أصول ما قبل دوركهايم – روبرت باركن / ترجمة: إيمان الوكيلي

أصول ما قبل دوركهايم – روبرت باركن / ترجمة: إيمان الوكيلي

الدين والمجتمع ونظرية المعرفة
قراءات معاصرة في أعمال إيميل دوركهايم


التقليد الفرنسي للأنثروبولوجيا؟

دعُوني أبدأ بسؤال بلاغي: هل هناك تقليد أنثروبولوجي فرنسي ذو أهمية معتبرة؟ قد يبدو غريبا طرح هذا السؤال عند البدء بمجموع المحاضرات المخصصة لهذا التقليد. لكن في الواقع، الحالة الفرنسية تنطوي على تناقض غير موجود في الحالة البريطانية أو حالة الولايات المتحدة، والمستبعد أيضا في الحالة الألمانية، على الأقل بالقدر نفسه. بكل بساطة، كان هناك دائما تقسيم واضح للعمل في فرنسا، أكثر من أي مكان آخر، بين من أنتج النظريات والمناهج الرئيسة ذات الأهمية في الأنثربولوجيا، وبين من قام بجمع البيانات الإثنوغرافية في الميدان . لا يعني ذلك أن علماء الأنثروبولوجيا الفرنسية غير مدركين للنظرية أو أنهم لم يسهموا فيها، أي، بعيدين عنها. لكن لا يوجد مثيل بين فرنسا وتقليد البريطاني Bronislaw Malinoski الذي، وفي مرحلة من مراحل تطور تبنيه للتقليد الأنثروبولوجي الوطني، ابتكر مناهج متينة في العمل الميداني، وأنتج نظريات أقل متانة على أساسها، وإن بشكل جزئي، وقام بتدريس الأنثروبولوجيا من خلالهما، وبالتالي دفع بالأجيال اللاحقة للسير وفق نموذج الجمع بين النظرية والممارسة.

أما ما يخص الدفع بالعمل الميداني وتدريسه، فيبقى كل من موس وكريول أقرب المتنافسين، على الرغم من وجود تقسيم واضح للأدوار بينهما. وكما أكد العديد من طلابه ومعاصريه، فإن موس اعتاد بشكل كبير دراسة الشعوب غير الأوروبية، لكنه في الحقيقة درسهم أكثر عن كثب عند قيامه برحلة استغرقت ثلاثة أسابيع إلى المغرب قصد دراسة طقوس الرقص عام 1909. وبدل ذلك، فقد كان دوره يتمثل في تدريس الإثنوغرافيا في ضوء النظرية الدوركهايمية في الفترة ما بين الحربين العالميتين. أما بخصوص كريول، وعلى الرغم من التأثير الخاص الذي خلفه في فرنسا من ثلاثينيات إلى خمسينيات القرن الماضي، من خلال ممارسة العمل الميداني، وأيضا ما يتعلق بمحاولات ربط الأنثروبولوجيا بالفن والأدب، فإنه لم يستطع أن يمزج نشاطه بعمق نظري. وبفعل تأثيره، مثله مثل موس، فقد عمد على مر السنين الكثير من الأنثروبولوجيين الفرنسيين إلى اتخاذ موقف صارم ضد ما هو نظري، وفضلوا من خلاله التأكيد على الإثنوغرافيا أكثر من النظرية كأساس حقيقي للأنثروبولوجيا.

وطبعا هناك الآن مجموعة مهمة من الأدب الإثنوغرافي الممتاز في فرنسا، ولكن غير واضح تماما لماذا تأخر العمل الميداني المتقن. وطبعا، لم يحدث هذا إلا بعد الحرب العالمية الثانية، سواءً على المستويين الكمي أو النوعي، رغم أنشطة كريول المثيرة للجدل في الفترة ما بين الحربين العالميتين. يتمثل أحد الأسباب في أن المدرسة النظرية المهيمنة المحيطة بإميل دوركهايم ظلت على مقربة من السوسيولوجيا الأوروبية حتى وقت متأخر جدا من المسار المهني لدوركهايم، لتصبح بشكل ملحوظ أكثر أنثروبولوجية فقط عندما اقتبس موس من دوركهايم بعد الحرب العالمية الأولى. والحقيقة أن الأنثروبولوجيا كانت كلمة بغيضة شيئا ما بالنسبة إلى دوركهايم، كونها استحضرت ذكريات المدرسة البريطانية في القرن التاسع عشر، كما أن تفسيراتها للدين استوجبت، على كل حال، الاعتراض حسب دوركهايم.

ومع ذلك، فقد شجع كل من موس وروبرت هيرتز على إدراج الشعوب غير الأوروبية في المشروع الدوركهايمي بشكل كبير، مما دفع، من حيث المبدأ، بالمزيد من العمل الميداني. وبالتأكيد، فالمجموعة التي تدخل في دائرة دوركهايم كانت على وعي متزايد بأن البريطانيين كانوا متقدمين كثيرا عليهم في هذه الشعبة، إن لم يكن في المجال النظري ككل. وهكذا اتخذوا خطوات لفعل شيء حيال ذلك. وأبرز هذه الجهود على الخصوص كانت رحلة هرتز لمدة ستة أسابيع إلى جبال الألب الإيطالية في سنة 1911، حيث قام بدراسة طائفة كاثوليكية يشرف عليها القديس بيسو المنعزل هناك. ومع ذلك، لم تتم الموافقة على ذلك تماما من قبل زملائه، الذين طالما راودهم الشك من أي شيء تفوح منه رائحة الفولكلور، وهي الطريقة التي كانت توصم بها الأسئلة الإثنوغرافية في أوروبا في هذه المرحلة، بل وحتى في وقت لاحق .

الأمر الآخر الذي يمكن أن يعيق العمل الميداني يتمثل في أن الدوركهايميين كانوا دائما رافضين لأرنولد فان جينيب Arnold van Gennep وأعماله الميدانية المناقضة تماما للنظرية الأنثروبولوجية الدوركهايمية السائدة في جميع أوروبا آنذاك . فرحلة هرتز القصيرة كانت لإثبات النقطة الأساسية للعمل الميداني الدوركهايمي قبل الحرب العالمية الأولى. وإذا تركنا جانبا رحلة موس الأقصر إلى المغرب، وحده هنري بوشات Henri Beuchat قام بمحاولة أخرى لزيارة الإسكيمو، حيث لقيّ المستكشف القطبي أكثر من الأكاديمي حتفه غرقا على متن سفينة في القطب الشمالي، وهكذا غرقت معه كل الملاحظات التي تمكن من جمعها.

لقد كان لفرنسا كقوة استعمارية، بطبيعة الحال، نصيب من هواة الإثنوغرافيا، والإداريين، والمبشرين، وضباط الجيش، وأمثالهم، لكن عملهم كان هامشيا من الناحية النظرية مثل نظرائهم في بريطانيا، والولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا، وهولاندا. ففي البداية، لم تكن الدراسات الميدانية التي شجعها موس في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي أبحاثا ميدانية طويلة المدى باللغة المحلية، بل كانت أكثر من بعثات متنوعة، مثل رحلة كريول Griaule عبر إفريقيا، التي انطلقت من دجيبوتي إلى دكار، أو رحلات كلود ليفي ستراوس Claude Levi-Strauss حول الأمازون. على العموم، فقد شكلت الأنثروبولوجيا الفرنسية لفترة ما بين الحربين مرحلة انتقالية بين الأنثروبولوجيا النظرية والممارسة الميدانية طويلة المدى من النوع الذي أُحدث في الأنثروبولوجيا البريطانية بواسطة و. ش. ر. ريفرز W. H. R. Rivers وزملائه طوال المائة عام الماضية، ومثل بعثة ثوريس سترايت Torres Straits التي يمكن اعتبارها الأكثر شهرة. وعلى الرغم من استقرار كريول Griaule وزملائه مع دكون The Dogon خلال هذه المرحلة، فقد أصبح العمل الميداني المالينوسكي (نسبة إلى مالينوسكي Malinowski)، عملا مدرسيا مؤسِّساً في فرنسا بعد الحرب.

يمكن أن تقارَن مسألة الفجوة بين التطور النظري والممارسة الإثنوغرافية في فرنسا مع صعوبة أخرى تتمثل في الإهمال الذي تعرض له معظم المنظرين الفرنسيين. بينما تعد هذه الحدود أكثر وضوحا على وجه العموم في التقليد الأنجلوساكسوني. في فرنسا، علينا أن نسأل: من بين المنظرين، من يمكن أن نعدهم أنثروبولوجيين؟ هل نعد على سبيل المثال دوركهاييم فيلسوفا أم نعده عالم اجتماع؟ وهل نعد ليفي ستروس Lévi-Strauss فيلسوفا أم أنثروبولوجيا؟ هل نعد موس Maussوبيير بورديو Pierre Bourdieu كعالمي اجتماع أم أنثروبولوجيين؟ هل نعد فوكو Foucault مؤرخا أم عالم اجتماع؟ حسب ملاحظات أدامز W. Y. Adams، هناك أيضا وعي كبير من الالتزام الشخصي الاختياري للنظرية في فرنسا الذي يشكل ويحدد تعريفا شاملا لمهنة المنظر: التحولات الفكرية الجذرية التي قام بها ريفرز Rivers في بريطانيا أو مارشال سهلينز Marshall Sahlins في الولايات المتحدة ستبقى خارج التفكير.
نتيجة واحدة لهذه العوامل، وهي أنه في الوقت الذي تعتبر الإثنوغرافيا الفرنسية في الدرجة الأولى من حيث الجودة، وإجمالا، ملتزمة بالنظرية بشكل واضح، فهي غالبا ما تظهر على أنها مهتمة بالتحليل الإثنوغرافي الدقيق أكثر من الجُهد المقارن النظري. وهذا غالبا ما يكون صحيحا في مكان آخر بطبيعة الحال. لكن، بينما يعتمد علماء أنثروبولوجيا الممارسة الميدانية على بعضهم البعض في تقاليد أخرى، تقوم التخصصات التي لا تعتمد على الممارسة الميدانية بتوليد نظريات خاصة بها بالاعتماد على أدواتها. كما أنهم أكثر ميلا إلى فعل ذلك مباشرة من خلال الإثنوغرافيا، بما في ذلك ما يقوم به الآخرون. تبقى هذه مفارقة، نظرا للحكمة الواردة في بعض الأوساط كون أن الفرنسيين معجبون بنظرياتهم المبنية على الخيال، في حين أن البريطانيين لا يستطيعون تجاوز الوقائع: في الحقيقة، الفظيع هو أن كثيرا من الإثنوغرافيا الفرنسية هي تجريبية من حيث الصرامة، ولكنها ليست طموحة نظريا .

من المؤكد أن ثمة علماء أنثروبولوجيا فرنسيين نجحوا في الجمع بين النظرية والممارسة على الطريقة الأنجلوساكسونية، مثل لويس دامونت Louis Dumont (الذي قام بالتدريس بجامعة أوكسفورد لمدة أربع سنوات في أوائل الخمسينيات، وفي أوج شباب إيدوارد إ. إيفانس بريتشارد Edward E. Evans-Pritchard)، وموريس غودولييه Maurice Godelier، وغيرهما من الماركسيين. ومع ذلك، فمن الواضح أن النظريات المبنية على الخيال في فرنسا عموما ليست حكرا على الإثنوغرافيين. على الأصح، هي نظريات تم توليدها من قبل مفكرين متخصصين. وعلى الرغم من أنهم قد يستخدمونها عند الاقتضاء، فإنهم يعدون الإثنوغرافيا مجرد أداة من بين العديد من الأدوات في بناء النظريات ذات الطبيعة الاستنتاجية التي غالبا ما تكون واضحة كليا. وفي الغالب عندما يستعملون الأنثروبولوجيا، فهو لمجرد توفير دعم بأثر رجعي للنظريات التي طوروها بشكل مستقل عنها. هذا واضح بشكل كبير في حالة ليفي ستراوس، وبخصوص تركيز دوركهايم على الوقائع، ففي الممارسة عرّف نفسه على أنه عقلاني أكثر من كونه وضعي، فضلا عن كونه تجريبي.

في هذه المحاضرات، سأركز أساسا على المنظرين الذين تمت مناقشتهم أكثر، لكنني سأتناول عند الحاجة الفصل بين النظرية والإثنوغرافيا في فرنسا، وسأقوم أيضا بمناقشة مطولة لرواد الممارسة الميدانية. غير أنني، في بقية هذه المحاضرة الافتتاحية، سألقي نظرة على أسلاف السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا الأساسيين في فرنسا، فضلا عن أصول التخصص سالف الذكر في المتاحف الفرنسية وجمعيات المثقفين في القرن التاسع عشر.

 

مونتسكيو وروسو: أصول ما قبل الثورة للفكر الاجتماعي الفرنسي

إذا لم يتعلق الأمر بالعمل الميداني المبتكر، من الأكيد أنه بإمكان فرنسا احتلال موقع الصدارة فيما يخص الأفكار التي شكلت الأنثروبولوجيا النظرية والتطبيقية. في الواقع، إنها تستحق المرتبة الأولى من حيث إنتاجها لكاتب حديث في وقت مبكر جمع بين الاهتمام بالعادات الأجنبية والغريبة للشعوب الأخرى، ومحاولة تنظيم المعرفة حول المجتمعات البشرية بصورة أكثر أو أقل موضوعية، ويتعلق الأمر بمونتسكيو. وهنا، أيضا سأقوم بدراسة روسو Rousseau، وبعد ذلك سان سيمون Saint-Simon وكونت Comte .

عموما، إن كل هذه الشخصيات، إما أنتجَت أو كانت نتاجا لعصر التنوير، الطابع الذي هيمن على الفكر في أواخر القرنين السابع والثامن عشر، والمرتبط بفرنسا على وجه الخصوص. وللحفاظ على مكانة للعقلانيين، فقد كانت ردة الفعل بداية القرن التاسع عشر تجاه عصر الأنوار مختلفة عما كانت عليه في ألمانيا، حيث تم رفض العقلانية الكونية الفرنسية كليا لصالح التشويه المتزايد للعنصرية الثقافية والعرقية لمذهب جوهان فون هردر Johann Gottfried von Herder المتعلق بخصوصية الثقافات. هكذا بلغت لاعقلانية نتشه ذروتها، وحددت هوية القائد والدولة من خلال هيجل، وأخيرا الجرائم العنصرية النازية. وطبعا، فقد أنتجت فرنسا أيضا عنصرية أرثر دو كوبينو Arthur de Gobineau وبول بروكا Paul Broca ومجموعة علم النفس الجماهير لكوستاف لو بون Gustave Le Bon، وكلاهما أثرتا على النظرية الفاشية . لكنها على المدى الطويل أصبحت هامشية بالنسبة إلى الفكر الفرنسي.

من أجل أهدافنا العاجلة، المهم هو تأثير شخصيات بداية عصر الأنوار على دوركهايم، والذي يُعد عملها وميراثها أساسيا في نواح كثيرة لهذه المحاضرات. والحقيقة أن مفهوم البعد الاجتماعي المشترك بالنسبة إلى الحياة البشرية التي تصبح بواسطتها أفكار وممارسات الفرد ملغزة، حيث إن ما هو اجتماعي يتدخل في إدراكنا المباشر للعالم، هو موضوع ثابت على الأقل منذ جان جاك روسو Jean-Jacques Rousseau حتى جان بودريار Jean Baudrillard وبرونو لاتورBruno Latour. ولأنه تمًت معاملة دوركهايم في كثير من الأحيان على أنه نقطة ارتكاز هذه النزعة، سأواصل في جزء هنا تضمين ردود فعله حيال هذه الشخصيات واستخدامه لأفكارهم.

يحتل مونتسكيو Montesquieu (1689-1755) أهمية خاصة في سياق الفكر الدوركهايمي، كونه موضوع الأطروحة اللاتينية لدوركهايم التي ترجمت للغة الإنجليزية مؤخرا . فمونتسكيو، الرجل النبيل الذي عاش أزمة دائمة إثر الحكم الاستبدادي الفرنسي في القرن الثامن عشر، أنتج أكثر أعماله أهمية من وجهة نظر السوسيولوجيا الحديثة في سنة 1748، تحت عنوان: “روح القوانين” . لا يبدو للوهلة الأولى أن هذا العمل يمثل أي شيء جديد كونه يناقش خصائص ومزايا مختلف أنواع الدساتير بطريقة سطحية تشبه العديد من الكتابات، سواء من العصور القديمة (كتابات أفلاطون وأرسطو) أو عصر النهضة (مثل كتابات ميكيافيليMachiavelli ). في الواقع، فقد عرض مونتسكيو أنواعا مماثلة، رغم أنها غير متطابقة تماما، كالملكية، الديمقراطية، والحكم المطلق-الاستبدادي. ومع ذلك، إذا أجرينا تحقيقا إضافيا، فسنجد اختلافات استشرافية مهمة.

يميل الكُتًّاب إلى إصدار الأحكام وتفسير القوانين بالرجوع إلى الدوافع الإنسانية، خصوصا الشخصيات التاريخية العظيمة، بما في ذلك المشرّعين أمثال سولون Solon أو ليكوركس Lycurgus؛ وفيما يخص الجزء الأكبر، نجد مونتسكيو قد وضع الدوافع الفردية بعيدا عن تفسيراته. وعموما، فتقديراته ليست حاسمة، رغم أن ما اقترحه أحيانا اعتبر أفضل الخيارات في حالات استثنائية. والأهم من ذلك هو اهتمامه بالدساتير التي وفرت له أساسا للنظر في أنواع المجتمع التي ترتبط بها. أدى به هذا إلى استخدام شكل من أشكال الاختلاف المصاحب له كأداة تحليلية. وبالتالي، فالجمهوريات، إما الأرستقراطية أو الديمقراطية، كان يحركها الصالح العام. في حين أن الملكيات كانت تخضع لمبدأ فصل السلط وكذا الطبقات الاجتماعية. وكانت الملكيات محط تركيز مختلف الاهتمامات، رغم أن النظامين أنتجوا، على الأقل، أوضاعا للحرية من خلال المنافسة بينهما. الحكم المطلق، من جهة ثانية، كان يتألف فقط من الحاكم والشعب المستعبَد. النظامان، كما قال، كانا أكثر ملاءمة للشعوب الآسيوية الممتدة (مثل شعب تركيا وإيران والصين)، في حين أن الأنظمة الملكية كانت ذات حجم متوسط، وكانت الجمهوريات عبارة عن وحدات صغيرة، وكلاهما كانا أكثر ملاءمة للتعقيدات الكبيرة المزعومة للشعوب الأوروبية. الشعوب الأخيرة كانت أيضا مسيحية، ليست إسلامية أو هندوسية أو كونفوشيوسية، رغم أن مونتسكيو ميّز بين البروتستانت المحبين للحرية والكاثوليك المستبدين. كما اشتمل مشروع مونتسكيو الإجمالي على المجتمعات “البدائية الوحشية” و”البربرية غير المتمدنة”، اللتان تفتقران إلى نظام الدولة، وعرفت بارتباطها بالصيد والالتقاط والرعي.

مع ذلك، ونظرا لتأثير الأحوال البيئية، خصوصا المناخية منها على المجتمعات وقوانينها، استحضر مونتسكيو بشكل واضح العوامل الخارجية غير الاجتماعية من النوع الذي اعتاد دوركهايم رفضها. أكد دوركهايم، في أطروحته حول مونتسكيو، على أن مونتسكيو وقع له خلط بين الأسباب الأيديولوجية الخاصة بالمجتمع لإدخال القوانين، وبين الظروف الموضوعية التي تم إدخال تلك القوانين في سياقها بشكل فعلي. كما أنه ناقش مطولا استخدام مونتسكيو للمصادفة تفسيرا انتهاك القانون من قبل الفرد، والتي فضل دوركهايم اعتبارها انحرافا عن القيم الاجتماعية. في المقابل، لاحظ دوركهايم بإعجاب أن مونتسكيو لم يُولِ أيَّ اعتبار لإرادة الفرد الحرة، اعترافا منه أن القوانين تعبر عن المُثل الاجتماعية، وأنه كان على استعداد للتفكير بطريقة استقرائية في بعض الأحيان، رغم أن سمة المنطق الاستنتاجي- الاستدلالي للمفكرين السابقين كانت لا تزال ظاهرة في بعض الأحيان. حتّى أن دوركهايم ادٍّعى أن تمييزه الخاص بين التضامن العضوي والتضامن الميكانيكي كان مرهونا بمعالجة مونتسكيو للنظام الجمهوري والملكي على التوالي، آخذا بعين الاعتبار امتيازات النظام الملكي وافتقار النظام الجمهوري لذات الامتيازات. أساسا، وعلى الرغم من ذلك، فقد اتخذ مونتسكيو خطوات مهمة إلى الأمام في تصنيف المجتمعات إلى أنواع ينبغي أن ينظر إليها كمجموعات مندمجة-متكاملة يمكن دراستها عن طريق القوانين الخاصة. إضافة إلى أنه كان من بين السبّاقين إلى استخدام مفهوم القانون السوسيولوجي الذي يختلف عن القوانين الأخلاقية التي تفرضها المجتمعات سعيا وراء أهدافها الخاصة.

إن الكاتب الآخر الذي كان له تأثير بالغ على دوركهايم هو روسو (1712-1778)، الذي جمع ستيفن ليوكس بينه وبين مونتسكيو في مناقشته المتعلقة بتأثيرات دوركهايم . بينما كان مونتسكيو مدافعا عن الطبقة الأرستقراطية التي ينتمي إليها، كان معاصره الجينوفي روسو، المصاب بالوسواس والمضطرب اجتماعيا، مصدر إلهام للعديد من الثوار مستقبلا، والذي كثيرا ما يوجه إليه اللوم فيما يتعلق بالثورة الفرنسية وجميع المؤيدين للديكتاتورية التي تلت الحدث. ومع ذلك، فروسو معروف أكثر من أي أحد بدعوته المباشرة (أي غير التمثيلية) للديمقراطية، واقتراحه، المتناقض بوضوح، على أن حرية الفرد ازدادت من خلالها لتصل إلى أعلى مرتبة اجتماعية. حسب روسو، رغم أن البشر ذو طبيعة اجتماعية تضامنية، فإنَّ المؤسَّسات التي أنشؤوها كثيرا ما استعبدتهم. والحل بالنسبة إليه، هو العمل معا في إطار عقد اجتماعي يمكنها من الهيمنة كمجموعة. عندئد فقط، تكون كل من العدالة والنظام ممكنين من خلال التعبير عما سماه روسو بالإرادة العامة. ومع ذلك، فالإرادة العامة لم تكن مجرد تجميع، بل كانت أكبر من مجموع الإرادات الفردية التي تصنف وتستبدل معا. فمعارضة الإرادة الفردية يعني معارضة الذات، وبالتالي، الحد من حريات الفرد داخل المجتمع. ولقلب هذا المنظور السلبي بآخر إيجابي، من الممكن الكشف عن أصل فكرة دوركهايم لاحقا، وهي أن عبادة إله ما هي عبادة المجتمع، وبالتالي عبادة الذات أيضا.

في الحقيقة، إن دوركهايم نفسه سلط الضوء على فكرة روسو تعبيرا عن قيم المجتمع، لأنها تطابق بشكل واضح مفهومه الخاص للوعي الجمعي. بالإضافة إلى أنه اتفق مع موقف روسو على أن الحياة الاجتماعية وحدها تتم فعلا من أجل الفرد، وأنها تتطلب الاندماج الذاتي للفرد مع الجماعة الكبيرة. لكنه انتقد روسو في افتراضه أن حالة الطبيعة انبثق منها الإنسان وأنشأ المجتمع، رغم أن هذا ربما كان موجها بكل معنى الكلمة في حالة روسو، وليس جزء من التاريخ التأملي كما ذهب إلى ذلك هوبس. فبالنسبة إلى دوركهايم، بلغ هذا حد إنكار طبيعة المجتمع نفسه، وجعل المجتمع يبدو اصطناعيا. اعتقد دوركهايم أن مجتمع روسو كان نتاج العقل البشري، وأنه أًنْشِئ لخدمة الفرد، لكنه في واقع الأمر كان خارجيا، ومنطقيا سابقا عن الفرد. ومع ذلك، اعتقد أن البيداغوجيا غير الناضجة لروسو، خاصة في كتاب إميلي (1762-1993)، كان بالإمكان تفسيرها على أنها اعتراف بمكانة التربية في تغيير طبيعة الإنسان، وبالتالي جعله جزءا من الكل الأكبر؛ أي المجتمع. كانت التربية إلى حد كبير مسألة تحفيز لمقاومة المعتاد عند الطفل ضدا في الجانب الطبيعي، ومن أجل الأهداف المشتركة الكبرى. على الأصح، وكفوكو في وقت لاحق، فقد رأى دوركهايم في “إميلي” غرسا للانضباط الذاتي من خلال موضوعية هذه الأهداف الجماعية، الأمر الذي جعل المصادر الخارجية للانضباط أقل ضرورة. وبالتالي، أصبحت فكرة روسو مظهرا أساسيا لتدريس دوركهايم المبكر للتربية.

 

سان سيمون وكونت: ردود لفعل القرن التاسع عشر المبكرة على عصر الأنوار

أدت هزيمة نابليون عام 1815 إلى ردة فعل سياسية وفكرية في فرنسا؛ فلقد قدم مشروع عصر الأنوار لاستبدال طقوس المامبو جامبو الدينية بنزعة فردية عقلانية سمحت برد فعل معاكس لعصر الأنوار قبلت بالانسحاب النهائي للدين المتعارف عليه، لكنها لم تقبل بالأنانية التي ارتبطت الآن بالاحتفال بالفرد. ولقد رأى العديد من مفكري بداية القرن التاسع عشر، وبالذات في فرنسا، أن هناك ضرورة لحماية الجوهر الروحي لأديان الماضي، ولكن بشكل علماني وإنساني يقلل من أنانية عالم الجمود السياسي الذي اختلط بالتطور الصناعي التجاري. لهذا بدأوا في تطوير نماذج عضوية للمجتمع وضعت الحدس فوق العقل كطريقة لمواجهة النزعة الفردية لعصر الأنوار.

بطبيعة الحال، فالفِرق الدينية كانت متواجدة أثناء الثورة الفرنسية، لكن يبدو أنها أصبحت بارزة أكثر في الأجيال اللاحقة. فقد سعى كونت كلاود هنري دو سان سايمونComte Claude-Henri de Saint-Simon (1760-1825)، الرجل الأرستقراطي غريب الأطوار، إلى نشرها كبدائل عملية للدين فوق الطبيعي، وشجب اللاأخلاقية الفردانية لإنكارها وجود الله وأنانيتها، وذلك في عمليه: “إعادة تنظيم المجتمع الأوروبي” (1821) و”النظام الصناعي” (1821).

حسب سان سايمون، كان المجتمع فوق الفرد supra-individual وعضوي، وتراتبي من حيث كونه يحتاج في واقع الأمر إلى القيادة، وديني من حيث إنه لا يمكن أن يعمل بطريقة صحية دون نوع من العبادة التي يمكن أن تكون ذات نشاط رمزي مركز ومصدر إلهام أخلاقي للمجتمع. فمن وجهة نظره، رأى ساينت سايمون Saint-Simon في أن المجتمع الصناعي أوائل القرن التاسع عشر نافع في معظم هذه النواحي، رغم أن الفطرة في هذا المجتمع الجديد كانت تستبدل بالاستحقاق تدريجيا كأساس للقيادة، وكانت ما تزال هناك كل من القيادة والروابط الأساسية بين مختلف أجزاء المجتمع، وبين الفرد والمجتمع. وللبدء بفكرة سان سايمون، كان هذا كافيا؛ لكنه في وقت لاحق دعا أيضا إلى دين إنساني سيحتفل بهذا الشكل الجديد من التماسك من جهة ويمنحه أساسا أخلاقيا من جهة أخرى.

وعلى الرغم من أن رؤية سان سايمون كانت بالكاد ديمقراطية، فقد رأى أن المجتمع الصناعي كما هو، يتضمن في عمقه ما نسميه اليوم بالمجتمع المدني؛ أي بمعنى أن الوحدات التي كانت على حد سواء مستقلة عن الحكومة وهي نفسها مرتبطة فيما بينها في جمعيات حرة تتمتع بالاستقلال السياسي من خلال نظام تقسيم العمل. وقد كان هذا بمثابة تحول من الأنظمة السابقة للحكم الاستبدادي المباشر للرعية في المجتمع الأوروبي. كان منهج سان سيمون يُعنى بالظواهر والوقائع اليقينية بما فيه الكفاية ومتجذر في التأريخ العلمي ليقول عنه فريدريك إنجلز Friedrich Engels أنه اشتراكي، ويعده دوركهايم كذلك اشتراكيا، والمُؤسِّس الحقيقي لعلم الاجتماع. وأُعجِب به دوركهايم إعجابا كبيرا بتأكيده على الطبيعة الدستورية للمجتمع الحديث، في حين انتقد تركيزه الحصري على النُّظُم الاقتصادية في بداية فكره.

ذهب مفكر آخر، وهو أوغست كونت August Compte (1798-1857) أبعد من معاصريه وسعى إلى الجمع بين نوع العبادة التي دعا إليها سابقه سان سايمون، وبين العلم الجديد الذي سمي في البداية بالفيزياء الاجتماعية، متعقبا في ذلك سان سايمون، وعلم الاجتماع المتأخر . ورغم أن كونت، بدلا من سان سايمون، ارتبط بإحداثه للفلسفة الوضعية مصطلحا ومفهوما، لا يمكن وصفه بالعالم المحايد الذي جمع حقائق من غير نظام أو منطق. على الأصح، فقد كان مهموما بوضع أساس علمي لدستور يكون مقبولا مجتمعيا في المستقبل. وما هو روحي لهذه الغاية، كان يتحد مع ما هو علمي. في الواقع، توافقا مع برنامج مكافحة التنوير counter-Enlightenment program المشار إليه سابقا، فقد رأى كونت أن استبدال العالم بالكاهن هو مصدر تفوق في المجتمع. تحول مشابه يتعلق بدور النخب التي أصبحت طبقة صاعدة من رجال أعمال أغنياء – منتجين صناعيا ومهيمنين;، بل وأيضا تجار، بدل محاربين أرستقراطيين. وعلى الرغم من أن عصره كان في حالة تغير مستمر، فقد اعتقد كونت أن العالم والصناعي سينتصران في نهاية المطاف على الجندي والكاهن. كان من مهام السوسيولوجيا دعم هذا الاتجاه، باعتبارها من أبرز العلوم. وعلى وجه الخصوص، فعلى علم الاجتماع تولي المجموعة العلمية وتقييم البيانات السوسيولوجية التي من شأنها أن تثبط المنافسة الاقتصادية المفرطة وضمان تنفيذ النخبة لواجباتها الاجتماعية في علاقتها مع بقية المجتمع. ومثل سان سايمون، لم يكن كونت ديمقراطيا؛ فقد شارك في حكم النخبة بشكل من الأشكال كونه من المسلَّمات.

ولأنه أمر محتوم، فقد كان هذا الاتجاه أيضا تاريخيا وكان يمثل المراحل الثلاث الشهيرة لكونت والمتعلقة بذكاء الإنسان كما وردت في أشكال تفسير حالة الإنسان- نموذج القرن التاسع عشر الحقيقي – ففي المرحلة الأولى، كانت التفسيرات تدرس بالرجوع إلى المخلوقات فوق الطبيعية المشكلة للإنسان نفسه. وفي المرحلة الثانية، تم الاستشهاد بالقوى المجردة كالطبيعة ومفهوم دوركهايم، في وقت لاحق، للمانا (قوى طبيعية مجسدة) باعتبارها تفسيرات. أما المرحلة الثالثة، فقد نُسبت للعلم حيث حلت ملاحظة الظواهر الأكثر بساطة وتأسيس القوانين العلمية. لكن، رغم أن الانتصار المستقبلي للعلم كان مؤكدا، سيتم إحداثه ككل المنجزات ليس عن طريق العقل أو الذكاء وإنما عن طريق العاطفة. غالبا ما كان كونت يعارض العاطفة والذكاء: بينما كانت العاطفة تحث على التغيير يعزز الذكاء التغيير من خلال إيجاد أسباب لذلك. والسوسيولوجيا، باعتبارها أسمى علم، ستعمل على تجسيد ذلك المنطق.

وهكذا، فهناك جانب صوفي واضح لعمل كونت Compte. حتى أنه أضعف من جانب الذكاء لإنتاج الوقائع العقلانية السابقة. علاوة على ذلك، فالعلم حسب كونت، كان متعالٍ مثل الدين، وهو مثله في منح الإنسان معنى لوجوده، كونه مقيد بالمجتمع وملزم بحكم المجتمع عليه، كما يمكنه أن يهدِّئ الأمور. بخلاف الدين، من ناحية ثانية، فقد كان العلم واقعا معاشا في حقيقة الأمر وليس في الخيال. ومع ذلك، فعلم كونت يعتبر غير حقيقي لأنه غير حاسم أو حتى تجريبي بقدر ما هو دوغمائي جازم ونهائي، مرة أخرى فإنه مثل الدين.

وفعلا، أَحْدَث كونت دينا إنسانيا بدافع حبه لامرأة باريسية شابة وافتها المنية مُبكِّرا، وهكذا تأثر كونت كثيرا بمرضه العقلي الذي طالما عانى منه. إن عظمة هذا الدين الوليد كان يمثل الإنسانية وكل إنجازاتها حتى اللحظة. ومثل روبيسبيير Rosbespierre وسان سايمون Saint-Simon قبله، اتضح أن كونت غير قادر على تحرير نفسه من أشكال الدين، بالرغم من أنه كان يدرك أن رسالة الدين قد توقفت عن احتكار فكر الإنسان أو إنتاج ارتباطه بالمجتمع. ويعتبر دين كونت مثالا كاملا لنموذج دوركهايم للشعائر كعبادة المجتمع لنفسه، إلا أن هنا بالأحرى كانت الإنسانية جمعاء هي الله والمتعبد في نفس الوقت، وليس فقط المجتمعات المتفردة. وبخلاف مونتسكيو أو حتى دوركهايم، بعد ذلك، لم يكن كونت مهتما بتنوع الإنسانية أساسا. فالإنسانية كانت واحدة على مستوى الروح، وربما تصبح في نهاية المطاف واحدة حقيقة. إن ظهور فكرة الحتمية الاجتماعية بمعنى اختلاف الحقائق الاجتماعية بسبب اختلاف الظروف الاجتماعية، بما فيها الأيديولوجية، لم تكن ذات أهمية بالنسبة إلى كونت، لأن التاريخ بدا مقدرا لحمل الإنسانية إلى نفس النقطة عاجلا أم آجلا – الرؤية الأخرى الفعلية للقرن التاسع عشر، وإن دفعه ذلك لكي يكون حاسما بسبب الكولونيالية المهيمنة.

من وجهة نظر دوركهايم، فقد كان إدراك كونت للحتمية التاريخية مناسبا، بشكل أقل، بسبب إمكانية صحتها وغياب أية إشارة إلى الإرادة الحرة للفرد أو دور العظماء كما عند مونتسكيو، الأمر الذي دفع بدوركهايم إلى عدم مشاركتها. أكد كونت على الأولوية الاجتماعية ككل فوق الأفراد الذين صنعوها، والتزم بنوع التشابه الجزئي بين المجتمع والنظام البيولوجي الذي كان قد وضعه سبنسر Spencer في بريطانيا في نفس الفترة تقريبا. هذا ما جعل تفسير كونت وظيفيا مثل دوركهايم. كما أكد كونت على أهمية دراسة الظاهرة الاجتماعية في سياقها الاجتماعي الكلي، وبخلاف مونتسكيو، فقد اعتبر المجتمع كعالَم فريد حيث امتنع عن التوسل بالعوامل غير الاجتماعية لتفسير ما هو اجتماعي. لكن التشابه الملفت أكثر للنظر هو ربما مركزية الدين في عمل كل من كونت ودوركهايم: خاصة، كونه اجتماعي، فقد كان الدين تقليدي حسب كونت، وبالتالي شمل ما نسميه الآن بالذاكرة الاجتماعية التي تربط مختلف الأجيال.

على الرغم من أن الكُتًاب الذين قمنا بدراستهم هم أقرب إلى الفلاسفة أكثر من كونهم علماء اجتماع؛ فقد بدا العمل السوسيولوجي أكثر تفصيلا ويرتكز على مقابلات وأشكال أخرى للبحث الميداني المباشر الذي لم يكتمل بعد في القرن التاسع عشر. كانت الشخصية الرئيسة هنا هي بيير كيلوم فريدريك لو بلاي Pierre Guillaume Frédéric Le Play (1806-1882) الذي انبثق عمله البارز “دراسة مقارنة لظروف الأسرة والروابط بين الأسرة والعمل” في سنة 1855 من عمله كمحقق متنقل للألغام لصالح مدرسة المناجم بباريس، والتي أخذته بعيدا إلى الأورال . وكمهتم بآثار الإبداع التكنولوجي خدمة للبنية الاجتماعية والاستقرار، فقد شدد بيير كيلوم على الإمكانات العظيمة للأسرة الأبوية في توفير الاستقرار، وفي الوقت نفسه، حدد أشكال الأسرة الوسيطة، كالأسرة الجذعية (الآباء والأمهات، الأطفال، والأجداد الأرامل) التي سعت إلى إضعاف مكانتها. أما هجرة الأطفال بعيدا عن منزل الأسرة في المجتمع الصناعي، فقد كان مصدرا آخر لعدم الاستقرار، الأمر الذي دفع لوبلاي إلى التشديد على أهمية المكان كحافظ للاستقرار .

 

أصول القرن التاسع عشر للإثنوغرافيا الفرنسية: المتاحف والجمعيات المثقفة

شهد القرن التاسع عشر أيضا، تطورا في الاهتمام المتزايد بعلم الإثنوغرافيا في فرنسا، موازاة بشكل عام مع التطورات الحاصلة في أمكنة أخرى في أوروبا والولايات المتحدة. وكما في أماكن أخرى، فقد تميزت الإثنوغرافيا الفرنسية عن السوسيولوجيا باهتمامها الكبير بالشعوب غير الأوروبيةّ من المنظور التطوري؛ وامتزاجها بالعرق والثقافة واللغة، وخضوعها لمفاهيم التمييز العنصري والاختلاف الثقافي؛ ومنح الأهمية للثقافة المادية. فالفكر الإنساني لعصر الأنوار، والموقف الحاسم تجاه الدين المنزل كان أيضا له وقع على هذه التطورات. فالبنية المؤسساتية التي احتضنت هذه التطورات، في فرنسا كما في مكان آخر، نزعت إلى أن تكون المتحف وجمعيات المثقفين بدلا من الجامعة.
وقد بذل مجهود -سرعان ت أجهض في وقت مبكر- لبدء مجتمع إثنولوجي سنة 1799، مع تأسيس مؤسسة المراقبين الإنسانيين Société des Observateurs de l’Homme. ولقد هيمن المنادون بالمذهب الطبيعي على المجتمع كلويس فرانسوا جوفريت Louis-Francois Jauffret وما يسمى بالأيديولوجيين-العقائديين الذين رأوا علم الإثنولوجيا كنظام علمي وضعي بالأساس ينغمس في التفسيرات النفعية. كان جان بابتيست لامارك Jean-Baptiste Lamarck أيضا عضوا قياديا. ومن بين الأمور الأخرى، شجعت الجمعية إصدار استبيانات إثنولوجية للمسافرين. بقيت الجمعية على قيد الحياة حتى سنة 1804، عندما انضم معظم أعضائه إلى مؤسسة فيلنتروبي Société de Philanthropie . بعد ذلك، تأسست كل من الجمعية الآسيوية The Société Asiatique والجمعية الجغرافية Société Géographique سنة 1822، وأصبحت هذه الأخيرة، على وجه الخصوص، حافزا قويا لاستكشاف ما وراء البحار.

أسس الفيزيولوجي ومنظر علم الأعراق ويليام إدواردز William Edwards وآخرين بين سنة 1839 وسنة 1847 الجمعية الإثنوغرافية لباريس Société Ethnologique de Paris لدراسة ” النظام الطبيعي، والطابع الفكري والأخلاقي، واللغات والتقاليد التاريخية ”، حيث وصفها هان فرمولن Han Vermeulen بـ”اندماج التاريخ العرقي والعنصري” . وقد نافس وجهة النظر هذه التوجه اللغوي الجغرافي للجمعية الإثنوغرافية الأمريكية والشرقية Société d’Ethnographie Américaine et Orientale التي أسسها هنري دو لونكبيريي Henri de Longpérier وآخرين سنة 1859. وفي النفس السنة، أسس الأنثروبولوجي البيولوجي بول بروكا Paul Broca وآخرين الجمعية الجديدة للأنثروبولوجيا Société d’Anthropologie في باريس (بمعنى أربع سنوات قبل المعهد الأنثروبولوجي في لندن) ليظهر تطورا بعيدا عن الإثنولوجيا القائمة على العرق بكل معنى الكلمة إلى أنثروبولوجيا أكثر تقدما، توحد المنظور المادي مع المنظورين الاجتماعي والثقافي. كما تأسس في وقت لاحق مشروع في هانوي Hanoi سنة 1898 سمي بالمدرسة الفرنسية للشرق الأقصى Ecole Francaise d’extreme-Orient. وكمساند للبحث وناشر لأبرز جريدة استشراقية وأنثروبولوجية، فقد كان لها وجود مشائي-أريسطوطاليسي بعد نهاية التدخل الفرنسي في الهند الصينية، وهي الآن تتخذ مقاطعة بونديشري ¨Pondicherry الفرنسية السابقة مقرا لها في جنوب الهند .

شهد القرن التاسع عشر أيضا تأسيس المتاحف الإثنولوجية في فرنسا. وقد كان إ.ف. جوارد Jouardأحد المؤسسين للفكرة في وقت مبكر، الُّذي أصبح القيِّم على المكتبة الملكية Bibliothèque Royale في العشرينيات من القرن الماضي. وأكد باستمرار على أن التُحف الإثنولوجية أهميتها العلمية في المقام الأول، وليست كأعمال فنية فقط. لكن فكرة افتتاح متحف إثنولوجي في برلين من قبل أدولف باستيان سنة 1868 هي التي أجبرت في الأخير أرمندا داكاترفاج Armand de Quatrefages، أستاذ الأنثروبولوجيا في متحف التاريخ الطبيعي Musée d’Histoire Naturelle، وتلميذه إرنست تيودور هامي Ernest-Théodore Hamy للدفع من أجل إنشاء مؤسسة مماثلة في باريس. أدى هذا إلى إقامة متحف للإثنوغرافيا Musée de l’Ethnographie في تروكاديرو Trocadero سنة 1878، بداية مع التركيز على تحف العهد ما قبل الكولومبي للعالم الجديد، ليُستكمل لاحقا بالاهتمام بمعهد الإمبراطورية الفرنسية والريف الفرنسي. كان هامي Hamy القيم الأول على المتحف الذي أعيقت إدارته بشكل مستمر بسبب نقص التمويل والافتقار إلى مساحة لاستضافة معارض فعالة أو حتى لتخزين التًحف بشكل لائق. واصل تصنيف التُحف المرتكز على وظيفتها بدلا من تصنيفها على أساس تطورها أو منطقتها الإثنوغرافية. فهامي Hamy وداكاترفاج Quatrefages كلاهما رافقا بروكا في تأسيس المدرسة الأنثروبولوجية Ecole Anthropologique سنة 1875 التي سعت إلى توحيد الدراسة الإنسانية عن طريق الجمع بين الجوانب المادية والثقافية واللغوية. ومع ذلك، فهامي نفسه أراد أن يوجه الأنثروبولوجيا الفرنسية بعيدا عن البيولوجيا في اتجاه التاريخ والإثنوغرافيا. توقف نشاطه الرئيسي في سعي منه لإثبات أصول العلم القديم للحضارة الماقبل كولومبية.

قدمت المؤسسات القائمة أيضا منتدى للأنثروبولوجيا الأكاديمية عند الحاجة. وفي سنة 1855، منح كرسي للأنثروبولوجيا في متحف التاريخ الطبيعي Musée d’Histoire Naturelle، وتم تدريس الأنثروبولوجيا بكلية الطب في باريس بداية عام 1875. وتكفلت المدرسة الأنثروبولوجية Ecole Anthropologique بدعم كلا النشاطين.

هكذا، وبحلول منتصف القرن التاسع عشر، كان قد حدث انقسام في نشاط الأنثروبولوجيا الفرنسية بين الإثنوغرافيا (بما في ذلك تجميع المعطيات) والنظرية، التي لم يظهر على أنه تم انقسامها في بريطانيا أو في الولايات المتحدة، رغم تقسيم العمل بين علماء الأنثروبولوجيا المنظرين والمشتغلين بالميدان في بريطانيا. وفي الولايات المتحدة، بدأ لويس هنري موركان Lewis Henry Morgan، على الأقل، في قضاء الصيف في الميدان، والشتاء في التدريس. ومع نهاية القرن، كان دوركهايم قد اعتاد ومجموعته مراجعة المواد الإثنوغرافية وإدماجها في عملهم، على الرغم من أنهم لم يحصل أن جمعوا مثل هذه المواد بشكل جدي.

error: