبي المعاكس بدايةً لمرحلة جديدة تمكنت خلالها السلطة الأوروبية من السيطرة على قلب الشرق الأوسط. وتم ذلك مع الحرب العالمية الأولى، وانتهى مع مخلفات الحرب العالمية الثانية. ونشهد اليوم نهاية السيطرة الأوروبية وضمنها الروسية على أرض الإسلام.

لقد قدم أُسامة بن لادن في بعض الإفادات والتصريحات نظرته إلى الحرب في أفغانستان ما بين 1978 و1988، والتي سيُذكر أنها قادت إلى هزيمة وتراجع الجيش الأحمر وسقوط الاتحاد السوفيتي. نحن نميل إلى أن نرى ذلك كنصر غربي أمريكي على الخصوص في الحرب الباردة ضد السوفيات. لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لأسامة بن لادن. فقد نظر إليه على أنه نصرٌ إسلاميّ أتى بالجهاد ضد الكفار. لا أرى هذا على أنه تفسير غير منطقي إن تأملنا ما حدث في أفغانستان وما تلاها.

وصل الإسلام إلى قعر الهوان كما رآه أسامة بن لادن في هذا الصراع الطويل الأمد خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى عندما تفككت آخر الإمبراطوريات الإسلامية، وأقصد الإمبراطورية العثمانية، حيث اقتُسِمت أقاليمها بين الحلفاء المنتصرين، وانتهت الخلافة واقتيد الخليفة الأخير إلى المنفى من قبل الأتراك العلمانيين المغرّبين Westernizing. بدت هذه النقطة الأكثر انحطاطا في تاريخ الإسلام.

فقد أخذ الصراع الألفي بين المؤمنين وغير المؤمنين في نظر بن لادن مراحل متتالية  حيث كان على رأس المسلمين سلالة من الخلفاء وعلى رأس (الكفرة) قوى إمبريالية مسيحية خلفت الرومان في قيادة عالم الكفار كالإمبراطورية البيزنطية، والإمبراطورية الرومانية المقدسة، والإمبراطوريات البريطانية، والفرنسية والروسية. يقول: في هذه المرحلة الأخيرة انقسم وتصارع عالم الكفار بين قوتين متنافستين مهمتين: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. واجه المسلمون وهزموا الأكثر خطورة وتقتيلا من الاثنين. إذن سيكون التعامل، حسب رأيه دائما، مع الأمريكيين الناعمين والمُدللين والمخنثين مسألة سهلة.

بدا هذا الاعتقاد على أنه مؤكد في التسعينات عندما شهد العالم هجوما بعد آخر على القواعد الأمريكية وتجهيزاتها دون رد يذكر من أي نوع، اللهم إلا إذا استثنينا الخطابات الغاضبة والصواريخ المكلفة التي يتم إطلاقها على مناطق نائية وغير مأهولة. تأكدت دروس الفييتنام، وبيروت، (1983) ومقديشو (1993). فقد لحِق الهجوم الدامي، في كل من بيروت ومقديشو على الأمريكيين الذين كانوا آنذاك جزءا من مهمّات تعمل تحت رعاية الأمم المتحدة، انسحابا مفاجئا وتاما. كانت الرسالة مفهومة وواضحة: «اضربهم وسيهربون.» كان هذا مسار الأحداث الذي قاد إلى الحادي عشر من سبتمبر. وهو الهجوم الذي اعتبر تتويجا لمسار الهجوم الطويل الأمد، وبداية لنوع آخر أشد فتكا، والهدف كان أخْذ الحرب إلى قلب معسكر العدو.

لقد بدأت موجة الهجوم الثالثة على أوروبا في نظر الأقلية الإسلامية المتطرفة والمتغطرسة. يجب أن لا نخادع أنفسنا فيما يخص ماهيتها وما تعنيه. إنها تأخذ هذه المرة أشكالا مختلفة من ضمنها اثنتان على الخصوص، وهما الإرهاب والهجرة.

         إن الإرهاب وفوائد استغلاله في قضايا دينية جزء من قضية العنف الإسلامية الكبرى. لا يشترك الإسلام، كما يريدنا البعض أن نعتقد، في تطلعات السلام للمسيحية المبكرة. تعترف الثيولوجيا والقانون الإسلامييْن كالممارسة المسيحية، إن لم يكن النظرية أيضا، بأن الحرب واقع حال تأمر به الظروف وتتطلبه في بعض الأحيان. وينقسم العالم في النظرة الإسلامية التقليدية إلى موقعين اثنين: دار الإسلام، حيث يحكم ويسود القانون الإسلامي، ودار الحرب. أما لاحقا فقد ظهرت تصنيفات أكثر اعتدالا تدل على أنظمة ذات استقلال محدود تحت السلطة الإسلامية.

لا تعني الحرب الإرهاب في الإسلام. فالتعاليم الإسلامية وخاصة الشريعة تنظم شؤون الحرب، وتضم هذه التعاليم احترام القانون ومعاملة النساء والأطفال وغير المقاتلين في صفوف العدو برحمة، كما لا يشجع القانون الإسلامي على ممارسة من ذات النوع المدعو الإرهاب. يمنع القانون والمبدأ الإسلاميين الانتحار، الذي يعتبر معصية كبرى تستوجب لعنا أبديا. فالانتحار سيؤدي بمقترفه حسب التعاليم الإسلامية، حتى لمن عاش عيشة الفضيلة، إلى النار، حيث سيتشكل عذابه من الإعادة الأبدية لعملية الانتحار التي مات بها أولا.

كانت هذه القواعد والمعتقدات تُحترم في زمن الإسلام الكلاسيكي. لقد تم التغاضي عنها كما نرى، وتمت أيضا إعادة تأويلها وتفسيرها من قبل المدارس الإسلامية الجذرية المعاصرة المتعددة. يجب على الشباب والشابات الذين يقومون بهذه الأفعال الإرهابية أن يكونوا على علم بمبادئ وتقاليد دينهم. والحال أنهم ليسوا كذلك، وهذا أمر يدعو إلى الأسف. على العكس من ذلك أصبح المنتحرون الذين يفجرون ويقترفون آثاما مشابهة من الإرهاب مُثلا تُحتدى، فعدد المقلدين والمتعلقين بهذه المارسات في تزايد مطرد.

أما شكل الهجوم الآخر الأكثر علاقة بأوروبا فهو الهجرة. لقد كان من المستحيل تصور مسلم يُقبِلُ إراديا على الهجرة إلى بلد غير مسلم فيما مضى. كما حظيت الهجرة ومسألة المسلم الذي يعيش تحت حكم غير مسلم، بنقاشات مطولة بين الفقهاء في كراسات وكتب الشريعة، لكن بشكل مختلف. هل من المسموح به بالنسبة للمسلم أن يزور بلدا غير مسلم ويُقيمَ فيه؟ وما الذي يستوجب إقباله على ذلك؟ عموما تم اعتبار هذه الأسئلة تحت تسميات خاصة.

تهم الحالة الأولى المعتقل أو رهينة الحرب: من الواضح أن لا خيار له في ذلك. لكن يجب عليه أن يحافظ على دينه وأن يعود إلى بلده حالما يتمكن من ذلك.

أما الحالة الثانية فتخُصّ غير المؤمن في بلاد الكفار، والذي يرى نور الهداية ويعتنق الدين الصحيح، أي أن يُصبح مسلما. يقول الفقهاء بأنه من الواجب عليه أن يغادر حالما يتمكن من ذلك ويذهب للإقامة في بلد مسلم.

أما الحالة الثالثة فتخص الزائر. فقد اعتُبرت فدية الرهائن لمدة طويلة الهدف الشرعي الوحيد لزيارة أرض يحكمها الكفار. وقد تم التخفيف من حدة الحكم على الزائر لتشمل المهام الدبلوماسية والتجارية.

ومع تقدم الهجوم الأوروبي المعاكس برز إلى العلن توجه جديد في هذا النقاش الدائر. ماذا يجب على المسلم إن احتُلّ بلده من قبل الكفار؟ هل عليه أن يبقى أم يغادر؟

بحوزتنا بعض النقاشات المهمة لهذه الأسئلة، فبعد الاحتلال النورمندي لصقلية المسلمة في القرن الحادي عشر، وخصوصا القرن الخامس عشر، عندما تمت استعادة إسبانيا وكان فقهاء القانون المغاربة يناقشون هذه المسألة، طُرِح للنقاش مشكل آخر، ويخص إمكانية بقاء المسلم. كان الجواب العام هو لا، لا يمكنه.  ثم أتى الدور على سؤال إضافي، وكان: هل بإمكان المسلم أن يبقى إن كان الحكم المسيحي متسامحا؟ (أثبت هذا أنه سؤال افتراضي، طبعا) وكان الجواب لا، حتى آنذاك لا يُسمح له بذلك، لأن إغراء الردّة سيكون أعظم. يجب أن يغادر ويأمل بحول الله أن يتمكن من إعادة السيطرة على بلاده وينتصر الدين الحق.

كان هذا هو الخط الذي اتخذه معظم رجال الشرع. كان هناك بعضهم وهم أقلية، والذين ازداد عددهم مع مرور الوقت، من الذين قالوا بجواز بقاء المسلم شرط أن تتوافر مجموعة شروط أهمها: أن يسمح لهم بممارسة دينه. يثير هذا لدينا سؤالا آخر: ماذا تعني ممارستهم لدينهم؟ هنا يجب أن نتنبه إلى أننا لا نتعامل فقط مع ديانة مغايرة، بل مع مفهوم مختلف حول ماهية الدين، خصوصا الشريعة والقانون المقدس للإسلام، والذي يغطي مساحة هامة من المسائل التي تعتبر علمانية في العالم المسيحي اليوم، واعتُبرت كذلك حتى في مرحلة القرون الوسطى، وبالتأكيد حتى ما يطلق عليه البعض مرحلة ما بعد المسيحية في العالم الغربي.

تتعلق هذه النقاشات بالمشاكل التي تواجه المسلم الذي وجد نفسه، لسبب أو لآخر، تحت حكم كافر. فالإمكان الذي يبدوا أنه لم يخطر ببال رجال الشرع التقليديين هو أن المسلم قد يغادر دار الإسلام ويذهب للعيش في بلد كافر، أي دار الحرب تحت حكم كافر بصفة نهائية. لكن هذا ما يحدث بشكل يزداد في هذه الآونة.

هناك اليوم مجموعة من عوامل الجذب التي تجذب المسلم إلى أوروبا، خصوصا في ظل التفقير الاقتصادي لمعظم العالم الإسلامي والضراوة والطغيان اللتان تسِمان معظم أنظمته وحاكميه، والحال يسوء أكثر فأكثر. تُقدم أوروبا فرصا للعمل وحتى تعويضات على البطالة. وينعم المسلمون هنا أيضا بحرية التعبير، كما يستفيدون من فرص التعليم الجيد التي لا توفرها بلدانهم. فحتى الإرهابيون يتوافر لديهم قدر مهم من حرية الإعداد والعمل في أوروبا، وإلى درجة ما في أمريكا، أكثر مما يجدونه في معظم البلاد الإسلامية.

هناك عوامل أخرى تسم الوضع الراهن. وأحدها الراديكالية الجديدة في العالم الإسلامي والتي تأتي في صيغ عدة، ومنها السني، خصوصا الوهابي، والشيعي الإيراني، ويعود إلى الثورة الإيرانية. فقد أصبح كلا الاثنين عوامل على صلة بالموضوع أكثر فأكثر. لدينا تناقض غريب ومفاده أن خطر الراديكالية الإرهابية يتعاظم  في أوروبا وأمريكا أكثر مما هو عليه الحال في معظم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث الحكام أكثر مهارة وأقل رغبة في كبح المتطرفين من نظرائهم الغربيين. رغم ذلك، يكثر عدد المسلمين ممن يعتقدون أن الراديكالية الإسلامية أعظم خطرا على الإسلام من الغرب.

أولا النوع السني، ومعظمه وهابي، والوهابية نسخة راديكالية عن الإسلام ظهرت في المنطقة النائية من نجد في الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر. كان من ضمن المتحولين إلى الوهابية آل سعود، وكانوا قادة قبليين محليين آنذاك. سيطر آل سعود هؤلاء على الحجاز في منتصف العشرينات وشكلوا المملكة العربية السعودية في منطقة كانت سابقا جزءا نائيا في بلد هامشي. ومع الزمن أصبحت مملكتهم قوة عظمى في كل بلاد الإسلام وما بعدها. استفادت الوهابية في قدر مهم من صعود نجمها من هيبة وتأثير قوة آل سعود كمسيطرين على الأماكن المقدسة للإسلام، أي على الحج السنوي، وعلى الثروة العظيمة التي وضعها البترول في متناولهم.

أما الثورة الإيرانية فشيء مختلف. يُستعمل لفظ الثورة أكثر في الشرق الأوسط. إنه لفظ الشرعية المقبول الوحيد تقريبا في إيران. لكن الثورة الإيرانية كانت ثورة حقيقية بالمعنى الذي نستعمله للإحالة على الثورة الفرنسية والروسية. وكالثورتين الأوروبيتين المذكورتين آنفا، كان للثورة الإيرانية تأثير كبير في المنطقة كلها، حيث يشترك الإيرانيون في كونيّة الخطاب المشترك، أي في العالم الإسلامي كله، الشيعة والسنة في الشرق الأوسط وما بعده.

هناك مسألة أخرى قيد النقاش اليوم كثيرا وهي مسألة الاستيعاب (assimilation). إلى أي مدى يمكن للمهاجرين المسلمين الذين أقاموا في أوروبا، وفي أمريكا الشمالية وفي أمكنة أخرى أن يصبحوا جزءا من الدول حيث يقيمون فيها بنفس الطريقة التي سبق وحدثت مع موجات هجرة أخرى؟

هناك نقاط أخرى يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار. إحداها هي الفروق الأساسية في المقصود بالاستيعاب. هناك تضاد مباشر وواضح بين الوضع في أوروبا وأمريكا. فأنْ يُصبح المهاجر أمريكيا معناه أن يُغير ولائه السياسي. أما أن يصبح المهاجر فرنسيا أو ألمانيا فمعناه أن يغير هويته الإثنية. ويبقى تغيير الولاء السياسي أسهل تطبيقا من تغيير الهوية الإثنية، سواء في معيار العواطف القومية أو في معيار تقبل الفرد المهاجر لهذا التغيير المطلوب. تقبلت إنجلترا لمدة طويلة الأمرين. وأصبح بموجبهما المهاجر المُجنّس بريطانيا لكن ليس إنجليزيا.

ذكرت سابقا الاختلاف المهم بين ما يعنيه أحدنا بالدين وما يقصده الآخر به. يغطي الدين مجموعة مختلفة من الأمور بالنسبة للمسلمين، والتي تسمى غالبا قوانين الحالة الشخصية، والزواج والطلاق والميراث هم الأمثلة الأكثر وضوحا. كانت هذه مسائل علمانية في الغرب منذ القديم. فالتمييز بين الكنيسة والدولة، الروحي و الزمني، والكنسي والعامي هي مفاهيم مسيحية لا مكان لها في التاريخ الإسلامي، ولذلك يصعُبُ شرحها للمسلمين حتى في زمننا الحاضر، حيث لم تتوفر لغتهم على المعجم المطلوب للتعبير عنها حتى الأزمنة المتأخرة، أما اليوم فقد بدأت بوادر التغير في الظهور.

ما هي الردود الأوروبية على هذا الوضع؟ تقول أوروبا وكذلك الولايات المتحدة اليوم بأن تعدد الثقافات (multiculturalism) والمداراة السياسية (political correctness) هي الأجوبة الأكثر اعتدالا. أما في العالم الإسلامي فلا توجد أشكال تقبل الآخر هذه. إنهم واعون جدا بهويتهم، و يعرفون من هم وماذا يريدون. وهذا امتياز يبدوا أن الكثيرين في الغرب قد أضاعوه. وهو مصدر قوة للأول وضعف للثاني.

أما الرد الغربي الآخر المعروف فهو ما يدعى أحيانا بالحوار البنّاء(constructive engagement): دعنا نكلمهم، دعنا نتحد ونرى ما يمكننا فعله. وتعود هذه المقاربة إلى أزمنة مبكرة. فعندما أعاد صلاح الدين احتلال القدس وأماكن أخرى في الأراضي المقدسة، سُمِح للتجار المسيحيين من أوروبا بالبقاء في الموانئ حيث سبق أن مارسوا عملهم تحت حكم الصليبيّين، شعر صلاح الدين بالحاجة إلى تبرير ذلك فكتب رسالة إلى الخليفة في بغداد يشرح له ما حدث. قال بأن للتجار المسيحيين فائدة لا نستطيع الاستغناء عنها لأنه: «ليس من بينهم من لا يُحضر ويبيع الأسلحة لنا، لهلاكهم ولصالحنا.» واستمر هذا خلال الحملات الصليبية وبعدها، حتى لما كان العثمانيون يتقدمون نحو قلب أوروبا. لقد وجدوا دائما تجار أسلحة مسيحيين، وبنكيين أوروبيين يعرضون عليهم تمويل مُقتنياتهم. أما اليوم، فيُديم مُموّنوا الأسلحة المتقدمة لصدام حسين البارحة ولحكام إيران اليوم هذا التقليد. لدى الحوار البناء هذا تاريخ طويل.

وتأخذ محاولات الحوار المعاصرة أشكالا أخرى. رأينا في زمننا ذلك المشهد الرائع للبابا وهو يعتذر للمسلمين عن الحملات الصليبية. لا أريد أن أدافع عن سلوك الصليبيين الذي كان شنيعا في مناح عدة. لكن لنكن أكثر عدلا: فمن المفترض أن نؤمن بأن الصليبيين شكلوا جبهة عداء ضد العالم الإسلامي. لكن الحال هو أنه بالكاد حصل النداء البابوي للحملات الصليبية سنة 846 م، عندما أبحرت رحلة بحرية تتشكل من فيالق مسلمة من صقلية التي كانت تحت الحكم المسلم، يُقدّر عددها المؤرخون المعاصرون ب 73 سفينة تحمل آلاف الرجال، أبحرت صعودا في نهر التّايبر، وهاجمت فيالقها روما، وسيطرت على أوستيا وبّورتو ونهب رجالها باسيليقا القديس بّيتر في روما وكاتدرائية القدّيس بّول على الضفة اليمنى من نهر التايبر. على إثر ذلك أعلن السّنودس/ المجمّع الكنسي في فرنسا عن دعوة للحكام المسيحيين للحشد ضد «أعداء المسيح». قدم البابا ليّو الرابع الجزاء الأخروي لكل من مات يُحارب المسلمين، ولا يبدو أن وعد البابا يختلف في شيء عن الوعد الأُخروي الإسلامي الذي يبدوا كانعكاس له.

إنها ممارسة اعتيادية أن نتعلم من العدو وأن نستعين بوسائله الأكثر فاعلية عندما يلائمنا ذلك.

وبعد قرنين ونصف ومعارك عديدة بعد ذلك، وبالتحديد سنة 1096، وصل الصليبيون حقا إلى الشرق الأوسط. كان الصليبيون تقليدا متأخرا وغير ناجح للجهاد، أي محاولة لاستعادة ما فُقد بالحرب المقدسة. فشلت حملة الصليبيين ولم تُتبع بواحدة أخرى.

نجد مثالا صارخا آخر للمقاربة الحديثة في فرنسا. في 8 أكتوبر 2002 ألقى رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك السيد جون بيير رّافارين خطابا في مجلس النواب الوطني الفرنسي ناقش خلاله الوضع في العراق، تحدث عن صدام حسين وقال بأن أحد أبطال صدام حسين كان مُواطنه صلاح الدين، الذي قدِم من نفس البلدة العراقية تكريت. وفي حالة عدم ذكر أحد أعضاء المجلس لهوية صلاح الدين، شرح السيد رافارين لهم أنه هو من «ألحق الهزيمة بالصليبيين وحرر القدس.» قد يبدو وسم رئيس وزراء فرنسي كاثوليكي لاستيلاء صلاح الدين على القدس من يد الصليبيين الفرنسيين تحريرا كعملية تغيير الولاءات أو المنظور على الأقل. فحسب السجل البرلماني الفرنسي، صرخ عضو آخر: «تحرير؟» ردا على تصريح السيد رافارين. لكن رئيس الوزراء أكمل دون مواربة. كانت صرخة النائب المقاطعة الوحيدة لخطاب رئيس الوزراء حسب ما أعلم، لم يقع أي تعليق عن الحادثة بعد ذلك.

لقد تمكن الراديكاليون الإسلاميون اليوم من إيجاد حلفاء في أوروبا. سأكون مجبرا في وصفهم على استعمال لفظي «اليسار» و «اليمين» اللذين أصبحا لفظين مضللين. فأنا لا أعتقد بأن ترتيب الجلوس في مجلس النواب الفرنسي بعد الثورة قانونا طبيعيا، لكننا تعودنا على استعمالهم، وهذا هو الحال. إنهما غالبا لفظين مضللين عند استعمالهما لتوصيف الوضع السياسي في الغرب اليوم. لكنهما دون معنى تماما عند استعمالهما لتوصيف مُختلف أنواع الإسلام الراديكالي. لكنهما اللفظين اللذين يستعملهما المؤلفون، لذلك دعنا نبسط الوضع باسعمالهما.

للإسلاميين الراديكاليين ميول يسارية فيما يتعلق بمناهضة الولايات المتحدة في أوروبا، حيث عوضوّا السوفيات. ولديهم ميول يمينية فيما يتعلق بمناهضة اليهود في أوروبا حيث يعوضون النازيين. لقد تمكنوا من نيل مساعدات بادعاء كونهم يسارا ويمينا، وغالبا من نفس الأشخاص. الكراهية تتجاوز الولاءات بالنسبة للبعض في أوروبا.

هناك اختلاف مثير للاهتمام في ألمانيا، حيث أن معظم المسلمين أتراك، إنهم يعتبرون أنفسهم يهود اليوم، إذ يدعون بأنهم ضحايا العنصرية والاضطهاد الألمانيين. أتذكر لقاء لنا في برلين حيث ناقشنا مسألة الأقليات المسلمة في أوروبا. وفي المساء تم سؤالي من قبل مجموعة من الأتراك المسلمين أن أنضم إليهم وأسمع رأيهم في الأمر، والذي كان مثيرا للاهتمام. والمقولة التي احتفظت ذاكرتي بها، وأتت من أحدهم تقول: «لم يتقبل الألمان أربعمائة ألف يهودي لألف سنة، فأيّ أمل هناك في أن يتقبلوا مليوني تركي؟» إنهم يعبثون بمشاعر الذنب الألمانية ليدفعوا بأجُنداتهم إلى الأمام.

يثير هذا لدينا سؤال التسامح الأهم. فمع اكتمال المرحلة الأولى من استعادة المسيحيين لإسبانيا والبرتغال مُنح المسلمون الذين كان عددهم كبيرا آنذاك في الأراضي المستعادة خيارات: المعمودية، النفي أو الموت. كان قادة ما قد يسميه المرء الاحتلال الثاني في الأراضي العثمانية سابقا في جنوب شرق أوروبا أكثر تسامحا، لكن ليس أكثر مما ينبغي. بقي بعض المسلمين في بلدان البلقان مع مشاقّ لازالت قائمة إلى اليوم، وكوسوفو والبوسنة أكثر الأمثلة وضوحا.

يثير سؤال التسامح الديني قضايا جديدة ومهمة. هنالك شك قليل بأن المسلمين كانوا أكثر تسامحا بكثير تجاه طوائف داخل ديانتهم أكثر من المسيحيين خلال الصراع الطويل بينهم وبين المسيحيين في كل من أوروبا الشرقية والغربية. كانت المذابح والنفي والحرق ممارسات دارجة في العالم المسيحي في القرون الوسطى، بينما كانت هذه الممارسات في الإسلام غير معهودة ونادرة. لقد شهدت تلك الفترة حركة هجرة من الغرب إلى الشرق، وليس من الشرق إلى الغرب كما أصبح عليه الحال لاحقا. كان غير المسلمين في الأراضي الإسلامية ضحية بعض العراقيل حقا، لكن وضعهم كان أفضل إلى حد أكبر من غير المؤمنين والمُشككين في أوروبا المسيحية.

دخلت هذه العراقيل المقبولة في الماضي في صراع مع مفاهيم ديمقراطية للتعايش الحضاري، قال الفيلسوف الإنجليزي جون لوك آنذاك في 1689م في كتابه رسائل في التسامح أنه: «لا الوثني، ولا المحمّدي (تسمية تطلق أحيانا على المسلمين في الغرب) ولا اليهودي يجب أن يُستثنوا من الحقوق المدنية للكُومنولْث بسبب دينهم.» وفي رسالة له لقائد الجالية اليهودية في نيوبورت سنة 1790 يذهب جورج واشنطن أبعد من ذلك في تغييب فكرة التسامح تماما على أنها مُتعصبة بذاتها، كما لو كان بتدليل طبقة ما من الشعب تنعم أُخرى بممارسة حقوقها الطبيعية الفطرية.

لقد كان الوضع على الأرض أفضل بكثير في أوروبا الغربية من الأراضي الإسلامية مع نهاية القرن السابع عشر. تحسن الوضع منذ ذلك الحين أكثر فأكثر في الأول بينما ساء في الثاني. والحق أن التمييز والاضطهاد لم يختفيا في الغرب، لكن يمكن القول مع الاستثناء الفاضح للنازية في أوروبا القارية بأن وضع الأقليات الدينية في الغرب المتقدم الواثق أفضل منه في الشرق المتراجع المهدّد.

لم ير المسلمون وعددٌ من مواطنيهم الغير مسلمين الأمر كذلك، بل فكروا في التسامح بطرق أخرى شيئا ما. عندما قدم المسلمون للعيش في أوروبا كان لديهم تطلع معين، إحساس بأنهم يستحقون على الأقل درجة التسامح التى منحوها لغير المسلمين في إمبراطوريات الإسلام العظيمة في الماضي. أثبتت تجربتهم وتوقعاتهم أنهما شيئان مختلفان تماما.

لقد تلقوا من مستضيفيهم الأوروبيين كلا الأمرين: أكثر وأقل مما توقعوا. أكثر بمعنى أنهم حصلوا، في الواقع، غالبا على حقوق سياسية مساوية، حقوق عمل، ورفاه، وحرية التعبير، وفوائد أخرى.

لكنهم حصلوا أيضا على أقل مما توقعوا إلى قدر مهم مما منحوه في الدول الإسلامية التقليدية. ففي الامبراطوريات الإسلامية، حصلت جماعات من غير المسلمين على حق إقامة تنظيمات منفصلة عن الدولة المركزية، وأدارت هذه الجماعات شؤونها الخاصة في الإمبراطورية العثمانية ودول أخرى قبل ذلك، وأذكر الإمبراطورية العثمانية كأحدثهم، كما جمعوا ضرائبهم وطبقوا قوانينهم. كان هناك بضعة مجتمعات مسيحية كلها تعيش تحت قيادة ذاتية معترف بها من طرف الدولة، وكانت لهم مدارسهم الخاصة ونظامهم التعليمي الخاص، كما دبّروا شؤونهم بأنفسهم في مسائل كالزواج، والطلاق، والميراث، والشعائر الدينية أيضا. ونعِم اليهود بمثل ذلك تحت الحكم الإسلامي.

وكان لدينا وضع حيث يعيش ثلاثة رجال في نفس الشارع، وإن مات أحدهم وكان يهوديا أو مسيحيا أو مسلما فإن إرثه سيوزع حسب ثلاثة أنظمة قانونية مختلفة. قد يعاقب يهودي من قبل محكمة حِبْرية ويحبس لخرقه يوم السبت أو الأكل يوم الكفارة[2] (Yom Kippur). وقد يُعتقل المسيحي ويُحبس لإتيانه زواجا ثانيا. فتعدد الزوجات خرق في المسيحية، لكنه ليس كذلك في القانون الإسلامي أو العثماني. وعلى نفس الشاكلة، كان اليهود والمسيحيون مُستثنون من القوانين الإسلامية المحضة. كان من المسموح به لهم أن يفطروا علنا حتى خلال شهر رمضان المقدس. وكان من المسموح لهم أيضا بأن يصنعوا ويبيعوا ويخدُموا وأن يشربوا النبيذ طالما يفعلون ذلك فيما بينهم. فمثلا تُناقش بعض الوثائق في الأرشيف العثماني مشكلا كان ظاهريا على قدر من الأهمية للسلطات القضائية، وهو كيف سنمنع المسلمين ضيوف الأعراس المسيحية واليهودية من شرب النبيذ. كان الحل الأسهل والواضح فرض المنع على الكحول بالنسبة للجميع. لكنه لم يدخل اعتبار السلطات العثمانية أبدا.

ليس للمسلمين تلك الدرجة من الاستقلال في شؤونهم الاجتماعية والقانونية في الدولة العلمانية الحديثة. وليس من الواقع في شيء أن يتوقعوا ذلك، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار طبيعة الدولة الحديثة. لكنهم لا يرون الأمر هكذا. بل يشعرون بأن من حقهم تلقي ما سبق وأعطوه. يقال أن مسلما في أوروبا قال مازحا ربما لأوروبيين: «لم نرغمكم على تعدد الزوجات، لم لا تتركونا نمارس التعدد.»

تُظهر قضايا مهمة ذات طبيعة تطبيقية أسئلة كهذه، خصوصا تعدد الزوجات،. أليس من حق المهاجر الذي قدم إلى فرنسا أو ألمانيا إحضار أسرته معه؟ لكن ممّاذا تتكون أسرته؟ إنهم يطالبون ويحصلون بشكل يزداد على الحق في إحضار زوجات متعدّدات. وتمتد القاعدة نفسها لتشمل رواتب الرعاية الاجتماعية وفوائد أخرى.

كان التّضاد في وضع المرأة في المجتمعين المسيحي والإسلامي دينيا أمر دقيقا، خصوصا في زمن هزيمة وتراجع الإسلام، فمن خلال الهزيمة في المعركة أصبح المسلم واع جدا بأنه أضاع سيادته في العالم.

ومع تزايد السيطرة الأوروبية وتأثيرها، ومن ضمنها تحرير عبيده من غير المسلمين، أضاع المسلم سيادته في بلده. بل شعر بأنه سيفقد سيادته في بيته مع توسع دائرة المطالبين بالحرية فيه، وهذه من تأثيرات أوروبا على العالم الإسلامي.

يثير تقبل أو رفض حكم الشريعة بين المسلمين في أوروبا مسألة نطاق سلطة القضاء المهمة. كانت الشريعة جزءا من السيادة الإسلامية في المنظور السني القانوني، وكان القضاء يُطبق فقط في دار الإسلام بناء على ذلك، أي في الدول التي تقع تحت الحكم الإسلامي. لكن، قضت أقلية من السنة وأغلبية من الشيعة بفكرة أن الشريعة تطبق أيضا على المسلمين خارج دار الإسلام، ويجب فرضها إذا أمكن.

لكن إلى عهد قريب، حتى حديثا لم تقترح أي سلطة إسلامية أن قانون الشريعة يجب أن يطبق على غير المسلمين في بلدان غير إسلامية. أتى المثال الأول على هذا النزوع العدواني عندما أقر آية الله الخميني في إيران حد القتل على جريمة سب النبي، ليس فقط ضد الكاتب المسلم سلمان رشدي الذي كان يعيش آنذاك في لندن، بل أيضا على كل من تورط في إعداد وإنتاج  وتوزيع الكتاب، أي حتى المحررين، والطابعين، والناشرين وبائعي الكتب الإنجليز من غير المسلمين. كانت تلك بداية تبعتها حالات أخرى حاولت تطبيق الشريعة في أوروبا، وحديثا في أماكن أخرى حيث يعيش المسلمون. كان رد المسلمين على الرسوم الكاريكاتورية الشهيرة أو الشائنة في الدانمارك مثالا آخر مثير للاهتمام. وليس أقل من ذلك كانت ردود المسيحيين على الغضب الإسلامي وطلبات العقاب التي تراوحت بين التوبيخ المُعتدل والرضوخ التام.

أين تقف أوروبا اليوم؟ هل هي محظوظة للمرة الثالثة؟ هذا هو الحال فعلا. للمسلمين امتيازات واضحة. لديهم الحماسة والاقتناع، واللذين يعتبران سِمتان ضعيفتان أو منعدمتان في البلدان الغربية. إن المسلمين معظم مقتنعين معظم الأحيان بصواب قضيتهم، بينما يقضي الغربيون معظم أوقاتهم في تحقير ذواتهم وجلدها. لديهم (أي المسلمون) الولاء والانضباط، والديمغرافيا وهذا أمر على قدر كبير من الأهمية، فتركيب الزيادة الطبيعية والهجرة تُؤديان إلى تغيّرات سُكانية مهمة، وهذه قد تؤدي في الأفق المنظور إلى أكثريّات مسلمة في بعض المدن الأوروبية على الأقل وحتى بعض الدول.

قال الفيلسوف السوري صادق جلال العظم بأن السؤال الآني بخصوص أوروبا هو: «هل ستتم أسلمتها أم سيقع أوْربة (من أوروبا) الإسلام؟» أرى أن هذا السؤال مقنعا، ويعتمد الكثير على الجواب.

لكن للغرب أيضا بعض الامتيازات، أهمها المعرفة والحرية. يبقى إغراء المعرفة الأصيلة الحديثة واضحا في مجتمع حيث كان لها سجل طويل من الإنجازات العلمية. والمسلمون اليوم من جهتهم واعون جدا وبمرارة بنسبة تخلفهم مقارنة مع كل من ماضيهم وحاضر منافسيهم، والكثيرون منهم سيرحبون بإمكانية رتق ذلك.

يبقى إغراء الحرية أقل وضوحا وأكثر قوة. كانت كلمة الحرية في الماضي أقل استعمالا بمعناها السياسي، إذ اعتُبرت مصطلحا قانونيا، وكان أحدهم حرا إنْ لم يكن عبدا. لم يستعمل المسلمون مصطلحي الحرية والعبودية كاستعارة للحكم الجيد والسيئ. كانت صفتا ‘عادل’ أو ‘مستبد’ هما المصطلحين الأكثر شيوعا في توصف الحكم الجيد من السيئ. اعتُبرت الحكومة العادلة حكومة جيدة، حيث يطبق القانون المقدس، وضمن ذلك حدوده على السلطة السيادية. وكان التقليد الإسلامي، حتى بداية التحديث، يرفض نظريا وتطبيقيا الحكم التعسفي والاستبدادي. فأسلوب الديكتاتورية الحديثة الذي يزدهر في عدد من الدول الإسلامية هو ابتكار جديد، ومستورد من أوروبا أولا، كما أنه أتى في قدر مهم منه عبر مسار التّحديث دون قصد مُبيت، حيث يعمل على تقوية السلطة المركزية ويضعف تلك العناصر في المجتمع التي حدّت من قوته سابقا، وثانيا عبر مراحل النموذج والتأثير النازي والسوفيتي.

كان العيش تحت حكم عادل في سُلّم القيم التقليدي المقاربة الأقرب لما يسميه الغرب الحرية. لكن مع انتشار أسلوب الديكتاتورية الغربي، تفتح فكرة الحرية في تأويلها الغربي الطريق لنفسها اليوم في العالم الإسلامي. إنها تُفهم بالتدريج أكثر فأكثر،و تُقدّرُ أكثر على نطاق أوسع، وتشهد إقبالا منقطع النظير، وهذا على الأرجح مُبتغانا على المدى البعيد، وربما أملنا الوحيد في أن نتجاوز المرحلة الحالية، وهي الأخطر في بعض مناحيها، لصراع عمره أربعة عشر قرنا.

 

 

 


1- هذا نص محاضرة إيرفينغ كريستول لبرنارد لويس التي ألقاها في معهد المؤسسة الأمريكية للأبحاث السياسية العامة في واشنطن العاصمة في 7 مارس، 2007. 

 يوم مقدس لدى اليهود يمتنعون فيه عن الأكل والشرب، ويقضونه في ترديد الصلوات في البيع – [2]

error: المحتوى محمي