أخبرها الحقيقة – إليان جلاسر / ترجمة: هنادي الجريفاني

أخبرها الحقيقة – إليان جلاسر / ترجمة: هنادي الجريفاني


منحتني حصص المؤسسة الائتمانية الوطنية للولادة (National Childbirth Trust/NCT) الانطباع بأن الولادة في بريطانيا مُهَيمن عليها من قبل أطباء يدسّون مسكّنات الآلام على النساء رغم حدسهن السليم بعدم حاجتهن إليها، مؤديةً إلى ” سلسلة من التدخلات” التي قد تكون ضارة على الطفل. ولكن حين أتاني المخاض ووصلتُ المستشفى في ليلةٍ متأخرة من يوم الأحد في حالة من الألم الشديد أخبرتني القابلة بأن أذهب إلى البيت وأعود إليهم مجددا حين “يتحقق” المخاض. لم يكن هناك أطباء في الجوار. حين عدت مجددا، كان من الجلي بأن أمرا ما ليس على ما يرام، أصبح الأطباء فجأة في كل مكان. كان الأطباء مسئولين عن علاج آلام المخاض إلا أنهم لم يكونوا متواجدين لحقنه للنساء ذوات الحالات الأسهل من حالتي. عوضا عنه، كانت القابلات حريصات على أن يلدن النساء “طبيعيا”، دون تسكين للألم. كانت رسالتهن تلك معززة في الإعلام: ” إحدى عشرة ساعة من المخاض كلها طبيعية ” مضى هذا كعنوان رئيسي لصحيفة الديلي ميل (Daily Mail) بعد وصول الأمير جورج ,ذكرت الديلي نفس الاستراتيجية إبان ولادة الأميرة شارلوت” لا عقاقير إلا للضرورة القصوى”. ولكن لِمَ على النساء أن يختبرن الألم في حين أن المخاطر الطبية لمسكنات الألم والتخدير الموضعي لا تُذكر (القيصرية في حد ذاتها، ككل العمليات، ألا تحمل بعضا من المخاطر؟)

كما توحي عبارة ” أنيقة جدا على الولادة”، بأن النساء-النساء الثريات خاصة-يتم إشعارهن بأنهن فاشلات إذا ما حصلن على التخدير الموضعي أو العملية القيصرية، أي أن ما بين السطور هو: تعليمك أو وضعك المهني لن يساعدك الآن، تقبّلي دورك الجديد كخادمة لطفلك، اشعري بالألم، انضجي كالحيوان الفطري الذي هو أنتِ حقيقة. إن النساء اللاتي ‘يقمن’ بحصص المؤسسة الائتمانية الوطنية للولادة هنّ في الغالب من الطبقة المتوسطة، لكن يتمّ تشجيعهن عبر نوادر وفيديوهات للتصديق بأن النموذج الذي بجب أن يُحاكى هو ذلك الذي لنسوة من الطبقة العاملة أو ذوات أصول “عرقية”، واللاتي من المفترض أنهن يلدن بسهولة أكبر، كأن يسترحن من دعك الأرض ليزحلقن طفلا كما تتزحلق قطعة صابون.

في أعقاب الخسائر البشرية الثقيلة في الحرب العالمية الأولى والثانية، أطلقت العديد من البلدان حملات لإنعاش معدل الولادة فيها.  في الغرب، كانوا مختصين في تحسين النسل بشكل صريح: متوجهين للنساء ذوات ‘النوعية الأفضل’. السؤال الواضح هنا هو لماذا بدا إعطاء النساء أدوية تمكّنهن من خوض تجربة ولادة خالية من الألم فكرة سيئة؟, كانت الأدوية في حالة الاتحاد السوفيتي باهظة للغاية. أما في المملكة المتحدة البريطانية وأمريكا كانت العقاقير ذات المفعول السريع محل امتعاض (وهذا ما يكمن خلف نبرة المؤسسة الائتمانية الوطنية للولادة التأديبية والأخلاقية). كانت الحركة الأمريكية مُقادة من قبل منظمة تدعى لامازي، هي الآن شركة عالمية. الشيء العجيب هو ما وثّقته باولا مايكلز في كتابها المذهل، ذلك أن هوس لامالزي الذي عبق به التصميم الذاتي الأمريكي، قد نشأ عن طريق تقنيات تحكّم بالذهن طُوّرت في الاتحاد السوفيتي.

في 1904، حققت الاستجابة الشرطية (Conditioned Reflex) لإيفان بافلوف جائزة نوبل. في العقود التالية، استخدم أطباء السوفييت تلك الفكرة لتدريب النساء على الاسترخاء خلال الطلق وممارسة أنماط تنفّس اعتقدوا بأنه يمكن أن تتدخل في نقل إشارات الألم إلى الدماغ. اعتقد المدافعون عن التأهيل النفسي (Psychoprophylaxis)، -كما كانت تسمى هذه التقنية-بأن الحكايات التي انتقلت من الأم لابنتها- أي الحِكم الشعبية والأدبيات الدموية الخدّاعة عن الولادة كما في رواية الحرب والسلام-قد أنتجت وهماً ثقافياً قوياً لشيء معاصر لبافلوف أطلق عليه ‘الاستجابة الجمعية’ (Collective Reflex). هَدَف هؤلاء الأطباء إلى ‘إعادة تثقيف وتشكيل السلوك الذهني’، كما يضعها أناتولي نيكولايف ” إذا كان هناك رأس مسئول عن آلام المخاض بأي حال من الأحوال، فإنه ليس رأس الجنين بل رأس الأم “. في عام 1951، فرضت السلطات السوفيتية أن تستخدم هذه الطريقة في كل وحدات الولادة في الاتحاد السوفيتي.

قدم نيكولاييف في يونيو من ذلك العام محاضرة عن التأهيل النفسي في باريس، كان من بين الحضور فرناندو لامازي، طبيب ولادة يدير وحدة في نفس التخصص بعيادة لأعضاء من اتحاد عمال المعادن. انضم لامازي المُلهَم إلى وفد من الأطباء في جولة حول الاتحاد السوفيتي تهدف إلى استعراض تطورات الطب السوفييتي. فيما يخص جانبه من الرحلة، كان على لامازي أن يستجدي مرشديه ليسمحوا له بأن يشهد ولادة ورقوا له قبل يومين من مغادرته لباريس. زار عيادة نيكولاييف في لينينغراد، وهلّت دموعه فرحا لرؤية ناسخة تبلغ من العمر 35 عاما تلد طفلتها البكر ‘دون ألم وببهجة…لم يكن هناك ذرة معاناة في عينيها، ولا صرخة، لم تتصفّد نقطة عرق على جبينها، ولا حتى تكشيرة واحدة على محياها’.

هناك اعتبارات استثنائية لولادة خالية من الألم، تجمع الاحتفال بمعجزة نادرة مع عادة قديمة غير ملحوظة لكل النساء، من شريعة حركة الولادة الطبيعية. في حكاية قديمة، مروية عن طريق طبيب فرنسي من القرن 17 غيوم مابكيست دو لا موت، عن امرأة ‘أرادت أن تنادي على أحد جاراتها عبر النافذة حين فوجئت بألآم المخاض في أحد الأيام إلا أنها وضعت الطفل وسقط على الأرض هناك، استغرقت تلك الحادثة ثانية…دون أن تعاني الأم والطفل أي ازعاج.’

أخذ تأسيس القصص عن حركة الولادة الطبيعية في بريطانيا محله في الطرف الشرقي من لندن. يحضر قرانتي دك ريد، طبيب ولادة وقابل تحت التدريب، ولادة امرأة من الطبقة العاملة، مضى كل شيء ‘دون ضجة أو ضوضاء’، وحين ظهر رأس الطفل، عرض دك-ريد على المرأة استخدام الكلوروفورم إلا أنها ردته. تقول في نهاية الأمر و بعد انتهاء كل شيء:’إن الأمر لم يؤلم، ليس من المفترض أن يكون مؤلما، أليس كذلك يا دكتور؟’. ردد دك-ريد هذه القصة طوال حياته لنساء- كنظيراتهن الروسيات- قد أُدخل لأدمغتهن بطريقة ما أن الولادة مؤلمة. ادعى بأن أصبح ألم النساء اللاتي حضرن دوراته التدريبية ‘لا يكاد يذكر فيما يقارب 95% من الولادات الطبيعية’. في الحقيقة ‘لولادة مثالية، التخدير لا داعي له حيث لا وجود للألم.’ كتبت له أم ‘لقد كنت أنت محظوظا بشكل رائع في عثورك على كل النساء “الحيوانيات” في حملهن،’ ‘المرأة “الحيوانية” هي تلك التي تلد طفلها أثناء طهي عشاء-في حافلة-إلخ دون ألم.’

ومع ذلك، فإن العديد من النساء رحّبن بالتشجيع والاستقلالية الإرشادية لطريقة الموفرة من قبل دك-ريد. والتي وإن لم تمنعهن من الشعور بالألم إلا أنه وبسبب سلطة دك ريد وكرزمته دعمت أن يبقين النساء تعبيرهن عنه للحد الأدنى. قال أحد أطباء الولادة’ لم تكن المريضات يتوجّعن كي يرضينه.’ في عام 1957, أُصدر ألبوم صوتي يقدم دك-ريد مترأّسا ولادةً طبيعية، والذي لا يزال متوفرا على قرص مدمج، عليك أن ترفع الصوت لتسمع تأّوهات المرأة المكتومة.

انحسرت في الاتحاد السوفيتي شعبية التأهيل النفسي بشكل سريع جزئيا بسبب الشكوك حول فعاليتها. لكن حَظِي لامازي بنجاح معتبر في دعم تلك الطريقة في فرنسا، حيث ترددت صداها مع جدل قائم حول الازدواجية الديكارتية، كما أصبحت ساحة معركة لأيديولوجيات سياسية. كما اُستثير حماس اليساريين الفرنسيون للتقنية لرفضهم  للاستهلاكية الأنجلو-أمريكية وحيث أن هذا النوع من التحكم بالألم متاح لجميع النساء وليس فقط لمن يتحملن تكلفته.

في عام 1958م، استمتعت مارجوري كارمل، ممثلة أمريكية سابقة، بولادة وجدانية في عيادة لامازي في باريس وكتبت كتابا عنها أسمته (شكرا دكتور لامازي) مما جعل لاسم لامازي صيتا في الولايات المتحدة. قالت إحدى الأمهات:إن تلك الطريقة قد قبضت على روح المغامرة في باريس في الخمسينيات؛ ‘كانت مثيرة لذكريات عصرها، أي كما يقولون، على الدرب.’ولكن في مرورها من الأطلسي، كان على طريقة لامازي أن تتطّهر من ارتباطها بالاتحاد السوفيتي. وفي منتصف الستينيات، لم يعد يذكر بافلوف على رأس ورق الرسمي للجمعية الأمريكية للتأهيل النفسي في الولادة (ما تعرف في الحاضر بلامازي العالمية)، نازعين ارتباطه، كما ذكرت مايكلز، ليس من الاتحاد السوفييتي فحسب بل من لعاب الكلاب أيضا.

استشاط دك-ريد من التشابه بين توجهه والتأهيل النفسي، مصرّا على أنه كان السبّاق لذلك (نشر كتابه “إفشاء الولادة” الأكثر مبيعا سنة 1942)، وشاجبا لامازي بأنها هتر شيوعي، كاتبا بازدراء أنها نتاج’ التلقين الأيديولوجي الذي حصل عليها في موسكو وليننغرد.’

تغلغلت الأفكار المتضاربة عن التحكم بالوعي والغريزة الحيوانية في تاريخ الولادة الطبيعية.وتبنّت الأطراف المتعاكسة في حرب أيديولوجية فكرة الطبيعة النفسية للألم والمستمدة من تجارب الحيوانات وتطبيقها في تقنية تدريب إدراكي مصمم لتشجيع النساء ليصبحن كالحيوانات أكثر. على الرغم من أن دك-ريد أشاد بسهولة الولادة الطبيعية لنساء القبائل والطبقة العاملة، إلا أن مفهومه كان تكاثرا “متحضرا”. ومع ذلك، استهجن سعي النساء خلف الوظيفة: كتب عن الأمومة ما بعد الحرب العالمية (1944) بأن ‘ يكمن التحرر الحقيقي للمرأة في استيفاء غاياتها البيولوجية’.

أكد لامازي على فضائل الاستعداد: لأن ذلك ما جعل البشر متفوقين على الثدييات. لكنه لم يؤمن بإعطاء النساء مسكن للألم يسمح لهن بالبقاء واعيات دون وجع. ‘كنت سأفضل تخديرا موضعيا’ ، كما وضعتها إحدى أمهات لامازي، ‘لأني لم أختر أن أكون مازوشية’. لكن من أجل أن تكون الولادة فطرية، عليها أن تُعلم. كما كتب طبيب مشكك بطريقة دك-ريدر: ‘ هل يتطلب الإنجاب تدريبا خاصا كي يكون طبيعيا؟’

 بدا أحيانا وكأن دك-ريدر يعتقد بأن الألم أثناء الولادة أمر جيد. نصح في مقالة لمجلة (Sunday Pictorial) الأطباء بتذكير النساء بأن ‘الولادة هي أول دروس الطبيعة الشاقة في أعظم ذخيرتين للأمومة الجيدة. سيرتبط معنى الأطفال دائما بالعمل الشاق وضبط النفس. أخبرها الحقيقة: الأمومة ليست ممتعة وليست هواية.’ إن هذا الطرح لهو منظور مستمر، قالت بليندا فيبس في عام 2008، ومن ثم الرئيس التنفيذي للمؤسسة الائتمانية الوطنية للولادة:’إذا قمنا بتفريخ الأطفال كما البيض دون انتباه منا، ماذا سيقوله هذا عن المسؤوليات التي سنحملها خلال السنوات العشرين القادمة؟ تجعل الولادة منكن أمهات وراعيات لمدة طويلة جدا.’

في الستينيات والسبعينيات، مهّد الإذعان الموجه من قبل الأطباء الطريق إلى نسخة من الأمومة الطبيعية، تم التهليل لأنماط مختلفة من التنفس والذي لا يعني بالضرورة أن لها أي تأثير على الولادة. كتبت ناشطة الولادة البريطانية شيلا كتزانجر في عام 1977، بأنها حينما حاضرت في كلا الجهتين من الأطلسي غالبا ما كان يسألها الطلبة عما إذا كانت تشجع ” هوف وبوف “، ” الارتخاء والنفخ”، “تنفس التشو تشو”، ” التنهد”، ” مستويات أ ب ج د”، ” هاء زفير، هاء زفير، هوو هوو”، “سسس سسس”، ” النقر في النبرة” أو أيا كان. لا أعلم ما إذا كانت الأمهات حائرات بالقدر الذي كنته. بالتأكيد مال كل ذلك لأن يكون صاخبا جدا. باتت لامازي جزءاً من العصرية والآلية. احتضنت النسويات الأمريكيات التحضير قبل الولادة ليس بنيّة القضاء على الألم بل ‘تحملّه’. تكتب مايكلز ‘ إن التجاسر على الألم ضمن النساء البيض المتعلمات من الطبقة المتوسطة في الولايات المتحدة، رفع رفض الاستكانة إلى العقاقير إلى ما يشبه النسك المذهبي.’ في ولادة بلا ألم الصادر سنة 1970، سجل لامازي شهادة إحدى المناصرات: ‘ حين يقول لي الأصدقاء، “حسنا، ألم تشعري بشيء؟” أرد، ‘ على العكس تماما، شعرت بكل شيء وذلك هو الجزء الرائع فيه”.’

كتبت إحدى الأمهات لمجلة مس (Ms) في عام 1978 لتقول إنها قد ضاقت ذرعا ‘من ندب إرهاب التقنية مقابل البهجة بطريقة الأمومة الطبيعية. أفضّل أن أُطرح على طاولة معدنية يعتني بها الأطباء والماكينات على أن ألِد طفلا ميتا أو معاقا في سرير مريح من أربعة مقاعد وسقف.’ على العموم، تم اعتبار الولادة الطبيعية ‘نسوي التمركز’ و ‘تمكيني’وتم إدراجه في بريطانيا -بشكل هجين إلى حد ما-في مجرى الطب الرئيسي. إلى جانب ممرات الولادة ، يقع ‘مركز الولادة’، حيث يمكن أن تلدي طفلك في بركة أثناء سماعك الموسيقى او استنشاق الزيوت العطرية، ولكن لا يمكنك الحصول على تخدير موضعي. ذلك هو نوع الولادة اللاتي يقترحنه معظم القابلات على النساء ذوات الحمل القليل المخاطر. إذا ما حدثت ‘تدخلات’ طبية غير ضرورية في هذا البلد، فلأنه  من المرجح أن يكون ذلك غالبا نتيجة نقص في الموظفين والموارد عوضا عن أطباء ولادة مبالغين في حماستهم. حيث اكتشفت بأنهم لا يظهرون حتى يحدث شيء سيء.

حقيقة أن نموذج التحضير للولادة في بريطانيا والاتحاد السوفيتي وفرنسا والولايات المتحدة قد انبثق متطابق تقريبا، كما يشير مايكلز، يجعل من الواضح بأن هذه الممارسات قد حُددت من قِبل سلوكيات سائدة. ولكن إذا كان دور المرأة الفرد في اتخاذ القرارات حول ولادة طفلها مبالغ فيه، إذن ما تم منحه الفردانية بدقة هو تحميلها مسؤولية ما يحصل. كما يضعها لامازي:’ يجب أن تتشبع المرأة بفكرة أنها هي المسؤولة أساسا عن نجاح وفشل ولادتها. ‘ وبهذا اكتمل الانتقال إلى ثقافة رأسمالية.

 

 

المقال الأصل

 

error: المحتوى محمي