أساطير أفلاطون – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: ناصر الحلواني

أساطير أفلاطون – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: ناصر الحلواني

نسخة PDF


مقدمة: هذا نص مترجم لد. كاتلين بارتني، حول أساطير أفلاطون، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


يختلف ما أطلق عليه اليونانيون القدماء لفظ حكاية شفهية muthos في معناه تمامًا عما نقصده نحن ووسائل الإعلام الآن بلفظ “أسطورة myth”، فإن الحكاية الأسطورية بالنسبةِ إلى اليونايين تعتبر قصة حقيقية؛ قصة تكشف الأصل الحقيقي للعالم والإنسان. أما بالنسبة إلينا فتُعتبَر الأسطورة أمرًا غير ثابت. فهو اعتقاد منتشر وشائع، لكنه زائف. في اليونان القديم، روي ما يُعتبَر مهمًا من هذه الحكايات شفهيا على شكل أشعار، وكثيرا ما كانت تستلهم الأساطير. على أية حال، ظهر في أوائل القرن السابع قبل الميلاد نوعان من الخطاب، وُضعا في مقابل الشعر: التاريخ كما صاغه ثيوسيديدس في أغلب الأحوال، والفلسفة التي تشكلت بواسطة مجموعة مؤلفات لعدد من الفلاسفة الطبيعيين تحت العنوان نفسه: “في الطبيعة”، في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد. كان هاذان النمطان من الخطاب يشكلان بدائل واقعية للتناول الشعري للأمور.  وتجاوز أفلاطون التراث الفلسفي للقرنين السادس والخامس قبل الميلاد إلى حد ما، باستخدامه كلا من الأساطير التقليدية، والأساطير التي ألّفها، ومنحهما دورا في تجربته الفلسفية. وبذلك بدا وكأنه يحاول التغلب على التعارض التقليدي بين الخيالي الشفهي muthos والعقلي السردي logos.

هناك العديد من الأساطير في محاورات أفلاطون؛ أساطير تقليدية يقوم بتعديلها أحيانا، وأساطير ألّفها هو، على الرغم من أن العديد منها يتضمن عناصر أسطورية مستمدّة من مصادر تراثية مختلفة. فأفلاطون راوي وصانع للأساطير في الوقت ذاته. وهو عمومًا يستخدم الأسطورة ليغرس المعتقدات النبيلة في أذهان قرائه ذوي الاهتمام الأقل بالفلسفة، ويعلمهم أمورا فلسفية متنوعة قد تكون صعبة الفهم إذا ما تم طرحها لهم بأسلوب فلسفي جاف. وقد افترض الكثير من الباحثين المعاصرين وجود ارتباط شديد بين أسطورة أفلاطون وفلسفته، على الرغم من ادّعائه بأنهما نسقان متعارضان للخطاب بين الحين والآخر.

 

 

  1. جمهور قراء أفلاطون

  2. أساطير أفلاطون

  3. الأسطورة كوسيلة إقناع

  4. الأسطورة كأداة تعليمية

  5. الأسطورة في محاورة طيماوس

  6. الأسطورة والفلسفة

  7. الأساطير الأفلاطونية في التراث الأفلاطوني

  8. التمثيل الفني لأساطير أفلاطون في عصر النهضة

  • قائمة المراجع

  • مختارات من أساطير أفلاطون

  • مقدمات موجزة لأساطير أفلاطون

  • مقالات وكتب حول أساطير أفلاطون

  • أساطير أفلاطون في التراث الأفلاطوني

  • مراجع المقال

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الشبكة العنكبوتية

  • مدخلات ذات صلة


 

 

 

  1. جمهور قراء أفلاطون

لمن كان يكتب أفلاطون؟ ومن هو جمهور قرائه؟ تم إجراء بحث جيد حول هذا الموضوع، هو بحث يونس (2007)، وأحب أن أقتبس منه الفقرة التالية: “عالج الفلاسفة قبل أفلاطون موضوعات غامضة بأطروحات متخصصة، لكنها لم تلق قبولا خارج دوائر محددة من المتخصصين. وتعد تلك الكتابات ـ “في الطبيعة”، “في الحقيقة”، “في الوجود”، إلى آخره، التي كُتب معظمها في قالب نثري سردي، وبعضها في قالب النظم الشعري ـ ذات طبيعة تعبيرية مباشرة، وليست بلاغية. من ناحية أخرى، ابتعد أفلاطون عن هؤلاء المتخصصين، وسعى إلى معالجة المشكلات الأخلاقية المرتبطة بالعالم، وجعل الفلسفة في متناول فهم العامة” (13). يرى بعض الباحثين الآخرين، مثل مورجان (2003)، أن أفلاطون قد خاطب في كتاباته، كلا من جمهور القراء المعنيين بالفلسفة، وجمهور القراء غير المعنيين بها.

وقد ثبت عن أفلاطون في محاورة الجمهورية، أنه وجَّه اللفتة التالية إلى الفلاسفة: “تمامًا كمن يلجأ إلى الاحتماء بجدار ليتقي عاصفة رملية، أو وابل عاصف؛ كذلك يرضي الفيلسوف ـ كشاهد على الفوضى التي تعم الآخرين ـ أن يتمكن من تنقية حياته في هذه الدنيا من أفعال الظلم والضلال بشكل ما، وأن يغادرها تحدوه الآمال الطيبة، سالم النفس، راضيا” (496d). من المؤكد أنه شعر باستياء شديد لما آل إليه مصير سقراط. ويزعم شتراوس (1964) أن الفيلسوف يجب أن ينفصل عن المجتمع بحسب أفلاطون. ويعد هذا التفسير متطرفًا. فأفلاطون لم يهجر فكرة سقراط القائلة بأن على الفيلسوف التزام تجاه مواطنيه، الذين لا يكرسون حياتهم للفلسفة. فللفلسفة بالنسبة له بُعد اجتماعي. على من تمكن من الخروج من الكهف ألا ينسى أولئك الذين مازالوا القابعين فيه، معتقدين أن ما يرونه من ظلال هي موجودات حقيقية. ينبغي على الفيلسوف أن ينقل معارفه وحكمته إلى الناس، وأن يعرف أن ما يقوم به ليس بالمهمة السهلة. لكن أفلاطون لم يكن مستعدا للوصول إلى ما وصل إليه سقراط؛ إذ فضَّل أن يوجه خطابه إلى جمهور كبير بواسطة محاوراته المكتوبة، بدلا من إجراء حوارات في ساحة الأجورا. فلم يكتب أطروحات فلسفية مبهمة، بل محاورات فلسفية جذابة، قُصد بها أن تكون مقبولة لدى جمهور ذي اهتمام قليل بالفلسفة. تم استفتاح معظم المحاورات بمشهد استهلالي لمكان وزمان وشخصيات الحَدَث، يتمكن القارئ بواسطتها من معرفة المشاركين في الحوار، وزمانه، ومكانه، وكيف التقى المشاركون فيه، وسبب انغمارهم في ذلك الحوار. المشاركون في الحوار شخصيات تاريخية حقيقية، وشخصيات روائية متخيلة. وسواء كانت الشخصيات تاريخية أو روائية، فإنها تلتقي في زمان ومكان تاريخيين حقيقيين، ولكن المشاهد الاستهلالية تلك لا تتضمن إلا القليل من المفارقات التاريخية العارضة؛ لأحداث في غير زمانها الأصلي. رغب أفلاطون في أن تبدو محاوراته كمحاورات أصيلة وعفوية حُفظت ونُقلت بدقة شديدة. كم عدد المحاورات الروائية المتخيلة من بين هذه المحاورات؟ يصعب تحديد ذلك، ولكن من المؤكد أنه قد ألّف قدرا كبيرا منها. وتظهر في ثنايا المحاورات إشارات إلى الأساطير التقليدية، والشخصيات الأسطورية. على أية حال، يبدأ أفلاطون من محاورتي بروتاجوراس وجورجياس ـ واللتان تعتبران عادة الأخيرتين في كتابات المرحلة المبكرة ـ في نسج محاوراته بحكايات خيالية لا تحيل إلى وقائع خارجها، والتي عادة ما نشير إليها باعتبارها “أساطير” أفلاطون. ويُقصَد بأساطيره تلك جعل الفلسفة أكثر قبولا، بالإضافة إلى مقاصد أخرى.

 

  1. أساطير أفلاطون

يمكن تمييز العديد من  الأساطير التقليدية عند أفلاطون، مثل حكاية جيجيس(الجمهورية 359d-360b)، وحكاية فايثون (طيماوس22c7 ) أو حكاية الأمازونيات (القوانين 804e4)، وهو يقوم أحيانا بإجراء تعديلات لهذه الحكايات، سواء تغييرات جذرية أو مجرد تعديلات بسيطة، بينما يقوم  في أحيان أخرى بدمجها معا، كما هو الحال مثلًا مع الكذبة النبيلة (الجمهورية 414b-415d)، والتي تشكل دمجا للأسطورة الكادمونية التي تقول بأن الأجداد ينبتون من الأرض، وأسطورة هيزيود التي قسم فيها تاريخ الجنس البشري إلى عصور. كما توجد أساطيره الخاصة أيضا، ضمن الأساطير المذكورة في محاورات أفلاطون، مثل اسطورة إر Er (الجمهورية 621b8)، أو أسطورة اطلانتس (طيماوس 26e4)، وكثير من الأساطير التي ضمّن أفلاطون فيها شخصيات وموضوعات مستوحاة من الأساطير التقليدية، مثل جزر البركة، أو الحساب بعد الموت، ويصعب أحيانا التمييز بين موضوعاته الأسطورية الخاصة، وتلك المستمدة من الأساطير التقليدية. ومعظم الأساطير التي ألّفها تسبق أو تلي حوارا فلسفيا: أسطورة محاورة جورجياس (523a-527a، وأسطورة مزدوجي الجنس (المأدبة 189d-193d)، والأسطورة في محاورة فيدون (107c-115a، وأسطورة إر Er (الجمهورية 614a-621d)، واسطورة الروح المجنحة (فايدروس 246a-249d)، وأسطورة تحوت (فايدروس 274c-275e)، وأسطورة نشأة العالم في محاورة السياسي (268-274e، وأسطورة قارة أطلانتس (طيماوس، كريتياس، 21e-26d)، وأسطورة محاورة القوانين ( 903b- 905b).

يشير أفلاطون أحيانا إلى الأساطير التي يستخدمها، سواء التقليدية أو التي يؤلّفها، بلفظ أساطير muthoi . لإلقاء نظرة على المواضع التي وردت فيها لفظة أسطورة muthos في أعمال أفلاطون انظر بريسون (1998 (141 ff)) . على أية حال، فإن كلمة أسطورة  muthosليست ذات معنى حصري. على سبيل المثال، أُطلِق على أسطورة تحوت في محاورة فايدروس (274c1) لفظ “akoe”: حكي شفهي، تقرير، قصة، وذُكِرت أسطورة كرونوس باعتبارها “pheme”: نبوة، تراث، شائعة، في محاورة القوانين 713c2)، وأسطورة  الأسطورة في محاورة السياسي (272d5, 274e1, 275b1)، وأعتبرت أسطورة بورياس في مستهل محاورة فايدروس حكاية خيالية شفهية muthologema (229c5)، و رواية مكتوبة معقولة logos (2d).

إن الأساطير التي ألّفها أفلاطون، وكذلك الأساطير التقليدية التي استخدمها، روايات غير قابلة للتكذيب؛ لأنها تصور موجودات، وأفعال، وأماكن، أو أحداثا معينة، تتجاوز خبراتنا الحياتية، مثل: الآلهة، والشياطين، والأبطال الخارقين، والحياة بعد الموت، والماضي السحيق، وغيرها. إن الأساطير حكايات خيالية أيضا، ولكن لا يلزم عن ذلك أنها منافية للعقل، كما أنها لا تستهدف الجوانب اللاعقلانية في النفس.

فالكهف، في محاورة الجمهورية ( (514a-517aهي قصة خيالية، لكنها لا تتناول صراحة تلك الأمور التي تقع فيما وراء خبراتنا (الماضي السحيق، الحياة بعد الموت، وغيرهما)، وبالتالي، فإنها تختلف عن الأساطير التقليدية، التي يستخدمها أفلاطون، وكذلك عن الأساطير التي يؤلّفها. وبشكل أوضح: فإن الكهف تشبيه، وليس أسطورة. في محاورة الجمهورية أيضا، يقول سقراط أنه إلى أن يتولى الفلاسفة حكم مدينة “فإن الدولة التي صورناها في كلمات كتصور خيالي (muthologein) لن تتحقق عمليا” ((501e2-5. يمكن أن يسمى بنيان المدينة المثالية أسطورة؛ من جهة أنه يصور مدينة متخيلة (راجع: الجمهورية 402c2): نحن نتخيل الدولة السعيدة”. تُستخدم كلمة muthos في محاورة فايدروس (237a9,241e8) للدلالة على “الممارسة البلاغية التي يقوم بها سقراط” (Brisson 1998, 144) لكن ذلك يعد استخدامًا فضفاضًا للكلمة.

يرى موست (2012) أن هناك ثمان سمات أساسية للأسطورة الأفلاطونية: (1) الأساطير عبارة عن حوار ذاتي، لا يقاطعه المستمعون. (2) يحكيها كبار السن للمستمعين من الشباب. (3) مستمدّة من مصادر شفهية حقيقية أو خيالية، يشار لها سواء تلميحًا أو تصريحًا (17). (4) لا يمكن التحقق فعليًا من صدقها. (5) تكتسب موثوقيتها من التراث، ولهذا فإنها لا تعد موضوعا للتمحيص العقلاني من جانب المستمعين (18)، (6) لها آثارا نفسية: الاستمتاع، أو التحفيز لأداء عمل ما “بإمكانها تجاوز أي شكل من أشكال الإقناع العقلي” (18).  (7) هي وصفية وسردية. (8)  تسبق أو تلي عرضا جدليا.

         يقر موست أن تلك السمات الثمانية ليست مطلقة بحيث لا تقبل الشك، وأن هناك استثناءات بين الحين والآخر، وإن كان تطبيقها يتسم بالمرونة، فستسمح لنا بتأسيس مجموعة من أربع عشرة أسطورة أفلاطونية، على الأقل، في محاورات فيدون، وجورجياس، وبروتاجوراس، ومينون، وفايدروس، والمأدبة، والجمهورية (الكتاب العاشر)، والسياسي، وطيماوس، وكريتياس، والقوانين (الكتاب السادس). السمات السبعة الأولى “مطابقة في عمومها للأساطير التقليدية، والتي ظهرت في التراث الثقافي الشفهي لليونان القديم، والتي كثيرا ما يصفها أفلاطون، وبالطبع، ينتقدها بشدة “(19).

ويرى دوريون (2012) أن قصة النبوءة في محاورة الدفاع لأفلاطون تتسم بكل هذه السمات الثمانية، للأسطورة الأفلاطونية التي تحدث عنها موست (2012). توصل دوريون إلى أن قصة النبوءة ليست مجرد رواية أفلاطونية، وإنما هي أسطورة أفلاطونية أيضا. بتعبير أكثر دقة: أسطورة عن أصل الكون. من الذي ابتكر فكرة اختبار آراء الآخرين باستخدام الاستفهام الحواري بالتهكم والتوليد (elenchus)؟ يرى أرسطو (انظر كتابه: المغالطات السوفسطائية172a30-35، وكتابه: فن الشعر1354a3-7) أن ممارسة تفنيد الأفكار “قد تماهت في غياهب الزمن، ويُعَد بالتالي من غير المجدي البحث عن أصل محدد لها”، وذلك بحسب دوريون (433). يحاول أفلاطون إقناعنا بأن منهج الحوار الاستفهامي الجدلي “كان شكلا من أشكال المناظرة، بدأ سقراط في ممارسته بنحو عفوي، بمجرد أن عَرف بالنبوّة” (433)، وبالتالي يضفي عليه أفلاطون أصلا إلهيا؛ ففي محاورة خارميدس يفعل مثل ذلك؛ عندما يضع على لسان سقراط قوله أنه تعلم تعويذة (مجاز لمنهج الاستفهام الحواري الجدلي) من الإله زالموكسيس، وانظر أيضا محاورة فيليبوس (16c).

 

  1. الأسطورة كوسيلة إقناع

علينا بحسب أفلاطون أن نعيش وفقا لما يستطيع العقل الاستدلال عليه من أدلة موثوق بها. هذا ما يفعله أي فيلسوف حقيقي، مثل سقراط. أما غير الفلاسفة، فينفرون من إقامة حياتهم على أساس من المنطق والحجج. فكان يجب إقناعهم، وإحدى وسائل الاقناع هي الأسطورة. فالأسطورة تعمل على غرس المعتقدات في الذهن، كما أنها فعالة في جعل الأقل ميلا إلى الفلسفة، حتى الأطفال، يؤمنون بالقيم النبيلة (راجع: الجمهورية 377a ff).

في محاورة الجمهورية، نجد من المفترض أن تجعل الكذبة النبيلة مواطني كاليبوليس أكثر اهتماما بمدينتهم. يرى سكوفيلد (2009) أنه بما أن على الحراس البدء بممارسة الفلسفة في شبابهم، فربما ينتهي بهم الأمر إلى أن يجدوا التفلسف “أكثر جاذبية من أداء واجبهم الوطني”, (115)؛ فالفلسفة، كما يقول سكوفيلد، تزود الحراس بالمعرفة، لا بالحب والإخلاص لمدينتهم. ومن المفترض أن تولد الكذبة النبيلة فيهم الإخلاص لمدينتهم، وأن تغرس فيهم الإيمان بأن عليهم “بذل أقصى طاقاتهم في تعزيز ما يرونه المصالح الأعظم للمدينة” (113). يمكن اعتبار الديباجة الممهدة لعدد من القوانين في محاورة القوانين، والتي قُصد أن تؤخذ كمواعظ تحض على اتباع القوانين التالية لها، والتي تتضمن عناصر من الأسطورة التقليدية كـ”أكاذيب نبيلة” (انظر: 790c3; 812a2; 841c6 ).

ليست أساطير أفلاطون المتعلقة بالمصير الأخروي أكاذيب محضة، فهناك بعض الصدق فيها. فقد تم في محاورة فيدون تقديم عبارة “النفس خالدة” كنتيجة منطقية لمقدمات سابقة، اعتبرها سقراط ومحاوريه مقبولة (راجع: 106b-107a). ويقر سيبيس بعد الحوار الأخير حول مسألة الخلود (102a-107b) بأنه لم يعد لديه مزيد اعتراضات على حجج سقراط، أو شكوك حولها. أما سيمياس فيصرِّح بأنه مازالت لديه بعض الشكوك (107a-b). يحكي لهم سقراط حينذاك أسطورة من أساطير المصير الأخروي، لكن الأسطورة لا تقدم دليلا على أن النفس خالدة. هي تفترض أن النفس خالدة، وبالتالي يمكن القول بأنها ليست خيالا محضا. كما تفترض الأسطورة تحقُّق العدالة في الحياة الآخرة، ويأمل سقراط أن تقنع الأسطورة المرء بالاعتقاد بأن النفس خالدة، وبأن هناك عدالة في الحياة الأخرى. يقول سقراط: “أرى من الملائم للمرء أن يغامر بالاعتقاد بأن ذلك حقيقي بخصوص أنفسنا ومواطن استقرارها النهائي، حيث أن المغامرة أمر نبيل ” (114d-e). يقول سقراط الشيء نفسه عند نهاية أسطورة إر Er، وهي أسطورة حول المصير النهائي تُختتم بها محاورة الجمهورية. الأسطورة “سوف تنقذنا، إذا ما اقتنعنا بها” (621b). توفر الأسطورة نوعا من الدعم: إذا لم تفلح الحجج في حث المرء على تغيير حياته، فإنه يظل مقتنعا بأسطورة جيدة، وقد تكون هناك حاجة إلى الأسطورة، كما جاء في محاورة القوانين، “لتجذب بسحرها” المرء “إلى توافق” (903b) عندما تخفق الفلسفة في ذلك.

يزعم سيدلي (2009) أن من الأفضل اعتبار أسطورة المصير الأخروي في محاورة جورجياس كمجاز “للفتور الأخلاقي، والإصلاح في حياتنا الحالية” (68)، كما يزعم هولويل (2007) احتمالية قراءة أسطورة إر كمجاز للحياة في هذا العالم. ويرى جونزاليس (2012) أن أسطورة إر تطرح “مشهدا، مثيرا للشفقة، هزليا، ومحيرا، بحسب عبارات الأسطورة” (259). وبالتالي، فإنه يزعم أن “ما يميز الحياة الإنسانية، بحسب الأسطورة، أنها غامضة في أصلها” ((272، مما يعني أن الفلسفة ليست تصويرا دراميا للتفكير العقلي المبسوط في محاورة الجمهورية بمثل ما قد يتوقع المرء، وإنما تصويرا دراميا لكل شيء “لا يتمكن هذا التفكير من النفاذ إليه والإحاطة به، لكل شيء يبقى غامضا ولا عقلانيا، مثل: التجسيد، والمصادفة، والطبائع، والرعونة، والنسيان، بالإضافة إلى التعقد المتأصل، والتنوع في العوامل المحددة للحياة، والتي يجب أن تتصف بالتوازن، من أجل تحقيق حياة طيبة” (272). تُشوِّش الأسطورة على الحدود الفاصلة بين هذا العالم والعالم الآخر. ويرى جونزاليس أنه علينا الاقتناع بما يقوله سقراط، لا بأسطورة إرEr، لكي نؤمن بأن النفس خالدة، وبأنه يجب علينا ممارسة العدل في جميع الظروف. وعلى نقيض أساطير محاورتي جورجياس وفيدون، فإن الأسطورة الختامية في محاورة الجمهورية، تصور أن “كل شيء في هذا العالم يناقض إدراك المثال الفلسفي. فإذا كانت الأساطير الأخرى توفر للفيلسوف شكلا من أشكال الهروب، فإن أسطورة إر تمثل له كابوسا ” (277,n. 36).

 

  1. الأسطورة كأداة تعلُّم

يجب على الفيلسوف أن يشارك فلسفته مع الآخرين. ولكن لما قد يجده الآخرون من صعوبة في فهم حججه العقلية، كان أفلاطون مستعدا مهما كلف الأمر لتقديم صورة، أو مثال، أو أسطورة يمكن أن تساعدهم على فهم ما أخفقت الحجة في إخبارهم به. فالأسطورة، مثل الصورة، أو التشبيه، قد تكون أداة جيدة للتعلم. إذ يمكن للأسطورة أن تتضمن في متنها مذهبا فلسفيا مجردا. يطور أفلاطون في محاورة فيدون ما يُسمى بنظرية التذكر (72e-78b). حيث تم بسطها في لغة مجردة. وتصور أسطورة المصير الأخروي في محاورة فيدون مصير الأرواح في العالم الآخر، ولكنها لا تصيغ نظرية التذكر في قالب درامي. أما أسطورة محاورة فايدروس عن الأرواح المجنحة، فتأتي في قالب درامي. وهي تحكي لنا كيف تسافر الأرواح عبر السماوات قبل معاودة تجسدها بالتناسخ، وهي تحاول أن ترنو إلى العالم الحقيقي، وتنسى ما شهدته في السماء بمجرد أن تتجسد مجددا، ثم تتذكر المُثل الأبدية التي عاينتها في السماء عندما تنظر إلى تمثلاتها الحسية. لا تقدم أسطورة محاورة فايدروس أية أدلة أو شواهد لدعم نظرية التذكر. إنها ببساطة تفترض صحة هذه النظرية، وتقدم “تعديلًا” لها ضمن أشياء أخرى. وحيث أن هذه النظرية التي تجسدها الأسطورة تُعَد صحيحة بالنسبة لأفلاطون، فإن الأسطورة تتضمن (مع احترامنا لأفلاطون) معيارا داخليا للصدق، على الرغم من أن تفاصيلها المذهلة قد تنحرف بالمرء بعيدا إذا ما أخذ بمعناها الحرفي. ومن بين أمور أخرى، فإن السر الرائع للأسطورة يساعد الأقل ميلا للفلسفة على استيعاب الفكرة الأساسية لنظرية أفلاطون في التذكر، وهي “المعرفة تذكُّر”.

 

  1. الأسطورة في محاورة طيماوس

نظرية خلق الكون في محاورة طيماوس عبارة عن بناء شاسع ومعقد، يشمل إلهًا صانعًا، تساعده مجموعة من الآلهة من رتبة أدنى، وهو يخلق الكون من مادة محددة، يهيمن عليها حافز داخلي يتجه إلى الفوضى، وفق نموذج معقول. ذلك البناء الكوني ككل يستدعي كلا من الحكاية الخيالية المحتملة eikos muthos (29d, 59c, 68d) و الرواية العقلانية المحتملة (30b,48d, 53d, 55d, 56a, 57d, 90e). وقد تمت ترجمة التعبير eikos muthos إلى حكاية محتملةprobabale tale (جوويت)، “قصة محتملةlikely story (كورنفورد)، حكاية محتملةlikely tale (زييل). والتفسير السائد، هو ما أيده كورنفورد (1937,31ff) وآخرون. يرى كورنفورد أن المسألة الكونية في محاورة طيماوس هي حكاية muthos؛ لأنها صيغت في قالب سردي، وليس كتحليل تفصيلي. وأيضًا لأن موضوعها بالأساس، الكون، في تقدم مستمر، ولا يمكن معرفته حق المعرفة.  ويقدم بريسون (1998, ch. 13) حلا مختلفا، وإن كان على المسار نفسه؛ يرى بريسون أن خلق الكون قول غير قابل للتحقق عن العالم الحسي، قبل وأثناء خلقه. بعبارة أخرى، أن خلق الكون حكاية محتملة eikos muthos لأنها تدور حول ما حدث للصورة eikon قبل وأثناء خلقها، حينما كان كل شيء مثل سديم لا يمكن معرفته. البديل المعتاد هو القول بأن المشكلة تقع عند العالم المتخصص في بحث الكون، وليس في موضوع فكرته عن الكون. ليس مرجع الأمر أن العالم شديد التغير بحيث لا يمكن معرفته، وإنما مرجعه إخفاقنا في أن ننشئ وصفا دقيقا وثابتا له. أحد مؤيدي هذا الرأي هو تايلور 1928-59)). ويرى رو(2003)  أن التأكيد في الفقرة رقم 29d2 كان على لفظ محتملة  eikos وليس على لفظ حكاية muthos، وأن لفظ muthos استُخدم هنا أساسا كبديل للفظ قصة معقولة logos، بعيدا عن التعارض المعتاد معها (وهو أيضا ما ذهب إليه فلاستوس (1939, 380-3). ويرى برنييت 2009)) أن نظرية خلق الكون تلك جاءت كمحاولة للكشف عن عقلانية الكون، أي: أسباب الإله الخالق وراء صنع هذا أو ذاك. إن كلمة محتمل  eikos (اسم فاعل من الفعل يُحتمل eoika)، عادة، ما تُترجم “ممكن”، كما يزعم برنييت، ولكن كما تدل الشواهد النصية من هوميروس إلى أفلاطون  فإن من معانيها أيضا: “ملائم”، و”مناسب”، و”مقبول”، و”طبيعي”، و”معقول”. وحيث أن نظرية خلق الكون تُبدي ما هو معقول في الصورة eikon المصنوعة من قبل الإله الخالق، فيصح أن يُطلق عليها “معقولة “eikos. يتّسم منطق الإله الخالق بأنه عملي وليس نظري، ويزعم برنييت أن الإله الخالق يستخدم خامات مادية معينة، وأنه لم تعد لديه حرية الاختيار بعد أن خلق الكون، وإنما كان عليه تعديل خططه بحسب هذه المواد. وعلى الرغم من معرفتنا بأن الإله الخالق هو خير محض تجاه خلقه، فإنه ليس بمقدور أحدنا أن يكون موقنا من أسبابه العملية في خلق الكون على النحو الذي صنعه عليه. ولهذا فإن كل من يصبو إلى كشف هذه الأسباب لا يتمكن من الوصول إلا إلى إجابات “محتملة” في نهاية الأمر، وبالتالي فإن نظرية أفلاطون في الخلق محتملة eikos بمقتضى المعنيين المذكورين آنفا للكلمة. لكن، لماذا أسماها أفلاطون “أسطورةmuthos”؟ السبب بحسب برنييت هو أن نظرية خلق الكون في محاورة طيماوس تتعلق أيضا بأنساب الآلهة (حيث أن الكون المخلوق هو إله بالنسبة لأفلاطون)، ويبين ذلك قصد أفلاطون إلى التغلب على التعارض التقليدي بين الأسطوري muthos والعقلاني logos .

يتحدث طيماوس عن الأسباب العملية وراء صنع الإله الخالق للكون على النحو الذي هو عليه، ولا يمكن لأي باحث كوني استنتاج تلك الأسباب من عدة مقدمات منطقية ساد قبولها، بل عليه أن يتخيلها، غير أنهم ليسوا من أصحاب المخيلة ولا الحنكة. فالباحث الكوني يختبر تصوراته الخيالية تلك ضمن قيود تقع عليه، إذ عليه أن يصل إلى افتراضات معقولة ومتماسكة، وبحسب التقليد السقراطي والأفلاطوني الصحيح، فعليه اختبار افتراضاته تلك مع آخرين، وهذا ما يفعله طيماوس؛ فهو يعرض نظريته في خلق الكون أمام فلاسفة آخرين، ممن يطلق عليهم  kritai”حكَّام ” (29d1). وهم من الفلاسفة الحاذقين المهرة ذوي الخبرة: سقراط، وكريتياس، وهيرموقراطيس، ونجدهم يبدون إعجابهم بالفكر الكوني لطيماوس في مستهل محاورة كريتياس، وهي تتمة لمحاورة طيماوس 107a)). يمكن القول أن نظرية طيماوس قد تم اختبارها بدقة. يقول أفلاطون أنه على الحكَّام أن يكونوا متساهلين بعض الشيء؛ حيث لا يمكن في ذلك المجال الوصول إلى أكثر من افتراضات. إن الخطاب الكوني في محاورة طيماوس لا يهدف إلى جذب غير المهتمين بالفلسفة بغرض تغيير حياتهم. ويمكن القول أن سيناريو خلق الكون فيها قد قُصِد به تقليل صعوبة موضوع نشأة عالم الصيرورة ليسهل استيعابه. في محاورة فيليبوس، وخلال حوار جدلي محكم، تم تقديم نشأة عالم الصيرورة في كلمات مجردة (مثل: اللامحدود، والمحدود، والوجود المختلط المتولد عنهما، وسبب هذا الاختلاط والتولد 27b-c)). لكن محاورة طيماوس تهدف إلى أن تحيط بأكثر مما أحاطت به محاورة فيليبوس؛ إنها تهدف إلى الكشف عن المبادئ الأنطولوجية المطلقة (التي يقدر العقل على استيعابها. راجع: 53d)، وإلى تفسير الكيفية التي يثمر بها هذا التفاعل عالم الصيرورة، وكذلك إلى الكشف عن أسباب خلق العالم على النحو الذي خُلق عليه في إطار غائي. وهي أسباب يتم تخيلها؛ إذ على التخيل أن يملأ الفراغات التي يخلفها العقل في محاولته تلك للكشف عن الأسباب وراء خلق الكون على النحو الذي هو عليه.

 

  1. الأسطورة والفلسفة

مُيِّز في محاورة بروتاجوراس بين الحكاية muthos والحوار الجدلي logos (324d) ، حيث بدت كلمة muthos وكأنها تدل على معنى القصة story، وكلمة logos على معنى البرهان العقلي. وكان لهذا التمييز صداه في محاورتي ثياتيتوس والسوفسطائي. ففي محاورة ثياتيتوس يناقش سقراط مذهب بروتاجوراس الرئيسي: الإنسان مقياس كل شيء، ويشير إليه باعتباره “رأي بروتاجوراس” (164d9) ، وفي السطر نفسه يطلق سقراط على دفاع ثياتيتوس عن ذاتية المعرفة والإدراك لفظ رأيmuthos . ولاحقا في الفقرة 156c4، يطلق سقراط لفظ “رأي” على التعلم بحسب ما تولده الحركة الفاعلة من الإحساس والمنفعلة من المحسوس من إدراكات حسية وموضوعات حسية مدركة. يقول الزائر الإيلي في محاورة السفسطائي لمحاوره أن زينوفان، وبارمنيدس، وإليائي آخر؛ وأيونيين، وهيرقليطس، بالإضافة إلى فلاسفة صقليين “يحكوا لنا أسطورة، كما لو كنَّا أطفالا (” (242c8 ، وأنظر أيضا c-e). وبإطلاقه لفظ آراء muthoi على مذاهب الفلاسفة تلك، فإن أفلاطون لا يدعي أنها أساطير في حد ذاتها، بل أنها قد تكون على ما يبدو غير جدلية.  بدا أفلاطون في محاورة الجمهورية معاديا إلى حد ما لأساطير تقليدية معينة. وأدان اللجوء إلى الصور في معرفة الأشياء في عدة محاورات، وادّعى أنه يجب للمعرفة الفلسفية الحقة أن تتجنب الصور. ربما كان لديه مبرر قوي لتجنب استخدام الأساطير؛ فهي لا تتصف بالجدلية، كما أنها بصرية إلى أقصى درجة، وبخاصة تلك الأساطير التي ألّفها، والتي تتضمن الكثير من التفاصيل المرئية، التي تبدو كما لو كانت تعليمات توجيهية لرسام، لكنه لم يتجنّب ذلك. يرى هولويل2011) ) أن الكتاب العاشر في محاورة الجمهورية “لا يطرح رفضا بسيطا لأفضل الشعراء؛ وإنما يقدم نسيجًا معقدا تتداخل فيه المعارضة والانجذاب لعملهم، تداخُلًا يبحث مشكلة ما إذا كان ممكنا أن تكون محبًا فلسفيا للشعر بأي شكل، من ضمن مسائل أخرى” (244).

كان عليه الوصول إلى حل وسط، بما أنه رغب في إقناع وتعليم جمهور أكبر. فيبدو أحيانا كما لوكان ينسج الفلسفة بالأسطورة لدرجة لا تتطلب إقناع وتعليم جمهور غير المنشغلين بالفلسفة. فعلى سبيل المثال، فإن الأساطير التي تصور المصير الأخروي في محاورات جورجياس، وفيدون، والجمهورية، مندمجة بنحو قوي مع الحجج الفلسفية لتلك المحاورات (راجع: أنَّاس Annas  1982)، كما أن أسطورة المصير الأخروي في محاورة فيدون “تلتقط، العلامات المبرمجة للعلم الغائي، الواحدة تلو الأخرى، من بداية المحاورة، كما تضع مخططات أولية للوسائل التي يمكن لمقترحات المحاورة أن تتحقق بها” (سيدلي1990381-). ونراه يستخدم الأسطورة في أحيان أخرى كملحق للنقاش الفلسفي، راجع: كان Kahn 2009)) الذي يرى أن أفلاطون يقدم من خلال أسطورة محاورة السياسي، مساهمة مذهبية لفلسفته السياسية. ويبدو في محاورة طيماوس وقد تغلب على التعارض بين الأسطورة والعقل لمرة واحدة: فللعقل الإنساني حدود، وحينما يصطدم بها فعليه أن يلجأ إلى الأسطورة.

“ستكون الفكرة في النسخة الأقل ثورية: أن رواية القصص أمر مساعد وضروري، أو امتداد للجدل الفلسفي، وهي الفكرة التي تقر بحدودنا البشرية، وربما حقيقة أن طبيعتنا تتضمن عناصر لا عقلانية، بالإضافة إلى العناصر العقلانية” (Rowe 1999,265)، وفي تفسير أكثر ثورية، “سوف ينمحي التمايز بين ما هو فلسفي وما هو أسطوري واقعيا في أحد مستوياته” (265). إذا ما أخذنا في الاعتبار ان أفلاطون قد اختار التعبير عن أفكاره من خلال القالب السردي، أعني: شكل الحوار (إضافة إلى اشتماله على مشهد استهلالي روائي)، فيمكننا القول بأن “استخدام شكل السرد الروائي الحوار) سيعني أن ما يتم التوصل له من نتائج بأي وسيلة كانت كالحجة العقلية سيتم التعامل معه كنوع من “الأسطورة” (265). إذا كان الأمر كذلك، “فإن قدرا من الخيال في التعبير الإنساني بكونه مؤقتا وغير كافٍ، وفي أفضل الأحوال مقارب للحقيقة، سيؤثر في الكتابة الأفلاطونية في أعمق مستوياتها، أكثر من التطبيقات الأخرى والأكثر شيوعًا للتمييز بين الأشكال الأسطورية وغير الأسطورية للخطاب” (265)، وإذا كان الأمر كذلك، فلن تملأ الأسطورة الفجوات التي يخلفها العقل فقط (رغم أنها قد تفعل ذلك أيضا مثلما تؤدي أغراضا معينة لجمهور محدد)، لكن سيبدي العقل الإنساني  بعضا من الملامح التي نربطها كتمايزات خاصة برواية القصة بنحو يصعب التخلص منه (265-6). من الصعب تقرير أي تلك القراءتين هي المقاربة الأفضل لرأي أفلاطون حول التفاعل بين الأسطورة والفلسفة. يبدو المفسر ملتزما بتقديم تقديرات محتملة فقط حول هذا الموضوع.

 

  1. أساطير أفلاطون في التراث الأفلاطوني

يقر أرسطو بأن محب الأساطير هو محب للحكمة بشكلٍ ما (الميتافيزيقا 982b18، راجع أيضا: 995a4 و 1074b1-10). لعله استخدم اسطورة أو اثنتين في محاوراته المبكرة، وهي مفقودة الآن. ولكن يبدو أنه قد نأى بنفسه عن الأسطورة (راجع: الميتافيزيقا 1000a 18-9).

هناك عدد من الدراسات الجيدة في موضوع الاستخدام الفلسفي للأسطورة قبل أفلاطون، ودراسة مورجان  (2000) من أفضلها، وهناك القليل من الدراسات حول الاستخدام الفلسفي للأسطورة في التراث الأفلاطوني. فقد ألَّف الأتباع المباشرين لأفلاطون في الأكاديمية، سبيوسيبوس، وزينوقراطس، وهيراقليطس البونتي، كلا النوعين: المحاورات، والأطروحات الفلسفية. لكن لم يستخدم أيًا منهم الأساطير بمثل ما فعل أفلاطون، باستثناء هيراقليطس، الذي كتب العديد من المحاورات، مثل: عن الأشياء في هاديس، وزوروستريس (Zoroastres)، وأريس (Aparis)، و التي تتضمن قصصا أسطورية، وشخصيات أسطورية أو شبه أسطورية. أما في التراث الأفلاطوني اللاحق، فلا توجد شواهد كثيرة على أن الاستخدام الأفلاطوني للأسطورة كان ممارسة مقبولة، باستثناء شيشرو وبلوتارخ. أصبحت العديد من الأساطير الأفلاطونية موضوعا للتأويل المجازي التفصيلي في تراث الأفلاطونية الجديدة، فقد طرح بروفيري، وبروكلوس، ودامسكيوس وأليمبيودوروس تفسيرات مجازية لعدد من الأساطير الأفلاطونية، كأساطير المصير الأخروي في محاورة فيدون، ومحاورة جوجياس، أو أسطورة أطلانتس.

 

  1. التمثيل الفني لأساطير أفلاطون في عصر النهضة

لقد كان أفلاطون من الشخصيات المحتفى بها في عصر النهضة، لكنَّا لا نجد غير بعض الرسوم التوضيحية القليلة للأفكار الأسطورية الأفلاطونية. فقد أدى موقف أفلاطون من التصوير المرئي إلى منع وتثبيط محاولات رسم لوحات، أو منحوتات، أو مطبوعات تصور المشاهد الأسطورية التي صاغها أفلاطون بدقة شديدة في كلمات، إذ ادعى أفلاطون مُكرّرًا أن أرقى المعارف الفلسفية تتجنب التصوير المرئي، وقام بمهاجمة الشعراء والفنانين عموما أكثر من مرة. ربما أحس الفنانون بأنهم غير أكفاء للقيام بتلك المهمة. يقدم ماكجراس (2009) عرضا وتحليلات للرسوم النادرة التي تصور الشخصيات والأماكن الأسطورية الأفلاطونية في أيقونات عصر النهضة، مثل: الخنثى في محاورة المأدبة، سائق العجلة الحربية في محاورة فايدروس، الكهف، ومحور دوران الكون الذي تديره الضرورة والأقدار في محاورة الجمهورية.

 

 

 


قائمة المراجع:

مختارات من أساطير أفلاطون

  • Partenie, C. (ed.), 2004,  Selected Myths, Oxford: Oxford University Press. Reissued 2009; Kindle edition 2012.
  • Stewart, J. A., 1905, The Myths of Plato, translated with introductory and other observations, London & New York: Macmillan. 2ndedition, London: Centaurus Press, 1960. 3rd edition, New York: Barnes and Noble, 1970.

 

مقدمات موجزة لأساطير أفلاطون

  • Most, G. W., 2012, “Plato’s Exoteric Myths”, in Plato and Myth. Studies on the Use and Status of Platonic Myths(Mnemosyne Supplements, 337), C. Collobert, P. Destrée and F. J. Gonzales (eds.), Leiden-Boston: Brill, 13–24.
  • Murray, P., 1999, “What Is a Muthosfor Plato?”, in From Myth to Reason? Studies in the Development of Greek Thought, R. Buxton (ed.), Oxford: Oxford University Press, 251–262.
  • Partenie, C., L. Brisson, and J. Dillon, 2004, “Introduction”, in  Selected Myths, C. Partenie (ed.), Oxford: Oxford University Press, xiii–xxx. Reissued 2009; Kindle edition 2012.
  • Partenie, C., 2009, “Introduction”, in Plato’s Myths, C. Partenie (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 1–27. Reprinted 2011.

 

مقالات وكتب حول أساطير أفلاطون

  • Annas, J., 1982, “Plato’s Myths of Judgement”, Phronesis, 27: 119–43.
  • Brisson, L., 1998, Plato the Myth Maker[Platon, les mots et les mythes], translated, edited, and with an introduction by Gerard Naddaf, Chicago: University of Chicago Press.
  • Collobert, C., Destrée, P., Gonzales, F. J. (eds.), 2012, Plato and Myth. Studies on the Use and Status of Platonic Myths(Mnemosyne Supplements, 337), Leiden-Boston: Brill.
  • Edmonds, III, R. G., 2004, Myths of the Underworld Journey. Plato, Aristophanes and the “Orphic” Gold Tablets, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Frutiger, P., 1976, Les Mythes de Platon, New York: Arno Press. Originally published in 1930.
  • Griswold Jr., C. J., 1996, “Excursus: Myth in the Phaedrus and the Unity of the Dialogue”, in Self-Knowledge in Plato’sPhaedrus, University Park: Pennsylvania: Penn State University Press, 138–156.
  • Gill, Ch., 1993, “Plato on Falsehood—Not Fiction”, in Lies and Fiction in the Ancient World, Christopher Gill and T.P. Wiseman (eds.), Exeter: University of Exeter Press, 38–87.
  • Janka, M., and Schäfer, C. (eds.), 2002, Platon als Mythologe. Neue Interpretationen zu den Mythen in Platons Dialogen, Darmstadt: Wissenschaftliche Buchgesellschaft.
  • Mattéi, J.F., 2002, Platon et le miroir du mythe: De l’âge d’or à l’Atlantide, Paris: Presses Universitaires de France.
  • Mattéi, J.F., 1988, “The Theatre of Myth in Plato”, in C. J. Griswold Jr., (ed.), Platonic Writings, Platonic Readings, University Park: Pennsylvania: Penn State University Press, 66–83.
  • Morgan, K., 2000, Myth and Philosophy from the pre-Socratics to Plato, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Partenie, C. (ed.), 2009, Plato’s Myths, Cambridge: Cambridge University Press. Reprinted 2011.
  • Pieper, J., 2011, The Platonic Myths, with an introduction by James V. Schall, translated from the German by Dan Farrelly, South Bend, IN: St. Augustine’s Press. Originally published in 1965.
  • Saunders, T.J., 1973, “Penology and Eschatology in Plato’s Timaeusand Laws”, Classical Quarterly, n.s. 23(2): 232–44.
  • Sedley, D., 1990, “Teleology and Myth in the Phaedo”, Proceedings of the Boston Area Colloquium in Ancient Philosophy, 5: 359–83.
  • Werner, D., 2012, Myth and Philosophy in Plato’sPhaedrus, Cambridge: Cambridge University Press.
  • White, D. A., 2012, Myth, Metaphysics and Dialectic in Plato’sStatesman, Hampshire & Burlington: Ashgate.

 

أساطير أفلاطون في التراث الأفلاطوني

  • Dillon, John, 2004, “Plato’s Myths in the Later Platonist Tradition”, in  Selected Myths, C. Partenie (ed.), Oxford: Oxford University Press, pp. xxvi–xxx. Reissued 2009; Kindle edition 2012.
  • Brisson, L., 2004, How Philosophers Saved Myths: Allegorical Interpretation and Classical Mythology[Introduction à la philosophie du mythe, vol. I: Sauver les mythes], Catherine Tihanyi (tr.), Chicago: University of Chicago Press.

 

تمثلات عصر النهضة الفنية لأساطير أفلاطون

  • Chastel, A., 1959, Art et humanisme à Florence au temps de Laurent le Magnifique, Paris: Presses Universitaires de France.
  • McGrath, E., 1983. “‘The Drunken Alcibiades’: Rubens’s Picture of Plato’s Symposium”, Journal of the Warburg and Courtauld Institutes, 46: 228–35.
  • McGrath, E., 1994, “From Parnassus to Careggi. A Florentine Celebration of Renaissance Platonism”, in Sight and Insight: Essays on Art and Culture in Honour of E. H. Gombrich at 85, J. Onians (ed.), London: Phaidon, 190–220.
  • McGrath, E., 2009, “Platonic myths in Renaissance iconography”, in Plato’s Myths, C. Partenie (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 206–238.
  • Vinken, P.J., 1960, “H.L. Spiegel’s Antrum Platonicum. A Contribution to the Iconology of the Heart”, Oud Holland, 75: 125–42.

 

مراجع المقال

 

  • Allen, R.E. (ed.), 1965, Studies in Plato’s Metaphysics, London and New York: Routledge & Kegan Paul.
  • Annas, J., 1982, “Plato’s Myths of Judgement”, Phronesis, 27: 119–43.
  • Buxton, R. (ed.), 1999, From Myth to Reason? Studies in the Development of Greek Thought, Oxford: Oxford University Press.
  • Brisson, L., 1998, Plato the Myth Maker[Platon, les mots et les mythes], translated, edited, and with an introduction by Gerard Naddaf, Chicago: University of Chicago Press.
  • Burnyeat, M.F., 2009, “Eikōs muthos”, in Plato’s Myths, C. Partenie (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 167–186.
  • Cornford, F.M., 1937, Plato’s Cosmology: TheTimaeus of Plato, translated with a running commentary, London: Routledge & Kegan Paul.
  • Dorion, L.-A., 2012, “The Delphic Oracle on Socrates’ Wisdom: A Myth? ”, in Plato and Myth. Studies on the Use and Status of Platonic Myths(Mnemosyne Supplements, 337), C. Collobert, P. Destrée and F. J. Gonzales (eds.), Leiden-Boston: Brill, 419–434.
  • Ferrari, G.R.F. (ed.), 2007, The Cambridge Companion to Plato’sRepublic, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Gonzalez, F. J., 2012, “Combating Oblivion: The Myth of Er as Both Philosophy’s Challenge and Inspiration”, in Plato and Myth. Studies on the Use and Status of Platonic Myths(MnemosyneSupplements, 337), C. Collobert, P. Destrée and F. J. Gonzales (eds.), Leiden-Boston: Brill, 259-278.
  • Halliwell, S., 2007, “The Life-and-Death Journey of the Soul: Interpreting the Myth of Er”, in The Cambridge Comanion to Plato’sRepublic, G. R. F. Ferrari (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 445–473.
  • Halliwell, S., 2011, “Antidotes and Incantantions: Is There are a Cure for Poetry in Plao’s Republic”, in Plato and the Poets(Mnemosyne Supplements, 328), P. Destrée and F.-G. Herrmann (eds.), Leiden-Boston: Brill, 241-266.
  • Kahn, C., 2009, “The myth of the Statesman”, in Plato’s Myths, C. Partenie (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 148–166.
  • McGrath, E., 2009, “Platonic myths in Renaissance iconography”, in Plato’s Myths, C. Partenie (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 206–238.
  • Morgan, K, 2000, Myth and Philosophy from the pre-Socratics to Plato, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Morgan, K., 2003, “The Tyranny of the Audience in Plato and Isocrates”, in Popular Tyranny: Sovereignty and Its Discontents in Ancient Greece, K. Morgan (ed.), Austin: University of Texas Press, 181–213.
  • Morgan, K. (ed.), 2003, Popular Tyranny: Sovereignty and Its Discontents in Ancient Greece, Austin: University of Texas Press.
  • Most, G. W., 2012, “Plato’s Exoteric Myths”, in Plato and Myth. Studies on the Use and Status of Platonic Myths(Mnemosyne Supplements, 337), C. Collobert, P. Destrée and F. J. Gonzales (eds.), Leiden-Boston: Brill, 13–24.
  • Natali, C. and Maso, S. (eds.), 2003, Plato Physicus: Cosmologia e antropologia nel Timeo, Amsterdam: Adolf Hakkert.
  • Partenie, C. (ed.), 2009, Plato’s Myths, Cambridge: Cambridge University Press. Reprinted 2011.
  • Plato, Complete Works, edited with an Introduction and notes by J. M. Cooper, D. S. Hutchinson associate editor, Indianapolis: Hackett, 1997
  • Rowe, Ch., 1999, “Myth, History, and Dialectic in Plato’s Republicand Timaeus-Critias, in From Myth to Reason? Studies in the Development of Greek Thought, R. Buxton (ed.), Oxford: Oxford University Press, 251–262.
  • Rowe, Ch., 2003, “The Status of the ‘Myth’ in Plato’s Timaeus”, in Plato Physicus: Cosmologia e antropologia nel Timeo, C. Natali and S. Maso (eds.), Amsterdam: Adolf Hakkert, 21–31.
  • Schofield, M., 2009, “Fraternité, inégalité, la parole de Dieu: Plato’s authoritarian myth of political legitimation”, in Plato’s Myths, C. Partenie (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 101–115.
  • Sedley, D., 1990, “Teleology and Myth in the Phaedo”, Proceedings of the Boston Area Colloquium in Ancient Philosophy, 5: 359–83.
  • Sedley, D., 2009, “Myth, Punishment and Politics in the Gorgias”, in Plato’s Myths, C. Partenie (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 51–76.
  • Strauss, L., 1964, The City and Man, Chicago: Chicago University Press.
  • Taylor, A.E., 1928, A Commentary on Plato’sTimaeus, Oxford: Clarendon Press.
  • Vlastos, G., 1939, “The Disorderly Motion in the Timaeus”, Classical Quarterly, 33: 71–83; cited from Studies in Plato’s Metaphysics, R.E. Allen (ed.), London and New York: Routledge & Kegan Paul, 1965, 379–99.
  • Yunis, H., 2007, “The Protreptic Rhetoric of the Republic”, in The Cambridge Companion to Plato’s Republic, G.R.F. Ferrari (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 1–26.

أدوات أكاديمية

How to cite this entry.

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.
Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الشبكة العنكبوتية

 

مدخلات ذات صلة

Plato | Plato: middle period metaphysics and epistemology | Plato: rhetoric and poetry | Plato:  HYPERLINK “https://plato.stanford.edu/entries/plato-timaeus/”Timaeus

شكر وتقدير

يرجع أساس هذا المدخل، بنحو غير تام، إلى مقدمتي للمجلد الأول، أساطير أفلاطون، كامبردج، مطابع جامعة كامبردج، 2009. وهناك بعض التداخلات الحتمية، غير ان هذا المدخل يختلف بنحو كبير عن المقدمة المذكورة، بحيث يعتبر عملا جديدا. وقد قُدمت نسخة من تلك المقدمة في جامعة نيوشاتل. تقديري البالغ لقرائي على ملاحظاتهم النقدية. وللتعليقات التي وردتني من ريتشارد كراوت على المسودة الأولى.

 

 

[1] Partenie, Catalin, “Plato’s Myths”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2014 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2014/entries/plato-myths/>.

error: المحتوى محمي