ألفرد نورث وايتهد – زكي نجيب محمود

ألفرد نورث وايتهد – زكي نجيب محمود

%d8%b2%d9%83%d9%8a-%d9%86%d8%ac%d9%8a%d8%a8-%d9%85%d8%ad%d9%85%d9%88%d8%af

د. زكي نجيب محمود


كتب الفرد نورث وايتهد يصف نشأته فقال ما فحواه:
ولدت في الخامس عشر من فبراير سنة 1861م في رامزجيت من مقاطعة كنت بانجلترا، من أسرة يشتغل معظم أفرادها بشؤون التعليم والدين وتلقيت تعليمي في مراحله الاولي على النمط المألوف عندئذ.

فاللاتينية تبدأ دراستها من سن العاشرة، واليونانية من سن الثانية عشر، ولو استثنيت أيام العطلة، لقلت أنني لبثت حتى انتصف من عمري عامه العشرون لا أفوت يومًا واحدًا دون أن أقرأ بضع صفحات من التراث اللاتيني واليوناني، فاستوعبتها مضمونًا ونحواً، وقد شملت دراستي لذلك التراث – بالطبع – أعلام المؤرخين القدامى ، وكانت دراستي للرياضة تتخلل الدراسة الكلاسيكية هنا وهناك.

فلما أوشكت أن أكمل من العمر عشرين عاماً، بدأت حياتي الجامعية في كيمبردج، ولبثت مقيمًا بها ثلاثين عامًا، ومهما بلغت من القول فلن أسرف فيما أنا مدين به لهذه الجامعة في الناحيتين الاجتماعية والعقلية علي السواء.

كانت الدراسة في كيمبردج تقوم على أساس التخصص الضيق، فتخصصت في الرياضة بجانبيها، الرياضة البحتة والرياضة التطبيقية، لكن قاعات الدرس لم تكن إلا جانباًَ واحداً من تربيتنا الجامعية، فكانت جوانب النقص الناشئة عن ضيق التخصص، تسدُ بأحاديث السمر التي لم تكن تنقطع بين الأصدقاء من الطلاب والأساتذة.

ولم يكن الرباط الذي يجمع الأصدقاء في تلك الأحاديث هو تشابه الدراسة بينهم، إذ كانت الجماعة الواحدة تضم أفراداً من كافة الدراسات، وكان حديثها يتشقق ويتفرع ويتسع مداه، فيشمل السياسة والدين والفلسفة والأدب مما حفزنا على تنوع القراءة، وحسبي في ذلك أن أقول: إنني وأنا المتخصص في الرياضة أوشكت أن أحفظ عن ظهر قلب أجزاء كاملة من كتاب كانط “نقد العقل الخالص” ولقد نسيت اليوم ما كنت قد حفظته، لأن سحر كانط قد زال عني وشيكًا، وأما هيجل فلم استطع قط في حياتي أن أمضي في قراءته، وأذكر أني قد بدأته بدراسة ملاحظاته التي أبداها عن الرياضة، فأدهشني أن أجدها هراء في هراء، كان ذلك حمقا مني بغير شك لكنني لا أكتب هذا الذي أكتبه الآن لأبرهن على رجاحة عقلي.

وظفرت بالزمالة في كيبمبردج سنة 1885م ثم ازداد الحظ إقبالًا فعينت محاضرًا، ولبثت في التدريس بتلك الجامعة خمسة عشر عامًا وتركتها سنة 1910م لأشغل منصب التدريس في جامعة لندن حيث لبثت أربعة عشر عامًا، منها عشرة أعوام من 1914 إلى 1924 كنت خلالها أستاذًا في الكلية الإمبراطورية للعلوم والتكنولوجيا.

كان أول كتاب أخرجته هو: “رسالة في الجبر” الذي صدر سنة 1898 فأدى صدوره إلى انتخابي عضوًا في الجمعية الملكية سنة 1903 ثم جاء انتخابي زميلًا في الأكاديمية البريطانية بعد ذلك بنحو ثلاثين عامًا 1931 نتيجة لما كنت قد انتجته في ميدان الفلسفة.

ذلك أن برتراند رسل كان قد أخرج في عام 1903 الجزء الأول من كتابه “أصول الرياضة” فرأى كلانا أن ما كنت أزمع أن يكون مادة الجزء الثاني من كتابي “رسالة في الجبر” وما كان هو يزمع أن يكون مادة الجزء الثاني من كتابه “أصول الرياضة” يلتقيان في موضوعات بعينها فاتفقنا أن نشترك في إخراج مؤلف واحد وظننا أن سنة واحدة تكفينا لإنجاز العمل لكن أخذ الأفق يتسع أمام أبصارنا حتى لقد لبثنا ثماني سنوات أو تسعًا قبل أن نخرج معا كتابنا “برنكيبا ماثماتكا” – ولنطلق عليه “أسس الرياضة” تمييزًا له من “أصول الرياضة” الذي أخرجه رسل وحده.

وكان رسل قد التحق بكيمبردج طالبًا في أوائل الأعوام العشرة الأخيره من القرن التاسع عشر، وقد استمعت كما استمتع العالم كله بألمعيته تلميذًا لي بادئ الأمر، فزميلًا وصديقًا وكان عاملًا قويًا في مجرى حياتنا إبان مقامنا في كيمبردج لكننا اختلفنا بعدئذ في وجهة النظر الفلسفية الاجتماعية معًا، فأدى اختلافنا ذاك إلى امتناع التعاون في عمل مشترك.

وفي سنة 1924م – وكنت قد بلغت الثالثة بعد الستين- شرفت بدعوة جائتني من جامعة هاردفارد بالولايات المتحدة، أن اكون أستاذا بقسم الفلسفة فيها.

وظل وايتهد مقيمًا بالولايات المتحدة منذ ذلك الحين حتى وافته المنية سنة 1947م، وكان قد بلغ من العمر السابعة بعد الثمانين، فكانت تلك الفترة، ومداها ربع قرن، هي فترة الإنتاج الفلسفي الناضج، لأنه وأن يكن قد أخرج وهو في أرض الوطن مؤلفات هامة في التحليلات الرياضية المنطقية إلا أن مذهبه الفلسفي لم يكتمل بناؤه إلا وهو في أمريكا إبان المرحلة الأخيرة من حياته، فهناك أخرج كتابه الذي عرض فيه لباب فلسفته، وهو “التطور وعالم الواقع” (1929) ومن مؤلفاته الأخرى “العلم والعالم الحديث” (1926)، و “مغامرات أفكار” (1933) ولو شئنا أن نصف مهمة الفلسفة من وجهة نظره لما وجدنا عبارة أفضل من عبارته التي يقول فيها: “الفلسفة هي محاولة التعبير عن الكون اللامتناهي بأداة اللغة رغم قصورها”.

لم تكن فلسفة وايتهد تلقى من اهتمام الباحثين إلا قليلًا، وذلك يرجع أولًا إلى الموجة المعاصرة في الفلسفة، أعني تلك الموجه التي تمقت الميتافيزيقا مقتًا يجعلها لا تصبر على فليسوف مثل وايتهد، إلا يكن شبيهًا بالفلاسفة الميتافيزيقيين القدامى في مضمون بناءاتهم الفلسفية فهو على كل حال ينزع منزعهم في طريقة التناول ويرجع ثانيًا إلى العسر الشديد الذي يصادفه القارئ في فهم فلسفته، وهو عسر مرده إلي مصطلحاته الجديدة التي أراد أن يسوق بها فكره حتى لا يختلط معناه بمعاني الألفاظ الدارجة في الحياة اليومية.

لقد كان الظن بادئ ذي بدء أن وايتهد بدأ حياته الفكرية رياضيًا علمي التفكير لكنه انتهى آخر الأمر إلى شطحات ميتافيزيقية لا تمت بسبب إلى حياته العلمية الأولى لكن الأبحاث التي أخذت هذه الأعوام الأخيرة تترى عن فلسفته توضح كيف يتسق إنتاجه أولًا مع آخر، فلا فرق بين علميته الأولي وميتافيزقيته الأخيرة في المبدأ والأساس، بل هما تعبيران عن فكر واحد متسق مع نفسه.
والحق أن فيلسوفنا قد اجتاز مراحل ثلاثًا يمكن تمييزها في مؤلفاته.

فمرحلة أولى اهتم فيها بالرياضة والمنطق الرياضي ومرحلة ثانية نظر خلالها في الفلسفة الطبيعية لينتهي إلى نتيجة عامة، وهي أن المفاهيم الرياضية والفيزيائية جميعًا يمكن تعقبها إلى جذورها الأولي في الأحداث التي تقع لنا في خبراتنا.

ومرحلة ثالثة وأخيرة هي المرحلة الميتافيزيقية التي بدأت بانتقاله من لندن إلى جامعة هارفارد بالولايات المتحدة وهذه المرحلة الأخيره هي التي أثارت عليه النقد وجلبت إليه إهمال الفلاسفة أول الأمر، لا سيما أولئك الذين ينزعون بفلسفتهم نزعة علمية صارمة. وسبيلنا الآن أن نعرض أهم أركان المذهب الفلسفي الذي جاء به وايتهد.

ونبدأ العرض بشرح فكرته عن المهمة الحقيقية التي يؤديها التفكير الفلسفي ورأيه في ذلك كما شرحه في مقدمة كتابه “التطور وعالم الواقع” هو أننا بالتفكير الفلسفي نركب إطارًا فكريًا يصلح أن نفسر به كل ما عساه أن يقع لنا في مجال الخبرة، فإن كان هذا هكذا فلا فرق في المنهج بين الفلسفة والعلم، أليس المنهج العلمي يقتضينا أن نبدأ بمعطياتنا المشاهدة ثم نصوغ لها أفضل نظرية ممكنة لتفسيرها، ثم نعود بهذه النظرية المفترضة إلى عالم الواقع لنلتمس لها التطبيق على وقائع جديدة، فهكذا أيضًا منهج التفكير الفلسفي عند وايتهد حصيلة من معلومات أولية نغترفها من الخبرة المباشرة ثم نستوحيها في إقامة خير إطار فكري ممكن يفسر لنا ما قد عرفناه من ظواهر الوجود.

وكل الفرق بين النظرية في العلم والإطار الفكري في الفلسفة هو في درجة التعميم والتجريد فإطار الفلسفة أعم وأكثر تجريدًا إذ يراد له أن ينطبق على رقعة أوسع من الرقعة التي يراد للنظرية العلمية أن تنطبق عليها، أما وجه الشبه بينهما فهو كما قلنا ذلك المنهج عند كليهما، المنهج الذي يفرض الفرض ثم يستنبط منه نتائجه التي يتوقع لها أن تصدق على مشكلات الواقع الفعلي.

والحق أن وايتهد يجعلها صريحة بأن إطار المنطق الخالص ينزل على الكون كأنه قالب من حديد، يحصر مجرى العالم بين جوانبه وأن شبكة العلاقات الرياضية الخالصة تفرض نفسها فرضًا لا فكاك منه على عالم الأشياء، وهو يعد أسبقية العلاقات المنطقية الرياضية على عالم الحوادث بمثابة المبدأ الاول في بنائه الميتافيزقي.

ومعنى ذلك أن الطبيعة مشيدة على نسق متصل الأطراف كهذه النسقات التي تراها في الرياضة، أي أن الحادثات العابرات إنما يتصل بعضها ببعض على نحو يربطها ويضمها في وحدة منطقية كالتي توحد بين أجزاء العلم الرياضي.

وإن وايتهد لعلى وعي كامل بما يبدو كأنه مفارقة، فيقول صراحة أن للطبيعة جانبين يبدوان كأنما هما النقيضان المتعاندان ومع ذلك فكل منهما جوهري لا غنى عنه، أما الجانب الأول فهو التطور والتقدم الخلاق الذي هو جانب الصيرورة في الطبيعة، وأما الثاني فهو دوام الأشياء على صورها التي نعرفها بها فلا سبيل إلى فهمنا للطبيعة إلا بهذين معًا؛ صيرورة الأشياء من جهة والثبات المنطقي لها من جهة أخرى، وإننا لنخطئ إذا نحن فصلناهما بحيث ننظر إلى كل منهما علي حدة كأنما نقول أن الحق أحد أمرين فإما صيرورة وإما ثبات.

لكن حذار أن نظن كما ظن الفلاسفة السابقون أن مثل هذا الإطار الفكري الذي تقيمه الفلسفة لتفهم به العالم هو شئ مطلق أزلي أبدي لا يتغير ولا يتبدل، كلا فلا أمل لفيلسوف أن يبلغ هذا المدى وأنى له أن يبلغه وهو مقيد بقيدين، مقيد باللغة التي يصور بها إطاره الفكري واللغة أبعد ما يكون عن المطلق اللا محدود، ومقيد بخياله البشري المحدود. إذن فلنقنع بمبادئ تكون على أحسن الفروض تقريبات ندنو بها من المثل الأعلى ونظل ندنو بها مهتدين بضوء خبراتنا بالعالم وما يجري فيه، فكلما اقتضت الخبرة أن نغير من إطارنا الفكري غيرناه.

ذلك أن البناء الميتافيزيقي الذي نقيمه لنفهم به الطبيعة لابد له أن يفسر كل حقائق الخبرة الواقعة، فإن تعذر عليه ذلك بدلناه بما هو أصلح منه تماما كما نفعل في مجال العلم، نفرض النظرية لنفسر بها الظواهر، فإما فسرتها وإما عدلناها بما هو أصلح منها للتفسير، فهاهنا نلمس الفرق واضحا بين وايتهد وبين أسلافه من الفلاسفة العقليين الذين يشبهون في تطبيق الرياضة أو المنطق على الطبيعة، أعني في تطبيق نسق من العلاقات النظرية نقيمه بادئ ذي بدء لنفهم به العالم، أقول أننا نلمس هاهنا الفرق واضحا بين وايتهد وأسلافه العقليين مثل ديكارت واسبينوزا، فبينما هؤلاء يجعلون مبادئهم الأولى حقائق واضحة بذاتها لا سبيل إلى الشك فيها أو إلى تعديلها نرى وايتهد ينظر إلى مبادئه الأولى وكأنما هي شئ سيق على سبيل الاختبار، فإما صلحت بأبقيناها وإلا بحثنا عن بديل لها أصلح منها .

الفكرة السائدة عن فلسفة وايتهد عند معظم شارحيه هي أنه قد مال آخر الأمر نحو الفلسفة الأفلاطونية، فلئن كانت نظرية المثل هي الركيزة الأساسية في فلسفة أفلاطون، وهي نظرية تفصل بين عالمين؛ عالم النماذج الصورية التي هي أقرب إلى الصيغ الرياضية في ناحية، وعالم الطبيعة المجسدة التي تحاول أن تقترب من تلك النماذج من ناحية أخرى.

لكننا لو نظرنا إلى فلسفة وايتهد هذه النظرة الأفلاطونية لسلبناه أخص الخصائص التي تميز فلسفته بحيث تجعلها إحدى الفلسفات التجريبية التي تفسر الطبيعة بالطبيعة ولا تلجأ إلى أي شيء خارج الطبيعة أو وراءها أو فوقها، فالأمر حقيقته هو أن وايتهد حين تحدث عن عالم الكائنات الأزلية فانما أراد به بنية من المنطق المجرد اشتقها الفيلسوف من الحوادث الفعلية كما تقع في الوجود الخارجي الفعلي، وما بين تلك الحوادث من علاقات، ألسنا نعيش في عالم من أحداث متشابكة في مجرى متصل مكاني زماني؟ جرد من هذا العالم صورة العلاقات التي تتشابك بها أحداثه، يكن لك الهيكل الصوري المجرد الذي يمثل بنية العالم، والذي بواسطته يمكن فهم العالم وتفسيره.

فليست الكائنات الأزلية التي يحدثنا عنها وايتهد بالكائنات ذوات الخصائص الكيفية، كفكرة الصلابة مثلًا أو فكرة البياض وما إلى ذلك، بل هي كائنات غير مخصصة بخصائص لكنها ترتبط في بناء ذي علاقات معلومة كما هي الحال مثلًا حين تبني نسقا رياضياً من رموز ليست بذات مدلول ومع ذلك فارتباطها مع غيرها في نسق علاقي واحد بجعل لها نمطا معينًا, وهكذا ينظر وايتهد إلى الخبرات البشرية, لا من أجل خصائصها الكيفية, بل ليستخلص منها تركيبها الرياضي وبنيتها المنطقية. وهذه هي التي يطلق عليها اسم الكائنات الأزلية, فهيكل العلاقات المجردة لا يتضمن ماهيات الأشياء المرتبطه بتلك العلاقات المجرد الصورية، أي أنك ليس ملزمًا بتحديد صفات معينة تميز بها ما نسميه بالكائنات الازلية، والشئ الوحيد الذي أنت ملزم به هو شبكة العلاقات الرياضية المنطقية التي تصل تلك الأطراف بعضها ببعض , كائنًا ما كانت طبيعه تلك الأطراف، فالأمر هنا شبيه بالدالة الرياضية ذات الرموز المجهولة الدلالة , مثل س و ص , فيجوز ذلك أن تضع مكان الرموز أي حقيقة شئت ما دامت تتسق مع العلاقات التي تكون بنية الدالة، وفي اللحظة التي تضع مكان الأطراف المجهولة حقائق معينة تتحول تلك البنية الممكنة إلي كائن فعلي مكاني زماني محدد المعالم معلوم الصفات.

وكما أن وايتهد – بكائناته الأزلية – لا يشبه أفلاطون بمُثله , فهو كذلك لا يشبه أرسطو بتصنيفه للأجناس والأنواع , لأن أرسطو أيضًا يقسم ويصنف على أساس الخصائص الكيفية للأشياء وفي رأي وايت أن هذا فيه تفتيت للكون إلى كيفيات مفككة معزول بعضها عن بعض، على حين أن جوهر العالم هو في العلاقات الرابطة , لا في الكيفيات المربوطه. فأنت تفهم العالم لا بأن تعرف أنه مشتمل على ألوان وأصوات .. إلخ مصنفه أنواعًا وأجناسًا، بل تفهمه بأن تعرف هيكل العلاقات التي تربط متغيرات في بنية منطقية، فعندئذ تصبح الكائنات العلاقية الصورية دالة على ما يمكن أن يكون في أيه لحظة لا على ما هو موجود بالفعل في إحدى لحظات الزمان.

قلنا أن وايتهد يبحث في خبراته عن عناصر يستعين بها على إقامة بناء ميتافزيقي يشمل على الكون كله. فما يصدق على الخبرات المباشرة يصدق أيضًا على الطبيعة بكل ما فيها من أحداث وذلك هو ما انتهى به إلى نظرية من أهم جوانب فلسفته , أطلق عليها كلمة من كلماته الإصطلاحية الكثيرة التي تغمض المعنى على من لا يفهمها وهي كلمة prehension ومعناها على وجه الدقة هو: انتقال الخصائص من حادثة ماضية إلى حادثة حاضرة , ثم تورث هذه الخصائص كلها إلى حادثة مستقبله، وبهذا يكون الرباط الذي يصل حوادث الماضي والحاضر والمستقبل في خط واحد يظل ينمو ويزداد خصوبة على مر الزمن، لأن خصائص الماضي تظل تتراكم بالانتقال والتوريث من حادثة إلى حادثة؛ ولست أدري بماذا أسمي هذا كله في كلمة عربية واحدة تقابل الكلمة الإنجليزية، واقترح مؤقتًا كلمة (التشرّب) فالحاضر يتشرب الماضي ثم يسقيه للمستقبل فيشربه وهلم جرًا؛ لهذا ترى الخط السببي ممتدًا متصلًا في كل كائن، فهذه الشجرة وهذا النهر وأنا وأنت امتداد من حوادث ماضيها يسبب حاضرها، وحاضرها يرسم طريق السير لمستقبلها.

أنظر إلى نفسك من داخل ، لتنتقل ما تراه في خبراتك إلى الطبيعه بأسرها , أفلا ترى نفسك نابضة بالشعور نبضًا يصل أمسك بيومك , ثم يمد يومك إلى غدك؟ إن من مثل هذه الصله تكونت فرديتك الواحدة رغم كثرة مقاوماتها وهكذا قل فيما يسميه وايتهد “بنبضات الطبيعة” وهو اصطلاح آخر عنده نبضات الطبيعة التي يراها متمثلة في سير الحوادث سيرًا يكون مفردات الكائنات من جهة , ثم تجاوبها بعضها مع بعض من جهة إلى أخري , فترى الكائن العضوي يستجيب لبيئته كما نراه حساسا يتلقي مؤثرات بيئية , وهي عمليات تدق فتصبح عند الإنسان إدراكًا حسيًا وإدراكًا عقليًا , والأساس واحد في الجميع .

وفي الطبيعة ما يملي مثل هذا الرأي , فنبض الطبيعة باد في انتقال الطاقه من حادثة إلى حادثة فترى الإلكترون من كل ذرة يشع سيالًا يؤثر به على ما جاوره كما هو باد في انتقال الأثر الحسي على أطراف أعصابنا خلال الخيوط العصبية ثم يدور دورته منتقلًا من جزء إلى الجزء الذي يجاوره حتى ينتهي إلى فعل يؤديه الإنسان ففعالية الطاقة في الطبيعة هي نفسها الانفعال الحي الذي يمارسه الإنسان في خبرة حياته وفي هذا الانتقال انتقال الأثر من ذرة إلى ذرة ومن حادثة إلى حادثة، مفتاح نظريته في أن كل شيء كائن عضوي، والطبيعة كلها كائن عضوي لا بالمعني البيولوجي لهذه الكلمة لأن وايتهد لا يبني فلسفته الطبيعية على أساس البيولوجيا، بل إن علم الطبيعة وعلم البيولوجيا معًا يتساويان في أنهما يعالجان أشياء لكل شيء منها تاريخ، أعني أن لكل شيء امتدادًا في الزمن.

ونختم هذا العرض الموجز لفلسفة وايتهد بركن آخر من أركان فلسفته هو الذي يطلق عليه كلمة اصطلاحية أخرى من مصطلحاته الكثيرة الا وهي كلمة “مجتمع” ومعناها الخاص عند وايتهد هو أن الحادثات لا تظل مفككة فرادى بل تتجمع معًا في كائنات كالشجرة أو النهر أو الجبل أو الفرد من أفراد الإنسان والحيوان، تتجمع مجموعة الحوادث في تاريخ واحد وفي خط سببي واحد، فيتكون منها كائن واحد، فكل شيء في الطبيعة يحتفظ بذاتيته على امتداد فترة من الزمن، قصيرة أو طويلة، هو مجتمع باصطلاح وايتهد، فهذه المنضدة مجتمع أحداث وكذلك هذا المقعد وهذا القلم وذلك الطائر، كل من هذه الأشياء مجتمع لأنه خط تاريخي واحد من أحداث تتوارث الخصائص المعينة حاضرا عن ماض، ومستقبلا عن حاضر أو قل إن كل شيء منها خيط يحدث بين أجزائه المتتابعة انتقال يسوده احتفاظ النمط كله بذاتية واحدة تميزه، وهذا النظام الاجتماعي بين حوادث الشيء الواحد وهنا أيضا استعمل مصطلحا لوايتهد، أي هذا النظام الذي يجعل صلة من نوع معين بين هذه الحادثة وتلك الحادثة من مجموعة الحوادث في الشيء الواحد هو الذي يخلع على الشيء واحديته ودوام ذاتيته، مما يجيز لنا أن ننظر إلى هذه المنضدة، فنقول مثلًا أنها هي المنضدة نفسها التي رأيناها هنا بالأمس.

يقول وايتهد أن مثل هذا النظام الاجتماعي بين أحداث الشيء الواحد إنما يتحقق إذا تحقق لخط الحوادث هذه الشروط : فأولا أن تكون البنية الصورية أو الهيكل العلاقي أو الفورم الذي نبني عليه حلقة من حلقات السلسلة التاريخية للشيء المعين هو نفسه الفورم الذي تبنى عليه سائر الحلقات، أو بعبارة أخرى أن تدوم للشيء بنية صورية واحدة، وثانيًا أن تكون هذه البنية الصورية المتشابهة في الحلقات كافة مستمدة في كل حالة من الخصائص التي تستمدها من سائر أعضاء الخيط التاريخي بواسطة عملية التشرب التي اسلفنا ذكرها , وثالثًا – أن تؤدي الخصائص المنقوله من حلقه إلى حلقة، إلى ثبات واتصال في ذاتية الشئ .

فما الذي يجعلك تنظر إلى نهر النيل – مثلًا – في أية لحظة من الزمن فتقول: هذا هو نهر النيل، مع أنه سيال دافق من حوادث، وما ينفك يتغير ويتبدل بين الغيض والفيض ؟

الذي يتيح لك ذلك هو أن تيار الحوادث الذي منه يتألف تاريخ هذا المكان , فيه تشابه في البنية الصورية عند كل حلقة من حلقات ذلك التاريخ , بحيث تستطيع أن تقطف أية حلقة منها في لحظة معينة فتقول عنها : إنها نهر النيل , وإذن فالعلاقة بين الحلقات المتتابعه , مما يجيز لنا أن نقول عنها، أنها كأعضاء المجتمع الواحد , وأن بينها نظاما اجتماعيا شديد الشبة بالنظام الذي يجعل من شتيت الأفراد مجتمعا واحدا ذات طابع مميز , وأن هذا القول ليصدق على كل شئ؛ يصدق على الذرّه الواحدة صدقه على الفرد من الناس , كل منها مؤلف من أحداث مجتمعة معًا على ترتيب خاص، وفي بنية صورية معينة .
* * *

من كل هذا الذي أسلفناه عن فلسفة وايتهد , يتبين أنها تقوم على ركيزتين أساسيتين , أخذت أحدهما من المنطق والرياضة الحديثين , وأخذت الأخرى من علم الفيزياء الحديث , فمن المنطق والرياضة الحديثين أخذت طريقة البناء الاستنباطي القائم على مسلمات مفروضة , يمكن أن تتبدل بغيرها لو أردنا نتائج مختلفة , فذلك جانب واضح في فلسفة وايتهد حين يجعل مهمة التفكير الفلسفي أن يضع إطارًا فكريًا ذا علاقات رياضية منطقية، ليفسر بها حقائق الكون , فإذا وجدنا لكل حقائق الخبرة موضوعها من ذلك الإطار النسقي، قلنا عندئذ أن تفسيرنا للكون قائم على أساس صحيح، وإلا بدلنا بالإطار الفكري المفروض إطارًا آخر أصلح منه للتفسير؛ وهذان الشقّان: الإطار الرياضي الثابت من جهة، وتيارات الحوادث الدافقة في الطبيعة من جهة أخرى، هو الذي يفسر اجتماع الخاصيتين معًا في كل شيء: خاصية الثبات على ذاتية واحدة، ثم خاصية التغير اللحظي في مجرى الحوادث. ومن علم الفيزياء الحديث أخذت فلسفة وايتهد مبدأ التغير في الذرة، الذي تصبح معه كل ذرة خيطًا من أحداث متتابعة، فكأنما حقيقتها هي تاريخها، وليست هي بالحقيقة ذات السكون والدوام؛ فأوحت هذه الفيزياء الذرية بالفلسفة التي تحل كل شيء إلى سلاسل من حوادث، ولا ذاتية للشئ الواحد إلا ما يكون بين هذه الحوادث من بنية صورية وعلاقات سببية تجعل من أي كائن كائنًا عضويًا.

 

error: المحتوى محمي