أخلاقيات تصدير الديمقراطية (منظور تاريخي – فلسفي) – توماس بانغل

أخلاقيات تصدير الديمقراطية (منظور تاريخي – فلسفي) – توماس بانغل

 

هل الديمقراطية قابلة للتصدير جداول

غلاف الكتاب

فصل من كتاب: هل الديمقراطية قابلة للتصدير؟ – تحرير: زولتان بارناني وروبرت موزر /  ترجمة: جمال عبدالرحيم – دار جداول للنشر


الفصل الأول:أخلاقيات تصدير الديمقراطية
منظور تاريخي – فلسفي (بقلم توماس بانغل)

إن عصرنا عصر تميل فيه الديمقراطية إلى الانتشار بذاتها بطاقة مدهشة. فالاتحاد الأوروبي الذي توسع ليصبح سبعاً وعشرين دولة، ملتزم الآن بالحفاظ على الديمقراطية بين شعوب الشرق الواسع، وهي شعوب نُظر إليها في حقبة من زماننا بأنها شعوب ميؤوس منها كانت ترزح تحت نعال التوتاليتارية الشيوعية. وكان بعض الأوروبيين البارزين اقترح أنه يجب أن لا تحول الحدود والثقافة الأوروبيَين دون انتشار اتحادهم الديمقراطي. فقد اقترح اللورد رالف داريندورف (Ralf Dahrendof) في خطاب شهير له في ميونيخ، أن على الاتحاد [الأوروبي] أن يتمتع بطموح لتوسعة نفسه، لا ليشمل تركيا وأوكرانيا فقط، بل حتى سنغافورة ونيوزيلندا – بالسير على خطى الإمبراطورية البريطانية، كما علّق أحد المعلقين. وبينما تحدث بيار مانيه (Pierre Manet)، وهو صاحب نظرية فرنسي بارز، بقلق عن تصميم الأوروبيين إنجاز ما سماه “الإمبراطورية الديمقراطية”(1). وأما الولايات المتحدة فقد أصبحت منشغلة لبعض الوقت بطريقة أقل طموحًا، ولكن بصورة ما أكثر نشاطًا وزخمًا، بسياسة “دمقرطة” حول العالم. غير أنه، كما أصبحنا ندرك جميعًا جيدًا أن الأحداث الأخيرة، وخاصة في العراق، أثارت أو عمّقت الشكوك، وقوّت من شكيمة الانتقادات الموجهة لهذا المشروع الطموح المتنوع. فالتساؤل ينبع من حيثيات أخلاقية، وليس من حيثيات متعقلة فقط، إذ يجري تذكيرنا بشدة بواجبنا وحاجتنا إلى التوصل إلى أجوبة عن بعض الأسئلة الأخلاقية الأساسية. فما هو السر إزاء الصيغة الليبرالية الغربية للديمقراطية الخاصة بنا الذي يمنحنا حق أو واجب لمحاولة ازدراعها بديلاً من الأنظمة القائمة ذات السمات المختلفة؟ وكيف يمكن لسياسة كهذه تفادي ما سيكون، في أفضل الأحوال، صيغةً أبوية سلسة للإمبريالية من جانب القوى الديمقراطية العظمى؟ وفي حال جرى ذلك، فمتى سيكون شرعيًا استخدام القوة المسلحة في السعي لتحقيق هذه السياسة؟

حالما نبدأ بجدية في السعي لإيجاد أجوبة عن هذه الأسئلة الأخلاقية المتقاربة، ندرك أن مبادئنا الديمقراطية الحديثة، خاصة في تعبيراتها الدولية، هي نتيجة تعاقب صراعات تاريخية ملأى بالتوترات على مر القرون. وقد نشأت في كل مرحلة من مراحل هذه العملية مفاهيم حديثة، أو متجددة، للعدالة المحلية والدولية فوق وضد عادات ومُثل سائدة متنافسة ومتناقضة، على الرغم من شمولها بطريقة ما. وإذا ما أصبحنا واعين تمامًا بينما نتأمل في حيثيات تصدير الديمقراطية، فإننا بحاجة إلى استرداد، وحتى إلى إعادة تشريع، المراحل الرئيسية على الأقل لهذا الإرث من النقاش الذي يشكل تفكيرنا الأخلاقي المليء بالتوترات. وفي ما يلي أود أن أساهم في استرداد وإعادة تشريع كهذا.

مصادر الشك التقليدية التي تتعلق بعدالة الديمقراطية
أولًا وقبل كل شيء، يأتي هذا النوع من الاستفسار النسبي بمشكلة أخلاقية أساسية في نزعة الديمقراطية لتصدير نفسها: وهي مشكلة كان من المزمع أن تعالجها جمهوريتنا الليبرالية الحديثة المتميزة أو تخفف منها. وهذه المشكلة واضحة بشكل تام في المثال التاريخي الكبير القديم لمشكلة تصدير الديمقراطية: وهي مثال أثينا الكلاسيكي. فقد أنشأت أثينا بالقوة في وقت قصير نسبيًا، أو حافظت على، أكثر من مئة ديمقراطية وثورة ديمقراطية في عالم البحر الأبيض المتوسط. غير أن هذا المثال الكلاسيكي لسياسة تصدير الديمقراطية يكشف عن سياسة كانت في الحقيقة إحدى ركائز الاستراتيجية الإمبريالية الشاملة(2).

لم تكن الإمبريالية الأثينية استبدادية ببساطة، سواء في الحقيقة أو في المضمون. فإننا نجد في صفحات تاريخ المؤرخ الإغريقي توسيديديس (Thucydides) أن المتحدثين باسم أثينا كانوا يعبّرون عما يمكن أن يسميه المرء بالدفاع شبه الأخلاقي لحملتهم من أجل الهيمنة التي تحققت جزئيًا بفرض الديمقراطيات المذعنة على العديد من الشعوب التي كانت خاضعة لأثينا. كما يجب تسمية التسويغ الأثيني، في أفضل الأحوال، بـ “شبه” الأخلاقي، لأن الديمقراطيين الأثينيين المتشددين رفضوا بوضوح باعتباره نفاقاً، ما يعتبرونه بازدراء “الخطاب العادل” الذي كانت تؤيده إسبارطة ومستعمراتها، وبخاصة الميلينيون. فوفقًا لهذا “الخطاب العادل”، فمن واجب المدن – الدول احترام استقلال بعضها بعضًا. ويقال أن هذا الواجب ارتكز على نوعين من الحيثيات (التي تشير توافقية كل منهما القابلة للدحض إلى أحجية مفهومية عميقة). فإما أن يبزّ واجب كهذا، بوصفه طاعة لقانون أسمى غير مكتوب، لكل دولة اهتمامها بمصالحها الخاصة – وبذلك تشيع عدالة كل دولة، خصوصاً في لحظات المجازفة النبيلة والتضحية، أو تتحقق مصالح كل دولة الحقيقية ذات المدى البعيد كجزء من الصالح العام الحقيقي لجميع الدول المجاورة التي تعيش في ترابط ذي دعم متبادل.

وضد أي أو كلًا من هاتين القناعتين يناشد الديمقراطيون الأثنيون ما يعتبرون أن التجربة العالمية تثبته: وهو أن جميع البشر في مجتمعاتهم، يهتمون بالفطرة وبالضرورة، بشكل رئيسي وحصري بصالحهم الخاص (ويشمل ذلك الرضا الروحي للحكم). ويتطلب السعي الواضح لكل مجتمع لهذا الصالح، نظراً إلى المنافسات المتواصلة لممارسة الحكم، وإلى الصفات المشتركة الضعيفة والخطيرة التي تسم الحياة الدولية، أن يسعى كل منها لتوسعة سلطته السياسية ما أمكن.

ويدخل عنصر شبه أخلاقي ليهذّب (ويعقد بشدة) الرضا الذاتي الأثيني من حيث إن الأثنيين يميّزون إمبراطوريتهم عن الإمبراطوريات الأخرى، ولا يقومون بذلك باعتبار القيم المحددة لنظامهم الديمقراطي.
بداية، يجادل الأثينيون أنه في اكتسابهم الإمبراطورية، أظهرت ديمقراطيتهم، بريادتها، ذكاء وخبرة في السعي لضمان أمنها وحريتها، ما استلزم بطريقة أخرى ضمان أمن وحرية لم يكونا متوفرين لبقية بلاد الإغريق الديمقراطية – خاصة في مواجهة التهديد الفارسي. وبذلك فقد مثّلت الإمبراطورية الديمقراطية الأثينية نوعًا من الصالح العام.

إضافة إلى ذلك يعلن الأثينيون بفخر أنهم “يستحقون كل الثناء” لأنهم (كما يقولون) “يحكمون الآخرين بعدالة أكثر مما تتطلبه قوتهم”. وبعبارة أخرى، ينكر الأثينيون أن مجرد السلطة هو اهتمامهم الوحيد. وبالفعل، فهم يرون أنهم يجازفون إلى حد ما بسلطتهم وأمنهم إكرامًا لرعاياهم. ويحوّل هذا الكرم النبيل اهتمامهم بـ “الشرف” إلى اهتمام بالكرامة والمجد اللذين يتطلبان التضحية حتى بالمكانة المرموقة، على الأقل بين معاصريهم: ويحتجون (بعباراتهم) “لقد لحق بنا العار بشكل غير معقول، بدلًا من الثناء والمديح، وذلك بسبب أخلاقنا”(3).

إضافة إلى ذلك كله، يتبجح بيريكلز (Pericles) في “خطابه الجنائزي” أن الأثينيين أنشأوا ما سماه بـ “نظام سياسي نموذجي” لم يكن ممكنًا من دون موارد وتحديات محفّزة ومسؤوليات تترتب على الإمبراطورية فقط. ويتابع بيريكلز بقوله: “إن نظامنا يسمى “الديمقراطية” لأنه لا يطبق من أجل الأقلة، ولكن من أجل أكبر عدد من الأشخاص”. ولكن (يتابع شارحًا) إنه في الوقت نفسه ميروتوكراسيا انتخابية وتنافسية في ما يتعلق بالحكم والشرف”. ففيما يجري تكريم الأفضل بانتخابهم لممارسة الحكم، فإن “باقي المواطنين ليسوا قاصرين في إبداء الرأي في الأمور التي تخص السياسة”، كما يقول بيريكلز. وإضافة إلى ذلك يشدد بيريكلز على أن هذه الديمقراطية مثالية، ليس لأنها تُظهر أكثر القيم فعالية لممارسة الحكم، ولكن لأنها تدرك أيضًا كيفية توظيف الترفيه والترف اللذين جعلتهما قوتها الإمبراطورية ممكنة فقط. وفي هذا الصدد يعلن بيريكلز “لقد أثبتنا أننا نحب الجمال من دون إسراف، وأننا نحب الحكمة من دون ليونة…. أقول باختصار إن المدينة ككل توفر الثقافة الإغريقية” (المصدر نفسه 2.37 – 2.41).

توحي هذه العبارات الأخيرة أن الديمقراطية الأثينية بتفوقها المثالي، كانت في ذروة إمبراطوريتها صالحة لبلاد الإغريق برمتها، بما في ذلك الدول التي كانت خاضعة لها، والتي صدَّرت أثينا الديمقراطية إليها. ويمكن لهذه الدول أن تبدي إعجابها وتتعلم ما الذي يعنيه الازدهار الإنساني، وذلك بمشاهدة الإنجاز الذي تحقق في الديمقراطية الأثينية. نعم، ولكن ألا يجب أن تعدَّ هذه الديمقراطيات الخاضعة، بالنفس ذاته، أن الأقلة هم الذين يتمتعون بهذا الإنجاز (أي المواطنون الذين يشاركون في الديمقراطية الأثينية)، وأنه يتطلب إخضاع الأغلبية العظمى التي هي مواطني ديمقراطيات مصدَّرة أخرى واستغلالهم؟ فمن الواضح أنه لا يفترض بالديمقراطيات المصدَّرة أن تتعلم كيفية نمذجة ذاتها بشكل صحيح مثل الديمقراطية المهيمنة (ما سيجعلها متحديات ثائرة، كما كان حال سيراكوز). وحتى في الحالات المذلة، كان لابد أن تتضمن “الجدارة”، التي يتم بها انتخاب حكام الديمقراطيات الخاضعة، عبودية مخلصة للمصالح الأثينية الحاكمة.

ولكن، أليس بمقدور الديمقراطيات الخاضعة إيجاد مواساة مشرّفة، إن لم يكن رضا، بمساهماتها الأساسية المعترف بها في تحقيق إنجاز أكثر كمالًا لحكامها الأثينيين المهيمنين؟ لا يوحي بيريكلز بهذا الأمر على الإطلاق، إذ إنه يعلن “أنه في ما يتعلق بما يخص الفضيلة”، فنحن الإثينيون “على عكس العديدين: لأننا نكتسب الأصدقاء، لا لأن ذلك يحصل من تلقاء ذاته، ولكن لأننا نجعله يحصل” (المصدر نفسه 2.40.4).

لا يحاول بيريكلز تبرير الوضع العبودي للديمقراطيات الخاضعة التي أنشأتها أثينا. فهو يوشح ببصره وببصر جمهوره عن رؤية نتيجة ما يسميه “الفضيلة” الأثينية. ولا تتأمل رؤية بيريكلز على الإطلاق كثيرًا في التوتر القائم بين الرفض الصريح الفخور ذاتي الاكتفاء لـ “الخطاب العادل”، وبين الاعتقاد العاطفي أن الكرم النبيل الذي يتضمن المخاطرة، وحتى التضحية بالسلطة والمكانة المرموقة، من جهة أخرى، هو جزء أساسي مما يجعل الديمقراطية الأثينية تستحق شهرة “أبدية”، كما يصر بيريكلز.
تتناقض هذه المشكلة الأخلاقية الكبيرة على مر العصور مع جاذبية الديمقراطية البيريكلية. غير أن جاذبيتها استمرت حتى وصلت إلى عصرنا الحالي- بشكل أكثر وضوحاً في التنظير الديمقراطي لهنا آرند (Hannah Arendt) وشيلدون وولين (Sheldon Wolin). فيرى كل من آرند ووولين (وآخرون) أن الديمقراطية البيريكلية، على الرغم من، أو لأنها تقر في النهاية، بحسب عبارات بيريكلز التي وردت في خطابه الأخير المتجهم، أن إمبراطوريتها شبيهة بالاستبدادية”، تبجّل مثل هذا التشابه الحتمي إلى أقصى درجة ممكنة(4).

وعلى الرغم من ذلك: ألا يمكن بصيغة ما تفادي الإمبراطورية الأبوية من أجل قوة ديمقراطية أكبر- حتى، أو خاصة، أنها تسعى عمداً إلى تصدير الديمقراطية؟ هذا هو ما أقرُّ بأنه السؤال الكبير الذي تطرحه أثينا البيريكلية في مناقشتنا هذه. فنحن نرى هذا السؤال يتبدى هنا في أشد صيغه في ما سأطلق عليه “الموجّه الأثيني”. وأعتزم أن أصنف بهذا المصطلح ما أميل إلى الاعتقاد بأنه ميل عام للديمقراطيات النشطة: الطموح العاطفي الجماعي لشعب ديمقراطي من أجل تفوق نبيل في العالم، يتحقق عبر مكرمة دولية وحكم وقيادة – أي حكم تنتشر به الديمقراطية وتصبح مثالًا يحتذى به، أو “نموذجًا” كما يقول بيريكلز. ومن دون هذا الطموح النبيل، فمن الممكن أن يميل شعب ديمقراطي ما إلى أن يصبح شعباً تافهًا أو انفعاليًا أو حتى خاضعًا – كما كان حال معظم شعوب العديد من الديمقراطيات الخاضعة التي أنشأتها أثينا. ولكن من ناحية أخرى، فحالما يبرز هذا الطموح بجدية، كما يوضح مثال أثينا، فإنه سيكون بحاجة ماسة إلى بعض القيود – إذا لم تكن من طريق قوة خارجية أو قوة كبرى منافسة، فمن خلال مبدأ أسمى أو طموح داخلي موازن.

“الخطاب العادل” و”قانون الأمم”
إن “الخطاب العادل” هو المبدأ الأسمى الذي يمكن أن يكبح طموح الشعوب في التفوق على الشعوب الأخرى. وهذا الخطاب، الذي وضعه الملينيون، هو حجر أساس يتمثل بالإيمان بوجود تدبير سماوي يدبر الشؤون الدولية في نهاية المطاف. ويوضح مثال تيوسيديديس أن هذا الإيمان ليس مجردًا من دليل إمبريقي قوي. فقد ثبت بلا شك في أن الإسبارطيين كانوا منافقين، وأن الملينيين سحقهم الأثينيون الاستكباريون، غير أننا نجد في سطور دراما تيوسيديديس أن النصر الأثيني الصغير (ضد الملينيين) تبعه انزلاق أثينا الفوري إلى الكارثة العقلية، وهي الكارثة التي تنذر بتحقق نبوءة الكاهن دلفيك (Delphic) بحصول نصر حتمي للإسبارطيين المعاقَبين سماويًا، والذين يشدد تيوسيديديس أنهم لم يعانوا من الطاعون (وهي نبوءة لكاهن آخر) الذي عانت منه أثينا بصورة دورية خلال حربها الطويلة. وبذلك يشير تيوسيديديس إلى الدليل على السؤال الأساسي بشأن وجود، أو عدم وجود، لاهوت إلاهي.

يمكن القول إن التفكير بذلك السؤال يحاكي الفكر السياسي الكلاسيكي. غير أن هذا السؤال الأساسي يلقى في الثيولوجيا السياسية المسيحية ما بعد الكلاسيكية، جوابًا دغمائيًا توكيديًا يوفر الأساس للمذهب المسيحي المتميز لقانون الأمم ius gentium)). وقد بقي هذا المذهب غير المكتوب المعترف به دوليًا، والذي يوفر المعايير الأساسية للسلوك الدولي، حجر أساسٍ للفكر القانوني الدولي برمته في الغرب إلى عصرنا الراهن. وكان أهم استخدام للمذهب المسيحي هذا في ما يتعلق بتصدير الديمقراطية، هو استخدام إدموند بورك (Edmund Burke)، في نهاية القرن الثامن عشر في دعوته البليغة إلى تسييس الحروب الصليبية الدولية – “الحرب الدينية” كما أطلق عليها – من أجل لجم انتشار الجمهوريات الديمقراطية بسبب التأثير المدمر والنشاط الثوري لنظام الثورة الفرنسية(5). فعلى الرغم من الدفاع عن النظام، حتى من خلال الاحتلال، باعتباره ملجأ شرعيًا أخيرًا من قبل أصحاب نظريات الحرب العادلة التقليديين بدءًا بفيتوريا (Vitoria) إلى بورك، إلا أن أصحاب النظريات هؤلاء لم يكونوا حريصين على الدفاع عن التغيير الذي يؤدي إلى الديمقراطية، أو إلى انتشارها. ويبقى السؤال لماذا لم يرحب القانون المسيحي لتقاليد الأمم بانتشار الديمقراطية؟ لقد كان السبب الأكثر خطورة لذلك، هو السجل التاريخي المقلق للديمقراطية، أو الخوف مما أطلقت عليه “الموجّه الأثيني” – الذي لم يبرز ذاته في أثينا البيريكلية وحسب، ولكن في جمهورية روما بعد نشوء المحاكم الشعبية (في النظام الذي دعا إليه مكيافيللي كطموح للمستقبل)، ومن ثم في الثورة الفرنسية. وقد حجبت هذه الأمثلة الأكثر بروزاً وتأثيرًا تاريخ الجمهوريات الأكثر اعتدالاً. ولم يرحب المذهب المسيحي بالديمقراطية وبانتشارها إلا مع بدايات القرن التاسع عشر، وفقط عقب حصول ثورة في المبادىء الديمقراطية الأساسية وفي ممارستها.

نوع جديد من الجمهورية الديمقراطية
لقد بشّر “التأسيس الأميركي” بحدوث التحول الثوري للمبادىء والممارسة الديمقراطية في المسرح الدولي. فكما شرح جيمس ماديسون (James Madison) وألكسندر هاميلتون (Alexander Hamilton) باستفاضة في كتاب “الأوراق الفدرالية” (Federalist Papers) أن الهدف الذي يشكل الأساس للدستور الأميركي هو إنشاء نوع جديد من الجمهورية الديمقراطية تختلف جذريًا عن النوع الكلاسيكي البيريكلي. وكانت تكمن جذور هذا الابتكار الجمهوري في التجديد الكبير للملكية الذي أدى بدوره إلى تحليل الدستور البريطاني، والاحتفاء به، باعتباره براديغم للحرية الإنسانية من قبل كل من لوك (Locke) ومونتسكيو.

لم تعد الحياة السياسية، في النظرية الجمهورية الجديدة، تُفهم بمصطلحات كلاسيكية باعتبارها تعبيراً عن “الميل الفطري” للبشر لإيجاد الرضا من خلال المشاركة في الحكم – توجهها قيم مدنية منظّمة مغروسة في المجتمع. ولكنها تعد، عوضًا عن ذلك، أن المجتمع المدني يُفهم بأنه عبارة عن مجموعة من التدابير التعاقدية المصطنعة، وليس أكثر، يسعى من خلالها الأفراد المستقلون التغلب على حالتهم الفطرية الفوضوية ذات المنافسة المتبادلة المدمرة. ولا تعني “الليبرالية” في هذا المنظور الجديد بشكل أساسي المشاركة في الحكم، ولكن الأمان من تدخل الآخرين. وتعني الليبرالية بالأساس الضمانة التي تتيح لكل فرد أن يسعى من أجل مصالحه الخاصة – أولًا وقبل كل شيء، مراكمة الملكية الخاصة أو تحسين وضعه الاقتصادي.

ترتكز التجربة الديمقراطية الجديدة على التخلي عن ما يسميه ماديسون “الديمقراطية النقية التي أعني بها مجتمع مكوَّن من أعداد صغيرة من المواطنين الذين يجتمعون ويديرون الحكومة شخصيًا” (كما يشرح ماديسون في الفدرالي العاشر “Tenth Federalist”). إن ما جرى استبداله هو ما يطلق عليه ماديسون المجتمع “الموسّع” و”المتنوع” الذي يحاكيه العديد من “الأحزاب” المتنافسة، بوجود “حكومة يتم فيها حدوث برنامج التمثيل”. وكما يشرح ماديسون في “الفدرالي الثالث والستين”- فإن “التمييز الحقيقي بين” الجمهوريات الكلاسيكية “والحكومات الأميركية الحديثة يكمن في الإقصاء الكلي للشعب بصفته الجماعية من أي قدر” من المشاركة المباشرة في الحكم. فالانتخابات تحافظ على سيطرة المواطنة المناصرة اليقظة، ولكن مشاركة الشعب في الحكم (بحسب تعبير ماديسون) “ترشّحت” من خلال أقلية صغيرة جدًا من الممثلين المختارين (هاميلتون، جاي، ماديسون، 2011: 42 – 49، 329).

إن تعقيدات السياسة الخارجية لهذا النوع الجديد من الجمهورية “الليبرالية” (كما سمّاها جون آدامز (John Adams)) بالغة الأهمية. فمن المتوقع أن يبتعد الشعب، المنهمك والمنقسم بسبب الاكتساب التنافسي للرفاهية والسلطة الاقتصادية الخاصة، عن الطموح السياسي الجماعي المكلف والمحفوف بالمخاطر الذي يعبر عن ذاته في مشاريع أجنبية مجيدة أو إمبريالية. بعبارات أخرى لا بد من التحكم بـ “الموجّه الأثيني”، ولكن ليس من خلال مبدأ أسمى، بل بطموح منافس أقل، أي بطموح اقتصادي مخصخص. فمن المتوقع أن يعزز انشغال المواطنة بالتجارة مشروعًا أجنبيًا ديناميًا يكون أقل من حالة الحرب، وأقل إمبريالية كذلك. ولن ينتج من هذا أولويات لاعتماد تجاري سلمي متبادل بسبب التجارة والتمويل الدوليين وحسب. فكما أكد مونتسكيو، فكلما كان التأثير المزمع تحوّلًا روحانيًا نحو إنسانية علمانية، فإنها تخفف من حدة الأخلاقيات الدينية الأقدم وتفسدها بالنفس ذاته. وقد شرح مونتسكيو في المقطع الرئيسي ذي الصلة في كتابه “روح القوانين” (L’espirit des Lois) (2.20):

 

“تعالج التجارة الضغائن المدمِّرة. وإنه قانون عام أنه حيثما وُجدت أخلاق ضعيفة، وُجدت تجارة، وحيثما وُجدت تجارة، وُجدت أخلاق ضعيفة… ويمكن القول إن قوانين التجارة تشحذ الأخلاق، للسبب ذاته التي تدمر هذه القوانين ذاتها الأخلاق. فالتجارة تفسد الأخلاق النقية: ولذلك تذمر منها أفلاطون، فالتجارة تصقل الأخلاق البربرية وتوهنها، كما نرى ذلك في كل يوم”.

ولكن مونتسكيو يكتب في ما بعد (12.25):

“من الأساليب المؤكدة لمهاجمة الدين يتمثل في الإحسان، وبسلع الحياة، وبأمل الثروة، وليس بما يذكر المرء به، ولكن بما يجعل المرء ينساه، وليس بما يجعل الناس يستاءون، ولكن بما يجعلهم أقل حماسة، عندما تصمت العواطف الأخرى التي تؤثر في أرواحنا وتلك التي يوحي بها الدين”.

 

لقد جعلت الحروب الدينية المروِّعة، التي هزّت أوروبا في فترة ما بعد الإصلاح مؤسسي الجمهورية الحديثة، يحذرون من أي سياسة أو تنظير سياسي يتطلع إلى توجيه وحي عقلاني فوقي. ونتيجة ذلك حُجبت التعاليم المسيحية التقليدية بشأن “قانون الأمم”، والتي كانت تسعى إلى إنشاء مجتمع دولي سياسي من الأمم. فقد اعتبر أن المذهب المسيحي يُدخل إلى الشؤون الدولية معايير وادعاءات تنازعية تتظاهر بالتقوى السامية شرعنت، وبذلك أشاعت، التدخل المتبادل الذي أدى في نهاية المطاف إلى حروب انتقامية شرسة. ويتناقض هذا كله مع التسامح المتبادل والإقرار الصريح للمصالح الاقتصادية الوطنية التنافسية التي تعد الآن أنها الأساس المتين للسلام الذي تحقق بالحفاظ على توازن يتسم باحترام القوى بين الأمم.

على الرغم من ذلك فمن المثير للسخرية هو أن الجمهورية الليبرالية التجارية اصطبغت منذ البداية بروحها الصليبية، وأحيانًا بروحها الإمبريالية ذات الطابع الحسن. وقد أومض من الفكرة الجمهورية – الليبرالية البراغماتية الجديدة وعد أو أمل بحدوث “حركة تنويرية” أكثر شمولية، تؤدي إلى توسعة المجال العالمي للسلام والازدهار الليبرالي. وقد أملت مصالح الأمن القومي الجماعية للقوى الليبرالية الكبرى جهودًا جدية لتعزيز هذه التوسعة. ولكن كان هناك أمر أكثر نبلًا من الأمن القومي الجماعي. فمنذ البداية، أُلهمت الجمهورية الليبرالية الجديدة إلى حد ما أيضًا بالإنسانية العالمية الأخلاقية.

غير أن جون لوك نحّاها في الرسالة التي طرح فيها المبادئ الحديثة في صيغتها الكلاسيكية، داعيًا إلى الثورات والحروب الداخلية للتحرر الوطني – في الإمبراطورية التركية على وجه التحديد (الرسالة الثانية حول نظام الحكم، “Second Treatise of Government”، المقاطع 176، 192 – 196، 221 – 232). وقد ذهب بعض المؤسسين الأميركيين أبعد من ذلك. فقد أصر بنيامين فرانكلين (Benjamin Franklin)، الدبلوماسي الأميركي الكبير الأول، باقتراحه شروط المصالحة إلى البريطانيين عشية الثورة الأميركية، (وذلك لدهشة وليام بيت (William Pitt)) على أن تتضمن الشروط تغيير النظام في كندا الفرنسية، باستبدال القوانين الفرنسية التقليدية بالقوانين والمؤسسات البريطانية الليبرالية. وشرح سبب اقتراحه بالعبارات التالية: “بما أننا نحب الليبرالية، فإننا نرغب أن تشمل الإنسانية كلها، وحتى لا يتم وضع أساس للعبودية في المستقبل في أميركا”(6). وفي خطوة بارزة أكثر من ذلك، هاجم توماس بين (Thomas Paine)، “أيديولوجي” الثورة الأميركية الأبرز، تضييقات إدموند بورك ضد الثورة الفرنسية وتصديرها للديمقراطية، كما تبين من سوء فهم بورك للدلالات الأخلاقية العالمية للثورة الأميركية. فكما يكتب بيت، فإن الثورة الأميركية تعني عالميًا:

“نظام حكم تأسس على النظرية الأخلاقية، وعلى نظام سلام عالمي، وعلى حقوق الإنسان المتوارثة غير القابلة للإلغاء، يتحول الآن من الغرب إلى الشرق بنبض أقوى من حكومة السيف التي تحولت من الشرق إلى الغرب. إنه لا يثير اهتمام أفراد على وجه التحديد، ولكن أمماً في تقدمها، ويعد بحقبة جديدة للجنس البشري”(7).

 

لقد كانت الأحجية التي برزت كالتالي: كيف يمكن للقوى الجمهورية الليبرالية الكبرى – في القرن التاسع عشر، يعني بالتحديد بريطانيا والولايات المتحدة – أن تصدِّر بفعالية أو تنشر أنظمتها في الخارج من أجل نشر حكم ذاتي مستقل سلمي، من دون أن تصبح إمبريالية بصورة أبوية، وبذلك تهزم القصد، وربما تفسد ذاتها في أثناء القيام بذلك؟ إن أكثر رد جدي بريطاني يعبر عنه جون ستيوارت ميل (John Stuart Mill) في مقالته “كلمات قليلة حول عدم التدخل” (Few words on Non-Intervention) (1965 – 1981 ]الطبعة الأصلية 1859[: 21. 111 – 124، خصوصًا 118 – 124). فمن ناحية يدافع ميل بشدة عن حق، وفي الحقيقة واجب، القوى الليبرالية الكبرى احتلال بلاد ما يسميه بالشعوب “البربرية”. وبحسب عباراته، فمن المتوقع من إمبراطورية كهذه أن “تحطم أرواحهم حتى يغوصوا تدريجيًا في حالة من التبعية” – وبذلك يسلكون ممراً، بحسب ميل، يبدأ بدرجة “منخفضة جدًا” وينتهي بـ “درجة عالية من التحسن الاجتماعي”. ومن الأمثلة التي يشيد بها ميل هي الهند البريطانية والجزائر الفرنسية.

ولكن من ناحية أخرى، يعتبر ميل أنه متى ما وصل شعب محتل إلى مستوى الأهلية السياسية الليبرالية يقوم بإشعال ثورة ديمقراطية جدّية ضد حكامه، فحينها، يكتب ميل “لن يكون من الصواب كقاعدة عامة مساعدته، إلا بالدعم المعنوي وبالرأي”. ويقدم ميل سببين لسياسة عدم التدخل هذه.
أولًا، يقول ميل “إذا لم يكن لدى الشعب ما يكفي من التوق إلى الحرية لدرجة يكون معها قادرًا على انتزاعها من قامعيه المحليين، فإن الحرية التي تمنحها أيادي آخرين ليست أياديهم، فإنها لن تكون حرية حقيقية أو دائمة”. إذ إن “الاختبار الوحيد بأن الشعب أصبح مؤهلاً للمؤسسات الشعبية” هو أنه “يرغب في مواجهة الصعاب والأخطار من أجل نيل حريته”. ثانيًا، يكتب ميل، “عندما يكون شعب ما سيء الحظ لدرجة ينوء معها تحت حكم حكومة لا يمكن معها للمشاعر والقيم الضرورية للحفاظ على الحرية أن تتطور من تلقاء ذاتها، تكون الفرصة الأمثل لتتطور هذه المشاعر والقيم في أثناء الكفاح الشاق لنيل حريته بجهوده الخاصة”.

ويسارع ميل ليضيف أنه حيثما تجد قوة ليبرالية كبرى نفسها أنها تقاتل حربًا دفاعًا عن النفس ضد أنظمة غير ليبرالية، فحينها تتمتع بالحق والواجب لتتحالف مع الثوريين الليبراليين في هذه الأنظمة، كما أنها تتمتع بكل حق لتشترط حدوث تغيير في النظام أو قيام ثورة ناجحة كشرط لسلام المنتصر. وإضافة إلى ذلك يقول ميل أنه، في حالة شعب ما يكافح ضد نير أجنبي، يكون تدخل القوى الليبرالية لمساعدة قتال الدخيل الأجنبي غير الليبرالي، بحسب عبارات ميل، “محقًا دومًا، وأخلاقيًا دومًا، وحكيمًا دومًا”. ويختتم ميل مقالته بدعوة عاطفية موجهة إلى بريطانيا، أو قوة ليبرالية كبرى أخرى، لتزعم ما يسميه ائتلاف مسلح “بطولي”، على استعداد لمحاربة أي تدخل أجنبي في أي ثورة ديمقراطية، وذلك من أجل ضمان ما يطلق عليه ميل “الانعتاق الفوري لكل الشعوب التي ترغب في الحرية بما فيه الكفاية لتكون قادرة على الحفاظ عليها”.

وأما الرد الأميركي الأكثر تعقلًا واعتدالًا للأجحية فقد أورده ألكسندر هاميلتون عندما نشر “الأوراق الهادئة” (Pacificus Papers)، مجادلًا ضد ما اعتبره تأييد توماس جيفرسون (Thomas Jefferson) غير الحكيم للثورة الفرنسية وتصديرها المتعاظم للديمقراطية. وقد طرح هاميلتون ما اعتبر أنه الموقف الأميركي السليم كما يلي (1961 – 1987: 15.60):

“عندما تعتزم أمة ما أن تتخلص من النير الذي تئن تحته وأن تؤكد حرياتها – فحينها يكون مبررًا وجديرًا بأمة أخرى أن تقدم المساعدة إلى الأمة المقهورة التي هي في طور تحرير نفسها، ولكن لا يسوّغ لأي أمة أن تقدم دعوة مسبّقة إلى التمرد والثورة”.

 

وكان رد أبراهام لينكولن(Abraham Lincoln) ، بالروح ذاتها، على وصول لايوس كوسوث (Lajos Kossuh)، إلى أميركا طالبًا المساعدة الأميركية ضد التدخل الروسي دعمًا لقمع النمسا للثورة الهنغارية في سنة 1848. فقد كتب لينكولن (1953 – 1955: 2. 115 – 116)، ورعى مجموعة من القرارات التي أعلنت، على الرغم من التعبير عن الإعجاب المعنوي الكبير لكوسوث وقضيته، أنه وفقًا لما أطلق عليه لينكولن “مبادئنا الأميركية العزيزة لعدم التدخل، فإن من واجب حكومتنا أن لا تحرّض على قيام ثورات كهذه أو مساعدتها” – على الرغم من (أضاف لينكولن)” وجوب تقديم تعاطف هذا البلد لكل شعب يكافح ليصبح حرًّا”.

الشكوك المعاصرة والتحدي من اليسار الراديكالي
تُعتم الصورة برمتها وتتعقد بالشكوك الكبيرة التي أثيرت منذ البداية حول الفرضية الرئيسية للعالمية الليبرالية – الفرضية التي تؤكد النزعة السلمية للجمهورية التجارية. ومع ذلك رفض ألكسندر هاميلتون الذي لا يُنافس في جدارته العملية الذكية التي روّج بها للتجارة والتمويل المعاصرَين، بشدة هذه الفرضية لأن، كما قال في كتابه “الفدرالي”، “الصفة المميزة للجمهوريات سلمية”، ولأن “روح التجارة تتميز بنزعة توهن أخلاق الرجال”. ويرد هاميلتون (2001:23):

“أليس حب الثروة عاطفة مستبدة وجريئة مثل عاطفة السلطة أو المجد؟ ألم تندلع حروب عديدة بسبب دوافع تجارية، فقد أصبح ذلك هو النظام السائد بين الأمم، كما اندلعت من قبل بسبب الطمع بالأراضي أو توسعة السلطان؟ ألم تقدم روح التجارة، في العديد من الأمثلة حوافز جديدة لشهية الأولى والثانية؟”.

 

لقد قدم روسو (Rousseau) تحفظات أشد وأكثر على هذا النسق في السابق. فقد أعاد روسو استدعاء الديمقراطية الكلاسيكية التشاركية النقية كمعيار للحكم على الجمهوريات الليبرالية الناشئة والتنديد بها. وقد أدان روسو القسوة والاغتراب الذاتي الشديدين اللذين كان على يقين أنهما من النتائج الاجتماعية والسيكولوجية الحتمية للفردانية التجارية – الليبرالية الحديثة. فقد زعم روسو أن هذا التشويه الروحي الذي يعمل بشكل ترادفي مع النظرية المعيارية الحديثة الخاصة بالسيادة الوطنية الأعلى، سيؤدي إلى جعل الأخلاق الدولية أكثر لاإنسانية من دون رحمة. كما تنبأ أن هذه اللاإنسانية التجارية الدولية ستتسلح بأسلحة أكثر ترويعًا – تمولها ثروة مكتسبة تجاريًا، وستكون ممكنة بسبب إطلاق الفلسفة الجديدة للتكنولوجيا العلمية. وذهب روسو أبعد من ذلك بالادعاء بأن الدول التجارية الحديثة لم تكن أقل ميلًا، بل كانت أكثر ميلًا، لشن حرب شاملة مدمرة من الجمهوريات التشاركية القديمة(8).

لقد ألهم فكر روسو المتحوِّل الراديكاليين من بين الثوار الفرنسيين الذين أعلنوا بقيادة روبسبيير (Robespierre) (1967: 10. 26 – 237، 350 – 367) عن ولادة ديمقراطية بديلة غير ليبرالية: ديمقراطية “الأخوة” التي تفعمها “الفضيلة” بالحيوية، وتطبق من خلال سياسة “إرهاب” متعمدة. ومقارنة بالنوع الليبرالي الأقل أخلاقية السابق، فقد كانت هذه الصيغة الجديدة أكثر عدوانية تجهد إلى تحويل العالم وفقًا لتصورها الخاص. وهنا أُطلق العنان لصيغة أخلاقية لـ “الموجّه الأثيني”. فإلى أي مدى يمثل هذا الطموح الديمقراطي اليعقوبي روحًا ما زالت شبيهة بالروح الأميركية – البدائية بلا شك، ولكن ربما بدرجة أكثر “تقدمية” أيضًا؟ وإلى أي مدى ما زال الارهاب والتصدير العدواني للديمقراطية ،(9) والإمبريالية النابليونية الاستفتائية الحتمية، والانحرافات المؤسفة عن أصل الثورة وخيانتها، يتحلَّون بالمبادئ الديمقراطية الليبرالية؟ وإلى أي مدى كان كل من روبسبيير ونابليون – في أفضل الأحوال (مثل فكر هيغل، وماركس، ونيتشه)، أو في أسوأ الأحوال (مثل فكر هاميلتون وتوكفيل) – يدللان على أي شيء ليبرالي انتقالي تتضمنه بقوة الحركة الديمقراطية المعاصرة؟ كانت جميع هذه الأسئلة تكمن في قلب النقاش الذي دار في أميركا في تسعينيات القرن الثامن عشر بين أنصار جيفرسون والمنددين الفدراليين بالثورة وتصديرها للديمقراطية(10). ويمكن للمرء أن يشكك في ما إذا كانت هذه الأسئلة قابلة لأجوبة محددة لا لبس فيها، وذلك بصورة جزئية بسبب التعقيدات الملأى بالتوتر لقيام الثورة الفرنسية ومبادئها أو معناها الأخلاقي، كما تتصورها مجموعة متنوعة من المحرضين لها وأصدقائهم من ناحية، وأعدائها من ناحية أخرى. فبدءاً من حقبة الثورة الفرنسية، ومرورًا بالعالمية الاشتراكية والحقبة الماركسية، يصبح المعنى الجوهري لـ “الديمقراطية الحديثة” – وبحكم الضرورة “تصديرها” – قابل للتنازع بشدة بين صيغها الليبرالية، و”الأخوية”، و”الكمونية”، ولا ينتهي هذا بكل تأكيد مع الثورة الفرنسية.

الرد الكانطي الكوسمبوليتاني
نجد في فكر إيمانويل كانط (Immanuel Kant) المحاولة الأكثر تأثيرًا لحل هذا النزاع، وذلك بصوغ توليفة مبدئية. فقد كان كانط ملتزمًا بالجمهورية الديمقراطية أو الدستورية. ولكن كانط الذي كان مناصرًا قويًا للثورة الفرنسية، كان في الوقت ذاته متأثرًا تمامًا بانتقاد روسو لليبرالية السابقة. ولذلك انطلق كانط لإعادة اكتشاف الجمهورية الديمقراطية وعالميتها. لقد منح كانط إعادة تفسير أخلاقي رائع للأفكار الليبرالية الخاصة بالمساواة والحرية الفردية المباحة، وحتى اللاأخلاقية، ولكن الشرعية. فالحرية الفردية والمساواة تجدان معناهما الحقيقي وتبريرهما كشرط مسبق للكرامة الإنسانية التي تتكون كليًا في التشريع الذاتي العقلاني الأخلاقي.

وحتى يكون هذا التشريع الذاتي مستقلًا بشكل حقيقي، فلا بد أن يكون متحررًا من الإكراه الخارجي. وللمفارقة، فإن الدولة الليبرالية تتوافق بحق مع الأخلاقية، لأنها تتجنب ما أمكن جميع التشريعات الأخلاقية. وللمفارقة أيضًا، فعلى الدولة الليبرالية، من منطلق احترامها الشديد للأخلاقية، كالتشريع الذاتي، أن تحدَّ بدقة شديدة من سياساتها الإكراهية القانونية لما هو ضروري لتعزيز الحرية الخارجية المباحة، فضلًا عن أمن وازدهار المواطنين. ولا بد أن يحدث لبّ التقدم الأخلاقي الحقيقي في عالمَي الثقافة والمجتمع العفويَين، والذي تولده وتحميه الدولة الليبرالية التي تنظمه في الحد الأدنى الممكن.

غير أن هذا التقدم الأخلاقي يتطلب أن يتحلى سكان الجمهوريات الليبرالية بشعور كوسمبوليتاني بالمسؤولية، فحتى يكون التشريع الذاتي أخلاقيًا بحق، فلا بد له أن يتصور نفسه من منطلقات شمولية. ولا بد أن تحترم حِكم المرء الخاصة الكرامة المتساوية لجميع البشر الآخرين – الذين يُعتبَرون مشرعين بالمشاركة، ويؤلفون البشرية جمعاء، وهو ما يُطلق عليه كانط “مملكة الغايات”. ولكن هذا يعني وجوب أن يتضمن الهدف الكوسمبوليتاني أعدادًا أكبر من البشرية في التحرر الأخلاقي العملي والسياسي الذي يتأتى فقط بواسطة الأنظمة والقوانين الجمهورية الليبرالية. وبذلك تتخذ السياسة الخارجية التي تهدف في نهاية المطاف إلى إشاعة الجمهورية الليبرالية، في جميع أنحاء العالم، أهمية أخلاقية غير مسبوقة. وهنا يجد “الموجّه الأثيني” أفضل تعبيراته الأخلاقية. ومع ذلك، فإن تأييد كانط لهذا الانتشار للجمهورية الليبرالية معقد.

يصر كانط على أنه من أجل استيعاب صحيح للسمة الأخلاقية للعلاقات الدولية، لا بد أن نبدأ بإدراك كلي غير واهم لما شخّصه روسو بشكل صحيح. فكما أرشد روسو، فإن دولة حرب أسوأ من الدولة الهوبزية تسود بشكل طبيعي بين الأمم. فالأمم، في استقلالها السيادي ذي التهديد المتبادل، مجبرة على العيش في صيغة أسوأ من الظروف التي كان الناس مجبرين على العيش فيها فطريًا قبل إجبارهم على التعاقد لإنشاء دولة قانونية تنظم علاقاتهم الخارجية. ولكن، كما يبدو، يحلّل كانط بتفصيل بشع الفوضى الوحشية لـ “دولة الفطرة” هذه بين الأمم، حتى يضع الأساس لتجاوزها الدياليكتيكي. إذ إنه حالما يجري استيعاب السمة البشعة لـ “دولة الفطرة” الدولية بشكل واضح جدًا، فإن الاهتمام المتعقل المطلق للأمن القومي الذي يعزز الاهتمام الأخلاقي لأي رجل دولة للأخوة البشرية، يملي في الظروف المعاصرة للقوة العسكرية المروّعة، الضرورة المطلقة للبدء في تجاوز الظروف الفطرية. كما أن المنطق البراغماتي والأخلاقي يملي الانتقال باتجاه نوع ما من العقد الاجتماعي بين الدول المستقلة يرمي إلى خلق قوة دولية موحدة تمتلك قانونًا دوليًا تتمسك به.

والآن فحالما تتوصل الأمم المتعقلة وقادتها إلى هذا الاستنتاج المعياري، يتغيَّر الوضع الدولي برمته أخلاقيًّا. ولكن في حالة الفطرة في الفضاء الدولي ككل، لا تتمتع أي جهة بالحكم على غيرها، ولا يوجد حينها حرب غير عادلة (أو في المقابل، فإن كل حرب هي حرب عادلة). ولكن الحال لم يعد كذلك حين تنطلق الدول الأكثر تعقلًا لإنشاء، ما يسميه كانط، “عصبة الأمم”. ويقول كانط (1902: 6.349) أنه حالما يتم الشروع بهذا الحراك التقدمي، فإن “إرادة أي أمة معبّّر عنها علنًا (سواء بالقول أو الفعل)”، وتعتبر أنها “تعرب عن حقيقة مقرّرة” – “كانتهاك معاهدات عامة” – تقف في طريق هذا الحراك، فإنها تكون “عدو غير عادل” للمجتمع الدولي. ومن ثم فإن الدول التقدمية تتمتع بحق وواجب التوحد ضد عدو كهذا، وإذا اقتضى الأمر أن تغير نظامها بالقوة إلى نظام أكثر ليبرالية. إذ إن نظامًا ليبراليًا جمهوريًا هو الذي سيقرَّ على الأرجح بجميع الحقائق ويعمل بمقتضاها. وأما الحكومة التمثيلية المسؤولة أمام الشعب، والتي تتلخص اهتماماتها بالحرية الشخصية والأمن والازدهار المادي، فهي حكومة غير قادرة على جر ذلك الشعب إلى حرب خطرة مكلفة. وبذلك يتابع كانط، مثل أسلافه الليبراليين السابقين، بالاعتماد بشدة على التأثيرات المهدئة للجمهورية التجارية. ولكن، على العكس من أسلافه، يقوم كانط بذلك، لا لأنه يثق ببساطة بالتجارية بحد ذاتها، ولكن لأنه يثق بالتجارية الموجودة في الجمهورية، والتي توضع على مسار يتجه نحو قيام منظمة قانونية دولية من خلال الأخلاق وقيادة براغماتية كذلك.

هكذا يعتبر كانط أن على “عصبة الأمم” المتصورة أن تتضمن أول “موادها التعريفية” التالي: “أن يكون الدستور المدني لكل دولة جمهوريًا” – ما يعني، كما يشرح كانط، حكومة تمثيلية شعبية تخضع لقانون دستوري ثابت مع فصل للسلطات. وبذلك فإن “عصبة الأمم” التي يتصورها كانط أقرب إلى منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الحالية منها إلى الأمم المتحدة في الوقت الحالي. ومع ذلك، يصر كانط كذلك على أن وجوب أن تستثني العصبة، أو “مواد مقدمتها الخاصة بالسلم الدائم”، “التدخل بالقوة في دستور أو نظام حكم دولة أخرى” – ما لم تصبح تلك الدولة “عدوًا غير عادل” للمجتمع الدولي. والسبب الأساسي الذي يعطيه كانط لذلك، هو أن التدخل المسلح يعرض للخطر العودة، من خلال حرب أهلية، إلى حالة الفطرة الفوضوية بلاإنسانيتها المروِّعة(11).

ويقدم كانط الأساس النظري الأكثر قوة للجهود الهادفة إلى قيام منظمة دولية ليبرالية تطبق القانون الدولي، ترشدها في ذلك المعايير الجمهورية الليبرالية وتهدف إلى إشاعتها. ولكن السؤال الكبير هو إن كانت الآمال التي أوحاها كانط – لنوع ما من حكومة عالمية جمهورية ليبرالية حقيقية – لا تلهي بشكل غير حكيم رؤية رجل الدولة عن الأمور الأكثر واقعية، وذلك بسبب المشاريع الأكثر تواضعًا لأسلاف كانط الليبراليين الأقل أخلاقية، وأقل أملًا بمسعاهم لتحقيق توازن أكثر تسامحًا للقوى المستقلة. ولكن من ناحية أخرى، فإن السؤال الكبير لذلك التفكير الليبرالي السابق الأقل أملًا وأقل أخلاقية، هو إن كان بإمكانه إفساح المجال لما سماه رجل الدولة الأميركي هنري كلاي (Henry Clay)، الذي كان يتحدث عن مسؤولية أميركا في تشجيع الجمهورية الليبرالية في أميركا اللاتينية، بـ “نخوة شعب عظيم كريم” (1961: 2.524).

خاتمة
لقد عرضت الآن الأبعاد الرئيسية ذات الصلة لأكثر المراحل أهمية في أصل تفكيرنا الأخلاقي حول تصدير الديمقراطية. وبتوضيح هذه الحيثية الأخلاقية المعقدة المتجذرين نحن فيها تاريخيًا، فيمكننا استيعاب الاعتبارات المتعددة التي تتضمن إطلاقنا لآرائنا إزاء الأنواع المتفرقة للسياسة الخارجية الليبرالية التي تحاول تصدير الديمقراطية. ويمكننا في الوقت نفسه كذلك بدقة أكبر ووعي كبير استيعاب السبب في بقاء آرائنا منقمسة بالجدل المبدئي – ومربكين كذلك بالألغاز العملية.

دعوني أنهي الحديث باقتراح بعض الاستنتاجات التي تبدو لي أنها تنشأ من محاولتي إحياء التقليد الأخلاقي المليء بالتوترات الذي يوحدنا ويقولبنا. لقد تمت محاكاة الروح الجمهورية الليبرالية منذ نشأتها، بدرجات متفاوتة، بالإخلاص لتحرر البشرية جمعاء عبر إشاعة أو تصدير الجمهورية الليبرالية. وكلي شك في إن كان بمقدور الجمهورية الليبرالية التخلي عن هذه المهمة من دون خسارة روحها. ولكن بإدراكنا لهذا الأمر بالضبط، فإننا ندرك المخاطر التي تكمن هنا. فالسياسة الديمقراطية الليبرالية التي تسعى لإشاعة الديمقراطية يمكن أن تصبح ببساطة جدًا غير متماسكة عمليًا: إذ يمكن أن تتصادم بسرعة مع الاحترام الليبرالي لتقرير المصير الخاص بالأمم الأخرى – ومع التسامح الليبرالي لتنوع الثقافات المدنية.

إن السعي لتصدير الديمقراطية بالقوة العسكرية يعرّض هذه الأخلاقية لدرجة عالية جدًا من الخطر. فتقاليدنا توحي أنه ندر، إن حصل بالأساس، حدوث حالة يمكن فيها تبرير الحرب لمجرد إشاعة الجمهورية الليبرالية. ومن ناحية أخرى، يبدو أن فرضًا بالقوة كهذا مبرر، كما حصل في اليابان في الحرب العالمية الثانية، أو في تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في كوسوفو، باعتباره ملجأ أخيرًا للتعامل مع تهديد خطير محدد، أو جريمة فظيعة – في حالة تم تشخيص أن التخلص من تهديد محدد أو جريمة فظيعة يتطلب تغيير النظام غير الليبرالي المحدد الذي هو سبب ذلك.

وهنا، أقول، يكمن أساس الجدال الأخلاقي الذي يؤيد أحقية الغزو الذي هدف جزئيًا إلى الإتيان بصيغة ما من الجمهورية الليبرالية في أفغانستان والعراق: إذ يمكن تبرير جهود تغيير النظام بأنه إتمام ضروري للقتال المطلوب لإزالة نظامين غير ليبراليين محددين أثبتا أنهما عدوان خطيران جدًا للسلام لا يمكن التساهل معهما، وللكرامة الإنسانية الأساسية كذلك في منطقتهما من العالم. ولكن ينشأ هنا كذلك من تقليدنا جدال مضاد قوي يرتكز على تقييم مختلف للدليل. فالجدال المضاد يدّعى أولًا أن الخطر لم يبلغ درجة لا يمكن التساهل معه، وثانيًا، أن المعاناة الإنسانية المتوقعة التي سيتسبب بها المجهود العسكري فاقت، كتكلفة، الفوائد الإنسانية المحتملة. وبذلك توفر تقاليدنا حيثية لحدوث نزاع حقيقي: بعبارات أخرى، فهذه حالة كان فيها الوضع الأخلاقي للمجهود قابل للنقاش بحق من قبل أشخاص ذوي نوايا حسنة من كلا الجانبين. ولا يقتصر النقاش حول سمة المبادئ الأخلاقية التي يمكن تطبيقها، ولكن حول تفسير الدليل الذي يتم التطبيق عليه – وأكثره غير واضح.

يأخذ النقاش حول العراق بُعدًا آخر عندما يتساءل المرء – وربما تشجعه تأملات يورغن هابرماس (Jurgan Habermas) في كتابه “الغرب المنقسم” (Divided West) (2006) – إن لم يكن الانقسام الذي حدث ضمن الناتو ثمنأً باهظاً جدًا لحرب العراق: الذي يعتبر من منطلقات تاريخية عالمية من دون شك هزيمة للمشروع الكانطي لتوسع دائم لعصبة الأمم الجمهورية الليبرالية. وأود القول إن هناك حيثيات أخلاقية مشتركة أكثر مما أكده أصحاب نظريات مثل هابرماس – وبذلك هناك أساس وأمل أكبر لرأب ذلك الصدع مما يبدو عليه الأمر من الوهلة الأولى. وبكل تأكيد يشترك ذوو التأثير من جانبي النقاش حول الحرب في العراق، بشدة في الوعي والرثاء للخطر الذي يشكله الصدع الذي حصل في حلف شمال الأطلسي (الناتو) على المدى البعيد.

غير أن الجانبين يختلفان بشدة، بكل تأكيد حول الدوافع التي يجب أن تُلام لحصول ذلك الانقسام المؤسف جدًا. فمن ناحية، تميل الأصوات المؤثرة بين الأميركيين والبريطانيين الذين تقدموا كثنائي في الحرب معتبرين أنفسهم أنهم يدافعون عن القانون الدولي ويطبقون إرادة الأمم المتحدة، إلى وضع اللوم على أوروبا القارية، وخاصة فرنسا – لفشلها بالسمو إلى العزم الأخلاقي ورفقة السلاح الذي يجب أن يجسده حلف شمال الأطلسي (الناتو). ومن ناحية أخرى، يندد الأوروبيون القاريون الذين تخلفوا، معتبرين أنفسهم أنهم يمثلون الاعتدال الحق والحذر، والسلم من دون جبن، بالأميركيين، خاصة لأخلاقياتهم الأحادية المتعالية التي تؤدي إلى الغطرسة. وهنا أقول إن على الجانبين إدراك الحقيقة الجزئية في وجهتي النظر المتعارضتين، وإدراك احتمال الخطأ إلى درجة ما في وجهتي النظر الساخطتين. ولكن بالنظر إلى أبعد من الحالة العراقية المؤلمة والمحيرة، فإن عاداتنا تقترح المقترح العام أنه، في حالة غياب تهديد أو جريمة فظيعة محددين لا يمكن التساهل معهما، لا بد لمشروع تشجيع إشاعة الديمقراطية الليبرالية أن يقتصر على تكتيكات أقل عدوانية وغير قتالية بشكل كبير – وأنه لا بد من اعتبار هذه التكتيكات ضمن مجال قوة، أو تدخل مثير للمشاكل بصورة متزايدة.

إن أقل التكتيكات عدوانية، وبذلك أقلها إثارة للمشاكل، هي ما يمكن أن نطلق عليه التكتيكات “الأيديولوجية” – بما في ذلك الحوار عبر الحكومي، والحث، والدعاية، والتبادل الثقافي، والجهود التربوية من جميع الأصناف، الموجهة إلى الرعايا والحكام على حد سواء في الأنظمة غير الليبرالية. هذا هو النوع من التكتيكات التي يوظفها الغرب مع الصين. وستبدو جهود كهذه من قبل الحكومات الجمهورية الليبرالية شرعية دومًا، وواجبة بالفعل – كتعبير عن الأهداف المحددة الأسمى للجمهورية الليبرالية وتعبيرها وتوكيدها الذاتيين. إن ما يتطلب حذرًا أخلاقيًا أكبر، نظراً إلى المخاطر وعدم الاستقرار، واحترامًا مستحقًا للأنظمة غير الليببرالية وغير القمعية وغير محاربة نسبيًا، هي محاولات ممارسة الضغط بفرض عقوبات، مكلفة، من كل الأنواع – تهدف إلى تغيير تدريجي وسلمي لسلوك، وحتى سمة أنظمة غير ليبرالية محددة. وتعد جنوب أفريقيا بكل تأكيد أكثر الحالات الحديثة نجاحًا.
كما تتطلب السياسات التدخلية حيطة أخلاقية أكبر، مثل الدعم المادي والتوعوي لمنظمات ديمقراطية غير حكومية وشبه حكومية وحراكات محلية في بلدان غير ليبرالية. فقد جرى توظيف هذه التكتيكات التدخلية ببعض النجاح في أماكن مثل أوكرانيا، وأجزاء أخرى من الاتحاد السوفياتي السابق، بما في ذلك روسيا نفسها. وقد أدت رقة هذا التدخل إلى إنشاء جيل جديد من المنظمات غير الحكومية التي تستغل سمة المبادرة المستقلة للمجتمع المدني الليبرالي، وتجمع المجموعات المدنية الخاصة في ائتلافات ومنظمات، تضغط من أجل الإصلاح من دون إدخال اليد القوية المهددة للحكومات الليبرالية.

أخيرًا، ستبدو الحكومات الليبرالية، في حالات نادرة، أنها تتمتع بحق وواجب توفير حتى مساعدة مسلحة لثوار منخرطين في حرب أهلية من أجل التحرر الوطني – حيث تكمل هذه المساعدة وتعزز المبادرة والقيادة المحلية ، وليس أن تستأصلها أو تهيمن عليها، من دون احتمال تكلفة عالية في المعاناة البشرية.

أختتم هذه المقالة بالتشديد مرة أخرى على أن تأملاتي الختامية تهدف إلى أن تقترح، لا أن تجزم. كما أنها تهدف إلى استثارة تأملات ونقاشات إضافية. إن هدفي الجدي هو إحياء وعينا للتقليد الفلسفي الدياليتيكي الذي يمكن أن يوفر الأساس النظري لنقاشنا لكل حالة على حدة حول كيفية مواجهة التحديات المتنوعة في مهنتنا المشتركة التي تسعى بشكل متعقل لإشاعة حريتنا الديمقراطية الليبرالية والدفاع عنها. وأود التشديد في الاختتام على أنه تقليدنا الفلسفي هو الذي يمنحنا أساسنا الأخلاقي المشترك، وأن استعادة هذا الأساس يمكن أن يساهم بشكل كبير في منحنا، على جانبي المحيط الأطلسي، الأساس المشترك الذي يمكننا من خلاله شفاء حاضرنا المحزن والخطير، فضلًا عن انقسامنا الروحي، كما آمل وأعتقد.

 

 

 


الهوامش:

(1) إذا كان التصوف الأوروبي يتناقض مع النشاط الأميركي في الشرق، فهما ترجمتان لـ “الإمبراطورية الديمقراطية” التي تقترح باقتناع وحتى بغطرسة متساويين” (مانيه، 2006: 15؛ انظر أيضاً 57-58)

(2) انظر زينوفون [كاتباً ما يسمى تقليدياً بـ “الأوليغاركية القديمة”]، “دستور أثينا”، 1.14، 1.16-18، 3.11؛ كاغان: 1969، 54-56، 72-73، 95، 100-101، 120-126، 347؛ ميغس: 1972، 208-209، 220؛ بليكين: 1994، الفصل 15؛ شولر: 1995، 310-323.

(3) تيوسيديديس “الحرب البيلوبونيسية” 1.76.2-1.77.3. جميع الترجمات من هذا المصدر ومن غير التي ليست بالإنجليزية هي من وضعي أنا.

(4) بالنسبة إلى أرند، يمثل بيريكلز ورؤاه الشكل المثالي للحياة السياسية: انظر أرند 1958، خصوصاً القسمين 27 و28. وتنبئ وجهة نظر أرند بتقييم شيلدون وولين عن الإمبريالية الأثينية (1996: 63-90، خصوصاً 77-78؛ انظر أيضلً تعليقات المؤلفين على مكانة وولين، 7-8). ولمثال واضح أيضاً، انظر تعليقات ألفرد زيمرمان (الذي لم يصبح بروفيسور ليبرالي مشهور للعلاقات الدولية فقط، بل اصبح شخصية بارزة في عصبة الأمم، ولاحقاً في تأسيس الأمم المتحدة) في كتابه الكلاسيكي Greek Commonwealth (1961: 194-195 – يؤيده اقتباس من رسالة خاصة من أرنولد ج. توينبي): “لم يكن بمقدور الأثينيين التراجع بالقدر الذي يشعر به معظم الإنجليز انهم سيغادرون الهند. لقد استيقظت أثينا لتجد نفسها إمبراطورية، وكانت مصممة على ممارسة الدور”. و”لا يزال العالم يبارك لها بما فعلته بها”. إذ “ربما ذلك ما يجعل نصف القرن القصير أعظم الأوقات وأسعدها في التاريخ المعروف”. فالأثينيون “كانوا يعلمون أن عملهم على صواب، وبأنه كان مبني على أسس سليمة، وأن الأجيال القادمة ستفهمها”. وكان بإمكان المدافعين عن إمبراطورية ديمقراطية كهذه أن يقولوا بحق: “إم مجتمعنا واتصالنا هو أفضل ما يمكن لبشر أن يمنحه. فكون المرء ضمن نفوذنا لا يعني تبعية، ولكن امتيازاً. ولا يمكن لكل ثروات الشرق أن تضاهي الثروات التي نغدقها. لذا فبإمكاننا أن نعمل فرحين، وأن نستخدم الموارد والأموال التي تتدفق إلينا، موقنين، مهما حاولوا، أننا نحن الدائنون”.

(5) “الرسالة الأولى حول سلام مقتل الملك” (1839: 398-403)؛ “رؤوس أقلام حول الوضع الحالي للأوضاع في تشرين الثاني/ نوفمبر 1972” (المصدر نفسه 65-66)؛ “تعليقات حول سياسة الحلفاء بخصوص فرنسا” (المصدر نفسه: 102-103، 114-118)؛ رسالة إلى وزير الخارجية اللورد غرينفايل، 18 آب/ أغسطس 1792 (1958-1978: 176-177). انظر النقاش المفيد لاقتباسات بورك وتعليقاته على مقالة فاتيل “قانون الأمم” (Law of Nations) (استنسخت في 1839: 132-141) في اللغة الويلزية، 1995: 84-85، 127-128، 131-133، 137).

(6) فرانكلين، 1959-: 21.560؛ انظر أيضاً 21.499 (“كندا: لا يمكننا تحمل الاستبدادية ضد أي من رعايانا. يجب أن نكون جميعاً أحراراً أو لا نكون”.)؛ و21.367، 382، 522، وكذلك رسالة جيمس بودوين إلى فرانكلين في 6 أيلول/ سبتمبر 1774 (المصدر نفسه: 21.283)

(7) “حقوق الإنسان” (The rights of Man)، الجزء الثاني، المقدمة. انظر أيضاً تعليقات فرانكلين في رسالته إلى لجنة المراسلات السرية، 12 آذار/ مارس 1777 (1959-: 23.473)، وإلى صامويل كوبر في 1 أيار/ مايو 1777 (المصدر نفسه: 24: 6-7).

(8) “العقد الاجتماعي”(Social Contract) 1.4؛ “خطاب حول أصول اللامساواة” في 1959-1995: 3.178-3.179؛ “مشروع دستور لكورسيكا”، في المصدر نفسه: 3.903؛ “إميل”: في المصدر نفسه: 4.848؛ “اعتبارات حول الحكومة البولندية”، في المصدر نفسه: 3.1013- 3.1014؛ “مقتطفات من مشروع السلام الدائم للآب القديس بيار”، في المصدر نفسه:3.564، 568-574، 584، 587-588؛ “رأي حول السلام الدائم” في المصدر نفسه: 3.593-3.595؛ انظر أيضاً “حالة الحرب تولد من الحالة الاجتماعية” (شذرة غير منشورة، تعرف عادة بـ “حالة الحرب”)، في المصدر نفسه: 3.601-3.612؛ “شذرات حول الحرب” (غير منشور)، الرقم 3، في المصدر نفسه: 3.614؛ “الحرب وحالة الحرب” (شذرة غير منشورة، في المصدر نفسه: 3.1899-3.1904. يمكننا الإشارة كذلك إلى أن مونتسكيو عبّر عن مخاوف كبيرة إزاء الميل إلى سباق التسلح الناشئ بين الأمم الأوروبية التجارية الأوروبية: “روح القوانين”، 13.17.

(9) انظر قرارات المؤتمر الفرنسي المنعقد في 15 و19 تشرين الثاني/ نوفمبر 1792، والتي أعلنت المساعدة العسكرية لكل شعب يرغب في نيل حريته، والتي أعلنت كذلك أن الأمة الفرنسية ستعامل كـ “عدو” أي ” أشخاص يرفضون أو يتخلون عن الحرية أو المساواة رغبة في المحافظة على ألقابهم الأميرية وامتيازاتهم – أو حتى أولئك الذين يتحالفون معهم”، كما ورد ونوقش في الأوراق “الهادئة” الثانية لهاميلتون (1961-1987: 15.59-15.61).

(10) من أجل عرض مؤثر لهذه القضايا، انظر بحثي هاميلتون “الأميركيتان” (1794)، خصوصاً بداية البحث الأول، والمقالتين الأوليين من مقالاته “Camillus” (تموز/ يوليو 1795)، فضلاً عن بحثه “Pacificus” (الأوراق الهادئة) الثاني (تموز/ يوليو 1793) – 1961-1987: 15.55-15.61، 669-678؛ 16.12-16.19؛ 18.479-18.489، 493-501. قارن برسالة جيفرسون إلى وليام شورت المؤرخة 3 كانون الثاني/ يناير (1984: 1003-1006)، حيث يقول في المراحل لحكم اليعقوبيين: “في الصراع الذي كان ضرورياً، هوى العديد من المذنبين من دون اي شكل من اشكال المحاكمة، وسقط معهم بعض الأبرياء. وأنا أندد بذلك أشد التنديد كما يمكن أن يفعله أي شخص آخر… لقد تأثرت مشاعر الود لدي بسقوط بعض الشهداء لهذه القضية، ولكني لا أمانع لو فنى نصف الأرض على أن أراها تفشل. فلو بقي في كل بلد آدم وحواء، وكانا حرين، لكان العالم أفضل مما هو عليه اليوم”.

(11) “السلام الدائم” في 1902: 8.343-8.347، 349-351، n376، وفضلاً عن ذلك كله 368، 381، 386؛ “المبادئ الميتافيزيقية للحق” (Metaphysical Principles of Right) في المصدر نفسه: 6.344، 350-351، 354-355؛ “التاريخ العالمي بالقصد الكوسموبوليتاني” الفرضية السابعة والثامنة؛ “النظرية والعمل” في المصدر نفسه: 8.310-8.313؛ “القضية القديمة تتجدد” في المصدر نفسه: 7.85-7.86، 91-92.

 

error: المحتوى محمي